في الصَّحيحينِ (^١): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "لا عدوى ولا هامةَ ولا صَفَرَ". فقالَ أعرابيٌّ: يا رسولَ اللهِ! فما بالُ الإبلِ تَكونُ في الرَّملِ كأنَّها الظِّباءُ فيُخالِطُها البعيرُ الأجربُ فيُجْرِبُها؟ فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "فمَن أعْدى الأوَّلَ؟ ".
• أمَّا العدوى؛ فمعناها أن المرضَ يَتَعَدَّى مِن صاحبِهِ إلى مَن يُقارِبُهُ مِن الأصحَّاءِ فيَمْرَضُ بذلكَ. وكانَتِ العربُ تَعْتَقِدُ ذلكَ في أمراضٍ كثيرةٍ منها الجربُ، ولذلكَ سَألَ الأعرابيُّ عن الإبلِ الصَّحيحةِ يُخالِطُها البعيرُ الأجربُ فتَجْرَبُ، فقالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "فمَن أعْدى الأوَّلَ؟ "، ومرادُهُ أن الأوَّلَ لمْ يَجْرَبْ بالعدوى بل بقضاءِ اللهِ وقدرِهِ فكذلكَ الثَّاني وما بعدَهُ (^٢).
* وقد وَرَدَتْ أحاديثُ أشْكَلَ على كثيرٍ مِن النَّاسِ فهمُها حتَّى ظَنَّ بعضُهُم أنَّها ناسخةٌ لقولِهِ: "لا عدوى":
مثلُ ما في الصَّحيحينِ (^٣): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "لا يُورِدُ ممرِضٌ على مصحٍّ". والممرِضُ: صاحبُ الإبلِ المريضةِ، والمُصِحُّ: صاحبُ الإبلِ الصَّحيحةِ. والمرادُ النَّهيُ عن إيرادِ الإبلِ المريضةِ على الصَّحيحةِ.
ومثلُ قولِهِ - ﷺ -: "فِرَّ مِن المجذومِ فرارَكَ مِن الأسدِ" (^٤).
_________________
(١) البخاري (٧٦ - الطب، ٢٥ - لا صفر، ١٠/ ١٧١/ ٥٧١٧)، ومسلم (٣٩ - السلام، ٣٣ - لا عدوى ولا طيرة، ٤/ ١٧٤٢/ ٢٢٢٠).
(٢) فيه نظر؛ لأنّ إثبات العدوى لا يقتضي بالضرورة إنكار القدر، بل أغلب المثبتين للعدوى اليوم يقرّون بأنّ الله خلق السبب والمسبّب وساق العدوى وقدّر المرض من جرّائها. وسيأتي تفصيل هذا قريبًا.
(٣) البخاري (٧٦ - الطبّ، ٥٣ - لا هامة، ١٠/ ٢٤١/ ٥٧٧١)، ومسلم (قبله، ٤/ ١٧٤٣/ ٢٢٢١).
(٤) (صحيح). علّقه البخاري (١٦ - الطبّ، ١٩ - الجذام، ١٠/ ١٥٨/ ٥٧٠٧): قال عفّان، ثنا سليم =
[ ١٦٧ ]
وقولِهِ - ﷺ - في الطَّاعونِ: "إذا سَمِعْتُمْ بهِ بأرضٍ؛ فَلا تَدْخُلوها" (^١).
ودخولُ النَّسخِ في هذا كما تَخَيَّلَهُ بعضُهُم لا معنى لهُ؛ فإنَّ قولَهُ "لا عدوى" خبرٌ محضٌ لا يُمْكِنُ نسخُهُ؛ إلَّا أنْ يُقالَ: هوَ نهيٌ عن اعتقادِ العدوى لا نفيٌ لها. ولكنْ يُمْكِنُ أنْ يَكونَ ناسخًا للنَّهيِ في هذهِ الأحاديثِ الثَّلاثةِ وما في معناها (^٢).
والصَّحيحُ الذي عليه جمهورُ العلماءِ أنَّهُ لا نسخَ في ذلكَ، ولكنِ اخْتَلَفوا في معنى قولِهِ "لا عدوى"، وأظْهَرُ ما قيلَ في ذلكَ أنَّهُ نفيٌ لِما كانَ يَعْتَقِدُهُ أهلُ الجاهليَّةِ مِن أن هذهِ الأمراضَ تُعْدي بطبعِها مِن غيرِ اعتقادِ تقديرِ اللهِ ﷿ لذلكَ، ويَدُلُّ على هذا قولُهُ "فمَن أعْدى والأوَّلَ"؛ يُشيرُ إلى أن الأوَّلَ إنَّما جَرِبَ بقضاءِ اللهِ وقدرِهِ فكذلكَ الثَّاني وما بعدَهُ (^٣).
_________________
(١) = بن حيّان، ثني سعيد بن ميناء، سمعت أبا هريرة … رفعه. قال العسقلاني: "عفّان هو ابن مسلم الصفّار، وهو من شيوخ البخاري … وعلى طريقة ابن الصلاح يكون موصولًا". قال العسقلاني: "وقد وصله أبو نعيم من طريق أبي داوود الطيالسي وأبي قتيبة مسلم بن قتيبة كلاهما عن سليم بن حيّان شيخ عفّان فيه، وأخرجه أيضًا من طريق عمرو بن مرزوق لكن موقوفًا … وقد وصله ابن خزيمة أيضًا". قلت: أبو داوود وسليم ثقتان، والسند صحيح موصولًا، ولا يضرّه الوقف؛ لأنّ الرفع زيادة ثقة.
(٢) رواه: البخاري (٧٦ - الطبّ، ٣٠ - ما يذكر في الطاعون، ١٠/ ١٧٨/ ٥٧٢٨)، ومسلم (٣٩ - السلام، ٣٢ - الطاعون، ٤/ ١٧٣٧/ ٢٢١٨)؛ من حديث سعد وغيره.
(٣) يعني: يمكن أن يكون ناسخًا لمفهوم هذه الأحاديث المتقدّمة ودلالتها على ثبوت العدوى.
(٤) مسألة العدوى بين السنّة النبويّة والطبّ الحديث باب واسع جدًّا لا تصلح حواشي هذا الكتاب للتفصيل فيه، ولكنّي لن أخليها من فكرة مختصرة عنها: * أوّلًا: يرى الأطبّاء المعاصرون: [١] أنّ العدوى أمر صحيح ثابت في بعض الأمراض لا فيها جميعًا. [٢] أنّ انتقال العامل الممرض من زيد إلى عمرو لا يعني أنّ عمرًا سيصاب بالمرض يقينًا، بل ها هنا عوامل عدّة داخليّة وخارجيّة تساعد على ظهور المرض أو تقاومه، وحصول المرض يعتمد على محصّلة هذه العوامل. [٣] أنّ إصابة زيد بالمرض ثمّ إصابة عمرو به بعد ملابسة زيد لا يعني بالضرورة أنّ زيدًا أعدى عمرًا، بل من الممكن جدًّا أن يكون العكس صحيحًا. فهذه قضايا صحيحة وثابتة لا يختلف فيها طبيبان. * ثانيًا: أرسى النبيّ - ﷺ - مسألة العدوى الطبّيّة والحجر الصحّيّ في قوله: "لا يورد ممرض على مصحّ"، وقوله: "فرّ من المجذوم فرارك من الأسد"، وقوله: "إذا وقع الطاعون بأرض فلا تفرّوا … ". فهذه نصوص ثلاثة غاية في الوضوح لا ينبغي أن نتغافل عن مدلولاتها إطلاقًا. * ثالثًا: وكذلك فقد صحّ عنه - ﷺ - من أوجه قوله: "لا عدوى"، جاء هذا بأصحّ الأسانيد عن جماعة من الصحابة يحيل العقل تخطئتهم فيما نقلوه.
[ ١٦٨ ]
وخَرَّجَ الإمامُ أحْمَدُ والتِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ: ابن مَسْعودٍ؛ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "لا يُعْدي شيءٌ شيئًا (قالَها ثلاثًا) ". فقالَ أعرابيٌّ: يا رسولُ اللهِ! النُّقْيَةُ مِن الجربِ تَكونُ بمشفرِ البعيرِ أو بذنبِهِ في الإبلِ العظيمةِ، فتَجْرَبُ كلُّها. فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "فما أجْرَبَ الأوَّلَ؟ لا عدوى ولا هامَةَ ولا صَفَرَ، خَلَقَ اللهُ كلَّ نفسٍ وكَتَبَ حياتَها ومصابَها ورزقَها" (^١). فأخْبَرَ أن ذلكَ كلَّهُ بقضاءِ اللهِ وقدرِهِ كما دَلَّ عليهِ قولُهُ تَعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾
_________________
(١) = * رابعًا: لأهل العلم أقوال كثيرة في التوفيق بين هذه النصوص التي ظاهرها التناقض، ولا يخلو أغلبها من نظر يحول دون الأخذ به، وأولاها بالصواب فيما أرى: [١] ما اختاره ابن القيّم في "مفتاح دار السعادة" من حمل إثباته - ﷺ - للعدوى على أنّها جزء سبب وحمل نفيه لها على أنّها سبب تام، فهذا أكثر الأقوال تطابقًا مع معطيات الطبّ المعاصر. [٢] أن يكون محلّ نفي العدوى القلب ومحلّ إثباتها البدن، ففي ذلك نهي للمريض عن اعتقاد أنّ فلانًا هو الذي نقل إليه العدوى، وهذا أيضًا يتطابق مع معطيات الطبّ المعاصر؛ لأنّ جزم المريض بأنّ فلانًا بالذات هو الذي أعداه غير مقبول علميًّا في كثير من الأحوال. [٣] أن يكون محلّ نفي العدوى في العلاقات بين المسلمين، فلا ينبغي لأحد أن يتّهم فلانًا من الناس بأنّه سبب مرضه وأصل عدواه؛ لأنّه اتّهام لا يستند إلى أصل علميّ. [٤] أن يكون محلّ نفي العدوى أن يطالب فلانًا من الناس بتعويض ما أصابه أو أصاب دوابّه من المرض للسبب السابق نفسه. [٥] ولا يبعد أن تكون هذه الأمور جميعًا صحيحة ومقصودة بنفي العدوى. والله أعلى وأعلم.
(٢) (صحيح). رواه أبو زرعة عمرو بن جرير واختلف عليه فيه على وجهين: روى أوّلهما: أحمد (١/ ٤٤٠)، والترمذي (٢٣ - القدر، ٩ - لا عدوى ولا هامة، ٤/ ٤٥٠/ ٢١٤٣)، وأبو يعلى (٥١٨٢)، وابن أبي حاتم (٢٣١٣) معلّقًا، والطحاوي في "المعاني" (٤/ ٣٠٨)؛ من طريق عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، ثنا صاحب لنا، عن ابن مسعود … رفعه. وهذا سند ضعيف من أجل الرجل المبهم. وقد جاء عند الطحاوي أنّه رجل من أصحاب النبيّ - ﷺ - لكن تفرّد بذلك حسّان بن إبراهيم الكرماني، وقد تكلّموا في حفظه. وروى الثاني: أحمد (٢/ ٣٢٧)، وأبو يعلى (٦١١٢)، وابن أبي حاتم (٢٣١٣) معلّقًا، والطحاوي (٤/ ٣٠٨)، وابن حبّان (٦١١٩)، والطبراني في "الأوسط" (٦٧٦٢)، والخطيب في "التاريخ" (١١/ ١٦٨)، والبغوي في "السنّة" (٣٢٤٩)؛ من طريق ابن شبرمة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة … رفعه. وهذا سند قويّ رجاله ثقات. والطريقان إلى أبي زرعة قويّتان، ويبدو أنّ أبا زرعة سمعه على الوجهين، فإن كان لا بدّ من الترجيح؛ فالوجه الثاني أرجح؛ لأنّ ابن شبرمة أوثق ولأنّ عمارة تابعه عليه مرّة عند ابن حبّان (٦١١٨). وأمّا أبو حاتم فرجّح الوجه الأوّل وقال: "وهو أشبه بالصواب". ولا يخلو قوله هذا من نظر. والله أعلم. وللحديث طريق أُخرى عن أبي هريرة عند أبي الشيخ في "الطبقات" (٤/ ٤٨)، ولكن لا يفرح بها؛ ففيها عبيد الله بن أبي حميد متروك. فالمعوّل في تقوية هذا الحديث على طريق ابن شبرمة وهو صحيح به. وقد صحّحه ابن حبّان والألباني.
[ ١٦٩ ]
[الحديد: ٢٢].
فأمَّا نهيُهُ - ﷺ - عن إيرادِ الممرِضِ على المصِحِّ، وأمرُهُ بالفرارِ مِن المجذومِ، ونهيُهُ عن الدُّخولِ إلى موضعِ الطَّاعونِ؛ فإنَّهُ مِن بابِ اجتنابِ الأسبابِ التي خَلَقَها اللهُ وجَعَلَها أسبابًا للهلاكِ أوِ الأذى. والعبدُ مأْمورٌ باتِّقاءِ أسبابِ البلاءِ إذا كانَ في عافيةٍ منها، فكما أنَّهُ يُؤْمَرُ أنْ لا يُلْقِيَ نفسَهُ في الماءِ أو في النَّارِ أو يَدْخُلَ تحتَ الهدمِ ونحوِهِ ممَّا جَرَتِ العادةُ (^١) بأنَّهُ يُهْلِكُ أو يُؤْذي؛ فكذلكَ اجتنابُ مقاربةِ المريضِ كالمجذومِ أوِ القدومِ على بلدِ الطَّاعونِ؛ فإنَّ هذهِ كلَّها أسبابٌ للمرضِ والتَّلفِ (^٢)؛ واللهُ تَعالى هوَ خالقُ الأسبابِ ومسبَّباتِها، لا خالقَ غيرُهُ ولا مقدِّرَ غيرُهُ.
* وقد رُوِيَ في حديثٍ مرسَلٍ خَرَّجَهُ أبو داوودَ في "مراسيلِهِ" (^٣): أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - مَرَّ بحائطٍ مائلٍ فأسْرَعَ وقالَ: "أخافُ موتَ الفَواتِ" (^٤). ورُوِيَ متَّصلًا، والمرسلُ أصحُّ.
_________________
(١) في خ ون: "ممّا جرت به العادة".
(٢) هذا إقرار بالعدوى بعد نفيها؛ هو يسمّي مقاربة المجذوم ودخول بلد الطاعون أسبابًا للمرض والتلف وغيره يسمّي هذه الأسباب عدوى! هذا يثبت المعنى وينفي الاسم، وذاك يثبت الاسم والمعنى!
(٣) هذا وهم منه يرحمه الله، فما هو عند أبي داوود في "المراسيل" بهذا اللفظ، وانظر ما بعده.
(٤) (ضعيف). وقد جاء معناه عن النبيّ - ﷺ - من أوجه: * فرواه: أحمد (٢/ ٣٥٦)، وأبو يعلى (٦٦١٢)، والعقيلي (١/ ٦١)، وابن عدي (١/ ٢٣١ و٢٣٢)، والبيهقي في "الشعب" (١٣٥٩)؛ من طريق إبراهيم بن الفضل (أو: ابن إسحاق)، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة … رفعه بهذا اللفظ. قال الهيثمي (٢/ ٣٢١): "إسناده ضعيف". قلت: إبراهيم متروك والسند ساقط. * وروى: ابن أبي شيبة (٢٦٦٣٢)، والبيهقي في "الشعب" (١٣٦١)؛ من طريق قويّة، عن يحيى بن أبي كثير: بلغني أنّه - ﷺ - كان إذا مرّ بهدف مائل أسرع المشي. وهذا مرسل أو معضل قويّ. * وروى أبو داوود في "المراسيل" (٤٧٧) من طريق قويّة، عن ابن شهاب؛ أنّه - ﷺ - مرّ بجدار مائل، فشمّر وأسرع وقال لأصحابه "أسرعوا". وهذا مرسل صحيح. * وروى: أحمد (٤/ ٢٠٤)، والبزّار (٧٨٢)؛ عن ابن لهيعة، ثنا أبو قبيل، عن مالك (أو: خالد) بن عبد الله، عن ابن عمرو؛ أنّه - ﷺ - استعاذ من موت الفجأة. وابن لهيعة ضعيف، وابن عبد الله مجهول. ورواه البيهقي في "الشعب" (١٣٦٠) من طريق إسحاق بن أبي فروة، عن موسى بن وردان، عن عبد الرحمن بن جبير، عن ابن عمرو … به. قال البيهقي: "إسناده ضعيف". قلت: ابن أبي فروة متروك. * وروى: الطبراني (٨/ ١٣٢/ ٧٦٠٢) من طريق عثمان بن عبد الرحمن، والطبراني (٨/ ١٣٢ / ٧٦٠٣) من طريق عمر بن موسى؛ كلاهما عن مكحول، عن أبي أُمامة: كان - ﷺ - يتعوّذ من موت الفجأة. قال الهيثمي (٢/ ٣٢١): "فيه عثمان بن عبد الرحمن القرشي متروك". قلت: وعمر بن موسى كذّاب.
[ ١٧٠ ]
وهذهِ الأسبابُ التي جَعَلَها اللهُ أسبابًا يَخْلُقُ المسبَّباتِ بها، كما دَلَّ عليهِ قولُهُ تَعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]. وقالَتْ طائفةٌ: إنَّهُ يَخْلُقُ المسبَّباتِ عندَها لا بِها (^١)!
وأمَّا إذا قَوِيَ التَّوكُّلُ على اللهِ والإيمانُ بقضائِهِ وقدرِهِ [فـ]ـقَوِيَتِ النَّفسُ على مباشرةِ بعضِ هذهِ الأسبابِ اعتمادًا على اللهِ ورجاءً منهُ ألَّا يَحْصُلَ بهِ ضررٌ؛ ففي هذهِ الحالِ تَجوزُ مباشرةُ ذلكَ، لا سيَّما إذا كانَ فيهِ مصلحةٌ عامَّةٌ أو خاصَّةٌ (^٢).
وعلى مثلِ هذا يُحْمَلُ الحديثُ الذي خَرَّجَهُ أبو داوودَ والتِّرْمِذِيُّ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - أخَذَ بيدِ مجذومٍ، فأدْخَلَها معَهُ في القصعةِ، ثمَّ قالَ: "كُلْ باسمِ اللهِ؛ ثقةً باللهِ وتوكُّلًا عليهِ" (^٣). وقد أخَذَ بهِ الإمامُ أحْمَدُ.
_________________
(١) = ونخلص من هذا إلى أنّ: مروره - ﷺ - بالجدار المائل مسرعًا جاء من طريقين مرسلين لا يرتقيان به إلى الحسن، وقوله - ﷺ - "أكره موت الفجأة" جاء من طريق ساقطة، واستعاذته - ﷺ - من موت الفجأة جاءت من طرق واهية لا يفيدها اجتماعها قوّة، فالمعنى كلّه بمختلف ألفاظه ضعيف لا يصحّ منه عن النبيّ - ﷺ - شيء، ولذلك قال أبو داوود: "وقد روي مسندًا وليس بشيء"، وضعّفه العقيلي وابن عدي والبيهقي والهيثمي.
(٢) هذه طريقة الأشاعرة والكلّابيّة ومن وافقهم، وقد استفرغ ابن القيّم وسعه في "مدارج السالكين" و"مفتاح دار السعادة" و"شفاء العليل" في تسفيه هذا القول وبيان تناقض أصحابه ومخالفتهم للعقل والنقل.
(٣) فيه نظر! لأنّه يخالف سنّة سيد المتوكّلين فعلًا وقولًا وسنّة أصحابه الكرام ومن تبعهم بإحسان، وما جاء عن الصحابة والتابعين بخلاف ذلك فأكثره لا يثبت، وما ثبت منه فإنّما جاء استجابة لظرف قاهر لا بدّ فيه من اختيار أيسر الضررين ودفع أشدّهما. والله أعلم.
(٤) (ضعيف). رواه: ابن أبي شيبة (٢٤٥٢٦)، وعبد بن حميد (١٠٩٢)، وابن ماجه (٣١ - الطبّ، ٤٤ - الجذام، ٢/ ١١٧٢/ ٣٥٤٢)، وأبو داوود (٢٢ - الطبّ، ٢٤ - الطيرة، ٢/ ٤١٣/ ٣٩٢٥)، والترمذي (٢٦ - الأطعمة، ١٩ - الأكل مع المجذوم، ٤/ ٢٦٦/ ١٨١٧)، وأبو يعلى (١٨٣٢)، والطحاوي في "المعاني" (٤/ ٣٠٩)، والعقيلي (٤/ ٢٤٢)، وابن حبّان (٦١٢٠)، وابن عديّ (٦/ ٢٤٠٤) معلّقًا، وابن السنّي في "اليوم والليلة" (٤٦٣)، وابن شاهين في "الناسخ والمنسوخ" (٥٤٢)، والحاكم (٤/ ١٣٦)، والبيهقي في "السنن" (٧/ ٢١٩) و"الشعب" (١٣٥٦)، وابن الجوزي في "العلل" (١٤٥٦)، والرافعي في "التدوين" (٢/ ٤٠٤)؛ من طريق يونس بن محمّد، عن المفضّل بن فضالة، عن حبيب بن الشهيد، عن محمّد بن المنكدر، عن جابر … رفعه. وهذا سند ضعيف له علّتان: أولاهما: ضعف المفضّل هذا. والأُخرى: أنّه خولف، قال الترمذي: "وقد روى شعبة هذا الحديث عن حبيب بن الشهيد عن ابن بريدة أنّ ابن عمر أخذ بيد المجذوم، وحديث شعبة أثبت عندي وأصحّ". قلت: ورواه ابن أبي شيبة (٢٤٥٢٣) عن يحيى، عن حبيب، عن ابن بريدة، موقوفًا على سلمان. فقد جمع المرفوع الضعف والمخالفة، وهذا حدّ النكارة.
[ ١٧١ ]
وقد رُوِيَ نحوُ ذلكَ عن عُمَرَ وابنِهِ عَبْدِ اللهِ وسَلْمانَ ﵃ (^١).
ونظيرُ ذلكَ ما رُوِيَ عن خالِدِ بن الوَليدِ ﵁ مِن أكلِ السُّمِّ.
ومنهُ مشيُ سَعْدِ بن أبي وَقَّاصٍ وأبي مُسْلِمٍ الخَوْلانِيِّ بالجيوشِ على متنِ البحرِ.
ومنهُ أمرُ عُمَرَ ﵁ لتَميمَ حيثُ خَرَجَتِ النَّارُ مِن الحَرَّةِ أنْ يَرُدَّها فدَخَلَ إليها في الغارِ التي خَرَجَتْ منهُ (^٢).
فهذا كلُّهُ لا يَصْلُحُ إلَّا لخواصَّ مِن النَّاسِ قَوِيَ إيمانُهُم باللهِ وقضائِهِ وقدرِهِ وتوكُّلُهُم عليهِ وثقتُهُم بهِ.
ونظيرُ ذلكَ دخولُ المفاوزِ بغيرِ زادٍ؛ فإنَّهُ يَجوزُ لمَن قَوِيَ يقينُهُ وتوكُّلُهُ خاصَّةً (^٣).
وقد نَصَّ عليهِ الإمامُ أحْمَدُ وإسْحاقُ وغيرُهُما مِن الأئمَّةِ.
وكذلكَ تركُ التَّكسُّبِ (^٤) والتَّطبُّبِ.
كلُّ ذلكَ يَجوزُ عندَ الإمامِ أحْمَدَ لمَن قَوِيَ توكُّلُهُ (^٥)؛ فإنَّ التَّوكُّلَ أعظمُ
_________________
(١) = على أنّ المفضّل توبع فرواه: الطحاوي (٤/ ٣١٠)، وابن عديّ (١/ ٢٨١، ٤/ ١٦٣٧)، وابن الجوزي في "العلل" (١٤٥٧)؛ من طريق عن إسماعيل بن مسلم المكّي، عن محمّد بن المنكدر (وعند الطحاوي: عن أبي الزبير)، عن جابر … رفعه. وهذا واهٍ من أجل إسماعيل؛ فإنّه واهٍ الحديث، وقد اضطرب فيه أيضًا. فالطريق الأولى منكرة الصواب فيها الوقف والثانية واهية فاجتماعهما لا يزحزح الحديث عن ضعفه، ولذلك ضعّفه الترمذي والعقيلي وابن عدي وابن الجوزي والمنذري والذهبي والعسقلاني والألباني.
(٢) تقدّم لك آنفًا بعض هذه المرويّات، وانظر في "مصنّف ابن أبي شيبة" (٢٤٥٢٣ - ٢٤٥٣٥) مزيدًا من هذا ومن خلافه أيضًا. ومن المعتمد في الطبّ المعاصر أنّ الجذام مرض معدٍ، ولكنّ عدواه لا تكون إلّا بالصلة المباشرة والمساكنة الطويلة للمجذوم. فإن أكل بعض الصحابة أو غيرهم مع مجذوم مرّة أو مرارًا فليس ها هنا بأس إطلاقًا. وأمّا النبيّ - ﷺ -؛ فلم يفعل؛ رحمة بالأُمّة وتنبيهًا بالأدنى إلى الأعلى.
(٣) أخبار يرويها أهل التاريخ غالبًا، ولا يسلم لها إسناد! والصحابة؛ فهم خواصّ الخواصّ وسادة المتوكّلين، ولكنّهم كانوا لا يقصّرون في الأسباب ما وجدوا إليها سبيلًا، ثمّ لا يبالون بعد ذلك بالمخاطر لقوّة توكّلهم، حتّى فتحوا بهذا الدين أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا.
(٤) هذا توكّل المخرّفين! ترك الصحابة الأخذ ببعض الأسباب عجزًا عنها لا تهاونًا بها ثمّ توكّلوا على الله في تحصيل العظائم وفتح البلدان، وهؤلاء يستفرغون توكّلهم في تحصيل رغيف ثمنه درهم وجرعة ماء! شتّان شتّان بين من توكّل على الله في نشر الإسلام ومن توكّل على جيوب الخلق وأموالهم.
(٥) وهذه والله أشدّ من التي قبلها وأنكى! والله المستعان.
(٦) كذا! والمشهود من حال الإمام غير هذا! كيف وقد قال للذي أراد الخروج للحجّ بغير زاد: قد توكّلت على أزواد الناس إذًا؟!.
[ ١٧٢ ]
الأسبابِ التي تُسْتَجْلَبُ بها المنافعُ ويُسْتَدْفَعُ بها المضارُّ، كما قالَ الفُضَيْلُ: لو عَلِمَ اللهُ منكَ إخراجَ المخلوقينَ مِن قلبِكَ؛ لأعْطاكَ كلَّ ما تُريدُ.
وبذلكَ فَسَّرَ الإمامُ أحْمَدُ التَّوكُّلَ، فقالَ: هوَ قطعُ الاستشرافِ باليأْسِ مِن المخلوقينَ. قيلَ لهُ: فما الحجَّةُ فيهِ؟ قالَ: قولُ إبْراهيمَ لمَّا أُلْقِيَ في النَّارِ، فعَرَضَ لهُ جبريلُ ﵇، فقالَ: ألكَ حاجةٌ؟ قالَ: أمَّا إليكَ؛ فلا (^١).
فلا يُشْرَعُ تركُ الأسبابِ الظَّاهرةِ إلَّا لمَن تَعَرَّضَ عنها بالسَّببِ الباطنِ، وهوَ تحقيقُ التَّوكُّلِ عليهِ (^٢)؛ فإنَّهُ أقوى مِن الأسبابِ الظَّاهرةِ لأهلِهِ وأنفعُ منها. فالتَّوكُّلُ علمٌ وعملٌ؛ فالعلمُ معرفةُ القلبِ بتوحيدِ اللهِ بالنَّفعِ والضُّرِّ، وعامَّةُ المؤمنينَ تَعْلَمُ ذلكَ (^٣). والعملُ هوَ ثقةُ القلبِ باللهِ وفراغُهُ مِن كلِّ ما سواهُ، وهذا عزيزٌ، ويَخْتَصُّ بهِ خواصُّ المؤمنينَ.
* والأسبابُ نوعانِ:
أحدُهُما: أسبابُ الخيرِ. فالمشروعُ أنَّهُ يَفْرَحُ بها ويَسْتَبْشِرُ ولا يَسْكُنُ إليها بل إلى خالقِها ومسبِّبِها، وذلكَ هوَ تحقيقُ التَّوكُّلِ على اللهِ والإيمانِ بهِ، كما قالَ تَعالى في الإمدادِ بالملائكةِ: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ١٠]. ومِن هذا البابِ الاستبشارُ بالفأْلِ، وهوَ الكلمةُ الصَّالحةُ يَسْمَعُها طالبُ الحاجةِ.
وأكثرُ النَّاسِ يَرْكَنُ بقلبِهِ إلى الأسبابِ ويَنْسى المسبِّبَ لها، وقَلَّ مَن فَعَلَ ذلكَ إلَّا
_________________
(١) هذا خبر إسرائيليّ تناقله بعض التابعين فمن بعدهم، قصاراه ألّا يصدّق ولا يكذّب.
(٢) قد أخذ النبيّ - ﷺ - بالأسباب الظاهرة وهو أعظم الخلق تحقيقًا للتوكّل والأسباب الباطنة: فظاهر في أحد بين درعين، وكان يدّخر لأهله قوت سنة … ثمّ اتّبع أصحابه وتابعوهم بإحسان سنّته فأخذوا بالأسباب الظاهرة … ثمّ نبتت قرون البدع، فقالا مخرّفو الصوفيّة: هذا شأن العامّة، وأمّا الخاصّة؛ فلهم أن يتركوا الأسباب الظاهرة - من التكسّب وحمل الزاد - والتعوّض عنها بالتوكّل! ثمّ أوغل ضلّالهم أكثر وأكثر فقالوا: لخاصّة الخاصّة أن يتركوا الأسباب الشرعيّة - كالصلاة والصوم والحجّ - والتعوّض عنها بالاتّصال مع الله - تعالى الله عن إفكهم - والوصول والمشاهدة والفناء في الذات الإلهيّة … والله المستعان على هذه الضلالات التي ما أنزل الله بها من سلطان.
(٣) في خ: "وعامّة المؤمنين يعلموا ذلك"! والصواب ما أثبتّه من م ون وط.
[ ١٧٣ ]
وُكِلَ إليها وخُذِلَ؛ فإنَّ جميعَ النِّعمِ مِن اللهِ وفضلِهِ: كما قالَ تَعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٩]، وقالَ تَعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]
لا نِلْتُ خَيْرًا ما بَقِيْـ … ـتُ وَلا عَداني الدَّهْرَ شَرُّ
إنْ كُنْتُ أعْلَمُ أن غَيْـ … ـرَ اللهِ يَنْفَعُ أوْ يَضُرُّ
ولا تُضافُ النِّعمُ إلى الأسبابِ، بل إلى مسبِّبِها ومقدِّرِها:
كما في الحديث الصَّحيحِ عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ أنَّهُ صَلَّى بهِمُ الصُّبحَ في إثرِ سماءٍ، ثمَّ قالَ "أتَدْرونَ ما قالَ ربُّكُمُ الليلةَ؟ ". قالوا: اللهُ ورسولُهُ أعلمُ. قالَ: "أصْبَحَ مِن عبادي مؤمنٌ [بي] وكافرٌ؛ فأمَّا المؤمنُ؛ فقالَ: مُطِرْنا بفضلِ اللهِ ورحمتِهِ، فذلكَ مؤمنٌ بي كافرٌ بالكوكبِ، وأمَّا الكافرُ؛ فقالَ: مُطِرْنا بنوءِ كذا وكذا، فذلكَ كافرٌ بي مؤمنٌ بالكوكبِ" (^١).
وفي "صحيح مسلم" عن أبي هُرَيْرَةَ عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "لا عدوى، ولا هامةَ، ولا نَوْءَ، ولا صَفَرَ" (^٢).
وهذا ممَّا يَدُلُّ على أن المرادَ نفيُ تأْثيرِ هذهِ الأسبابِ بنفسِها مِن غيرِ اعتقادِ أنَّها بتقديرِ اللهِ وقضائِهِ، فمَن أضافَ شيئًا مِن النِّعمِ إلى غيرِ اللهِ معَ اعتقادِهِ أنَّهُ ليسَ مِن اللهِ؛ فهوَ مشركٌ حقيقةً، ومعَ اعتقادِ أنَّهُ مِن اللهِ؛ فهوَ نوعُ شركٍ خفيٍّ.
والنَّوع الثَّاني: أسبابُ الشَّرِّ. فلا تُضافُ إلَّا إلى الذُّنوبِ؛ لأنَّ جميعَ المصائبِ إنَّما هيَ بسببِ الذُّنوبِ، كما قالَ تَعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: ٧٩]، وقالَ تَعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]. فلا تُضافُ إلى شيءٍ من الأسبابِ سوى الذُّنوبِ كالعدوى أو غيرِها (^٣).
_________________
(١) رواه: البخاري (١٠ - الأذان، ١٥٦ - يستقبل الإمام الناس، ٢/ ٣٣٣/ ٨٤٦)، ومسلم (١ - الإيمان، ٣٢ - كفر من قال مطرنا بالنوء، ١/ ٨٣/ ٧١)؛ من حديث زيد بن خالد الجهنيّ. و"النوء": علامة فلكيّة خاصّة كظهور نجم معيّن في موضع معيّن أو اقتران نجمين أو نحو دلك.
(٢) هذا أحد ألفاظ مسلم لحديث الصحيحين الذي تقدّم تخريجه أوّل الباب.
(٣) فيه نظر! أفلا يجوز أن يقال: وقع الحادث الفلانيّ بسبب السرعة الزائدة، مات فلان بسبب =
[ ١٧٤ ]
والمشروعُ اجتنابُ ما ظَهَرَ منها واتِّقاؤُهُ بقدرِ ما وَرَدَتْ بهِ الشَّريعةُ (^١)، مثلُ اتِّقاءِ المجذومِ والمريضِ والقدومِ على مكانِ الطَّاعونِ.
وأمَّا ما خَفِيَ مِنها (^٢)؛ فلا يُشْرَعُ اتِّقاؤُهُ واجتنابُهُ؛ فإنَّ ذلكَ من الطِّيَرَةِ المنهيِّ عنها، والطِّيَرَةُ مِن أعمالِ أهلِ الشِّركِ والكفرِ، وقد حَكاها اللهُ في كتابِهِ عن قومِ فِرْعَوْنَ وقومِ صالِح وأصحابِ القريةِ التي جاءَها المرسلونَ. وقد ثَبَتَ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّهُ قالَ: "لا طِيَرَةَ" (^٣). وفي حديثٍ: "مَن رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ فقد قارَفَ الشِّركَ" (^٤). وفي حديثِ ابن مَسْعودٍ المرفوعِ: "الطِّيَرَةُ مِن الشِّركِ، وما منَّا إلَّا (^٥)؛ ولكنَّ الله يُذْهِبُهُ بالتَّوكُّلِ" (^٦).
_________________
(١) = الحريق، أصيب فلان بالإيدز بسبب نقل دم ملوّث؟! والآيتان؛ فالمراد منهما عدم نسبة المصائب والشرور التي تحلّ بالعبد إلى الله ﷿؛ فإنّها، وإن كانت بقضاء الله وقدره، فالإنسان هو المتسبّب بها أصلًا بذنوبه ومعاصيه، والله ﷾ لم يبتدئه بها. وقد استفرغ ابن القيّم يرحمه الله جهده وبذل وسعه في الردّ على نفاة الأسباب في "مدارج السالكين" و"مفتاح دار السعادة" و"شفاء العليل" وغيرها، وما إخال المصنّف يرحمه الله إلّا على مذهب شيخه ابن القيّم في المسألة، وإنّما اعترى عبارته اضطراب أو تحريف أو سقط أورثها هذا المعنى. والله أعلم.
(٢) فلا نبالغ في ذلك إلى حدّ إيذاء أصحاب هذه الآفات مثلًا أو سجنهم أو تهجيرهم أو حرمانهم من حقوقهم الشرعيّة، ولا نقصّر ونفرّط في الأخذ بأسباب الحيطة والحذر.
(٣) يريد الأمور التي يظنّها بعض الناس أسبابًا للشرّ بغير دليل شرعيّ أو علميّ أو عقليّ.
(٤) متّفق عليه. تقدّم تخريجه أوّل هذا الباب.
(٥) (حسن بشواهده). رواه: ابن وهب في "الجامع"، والبزّار (٣٠٤٦ - كشف)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٢٣٤٧)؛ من طريق عبد الله بن عيّاش القتباني، عن أبيه، عن شييم بن بيتان، عن شيبان بن أميّة، عن رويفع بن ثابت … رفعه. قال البزّار: "لا يروى إلّا بهذا الإسناد". وقال أبو حاتم: "منكر". وقال الهيثمي (٥/ ١٠٨): "فيه سعيد بن أسد بن موسى روى عنه أبو زرعة الرازي ولم يضعّفه أحد، وشيخ البزّار إبراهيم غير منسوب، وبقيّة رجاله ثقات". قلت: سعيد وإبراهيم ثقتان توبعا؛ والعلّة القادحة هي جهالة شيبان. لكن له شاهد عند: ابن وهب في "الجامع" (٦٥٦ و٦٥٧)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٤/ ١٩٥)، والذهبي في "النبلاء" (١٦/ ٥١٧)؛ من طريقين إحداهما قويّة، عن فضالة بن عبيد موقوفًا بلفظه واحتمال أن يكون لهذا حكم الرفع قويّ. وله شاهد آخر من حديث ابن عمرو، يأتي قريبًا.
(٦) في خ: "وما منّا إلّا يتطيّر"، لكن أشار فوقها إلى أنّها مستفادة من إحدى النسخ، وهي إضافة ناسخ لا أصل لها في متن الحديث.
(٧) (صحيح). رواه الطيالسي في "المسند" (٣٥٦)، وابن أبي شيبة (٢٦٣٨٢)، وأحمد (١/ ٣٨٩ و٤٣٨ و٤٤٠)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٩٠٩)، وابن ماجه (٣١ - الطب، ٤٣ - من كان يعجبه الفأل، =
[ ١٧٥ ]
• والبحثُ عن أسبابِ الشَّرِّ مِن النَّظرِ في النُّجومِ ونحوِها هوَ مِن الطِّيَرَةِ المنهيِّ عنها (^١)، والباحثونَ عن ذلكَ غالبًا لا يَشْتَغِلونَ بما يَدْفَعُ البلاءَ مِن الطَّاعاتِ، بل يَأْمُرونَ يلزومِ المنزلِ وتركِ الحركةِ، وهذا لا يَمْنَعُ نفوذَ القضاءِ والقدرِ. ومنهُم مَن يَشْتَغِلُ بالمعاصي، وهذا ممَّا يُقَوِّي وقوعَ البلاءِ ونفوذَهُ.
والذي جاءَتْ بهِ الشَّريعةُ هوَ تركُ البحثِ عن ذلكَ والإعراضُ عنهُ والاشتغالُ بما يَدْفَعُ البلاءَ مِن الدُّعاءِ والذِّكرِ والصَّدقةِ وتحقيقِ التَّوكُّلِ على اللهِ ﷿ والإيمانِ بقضائِهِ وقدرِهِ.
وفي "مسند ابن وهب"؛ أن عَبْدَ اللهِ بنَ عَمْرِو بن العاصِ الْتَقى هوَ وكَعْبٌ، فقالَ عَبْدُ اللهِ لكَعْبٍ: علمُ النُّجومِ؟ فقالَ كَعْبٌ: لا خيرَ فيهِ. قالَ عَبْدُ اللهِ: لِمَ؟ قالَ: تَرى فيها ما تَكْرَهُ (يُريدُ الطِّيَرَةَ) (^٢). فقالَ كَعْبٌ: فإنْ مَضى، وقالَ: اللهمَّ! لا طيرَ إلَّا طيرُكَ، ولا خيرَ إلَّا خيرُكَ، ولا ربَّ غيرُكَ. فقالَ عَبْدُ اللهِ: ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بكَ. فقالَ كَعْبٌ: جاء بها عَبْدُ اللهِ، والذي نفسي بيدِهِ؛ إنَّها لرأْسُ التَّوكُّلِ وكنزُ العبدِ في الجنَّةِ، ولا يَقولُهُنَّ عبدٌ عندَ ذلكَ ثمَّ يَمْضي إلَّا لمْ يَضُرَّهُ شيءٌ. قالَ عَبْدُ اللهِ: أرَأيْتَ إنْ لمْ يَمْضِ وقَعَدَ؟ قالَ: طَعِمَ قلبُهُ طعمَ الإشراكِ.
_________________
(١) = ٢٠/ ١١٧٠/ ٣٥٣٨)، وأبو داوود (٢٢ - الطب، ٢٤ - الطيرة، ٢/ ٤٠٩/ ٣٩١٠)، والترمذي (٢٢ - السير، ٤٧ - الطيرة، ٤/ ١٦٠/ ١٦١٤)، وأبو يعلى (٥٠٩٢ و٥٢١٩)، والبزّار (١٨٤٠)، وابن أبي الدنيا في "التوكّل" (٤١ و٤٢)، والطحاوي في "المعاني" (٤/ ٣١٢)، وابن حبّان (٦١٢٢)، والحاكم (١/ ١٧ و١٨)، والسهمي في "التاريخ" (١/ ١٨٧)، والبيهقي في "السنن" (٨/ ١٣٩) و"الشعب" (١١٦٧)، والبغوي في "شرح السنّة" (٣٢٥٧)؛ من طرق، عن سلمة بن كهيل … به مرفوعًا. قال الترمذي: "حسن صحيح"، وأقرّه البغوي والمنذري والهيثمي والعسقلاني والألباني، وقال الحاكم: "صحيح سنده، ثقات رواته"، ووافقه الذهبي والعراقي والمناوي والألباني.
(٢) فيه نظر من وجهين: أوّلهما: أنّ تحريم النظر في النجوم لا يقتصر على البحث عن أسباب الشرّ بل يعمّ أسباب الخير والشرّ معًا. والثاني: أنّ علّة تحريم النظر في النجوم لا ترجع إلى كونه من الطيرة بل إلى كونه من الشرك؛ لأنّه تعليق للحوادث الكونيّة بأسباب مفتراة لا أصل لها شرعًا ولا علمًا ولا تجربة.
(٣) كذا! وفيه نظر وإقرار بأنّ أوضاع النجوم تدلّ على وقوع حوادث كونيّة مكروهة! وأنت تعلم أنّ هذا لا يصحّ شرعًا ولا عقلًا ولا علمًا ولا تجربةً وليس لأصحابه أثارة من دليل. والأصل ألّا يصدّق أهل الكتاب فيما يروونه ولا يكذّبوا؛ فكيف فيما يأتون به اجتهادًا من عقولهم؟!
[ ١٧٦ ]
وفي "مراسيل أبي داوودَ": أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: "ليسَ عبدٌ إلَّا سَيَدْخُلُ قلبَهُ طِيَرَةٌ، فإذا أحَسَّ بذلكَ؛ فلْيَقُلْ: أنا عَبْدُ اللهِ، ما شاءَ اللهُ، لا قوَّةَ إلَّا باللهِ، لا يَأْتي بالحسناتِ إلَّا اللهُ، ولا يَذْهَبُ بالسَّيِّئاتِ إلَّا اللهُ، أشْهَدُ أن الله على كلِّ شيءٍ قديرٌ. ثمَّ يَمْضي لوجهِهِ" (^١).
وفي "مسند الإمام أحْمَدَ": عن عَبْدِ اللهِ بن عَمْرٍو مرفوعًا: "مَن رَجَعَتْهُ الطِّيَرَةُ مِن حاجتِهِ؛ فقدْ أشْرَكَ. وكفَّارةُ ذلكَ أنْ يَقولَ أحدُهُم: اللهمَّ! لا طيرَ إلَّا طيرُكَ، ولا خيرَ إلَّا خيرُكَ، ولا إلهَ غيرُكَ" (^٢).
وخَرَّجَ أحْمَدُ وأبو داوودَ مِن حديثِ: عُرْوَةَ بن عامِرٍ القُرَشِيِّ؛ قالَ: ذُكِرَتِ الطِّيَرَةُ عندَ رسولِ اللهِ - ﷺ -، فقالَ: "أحسنُها الفأْلُ، ولا تَرُدُّ مسلمًا، فإذا رَأى أحدُكُم ما يَكْرَهُ؛ فلْيَقُلِ: اللهمَّ! لا يَأْتي بالحسناتِ إلَّا أنتَ، ولا يَدْفَعُ السَّيِّئاتِ إلَّا أنتَ، ولا حولَ ولا قوَّةَ إلَّا بكَ" (^٣). وخَرَّجَهُ أبو القاسِمِ البَغَوِيُّ، وعندَهُ: "ولا تَضُرُّ مسلمًا".
_________________
(١) (ضعيف). رواه أبو داوود في "المراسيل" (٥٣٩) من طريق قويّة عن عبد الرحمن بن سابط عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا. ولم أقف له على ما يقوّيه، فهو باق على ضعفه بالإرسال.
(٢) (صحيح). رواه: ابن وهب في "الجامع" (٦٥٨)، وأحمد (٢/ ٢٢٠)، والطبراني في "الكبير" (٥/ ١٠٨ - مجمع)، وابن السنّي في "اليوم والليلة" (٢٩٢)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٤/ ٢٠١)؛ من طرق، عن ابن لهيعة، أنا ابن هبيرة، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن ابن عمرو … رفعه. قال الهيثمي: "فيه ابن لهيعة، وحديثه حسن وفيه ضعف، وبقيّة رجاله ثقات". قلت: رواه عنه عبد الله بن وهب وعبد الله بن يزيد وروايتهما عنه مستقيمة، فالسند جيّد. ويشهد للقطعة الأولى حديث رويفع بن ثابت المتقدّم قريبًا وشواهده. ويشهد للقطعة الثانية: حديث بريدة عند البزّار (٣٠٤٨ - كشف) بسند واه، وحديث أبي هريرة عنده (٣٠٤٩ - كشف) بسند لا بأس به. وجاءت القطعة الثانية أيضًا عند: ابن أبي شيبة (٢٦٤٠٢ و٢٩٥٣٤ و٣٩٨٦٣)، وأبي الشيخ في "العظمة" (٧٠٧)، والبيهقي في "الشعب" (١١٨٠)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٤/ ٢٠١)؛ من أوجه موقوفة على عليّ وابن عمرو وابن عبّاس. وهذه وإن لم تكن شواهد عمليًّا، لكنّها تزيد اليقين بصحّة هذا الأصل عن النبيّ - ﷺ -؛ لأنّ اجتماع هؤلاء الصحابة عليه يرجّح أنّهم تلقّوه عنه - ﷺ -.
(٣) (ضعيف). رواه: ابن أبي شيبة (٢٦٣٨٣ و٢٩٥٣٢ و٢٩٥٣٣)، وأبو حاتم في "الوحدان" (٢/ ٤٧٦ - إصابة)، وأحمد (ولم أجده في المسند)، ومن طريقه أبو داوود (٢٢ - الطب، ٢٤ - الطيرة، ٢/ ٤١٢ / ٣٩١٩)، والطبري، والبغوي في "المعجم" (لطائف المعارف - ص ١٧٧)، وابن قانع في "المعجم" (٢/ ٢٦٢/ ٧٨١)، وابن السنّي (٢٩٣)، وابن شاهين (٢/ ٤٧٦ - إصابة)، والبيهقي في "السنن" (٨/ ١٣٩) =
[ ١٧٧ ]
وفي "صحيح ابن حِبَّان": عن أنَسٍ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "لا طِيَرَةَ، والطِّيَرَةُ على مَن تَطَيَّرَ" (^١).
وقالَ النَّخَعِيُّ: قالَ عَبْدُ اللهِ بنُ مَسْعودٍ: لا تَضُرُّ الطِّيَرَةُ إلَّا مَن تَطَيَّرَ. ومعنى هذا أنَّ مَن تَطَيَّرَ تطيُّرًا منهيًّا عنهُ - وهوَ أنْ يَعْتَمِدَ على ما يَسْمَعُهُ أو يَراهُ ممَّا يُتَطَيَّرُ بهِ حتَّى يَمْنَعَهُ ممَّا يُريدُ مِن حاجتِهِ - فإنَّهُ [قد] يُصيبُهُ ما يَكْرَهُهُ. وأمَّا مَن تَوَكَّلَ على اللهِ ووَثِقَ بهِ بحيثُ عَلَّقَ قلبَهُ باللهِ خوفًا ورجاءً وقَطَعَهُ عن الالتفاتِ إلى هذهِ الأسبابِ المَخُوفَةِ وقالَ ما أُمِرَ بهِ مِن هذهِ الكلماتِ ومَضى؛ فإنَّهُ لا يَضُرُّهُ [ذلكَ].
وقد رُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ؛ أنَّهُ كانَ إذا سَمِعَ نَعْقَ الغرابِ قالَ: اللهمَّ! لا طيرَ إلَّا طيرُكَ ولا خيرَ إلَّا خيرُكَ.
وكذلكَ أمَرَ رسولُ اللهِ - ﷺ - عندَ انعقادِ أسبابِ العذابِ السَّماويَّةِ المَخُوفةِ كالكسوفِ بأعمالِ البرِّ؛ مِن الصَّلاةِ والدُّعاءِ والصَّدقةِ والعتقِ حتَّى يُكْشَفَ ذلكَ عن النَّاسِ (^٢).
_________________
(١) = و"الشعب" (١١٧١)، والخطيب في "تالي التلخيص" (٧٦)؛ من طريق سفيان الثوري تارة والأعمش تارة أُخرى، عن حبيب بن أبي ثابت، عن عروة بن عامر … رفعه. وهذا سند ضعيف فيه علّتان: أولاهما: عنعنة حبيب على كثرة إرساله وتدليسه وقول العسقلاني فيه: "الظاهر أن روايته عن عروة منقطعة". والثانية: أنّ عروة بن عامر لا تثبت صحبته. ولذلك جزم يحيى بن معين وأبو حاتم الرازي وابن قانع وابن حبّان والبيهقي والعسكري والمنذري والمزّي والذهبي والعراقي والعسقلاني والألباني أنّ حديثه هذا مرسل. ورواه معمر في "الجامع" (١٩٥١٢) عن الأعمش عن النبيّ - ﷺ - معضلًا. ولا يفيد الطريق السابقة شيئًا؛ لأنّ الأعمش تلقّاه من حبيب فأسنده تارة وأرسله أُخرى.
(٢) (ضعيف). قطعة من حديث رواه: ابن حبّان (٦١٢٣)، والطحاوي في "المعاني" (٤/ ٣١٤)، وابن عبد البرّ (٩/ ٢٨٤) تعليقًا، والضياء في "المختارة" (٦/ ٢٥١/ ٢٢٦٩)؛ من طريق زهير بن معاوية، عن عتبة بن حميد، ثني عبيد الله بن أبي بكر، سمع أنسًا … رفعه. قال الضياء والألباني: "حسن". وقال العسقلاني في "الفتح" (٦/ ٦٣): "في صحّته نظر؛ لأنّه من رواية عتبة بن حميد عن عبيد الله بن أبي بكر عن أنس". قلت: عتبة فيه ضعف، وقد تفرّد بهذا المعنى عن النبيّ - ﷺ - ولم يتابعه عليه أحد، فلا يطمئنّ القلب لتقويته. والله أعلم.
(٣) انظر لهذا: "صحيح البخاري" (١٦ - الكسوف، ٢/ ٥٢٦/ ١٠٤٠ وما بعدها)، و"صحيح مسلم" (١٠ - الكسوف، ٢/ ٦١٨/ ٩٠١ وما بعدها)؛ فقد جاء في معظم أحاديث الكسوف.
[ ١٧٨ ]
وهذا كلُّهُ ممَّا يَدُلُّ على أن الأسبابَ المكروهةَ إذا وُجِدَتْ فإنَّ المشروعَ الاشتغالُ بما يُرْجى بهِ دفعُ العذابِ المخوفِ منها؛ مِن أعمالِ الطَّاعاتِ والدُّعاءِ وتحقيقِ التَّوكُّلِ على اللهِ والثِّقةِ بهِ؛ فإنَّ هذهِ الأسبابَ كلَّها مقتضِياتٌ لا موجباتٌ، ولها موانعُ تَمْنَعُها. فأعمالُ البرِّ والتَّقوى والدُّعاءُ والتَّوكُّلُ مِن أعظمِ ما يُسْتَدْفَعُ بهِ.
ومِن كلامِ بعضِ الحكماءِ المتقدِّمينَ: ضجيجُ الأصوات في هياكلِ العبادات بأفنانِ اللغات تُحَلِّلُ ما عَقَدَتْهُ الأفلاكُ الدَّائرات (^١).
وهذا على زعمِهِم واعتقادِهِم في الأفلاكِ، وأمَّا اعتقادُ المسلمينَ؛ فأنَّ الله وحدَهُ هوَ الفاعلُ لِما يَشاءُ، ولكنَّهُ يَعْقِدُ أسبابًا للعذابِ وأسبابًا للرَّحمةِ، فأسبابُ العذابِ يُخَوِّفُ بها عبادَهُ لِيَتوبوا إليهِ ويَتَضَرَّعوا إليهِ، مثلُ كسوفِ الشَّمسِ والقمرِ؛ فإنَّهُما آيتانِ مِن آياتِ اللهِ يُخَوِّفُ بهِما عبادَهُ؛ لِيَنْظُرَ مَن يُحْدِثُ لهُ توبةً، فدَلَّ على أن كسوفَهُما سببٌ يُخْشى منهُ وقوعُ عذابٍ.
وقدْ أمَرَ النَّبيُّ - ﷺ - عائِشَةَ ﵂ أنْ تَسْتَعيذَ مِن شرِّ القمرِ، وقالَ: "هوَ الغاسقُ إذا وَقَبَ" (^٢). وقد أمَرَ اللهُ تَعالى بالاستعاذةِ مِن شرِّ غاسقٍ إذا وَقَبَ، وهوَ الليلُ إذا أظْلَمَ؛ فإنَّهُ تَنْتَشِرُ فيهِ شياطينُ الجِنِّ والإنسِ. والاستعاذةُ مِن القمرِ لأنَّهُ آيةُ الليلِ، وفيهِ إشارةٌ إلى أنَّ شرَّ الليلِ المَخُوفَ لا يَنْدَفعُ بإشراقِ القمرِ فيهِ ولا يَصيرُ بذلكَ
_________________
(١) الأفلاك الدائرات جمادات مخلوقات مربوبات مسيّرات؛ لا تدلّ على شيء ممّا يجري على العباد من الأقدار فضلًا عن أن تعقد هذه الأقدار وتبرمها، ولا تملك لنفسها نفعًا ولا ضرًّا فضلًا عن أن تملكه لغيرها!
(٢) (صحيح). رواه: الطيالسي (١٤٨٦)، وإسحاق (١٠٧٢)، وأحمد (٦/ ٦١ و٢٠٦ و٢١٥ و٢٣٧ و٢٥٢)، وعبد بن حميد (١٥١٧)، والترمذي (٤٨ - التفسير، ٩٤ - ومن المعوّذتين، ٥/ ٤٥٢/ ٣٣٦٦)، والنسائي في "الكبرى" (١٠١٣٧ و١٠١٣٨) و"اليوم والليلة" (٣٠٧ و٣٠٨)، وأبو يعلى (٤٤٤٠)، وابن جرير (٣٨٣٧٧ و٣٨٣٧٨)، والطحاوي في "المشكل" (٢/ ٣١٠)، وابن السنّي (٦٤٨)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٣٨٠)، والحاكم (٢/ ٥٤٠)، والبيهقي في "الدعوات" (٣١٤)، والبغوي في "التفسير" (٥/ ٦٥٥) و"السنّة" (١٣٦٧)، والمزّي في "التهذيب" (٢٨/ ٥١٣)؛ من طريق محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، عن الحارث بن عبد الرحمن والمنذر بن أبي المنذر، عن أبي سلمة، عن عائشة … رفعته. وهذا سند قويّ، رجاله كلّهم ثقات إلّا الحارث فصدوق ولكنّه توبع كما ترى، والمنذر صالح الحديث، فالسند صحيح بهذه المتابعة. وقد قوّاه الترمذيّ والحاكم والبغوي وعبد الحقّ والذهبي والألباني، وقال العسقلاني: "أقلّ درجاته أن يكون حديثًا حسنًا".
[ ١٧٩ ]
كالنَّهارِ، بل يُسْتَعاذُ منهُ وإنْ كانَ مقمرًا.
وخَرَّجَ الطَّبَرانِيُّ مِن حديثِ جابِرٍ مرفوعًا: "لا تَسُبُّوا الليلَ ولا النَّهارَ ولا الشَّمسَ ولا القمرَ ولا الرِّيحَ؛ فإنَّها رحمةٌ لقومٍ وعذابٌ لآخرينَ" (^١).
ومثلُ اشتدادِ الرَّياحِ؛ فإنَّ الرِّيحَ كما قالَ النَّبيُّ - ﷺ - مِن رَوْحِ اللهِ؛ تَأْتي بالرَّحمةِ وتَأْتي بالعذابِ (^٢). وأمَرَ إذا اشْتَدَّتِ الرِّيحُ أنْ يُسْألَ اللهُ خيرَها وخيرَ ما أُرْسِلَتْ بهِ ويُسْتَعاذَ بهِ مِن شرِّها وشرِّ ما أُرْسِلَتْ بهِ (^٣).
وقد كانَ النَّبيُّ - ﷺ - إذا رَأى ريحًا أو غيمًا؛ تَغَيَّرَ وجهُهُ وأقْبَلَ وأدْبَرَ، فإذا مَطَرَتْ؛ سُرِّيَ عنهُ، ويَقولُ: "قدْ عُذِّبَ قومٌ بالرِّيحِ، ورَأى قومٌ السَّحابَ فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: ٢٤] " (^٤).
_________________
(١) (ضعيف). رواه: الطبراني في "الأوسط" (٤٦٩٥ و٦٧٩١) من طريق [الوليد بن الوليد]، ثنا سعيد بن بشير، عن أبي الزبير، عن جابر … رفعه. قال الهيثمي (٨/ ٧٤): "فيه سعيد بن بشير وثّقه جماعة وضعّفه جماعة وبقيّة رجاله ثقات". قلت: لم يتنبّه ﵀ للوليد بن الوليد لأنّه سقط من أحد إسنادي "الأوسط" فأوهم سلامته، والوليد متروك متّهم. ورواه أبو يعلى (٢١٩٤): ثنا سفيان، ثنا أبي، عن محمّد بن أبي ليلى، عن أبي الزبير، عن جابر … رفعه. قال الهيثمي: "إسناد ضعيف". قلت: أولى علله: أنّ ابن أبي ليلى سيّئ الحفظ جدًّا. والثانية: أنّ سفيان بن وكيع ساقط الحديث. والثالثة: أنّه خولف فرواه ابن أبي شيبة (٢٦٣٠١): ثنا علي بن هاشم، عن محمّد بن أبي ليلى، عن عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى … به مرسلًا. وعلي صدوق فالقول قوله. فالطريق الأولى فيها متروك، والثانية مرسلة ضعيفة، والحديث ضعيف.
(٢) (صحيح). رواه: معمر في "الجامع" (٢٠٠٠٤)، والشافعي في "الأمّ" (١/ ٢٥٣)، وابن أبي شيبة (٢٩٢٠٩)، وأحمد (٢/ ٢٥٠ و٢٦٨ و٤٠٩ و٤٣٧ و٥١٨)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٧٢٠ و٩٠٦)، وابن ماجه (٣٣ - الأدب، ٢٩ - النهي عن سب الريح، ٢/ ١٢٢٨/ ٣٧٢٧)، وأبو داوود (٣٥ - الأدب، ١٠٤ - ما يقول إذا هاجت الريح، ٢/ ٧٤٧/ ٥٠٩٧)، والنسائي في "اليوم والليلة" (٩٣٦ - ٩٣٨)، وأبو يعلى (٦١٤٢)، وابن حبان (١٠٠٧ و٥٧٣٢)، والطبراني في "الدعاء" (٩٧١ - ٩٧٦)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٨١٦)، والحاكم (٤/ ٢٨٥)، والبيهقي (٣/ ٣٦١)، والبغوي (١١٥٣)؛ من طرق، عن الزهري، عن ثابت الزرقي (وجاء مرة: عمرو بن سليم الزرقي)، عن أبي هريرة … به. وهذا سند صحيح، رجاله ثقات، والتردد بين ثابت وعمرو تردد بين ثقتين، فلا يضر، والظاهر أنّ الزهري رواه عنهما. وقد صحّحه الحاكم والمنذري والنووي والذهبي والعسقلاني والألباني.
(٣) رواه: البخاري (٥٩ - الخلق، ٥ - وهو الذي يرسل الرياح، ٦/ ٣٠٠/ ٣٢٠٦)، ومسلم (٩ - الاستسقاء، ٣ - التعوّذ عند رؤية الريح، ٢/ ٦١٦/ ٨٩٩)؛ من حديث عائشة. واللفظ لمسلم.
(٤) أحد ألفاظ الصحيحين للحديث المتقدّم قبله.
[ ١٨٠ ]
وأسبابُ الرَّحمةِ يُرَجِّي بها عبادَهُ، مثلُ الغيمِ الرَّطبِ والرِّيحِ الطَّيِّبةِ، ومثلُ المطرِ المعتادِ عندَ الحاجةِ إليهِ، ولهذا يُقالُ عندَ نزولِ الغيثِ: اللهمَّ! سُقْيا رحمةٍ ولا سُقْيا عذابٍ.
وأمَّا مَنِ اتَّقى أسبابَ الضَّررِ بعدَ انعقادِها بالأسبابِ المنهيِّ عنها؛ فإنَّهُ لا يَنْفَعُهُ ذلكَ غالبًا: كمَن رَدَّتْهُ الطِّيَرَةُ عن حاجتِهِ خشيةَ أنْ يُصيبَهُ ما تَطَيَّرَ بهِ؛ فإنَّهُ كثيرًا ما يُصابُ بما يَخْشى منهُ، كما قالَ ابنُ مَسْعودٍ، ودَلَّ عليهِ حديثُ أنَسٍ المتقدِّمُ. وكمَنِ اتَّقى الطَّاعونَ الواقعَ في بلدِهِ بالفرارِ منهُ؛ فإنَّهُ قَلَّ أنْ يُنْجِيَهُ ذلكَ. وقد فَرَّ كثيرٌ مِن المتقدِّمينَ والمتأخِّرينَ مِن الطَّاعونِ فأصابَهُم ولمْ يَنْفَعْهُمُ الفرارُ. وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. وقد ذُكِرَ كثيرٌ مِن السَّلفِ أنَّهُم كانوا قد فَرُّوا مِن الطَّاعونِ فأصابَهُم. وفَرَّ بعضُ المتقدِّمينَ مِن طاعونٍ وَقَعَ، فبينا هوَ يَسيرُ بالليلِ على حمارٍ لهُ؛ إذْ سَمِعَ قائلًا يَقولُ:
لَنْ يُسْبَقَ اللهُ عَلى حِمارِ … وَلا عَلى ذي مَيْعَةٍ طَيَّارِ (^١)
أوْ يَأْتِيَ الحَتْفُ عَلى مِقْدارِ … قَدْ يُصْبِحُ اللهُ أمامَ السَّاري
فأصابَهُ الطَّاعونُ فماتَ.
• وأمَّا قولُهُ - ﷺ -: "لا هامةَ"؛ فهوَ نفيٌ لِما كانَتِ الجاهليَّهُ تَعْتَقِدُهُ أن الميِّتَ إذا ماتَ صارَتْ روحُهُ أو عظامُهُ هامةً، وهوَ طائرٌ يَطيرُ. وهو شبيهٌ باعتقادِ أهلِ التَّناسخِ أن أرواحَ الموتى تَنْتَقِلُ إلى أجسادِ حيواناتٍ مِن غيرِ بعثٍ ولا نشورٍ، وكلُّ هذهِ اعتقاداتٌ باطلةٌ جاءَ الإسلامُ لإبطالِها وتكذيبِها.
ولكنِ الذي جاءَتْ بهِ الشَّريعةُ "أنَّ أرواحَ الشُّهداءِ في حواصلِ طيرٍ خضرٍ تَأْكُلُ مِن ثمارِ الجنَّةِ وتَرِدُ مِن أنهارِ الجنَّةِ إلى أنْ يَرُدَّها اللهُ تَعالى إلى أجسادِها يومَ القيامةِ" (^٢).
ورُوِيَ أيضًا "أن نسمةَ المؤمنِ طائرٌ يَعْلُقُ في شجرِ الجنَّةِ حتَّى يَرْجِعَها اللهُ إلى
_________________
(١) ذو الميعة: الفرس، والميعة: الجري. والطيّار: الذي جرى به صاحبه بأقصى سرعة.
(٢) رواه مسلم (٣٣ - الإمارة، ٣٣ - أرواح الشهداء في الجنّة، ٣/ ١٥٠٢/ ١٨٨٢) عن ابن مسعود.
[ ١٨١ ]
أجسادِها يومَ القيامةِ" (^١).
• وأمَّا قولُهُ - ﷺ -: "ولا صَفَرَ"؛ فاخْتُلِفَ في تفسيرِهِ:
* فقالَ كثيرٌ مِن المتقدِّمينَ: الصَّفرُ داءٌ في البطنِ، يُقالُ: إنَّهُ دودٌ كبارٌ كالحيَّاتِ، وكانوا يَعْتَقِدونَ أنَّهُ يُعْدِي، فنَفى ذلكَ النَّبيُّ - ﷺ -. وممَّن قالَ هذا مِن العلماءِ ابنُ عُيَيْنَةَ والإمامُ أحْمَدُ وغيرُهُما. ولكنْ لو كانَ كذلكَ؛ لكانَ هذا داخلًا في قولِهِ "لا عدوى"، وقد يُقالُ: هوَ مِن بابِ عطفِ الخاصِّ على العامِّ، وخَصَّهُ بالذِّكرِ لاشتهارِهِ عندَهُم
_________________
(١) (صحيح). رواه: مالك في "الموطأ" (١/ ٢٤٠)، وابن المبارك في "الجهاد" (٢٠٢)، وعبد الرزّاق في "المصنّف" (٩٥٥٦) و"التفسير" (٤٨٤)، والحميدي (٨٧٣)، وسعيد بن منصور (٢٥٦٠)، وأحمد (٣/ ٤٥٥ و٤٥٦ و٤٦٠)، وعبد بن حميد (٣٧٦)، والبخاري في "التاريخ" (٥/ ٣٠٥ و٣٠٦)، وابن ماجه (٦ - الجنائز، ٤ - ما يقال عند المريض، ١/ ٤٦٦/ ١٤٤٩، ٢/ ١٤٢٨/ ٤٢٧١)، والترمذي (٢٣ - فضل الجهاد، ١٣ - ثواب الشهداء، ٤/ ١٧٦/ ١٦٤١)، والنسائي (٢١ - الجنائز، ١١٧ - أرواح المؤمنين، ٤/ ١٠٨/ ٢٠٧٢)، وابن حبّان (٤٦٥٧)، والطبراني (١٩/ ٦٣/ ١١٩ - ١٢٥)، والآجري في "الشريعة" (٩٣٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ١٥٦)، والبيهقي في "البعث" (٢٠٢ و٢٠٣ و٢٠٥)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (١١/ ٦٠)؛ من طرق كثيرة، عن الزهريّ، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه … رفعه. ويمكن أن يشار هنا إلى علل أربع: أولاها: أنّ الثقات الأثبات اختلفوا على الزهريّ في ابن كعب بن مالك: فأبهمه بعضهم، وصرّح آخرون بأنّه عبد الرحمن بن كعب، وآخرون بأنّه عبد الله بن كعب، وجماعة بأنّه عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب، والثلاثة ثقات أثبات، ولا يبعد أنّ الزهريّ سمعه منهم جميعًا، لكن عبد الله أرسله، وعبد الرحمن بن عبد الله عن كعب منقطع. فإن كان لا بدّ من الترجيح؛ فالراجح عبد الرحمن بن كعب، لأنّه قول عشرة من الثقات. وخلاصة الكلام أنّ هذه العلّة غير قادحة. والثانية: أنّهم اختلفوا في الحديث وصلًا وإرسالًا، ولا يضرّ؛ لأنّ الواصلين أوثق وأكثر فالقول قولهم. والثالثة: أنّ الثقات الأثبات رووا هذا الحديث فجعلوه من مسند كعب، وخالفهم محمّد بن إسحاق فجعله من مسند أمّ مبشّر الأنصاريّة، فروايته شاذّة والمحفوظ الأوّل. والرابعة: أنّ معمرًا وابن عيينة وافقا الجماعة فرويا الحديث بلفظ الترجمة مرّة، وروياه مرّة بلفظ "أرواح الشهداء في طير … " إلخ، فروايتهما شاذّة والمحفوظ رواية الجماعة. ثمّ للحديث بلفظ الترجمة شواهد منها: حديث أمّ هانئ عند: أحمد (٦/ ٤٢٤)، والطبراني (٢٤/ ٤٣٨ / ١٠٧٢، ٢٥/ ١٣٦/ ٣٣٠)؛ بسند ضعيف. وحديث ابن عمرو عند الطبراني في "الكبير" (٢/ ٣٣٢ - مجمع) بسند فيه مجهول. وحديث أبي هريرة عند: عبد الرزّاق (٦٧٠٣)، وابن أبي شيبة (١٢٠٦١)، وهنّاد في "الزهد" (٣٤٥)، والطبري (٢٠٧٦١)، والطبراني في "الأوسط" (٢٦٥١)، والحاكم (١/ ٣٧٩ و٣٨٠)، والبيهقي في "الاعتقاد" (ص ٢٢٠)؛ بسند قوّاه الحاكم والذهبي والهيثمي. فإن لم يكن حديث كعب بن مالك صحيحًا لذاته؛ فإنّه صحيح بشواهده المذكورة. وقد صحّحه ابن حبّان، وقال الترمذي: "حسن صحيح"، وأقرّه المنذري وابن كثير والهيثمي والألباني.
[ ١٨٢ ]
بالعدوى.
وقالَتْ طائفةٌ: بلِ المرادُ بِـ"صَفَرَ" شهرُ صفرَ، ثمَّ اخْتَلَفوا في تفسيرِهِ على قولينِ:
أحدُهُما: أنَّ المرادَ نفيُ ما كانَ أهلُ الجاهليَّةِ يَفْعَلونَهُ في النَّسيءِ، فكانوا يُحِلُّونَ المُحَرَّمَ ويُحَرِّمونَ صَفَرَ مكانَهُ، وهذا قولُ مالكٍ.
والثَّاني: أن المرادَ أنَّ أهلَ الجاهليَّةِ كانوا يَسْتَشْئِمونَ بصفرَ ويَقولونَ: إنَّهُ شهرٌ مشؤومٌ، فأبْطَلَ النَّبيُّ - ﷺ - ذلكَ. وهذا حَكاهُ أبو داوودَ عن مُحَمَّدِ بن راشِدٍ المَكْحولِيِّ عمَّن سَمِعَهُ يَقولُ ذلكَ.
* ولعلَّ هذا القولَ أشبهُ الأقوالِ، وكثيرٌ مِن الجهَّالِ يَتَشاءَمُ بصَفَرَ، وربَّما يَنْهى عن السَّفرِ فيهِ. والتَّشاؤمُ بصَفَرَ هوَ مِن جنسِ الطِّيَرَةِ المنهيِّ عنها. وكذلكَ التَّشاؤمُ بيومٍ مِن الأيَّامِ كيومِ الأربعاءِ. وقد رُوِيَ أنَّهُ يومُ نحسٍ مستمرٍّ (^١) في حديثٍ لا يَصِحُّ. بل في "المسند": عن جابرٍ؛ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - دَعا على الأحزابِ يومَ الاثنينِ والثُّلاثاءِ والأربعاءِ، فاسْتُجيبَ لهُ يومَ الأربعاءِ بينَ الظُّهرِ والعصرِ. قالَ جابِرٌ: فما نَزَلَ بي أمرٌ مهمٌّ غائظٌ إلَّا تَوَخَّيْتُ ذلكَ الوقتَ فدَعَوْتُ الله فيهِ فرَأيْتُ الإجابةَ (^٢). أو كما قالَ.
_________________
(١) (موضوع). وقد جاء عن جماعة من الصحابة من أوجه: * فرواه: أبو عوانة (٦٠٢٢)، والطبراني في "الأوسط" (٨٠١ و٦٤١٨)، والبيهقي (١٠/ ١٧٠)، والخطيب في "الجمع والتفريق" (١/ ٣٧٧)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ٧٤) معلّقًا؛ من طريق إبراهيم بن أبي حيّة، ثني جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جابر … رفعه. وإبراهيم هذا متروك متّهم. * ورواه ابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ٧١) من طريق عبد الرحمن بن خالد الزاهد، عن يحيى بن عبد الله، عن أبي معاوية الموصلي، عن أبي هريرة … رفعه. قال الذهبي في "الميزان" في ترجمة يحيى: "كذب". قلت: عبد الرحمن ويحيى وأبو معاوية مجاهيل. * ورواه: وكيع في "الغرر"، وابن مردويه في "التفسير"، والخطيب في "التاريخ" (١٤/ ٤٠٥)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ٧٣)؛ من طريقين، عن المهدي، عن المنصور، عن أبيه، عن ابن عبّاس … رفعه. وفي الطريق الأولى مسلمة بن الصلت منكر الحديث متروك عن أبي الوزير صاحب ديوان المهدي مجهول، وفي الثانية الحسن بن عبيد الله الأبزاري كذّاب قليل الحياء. فالحديث بهذه الطرق ساقط، عدّه ابن الجوزي في الموضوعات، وأقرّه الألباني.
(٢) (حسن). رواه: ابن سعد في "الطبقات" (٢/ ٧٣)، وأحمد (٣/ ٣٣٢)، والبخاري في "الأدب =
[ ١٨٣ ]
وكذلكَ تشاؤمُ أهلِ الجاهليَّةِ بشوَّالٍ في النِّكاحِ فيهِ خاصَّةً. وقد قيلَ: إنَّ أصلَهُ [أن] طاعونًا وَقَعَ في شوَّالٍ في سنةٍ مِن السِّنينَ، فماتَ فيهِ كثيرٌ مِن العرائسِ، فتَشاءَمَ بذلكَ أهلُ الجاهليَّةِ. وقد وَرَدَ الشَّرعُ بإبطالِهِ.
قالَتْ عائِشَةُ ﵂: تَزَوَّجَني رسولُ اللهِ - ﷺ - في شوَّالٍ، وبَنى بي في شوَّالٍ، فأيُّ نسائِهِ كانَ أحظى عندَهُ منِّي؟! وكانَتْ عائِشَةُ تَسْتَحِبُّ أنْ تُدْخِلَ نساءَها في شوَّالٍ (^١).
وتَزَوَّجَ النَّبيُّ - ﷺ - أمَّ سَلَمَةَ في شوَّالٍ أيضًا (^٢).
* وأمَّا قولُ النَّبيِّ - ﷺ -: "لا عدوى ولا طِيَرَةَ، والشُّؤمُ في ثلاثٍ؛ في المرأةِ والدَّارِ والدَّابَّةِ". خَرَّجاهُ في الصَّحيحينِ (^٣) مِن حديثِ ابن عُمَرَ عن النَّبيِّ - ﷺ -. فقدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ في معناهُ أيضًا:
_________________
(١) = المفرد" (٧٠٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٨٧٤)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (١٩/ ٢٠٠ و٢٠١)؛ من طرق، عن كثير بن زيد، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك (وجاء مرّة: عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك)، عن جابر بن عبد الله … به. قال الهيثمي (٤/ ١٥): "رجال أحمد ثقات". قلت: عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب لم أقف له على ذكر؛ فإمّا أنّه خطأ من الراوي، أو أنّه محرّف عن "عبد الله أو عبد الرحمن بن كعب" وكلاهما ثقة، أو منقلب عن "عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب" وهو ثقة أيضًا. وقد قوّى إسناد الحديث المنذري والهيثمي والألباني.
(٢) رواه مسلم (١٦ - النكاح، ١١ - التزويج في شوّال، ٢/ ١٠٣٩/ ١٤٢٣).
(٣) (ضعيف). رواه: ابن أبي شيبة في "المسند" (٧١٢ - مصباح الزجاجة)، وابن سعد (٨/ ٩٤)، وابن ماجه (٩ - النكاح، ٥٣ - متى يستحبّ البناء بالنساء، ١/ ٦٤١/ ١٩٩١)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٧٢٤)، والطبراني في "الكبير" (٣/ ٢٦٠/ ٣٣٤٧) و"الأوسط" (٦١٩٨)، والدارقطني (٣/ ٢٨٣)؛ من طريق محمّد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن أبيه، عن عبد الملك [بن أبي بكر بن عبد الرحمن] بن الحارث بن هشام، عن أبيه … رفعه. قال البوصيري: "في إسناده محمّد بن إسحاق، وهو مدلّس، وقد عنعنه". قلت: صرّح بالتحديث عند ابن سعد. لكنّ في السند علّتين أُخريين: أولاهما: أنّهم اختلفوا على ابن إسحاق في هذا السند: فقالوا مرّة عبد الملك بن الحارث بن هشام عن أبيه، ومرّة عبد الله بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن أمّ سلمة، ومرّة محمّد بن إسحاق حدّثني عبد الملك بن أبي بكر بن الحارث بن هشّام كما أشار إليه المزّي في "الأطراف" (١٨٢٣٠)، وهذا يشير إلى أنّ الحديث غير محفوظ. والثانية: أنّه مرسل. وقد ضعّفه البوصيري والألباني.
(٤) البخاري (٦٧ - كتاب النكاح، ١٧ - ما يتّقى من شؤم المرأة، ٩/ ١٣٧/ ٥٠٩٣ و٥٠٩٤ و٥٧٥٣ و٥٧٧٢)، ومسلم (٣٩ - السلام، ٣٤ - الطيرة والفأل، ٤/ ١٧٤٦/ ٢٢٢٥).
[ ١٨٤ ]
فرُوِيَ عن عائِشَةَ؛ أنَّها أنْكَرَتْ هذا الحديثَ أنْ يَكونَ مِن كلامِ النَّبيِّ - ﷺ -، وقالَتْ: إنَّما قالَ: "كانَ أهلُ الجاهليَّةِ يَقولونَ ذلكَ" (^١). خَرَّجَهُ الإمامُ أحْمَدُ.
وقالَ مَعْمَرٌ: سَمِعْتُ مَن يُفَسِّرُ هذا الحديثَ؛ يَقولونَ: شؤمُ المرأةِ إذا كانَتْ غيرَ وَلودٍ، وشؤمُ الفرسِ إذا لمْ يُغْزَ عليهِ في سبيلِ اللهِ، وشؤمُ الدَّارِ جارُ السُّوءِ. ويُرْوى هذا المعنى مرفوعًا مِن وجوهٍ لا تَصِحُّ (^٢).
ومنهُم مَن قالَ: قد رُوِيَ عن النَّبيِّ - ﷺ - أنَّهُ قالَ: "لا شؤمَ، وإنْ يَكُنِ اليُمْنُ في شيءٍ؟ ففي ثلاثةٍ (فذَكَرَ هذهِ الثَّلاثةَ) " (^٣). وقالَ: هذهِ الرِّوايةُ أشبهُ بأُصولِ الشَّرعِ. كذا
_________________
(١) (لا بأس به). رواه: إسحاق (١٣٦٥)، وأحمد (٦/ ١٥٠ و٢٤٠ و٢٤٦)، وابن قتيبة في "مختلف الحديث" (ص ١٠٥)، وابن خزيمة (٦/ ٦١ - فتح)، والطحاوي في "المعاني" (٤/ ٣١٤) و"المشكل" (٣/ ٣٤١)، والحاكم (٢/ ٤٧٩)، والبيهقي (٨/ ١٤٠)، وابن عبد البرّ (٩/ ٢٨٨)؛ من طريقين قويّتين، عن قتادة، عن أبي حسّان؛ أنّ رجلين دخلا على عائشة … فذكره في قصّة. وصحّحه ابن خزيمة والحاكم والذهبي وإلى ذلك مال العسقلاني فيما يبدو، مع أنّ ظاهره الإرسال، وعلم التاريخ لا يدعم سماع أبي حسّان من عائشة بما يكفي للجزم باتّصاله. لكن رواه الطيالسي (١٥٣٧): ثنا محمّد بن راشد، عن مكحول، عن عائشة … بنحوه. قال العسقلاني: "ومكحول لم يسمع من عائشة، فهو منقطع". قلت: فالأوّل راجح الانقطاع، والثاني منقطع، لكنّ أحدهما بصري والآخر شاميّ، فأرجو أنّ أحدهما صالح لتقوية الآخر وتحسينه. والله أعلى وأعلم.
(٢) (منكر). رواه حفص بن سالم السمرقندي أبو مقاتل، عن أبي حنيفة - كما في "مسنده" (ص ١٥٣) -، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة، عن أبيه … رفعه. ورواه عبد الله بن الزبير عن أبي حنيفة فأرسله. ورواه أبو يوسف عن أبي حنيفة فلم يجاوز به علقمة. فإذا علمت أنّ أبا مقاتل هذا متّهم متروك؛ بان لك أنّ هذا التأويل من كلام أبي حنيفة أو علقمة بن مرثد ثمّ ركّب له هذا المخذول إسنادًا ورفعه إلى النبيّ - ﷺ -. وروى الطبراني (٢٤/ ١٥٣/ ٣٩٥) عن أسماء بنت عميس؛ قالت: قال - ﷺ -: "إنّ من شقاء المرء في الدنيا ثلاثة سوء الدار وسوء المرأة وسوء الدابّة". قالت: يا رسول الله! ما سوء الدار؟ قال: "ضيق ساحتها وخبث جيرانها". قيل: فما سوء الدابّة؟ قال: "منعها ظهرها وسوء ضلعها". قيل: فما سوء المرأة؟ قال: "عقم رحمها وسوء خلقها". قال الهيثمي (٥/ ١٠٨): "فيه من لم أعرفهم". قلت: وليس فيه ذكر للشؤم.
(٣) (منكر). رواه: سعيد بن منصور في "السنن" (٢٩٩٦)، وابن ماجه (٩ - النكاح، ٥٥ - اليمن والشؤم، ١/ ٦٤٢/ ١٩٩٣)، والترمذي (٤٤ - الأدب، ٥٨ - ما جاء في الشؤم، ٥/ ١٢٧/ ٢٨٢٤)، والطحاوي في "المشكل" (٣/ ٣٤١)، والطبراني (٢٠/ ٣٣٦/ ٧٩٦)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٩/ ٢٧٩)، والعسقلاني في "التهذيب" (٢/ ٣٨٨) تعليقًا؛ من طريق سليمان بن سليم الكلبي، عن يحيى بن جابر، عن معاوية بن حكيم (وجاء مرّة: حكيم بن معاوية)، عن عمّه (ومرّة: عن أبيه) حكيم بن معاوية (ومرّة: مخمر بن معاوية، ومرّة: =
[ ١٨٥ ]
قالَهُ ابنُ عَبْدِ البَرِّ، ولكنَّ إسنادَ هذهِ الرِّوايةِ لا يُقاوِمُ ذلكَ الإسنادَ.
والتَّحقيقُ أنْ يُقالَ في إثباتِ الشُّؤمِ في هذهِ الثَّلاثةِ ما ذَكَرْناهُ في النَّهيِ عن إيرادِ المريضِ على الصَّحيحِ والفرارِ مِن المجذومِ ومِن أرضِ الطَّاعونِ؛ إنَّ هذهِ الثَّلاثةَ أسبابٌ يُقَدِّرُ اللهُ بها الشُّؤمَ واليُمنَ ويَقْرِنُهُ بها (^١).
_________________
(١) = مخمر بن حيدة) … رفعه. قال البوصيري: "إسناده صحيح رجاله ثقات". وقال العسقلاني في "الفتح" (٦/ ٦٢): "في إسناده ضعف مع مخالفته للأحاديث الصحيحة". قلت: أمّا ضعف الإسناد؛ فلجهالة تابعيّه معاوية بن حكيم؛ فإنّه لم يرو عنه إلّا يحيى بن جابر ولم يوثّقه أحد. وأمّا مخالفة المتن لأحاديث الصحيحين؛ فبيّنة. وهذا حدّ النكارة. وصحّحه الألباني ليتخلّص به من إشكال "الشؤم في ثلاثة"، فلا أصاب يرحمه الله من جهة السند ولا تخلّص من إشكالات "الشؤم في ثلاثة"!
(٢) لا بدّ لي من أجل توضيح هذه القضيّة من شيء من التفصيل والتحليل أسوقه فيما يلي: * أوّلًا: أنت تعلم أنّ النبيّ - ﷺ - نهى عن الطيرة أصلًا لأنّها باب من أبواب الشرك كما جاء صحيحًا صريحًا في غير ما حديث. * ثانيًا: ما هو وجه الشرك في الطيرة؟ من الواضح جدًّا أنّ الأصل الاشتقاقيّ للطيرة هو "الطير"، كانوا يزجرون الطير ويتفاءلون بما طار منها إلى اليمين ويتشاءمون بما طار منها إلى الشمال. وأنت تعلم أنّه لم يأت في كتاب ولا سنّة ولا دليل علميّ أنّ الله تعالى نصب طيران الطيور إلى جهة ما سببًا لوقوع قدر من الأقدار أو دليلًا عليه، ومن زعم ذلك؛ فقد قال على الله بلا علم وقارف الشرك، تمامًا كما نصب الوثنيّون أوثانهم أسبابًا لقدر المغفرة والقربى من الله وكما نصب أهل النُّجوم نجومهم أسبابًا للسعود والنحوس. فهذا أصل الطيرة الشركيّة وفقه نهي النبيّ - ﷺ - عنها، وهو رأس الباب، فمن أحكمه؛ فلن يخفى عليه أنّ الاستدلال على الأقدار بحركات الحيوان أو نعيب البوم والغربان أو نباح الكلاب أو مواضع الأيدي أو أوّل ما يُنطق به من الحروف أو الكلمات أو أوّل ما يرى منها عند فتح المصحف أو رؤية العوران والعرجان أو غير ذلك ممّا يبتدعه الناس كلّ يوم؛ كلّ ذلك لاحق بالباب نفسه؛ لأنّه تعليق لأقدار الله بأسباب أو أدلّة ما أنزل الله بها من سلطان. * ثالثًا: بين الشؤم والطيرة: لا ريب أنّ الشؤم الذي أثبته النبيّ - ﷺ - في الثلاث لون والطيرة الشركيّة التي نفاها لون آخر، وذلك لأمرين: أوّلهما: أنّ النبيّ - ﷺ - لم يقل "لا طيرة، وإن كانت الطيرة في شيء" بل غاير فقال "وإن كان الشؤم في شيء"، واختلاف المباني دليل على اختلاف المعاني. والآخر: أنّه من غير الممكن أن يرضى النبيّ - ﷺ - لأمّته بشيء من الشرك مهما كان صغيرًا، بل لا بدّ أن يخلو الشؤم الذي أثبته - ﷺ - من أدنى درجات الشرك. * رابعًا: فما هو الشؤم المأذون به إذًا؟ إذا كانت معادلة الطيرة المنهيّ عنها هي: الطيرة هي تعليق الأقدار بأسباب (أو الاستدلال عليها بأدلّة) ما أنزل الله بها من سلطان، ففيها مقارفة للشرك، ولذلك نهى النبيّ - ﷺ - عنها. فيجب أن تكون معادلة الشؤم المأذون فيه إذًا: الشؤم هو تعليق الأقدار بأسباب (أو الاستدلال عليها بأدلّة) يقرّها الشرع أو العلم أو العقل، فليس فيه مقارفة للشرك، ولذلك أذن النبيّ - ﷺ - به. فلو أنّ رجلًا تزوّج امرأة، فرآها قليلة العقل والدين والخلق والحرص على نفسها كثيرة الدخول =
[ ١٨٦ ]
ولهذا يُشْرَعُ لمَنِ اسْتَفادَ زوجةً أو أمةً أو دابَّةً أنْ يَسْألَ الله مِن خيرِها وخيرِ ما جُبِلَتْ عليهِ ويَسْتَعيذَ بهِ مِن شرِّها وشرِّ ما جُبِلَتْ عليهِ كما في حديثِ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ عن أبيهِ عن جدِّهِ عن النَّبيِّ - ﷺ - الذي خَرَّجَهُ أبو داوودَ وغيرُهُ (^١).
وكذا يَنْبَغي لمَن سَكَنَ دارًا أنْ يَفْعَلَ ذلكَ. وقدْ أمَرَ رسولُ اللهِ - ﷺ - قومًا سَكَنوا
_________________
(١) = والخروج والاختلاط بالرجال وزيارة الجارات ليلًا ونهارًا، فأوجس خيفة ممّا ستجلبه عليه وعلى أولاده من المصائب في مستقبل الأيّام، فطلّقها، فهذا شؤم مشروع لا ضير فيه. ولو أنّه سكن دارًا فرأى في جيرانها فسادًا وأذًى أو رآها مكشوفة للجيران أو رأى سطوحها أو الشوارع حولها خطرة على أولاده فأوجس خيفة ممّا ستجلبه عليه وعلى أولاده من المصائب في المستقبل، فتركها، فهذا شؤم مشروع لا بأس فيه. * خامسًا: لماذا اختصّ النبيّ - ﷺ - الدار والمرأة والفرس بالشؤم دون غيرها؟ لم يختصّ النبيّ - ﷺ - هذه الثلاثة بالذكر لأنّها وحدها موضع الشؤم المأذون به، بل لأنّها أكثر ما يتشاءم به الناس قديمًا وحديثًا. فإن كانت هناك أسباب معقولة للتشاؤم بغيرها؛ فلا ضير في ذلك. كان يرى الرجل ولده في صحبة شابّ أكبر منه وأضخم سيّئ الخلق بذيء اللسان عصبيّ المزاج عنيفًا، فلا ضير عليه إن أوجس خيفة ممّا قد ينزل بولده من جهة صاحبه هذا فمنعه من صحبته. وكذلك إن عرف مخاطر طريق من الطرق … إلخ. * سادسًا: وليس كلّ تشاؤم بالمرأة أو الفرس أو الدار مشروعًا، فمن تشاءم بالدار لأنّ الغراب نعب عند شرائها أو تشاءم بالمرأة لأنّه فتح المصحف عند العقد فوقعت عينه على ﴿عبس وتولّى﴾ أو تشاءم منها لأنّ قريبًا له مات يوم العقد ونحو ذلك؛ فهذا لاحق بالطيرة الشركيّة التي نهى النبيّ - ﷺ - عنها. * واعلم أخيرًا أنّ الإسلام دين فطرة وعلم؛ لا يرضى أن ينحدر المسلم إلى الأخذ بالأسباب والأدلّة الخرافيّة التي ما أنزل الله بها من سلطان، ولا يحول بينه وبين الأخذ بالأسباب التي يقرّها الشرع أو العلم أو العقل أو التجربة. هذه خلاصة الباب فيما أرى، ولله الحمد والمنّة على الإسلام والسنّة.
(٢) (حسن صحيح). رواه: البخاري في "خلق أفعال العباد" (١٥٣)، وابن ماجه (٩ - النكاح، ٢٧ - ما يقول إذا دخلت عليه أهله، ١/ ١٩١٨/٦١٧)، وأبو داوود (٩ - النكاح، ٤٤ - جامع في النكاح، ١/ ٦٥٥ / ٢١٦٠)، والنسائي في "السنن الكبرى" (١٠٠٩٣) و"اليوم والليلة" (٢٤١ و٢٦٤)، والطبراني في "الدعاء" (٩٤٠)، وابن السنّي (٦٠٠)، والحاكم (٢/ ١٨٥)، والبيهقي (٧/ ١٤٨)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٥/ ٣٠٠ - ٣٠٢)، والبغوي في "السنّة" (١٣٢٥) تعليقًا؛ من طرق، عن محمّد بن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه … رفعه. ابن عجلان صدوق، ورواية عمرو عن أبيه عن جدّه كذلك، فالسند حسن، وقد قوّاه الحاكم والذهبي والعراقي والألباني. ورواه أبو يعلى (٦٦١٠) من طريق حبّان بن عليّ العنزي، عن ابن عجلان، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة … رفعه. قال الهيثمي (١٠/ ١٤٤): "فيه حبّان بن عليّ وقد وثّق على ضعفه". قلت: وخالف - على ضعفه - الجماعة الذين رووه من حديث عمرو بن شعيب كما تقدّم، وهذا حدّ النكارة. * ورواه: مالك (٢/ ٥٤٧)، والبغوي (١٣٢٩)؛ عن زيد بن أسلم … مرسلًا. وسنده قويّ. * ورواه ابن عبد البرّ في "التمهيد" (٥/ ٣٠٢) من حديث أبي لاس الخزاعي مرفوعًا بسند رجاله ثقات لكن فيه عنعنة ابن إسحاق. والحديث صحيح بمجموع هذه الأوجه، وقد قوّاه جماعة تقدّم ذكرهم.
[ ١٨٧ ]
دارًا فقَلَّ عددُهُم وقَلَّ مالُهُم أنْ يَتْرُكوها ذميمةً (^١). فتركُ ما لا يَجِدُ الإنسانُ فيهِ بركةً مِن دارٍ أو زوجةٍ أو دابَّةٍ غيرُ منهيٍّ عنهُ.
_________________
(١) (صحيح). وقد جاء عن النبيّ - ﷺ - من أوجه: * فرواه ابن وهب في "الجامع" (٦٤٨) من طريق ابن سمعان … به. وابن سمعان هذا متروك متّهم. * ورواه: مالك (٢/ ٩٧٢)، وابن وهب في "الجامع" (٦٤٧)؛ عن يحيى بن سعيد … به. وهذا مرسل أو معضل قويّ. * ورواه: البخاري في "التاريخ" (٤/ ١٠٠)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٢١٦٠)، والطبراني في "الكبير" (٦/ ١٠٤/ ٥٦٣٩)، وأبو نعيم (٢/ ٨٦ - إصابة)؛ من طريق سعد بن إسحاق بن كعب، عن سهل بن حارثة … به. قال الهيثمي (٥/ ١٠٨): فيه يعقوب بن حميد بن كاسب". قلت: صدوق ربّما وهم وقد توبع، فالسند قويّ، لكن قال البخاريّ: "مرسل"؛ يعني أنّه ليست لسهل صحبة، وإلى ذلك مال الجماعة. * ورواه الزهري واختلف عليه فيه: فرواه أوّلًا البيهقي في "الشعب" (١٣٦٢) من طريق قويّة، عن يونس، عنه، عن السائب بن يزيد ابن أخت نمر، عن عبد الرحمن بن عبد القاري، عن عمر … رفعه. قال البيهقي: "كذا وجدته موصولًا بالحديث الأوّل، وهو بهذا الإسناد غلط". ورواه ثانيًا البزّار (٣٠٥١ - كشف) من طريق سعيد بن سفيان، ثنا صالح بن أبي الأخضر، عنه، عن سالم، عن أبيه … رفعه. قال البزّار: "أخطأ فيه عندي صالح". وقال الهيثمي في "المجمع" (٥/ ١٠٨): "صالح ضعيف يكتب حديثه، وفيه أيضًا سعيد بن سفيان"، قلت: صدوق يخطئ. وروى الثالث: ابن عديّ في "الكامل" (٣/ ١٠٨٦) من طريق زمعة بن صالح، عنه، عن سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة … رفعه. وزمعة ضعيف. وروى الرابع: معمر في "الجامع" (١٩٥٢٦)، وابن وهب في "الجامع" (٦٤٩)، والبيهقي في "السنن" (٨/ ١٤٠)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٤/ ٦٨)؛ من طريق سفيان ومعمر، عنه، عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل، عن عبد الله بن شدّاد بن الهاد … به. وسفيان ومعمر جبلان، فالقول قولهما، والأوجه الأُخرى متراوحة بين الشذوذ والنكارة، وإلى ذلك مال البزّار وأبو حاتم، ولكنّه مرسل كما قال البيهقي. * ورواه: ابن عديّ في "الكامل" (٣/ ١٣٠٢)، والبيهقي في "الشعب" (١٣٦٣)؛ من طريق سكين بن عبد العزيز، عن إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود .. رفعه. وهذا سند فيه ضعف من أجل الهجري؛ فإنّه ليّن. * ورواه: البخاري في "الأدب المفرد" (٩١٨)، وأبو داوود (٢٢ - الطبّ، ٢٤ - الطيرة، ٢/ ٤١٣ / ٣٩٢٤)، وابن قتيبة في "مختلف الحديث" (ص ١٠٥)، والبيهقي في "السنن" (٨/ ١٤٠) و"الشعب" (١٣٦٤)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٢٤/ ٦٩)، والضياء في "المختارة" (١٥٢٩)؛ من طريق عكرمة بن عمّار، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس … رفعه. قال البخاري: "في إسناده نظر"؛ يعني: لكلامهم في عكرمة؛ فإنّ فيه لينًا لا ينحطّ به عن رتبة الحسن أو الحسن في الشواهد في أسوإ الاحتمالات، ولذلك سكت عنه المنذري وحسّنه الألباني. فها هنا وجه ساقط، وثلاثة أوجه مرسلة صالحة للاعتبار، ووجه فيه ضعف يسير وخاص حسن أو حسن في الشواهد، فاجتماعها يكسب الحديث قوّة لا ريب. والله أعلم.
[ ١٨٨ ]
وكذلكَ مَنِ اتَّجَرَ في شيءٍ فلمْ يَرْبَحْ فيهِ ثلاثَ مرَّاتٍ؛ فإنَّهُ يَتَحَوَّلُ عنهُ. رُوِيَ ذلكَ عن عُمَرَ بن الخَطَّابِ. فإنْ بورِكَ لهُ في شيءٍ؛ فلا يَتَغَيَّرُ عنهُ. ففي "المسند" و"سنن ابن ماجه" عن عائِشَةَ مرفوعًا: "إذا كانَ لأحدِكُم رزقٌ في شيءٍ؛ فلا يَدَعْهُ حتَّى يَتَغَيَّرَ لهُ أو يَتَنَكَّرَ لهُ" (^١).
* وأمَّا تخصيصُ الشُّؤمِ بزمانٍ دونَ زمانٍ - كشهرِ صَفَرَ أو غيرِهِ -؛ فغيرُ صحيحٍ، وإنَّما الزَّمانُ كلُّهُ خلقُ اللهِ تَعالى، وفيهِ تَقَعُ أفعالُ بني آدَمَ. فكلُّ زمانٍ شَغَلَهُ المؤمنُ بطاعةِ اللهِ فهوَ زمانٌ مبارَكٌ عليهِ، وكلُّ زمانٍ شَغَلَهُ العبدُ بمعصيةِ اللهِ فهوَ مشؤومٌ عليهِ.
فالشُّؤمُ في الحقيقةِ هوَ معصيةُ اللهِ تَعالى: كما قالَ ابنُ مَسْعودٍ: إنْ كانَ الشُّؤمُ في شيءٍ؛ ففيما بينَ اللحيينِ؛ يَعْني: اللسانَ. وقالَ: ما مِن شيءٍ أحوجَ إلى طولِ سجنٍ مِن لسانٍ. وقالَ عَدِيُّ بنُ حاتِمٍ: أيمنُ امْرئ وأشأمُهُ بينَ لحييهِ؛ يَعْني: لسانَهُ.
وفي "سننِ أبي داوودَ" (^٢): عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "حسنُ المَلَكَةِ نَماءٌ، وسوءُ المَلَكَةِ شؤمٌ، والبرُّ زيادةٌ في العمرِ، والصَّدقةُ تَمْنَعُ ميتةَ السُّوءِ" (^٣). فجَعَلَ سوءَ المَلَكَةِ
_________________
(١) (ضعيف). رواه: أحمد (٦/ ٢٤٦)، والبخاري في "التاريخ" (٨/ ٨٥)، وابن ماجه (١٢ - تجارات، ٤ - إذا قسم للرجل رزق، ٢/ ٧٢٧/ ٢١٤٨)، والبيهقي في "الشعب" (١٢٤٣ و١٢٤٤)، والمزّي في "التهذيب" (٩/ ٣١٣)؛ عن طريق مخلد بن الضحّاك، ثني الزبير بن عبيد، عن نافع، عن عائشة … رفعته. قال البوصيري: "فيه مقال … مخلد بن الضحّاك مختلف فيه … والزبير بن عبيد قال الذهبي مجهول وذكره ابن حبّان في الثقات". وقال البخاري: "نافع ليس مولى ابن عمر"، ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا. قلت: فهذه علل ثلاث: مخلد قصاراه أن يكون صالحًا في المتابعات، والزبير ونافع مجهولان، فالسند واه. وله شاهد عند: ابن ماجه (الموضع السابق، ٢/ ٧٢٦/ ٢١٤٧)، والبيهقي في "الشعب" (١٢٤١ و١٢٤٢)، والمزّي في "التهذيب" (٩/ ٣١٤)؛ عن طريق فروة بن يونس الكلابي، عن هلال بن جبير، عن أنس … رفعه بنحوه. وفروة قصاراه أن يكون مقبولًا في المتابعات، وهلال بن جبير مجهول شكّك ابن حبّان في سماعه من أنس. وبهذا أعلّه البوصيري. والسند واه. ولا يرتقي الحديث بمجموع وجهيه إلى الحسن، وقد ضعفه البوصيري والألباني.
(٢) هذا لفظ أحمد في "المسند"، وليس هو عند أبي داوود بهذا التمام.
(٣) (ضعيف جدًّا). رواه: معمر في "الجامع" (٢٠١١٨)، وابن معين في "التاريخ" (١٢٠٤ - دوري)، وأحمد (٣/ ٥٠٢)، وابن زنجويه في "الأموال" (١٣١٢)، والبخاري في "التاريخ" (٣/ ٣٠٢)، وأبو داوود (٣٥ - الأدب، ١٣٣ - حقّ المملوك، ٢/ ٧٦٣/ ٥١٦٢)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٢٥٦٢)، وأبو يعلى (١٥٤٤)، والطبراني (٥/ ١٧/ ٤٤٥١)، والقضاعي (٩٧ و٢٤٤ و٢٤٥)، والبيهقي في "الشعب" (٨٠١٩ =
[ ١٨٩ ]
شؤمًا.
وفي حديثٍ آخرَ: "لا يَدْخُلُ الجنَّةَ سيِّئُ المَلَكَةِ" (^١). وهوَ مَن يُسيءُ إلى مماليكِهِ ويَظْلِمُهُم.
وفي الحديثِ: "إنَّ الصَّدقةَ تَدْفَعُ ميتةَ السُّوءِ" (^٢).
_________________
(١) = و٨٠٢٠ و٨٥٧٦)، وابن عساكر (٣٨/ ٣٥٧)؛ من طريق معمر، عن عثمان بن زفر، عن بعض بني رافع بن مكيث، عن رافع … رفعه مطوّلًا ومختصرًا. وهذا سند واه فيه علل: أولاها: أنّ عثمان هذا صاحب حديثين ما له غيرهما ثمّ اضطرب في أحدهما فدلّ على أنّه ليس من أهل الشأن فلا ينبغي أن يحسّن له وإن ذكر في "ثقات ابن حبّان" وروى عنه ثقتان. وأشار إلى الثانية المنذري والهيثمي (٣/ ١١٣، ٨/ ٢٥) بقولهما: "فيه رجل لم يسمّ". قلت: سمّاه: أبو داوود (الموضع السابق، ٥١٦٣)، وأبو موسى المديني في "الصحابة" (١/ ٣٧٣ - غابة)؛ من طريق بقيّة، ثنا عثمان بن زفر، ثني محمّد بن خالد بن رافع، عن عمّه الحارث بن رافع … به مرسلًا. لكن ليس وراء هذه التسمية كبير شيء، فمحمّد وعمّه مجهولان. على أنّ هذه الطريق فتحت الباب لعلّة ثالثة، وهي الإرسال؛ فإنّه أرجح لدقّته وتجويده بخلاف الوصل الذي لا يعدّ هنا زيادة ثقة ولا له حكمها. وعلّة رابعة: وهي أن يكون المبهم في طريق معمر رجلين لا رجلًا واحدًا. وقد ضعّفه الألباني.
(٢) (ضعيف). قطعة من حديث رواه: معمر (٢٠٩٩٣)، والطيالسي (٧ و٨)، وأحمد (١/ ٤ و٧ و١٢)، وابن ماجه (٣٣ - الأدب، ١٠ - الإحسان إلى المماليك، ٢/ ١٧١٢/ ٣٦٩١)، والترمذي (٢٨ - البرّ، ٢٩ - الإحسان إلى الخدم، ٤/ ٢٣٤/ ١٩٤٦)، والبزّار (٤٣)، وأبو يعلى (٩٣ - ٩٥)، والطبراني في "الأوسط" (٩٣٠٨)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ١٦٤)، والبيهقي في "الشعب" (٨٥٧٧ - ٨٥٨١ و١٠٨٦٢)، والخطيب في "التاريخ" (١/ ٤٠٣) و"الجمع والتفريق" (٢/ ٤١٢)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٦١ و٢٣٩١)، والبغوي في "السنّة" (٢٤١٤)؛ من طرق ثلاث، عن مرّة الطيّب، عن أبي بكر … رفعه مطوّلًا ومختصرًا. وهذا سند ضعيف فيه علّتان: أولاهما: ضعف الطرق الثلاث ولو اجتمعت؛ ففي إحداها فرقد السبخيّ ضعيف، وفي الثانية جابر الجعفي رافضيّ واه شبه المتروك، وفي الثالثة عبد الواحد بن زيد متروك عن أسلم الكوفي ضعيف مجهول. والثانية: أنّهم تكلّموا في سماع مرّة من أبي بكر، وجاء في سند البزّار بينهما زيد بن أرقم لكنّ طريقه واهية جدًّا، وأنكر أبو حاتم وأبو زرعة والبزّار أن يكون سمعه، وليس سماعه منه بالمستبعد. وقد ضعّف الحديث الترمذي والبغوي والمنذري والبوصيري والألباني.
(٣) (ضعيف). وقد جاء عن جماعة من الصحابة: * فرواه: البزّار (٩٣٣ - كشف)، وأبو يعلى في "المسند" (٨٥) و"المعجم" (٩)؛ من طريق محمّد بن إسماعيل بن علي الوساوسي، ثنا زيد بن الحباب، ثنا عبد الرحمن بن سليمان بن الغسيل، عن شرحبيل بن سعد، عن جابر، عن أبي بكر … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ١٠٨): "فيه الوساوسي وهو ضعيف جدًّا"، وأقرّه العسقلاني. قلت: الوساوسي متّهم، وابن الغسيل يخطئ، وابن سعد ضعيف، والسند ساقط. * ورواه: الترمذي (٥ - الزكاة، ٢٨ - فضل الصدقة، ٣/ ٥٢/ ٦٦٤)، وابن حبّان (٣٣٠٩)، والبيهقي في "الشعب" (٣٣٥١)، والبغوي في "السنّة" (١٦٣٤)، والضياء في "المختارة" (٥/ ٢١٨/ ١٨٤٧ و١٨٤٨)؛ =
[ ١٩٠ ]
ويُرْوى مِن حديثِ عَلِيٍّ مرفوعًا: "باكِروا بالصَّدقةِ؛ فإنَّ البلاءَ لا يَتَخَطَّاها" (^١). خَرَّجَهُ الطَّبَرانِيُّ.
وفي حديثٍ آخرَ: " [إنَّ] لكلِّ يومٍ نحسًا؛ فادْفَعوا نحسَ ذلكَ اليومِ
_________________
(١) = من طريق عبد الله بن عيسى الخزّاز، ثنا يونس بن عبيد، ثنا الحسن، عن أنس … رفعه. قال الترمذي والبغوي: "حسن غريب". قلت: الخزّاز ضعيف منكر الحديث، والحسن عنعنه. ورواه: أبو يعلى (٤١٠٤) من طريق صالح المرّي، والقضاعي (١٠٩٤) من طريق المقدام بن داوود عن عبد الله بن محمّد بن المغيرة المخزومي عن سفيان عن محرز؛ كلاهما عن يزيد الرقاشي، عن أنس … رفعه. وهذا ساقط: المرّي واه يكاد يترك وبه أعلّ الهيثمي (٨/ ١٥٤) سند أبي يعلى، والمقدام ضعيف، والمخزومي متّهم، ومحرز مدلّس عنعن، فاجتماع الطريقين لا يفيدهما شيئًا، ولا سيّما أنّ الرقاشي ضعيف. وله طريق ثالثة عند العقيلي (١/ ١١٧)، عن عبد الرحيم بن سليمان الأنصاري، ثني عبيد الله بن أنس، ثني أبي … رفعه بنحوه. قال العقيلي: "عبيد الله وعبد الرحيم كلاهما مجهول بالنقل والحديث غير محفوظ". وطريق رابعة عند الخطيب (٨/ ٢٠٨) عن إسحاق بن إبراهيم بن أبي إسرائيل المروزي، ثنا الحارث بن النعمان بن سالم، عن أنس … رفعه بمعناه. وإسحاق واه، والحارث مجهول، وفي السند انقطاع. * ورواه الطبراني (١٧/ ٢٢/ ٣١) من طريق كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف، عن أبيه، عن جدّه … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ١١٣): "كثير … ضعيف". قلت: متّهم متروك. * ورواه: السهمي (ص ٤٩٥/ رقم ١٠٠٥)، والقضاعي (٩٨)، والرافعي في "التدوين" (٣/ ١٩١)؛ من طريق يحيى بن عبيد الله التيمي، عن أبيه، عن أبي هريرة … رفعه. ويحيى متروك، وأبوه مجهول. * ورواه: ابن سعد (٣/ ٤٨٨)، والبخاري في "التاريخ" (١/ ١٨٠) تعليقًا، والحسن بن سفيان (١/ ٢٩٨ - إصابة)، والطبراني (٣/ ٢٢٨/ ٣٢٢٨ و٣٢٣٣)، وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٣٥٦)، والبيهقي في "الشعب" (٣٤٦٣)؛ من طريق محمّد بن عثمان، عن أبيه، عن حارثة بن النعمان … رفعه. قال الذهبي في "النبلاء" (٢/ ٣٧٩): "إسناد منقطع". وقال الهيثمي (٣/ ١١٥): "فيه من لم أعرفه". قلت: محمّد وأبوه. * وجاءت هذه القطعة أيضًا في بعض ألفاظ حديث رافع بن مكيث المتقدّم آنفًا أنّه ضعيف جدًّا. ومعلوم أنّ اجتماع هذه الواهيات لا يزيد الباحث الناقد إلّا يقينًا بضعف الحديث. وقد ضعّفه العقيلي والذهبي والبوصيري والهيثمي والألباني.
(٢) (ضعيف جدًّا). رواه الطبراني في "الأوسط" (٥٦٣٩) من طريق عيسى بن عبد الله بن محمّد بن عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه، عن جدّه، عن علي … رفعه. قال الطبراني: "لا يروى إلّا بهذا الإسناد". وقال الهيثمي: "فيه عيسى بن عبد الله بن محمّد، وهو متروك". قلت: ومتّهم. وله شاهد عند: ابن عديّ (٢/ ٤٤٨، ٣/ ١٠٩٩)، والبيهقي في "الشعب" (٣٣٥٣)، والخطيب في "التاريخ" (٩/ ٣٣٩)، وابن الجوزي في "الموضوعات" (٢/ ١٥٣)؛ من طرق أربعة، عن المختار بن فلفل، عن أنس … رفعه. ولا تخلو واحدة من الطرق الأربعة من متروك أو متّهم أو كذّاب فلا يفرح باجتماعها. ولا سيّما أنّ البيهقي رواه في "السنن" (٤/ ١٨٩) من طريق أقلّ ضعفًا عن المختار عن أنس موقوفًا. وقد ضعّف هذا الحديث جدًّا ابن أبي شيبة وصالح جزرة وابن عدي وابن الجوزي والهيثمي والألباني.
[ ١٩١ ]
بالصَّدقةِ" (^١).
فالصَّدقةُ تَمْنَعُ وقوعَ البلاءِ بعدَ انعقادِ أسبابِهِ، وكذلكَ الدُّعاءُ.
وفي الحديثِ: "إنَّ البلاءَ والدُّعاءَ يَلْتَقِيانِ بينَ السَّماءِ والأرضِ فيَعْتَلِجانِ إلى يومِ القيامةِ" (^٢). خَرَّجَهُ البَزَّارُ والحاكِمُ.
وخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ سَلْمانَ مرفوعًا: "لا يَرُدُّ القضاءَ إلَّا الدُّعاءُ" (^٣).
_________________
(١) (ضعيف). رواه ابن مردويه في "التفسير" (سبأ ٣٩ - الدرّ المنثور)، ولم أقف على سنده، لكن الغالب الذي عهدته تجربة واستقراء فيما يتفرّد به ابن مردويه الضعف إن لم يكن دون ذلك، ولا سيّما أنّ السيوطيّ استبعده من "الجامع الصغير". والله أعلم.
(٢) (ضعيف). رواه: ابن أبي الدنيا، والبزّار (٢١٦٥ - كشف)، والطبراني في "الأوسط" (٢٥١٩) و"الدعاء" (٣٣)، والحاكم (١/ ٤٩٢)، وابن جميع في "المعجم" (ص ١٠٥)، والقضاعي (٨٥٩ و٨٦١)، والخطيب في "التاريخ" (٨/ ٤٥٣)، والأصبهاني في "الترغيب" (١٢٣٧)؛ من طريق زكريّا بن منظور، [عن عطّاف بن خالد]، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة … رفعه في سياق. قال الحاكم: "صحيح"، ووافقه المنذري، وردّه الذهبي بقوله: "زكريّا مجمع على ضعفه". وقال الهيثمي (٧/ ٢١٢، ١٠/ ١٤٩) "وثّقه أحمد بن صالح المصري وضعّفه الجمهور". وله شاهد رواه البزّار (٢١٦٤ و٣١٣٦ - كشف) من طريق إبراهيم بن خثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن جدّه، عن أبي هريرة … رفعه. قال الهيثمي: "فيه إبراهيم بن خثيم وهو متروك". قلت: وفيه نكارة في لفظه ومخالفة لما هو أصحّ منه. فحديت عائشة ضعيف، وحديث أبي هريرة شديد الضعف، فلا يقوم به. نعم؛ هناك شواهد على أنّ الدعاء ينفع ممّا نزل وممّا لم ينزل، لكنّها قاصرة عن تقوية القطعة المذكورة من الحديث، وقد مال إلى ضعفها الذهبي والمنذري والعسقلاني، ومال إلى تقويتها الحاكم والمنذري والألباني، وكنت تابعتهم على هذا في تعليقي على "الداء والدواء"، ثمّ ترجّح لي - والله يغفر لي - ضعفه هنا بعد مزيد من البحث، فليتنبّه إخواني من طلبة العلم لذلك.
(٣) (صحيح بشواهده). رواه: الترمذي (٢٣ - القدر، ٦ - لا يردّ القدر إلّا الدعاء، ٤/ ٤٤٨/ ٢١٣٩)، والبزّار (٢٥٤٠)، والطحاوي في "المشكل" (٤/ ١٦٩)، والطبراني في "الكبير" (٦/ ٢٥١/ ٦١٢٨) و"الدعاء" (٣٠)، والقضاعي (٨٣٢ و٨٣٣)؛ من طرق، عن يحيى بن ضريس، عن أبي مودود، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان … رفعه. قال الترمذي: "حسن غريب، وأبو مودود اثنان أحدهما يقال له فضّة، وهو الذي روى هذا الحديث". قلت: فيه لين، والسند كذلك. وله شاهد عند: ابن المبارك في "الزهد" (٨٦)، ووكيع في "الزهد" (٤٠٧)، وابن أبي شيبة (٢٩٨٥٨)، وأحمد (٥/ ٢٧٧ و٢٨٠ و٢٨٢)، وهنّاد في "الزهد" (١٠٢٤)، وابن ماجه (المقدّمة، ١٠ - القدر، ١/ ٣٥/ ٩٠ و٤٠٢٢)، والنسائي في "الكبرى" (١٢٠٩٣ - تحفة)، والروياني، والطحاوي في "المشكل" (٤/ ١٦٩)، وابن حبّان (٨٧٢)، والطبراني في "المعجم الكبير" (٢/ ١٠٠/ ١٤٤٢) و"الدعاء" (٣١)، وابن عدي =
[ ١٩٢ ]
وقالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لا يَنْفَعُ الحذرُ مِن القدرِ، ولكنَّ الله يَمْحو بالدُّعاءِ ما يَشاءُ مِن القدرِ.
وعنهُ قالَ: الدُّعاءُ يَدْفَعُ القدرَ (^١)، وهوَ إذا دَفَعَ القدرَ؛ فهوَ مِن القدرِ.
وهذا كقولِ النَّبيِّ - ﷺ - لمَّا سُئِلَ عن الأدويةِ والرُّقى: هلْ تَرُدُّ مِن قدرِ اللهِ شيئًا؟ فقالَ: "هيَ مِن قدرِ اللهِ تَعالى" (^٢).
_________________
(١) = (٢/ ٤٤٨)، وأبو نعيم في "أصبهان" (٢/ ٦٠)، والحاكم (١/ ٤٩٣)، والقضاعي (٨٣١ و١٠٠١)، والبغوي (٣٤١٨)، والأصبهاني (١٢٣٥)؛ من طرق، عن ثوبان … رفعه. وقد صحّحه الحاكم والمنذري والذهبي، وحسّنه العراقي والبوصيري، وإحدى طرقه حسنة أو تكاد. وشاهد آخر من حديث أنس عند الطبراني في "الدعاء" (٢٩) بسند جيّد. وشاهد ثالث من حديث ابن عبّاس عند الحاكم (٣/ ٤٨١) بسند ساقط. وشاهد رابع من حديث أبي أسيد أشار إليه الترمذي. وشاهد خامس من حديث أبي هريرة عند: الشجري (١/ ٥٢)، والأصبهاني (٤٢٠)؛ بسند ساقط. ولمعناه شواهد عدّة ضعيفة: منها حديث عائشة المتقدّم قبله، وحديث ابن عمر عند الترمذي (٣٥٤٨)، وحديث عبادة بن الصامت عند الطبراني في "الدعاء" (٣٤). والحديث صحيح بهذه الشواهد لفظًا ومعنى، وقد قوّاه الترمذي والألباني.
(٢) في خ: "ينفع القدر"! وهذا تحريف بيّن صوابه ما أثبتّه من م ون وط.
(٣) (حسن). رواه ابن شهاب الزهري واختلف عليه فيه على ثلاثة أوجه: روى الأوّل: ابن حبّان (٦١٠٠) من طريق إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زبريق، ثنا عمرو بن الحارث، أنا عبد الله بن سالم، عن الزبيدي محمّد بن الوليد، ثني ابن شهاب، عن عبد الله بن كعب بن مالك، عن أبيه … رفعه. وإسحاق ضعيف في روايته عن عمرو. وروى الثاني: الطبراني (٣/ ١٩٢/ ٣٠٩٠) والحاكم (٤/ ٤٠٢) من طريق صالح بن أبي الأخضر، والحاكم (١/ ٣٢) من طريق معمر؛ كلاهما عن ابن شهاب، عن عروة، عن حكيم بن حزام … رفعه. قال الحاكم: "على شرط الشيخين، وقال مسلم في تصنيفه فيما أخطأ معمر في البصرة: إنّ معمرًا حدّث به مرّتين، فقال مرّة: عن الزهري عن ابن أبي خزامة عن أبيه". قال الحاكم: "وعندي أنّ هذا لا يعلّله؛ فقد تابع ابن أبي الأخضر معمرًا … وصالح … فقد يستشهد بمثله". وأقرّه الذهبي. وهو كما قالا. وروى الثالث: ابن وهب في "الجامع" (٦٩٩)، وأحمد (٣/ ٤٢١)، وابن ماجه (٣١ - الطبّ، ١ - ما أنزل الله داء، ٢/ ١١٣٧/ ٣٤٣٧)، والترمذي (٢٩ - الطبّ، ٢١ - الرقى، ٤/ ٣٩٩/ ٢٠٦٥ و٢١٤٨)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٢٦١٠)، والدولابي في "الكنى" (١٦٥ و١٦٦)، والخرائطي في "المكارم" (٩٤/ ٥٣٧ و٥٤٠)، والطبراني (٦/ ٤٧/ ٥٤٦٨)، وابن منده في "الصحابة" (٤/ ٤٢٨ - غابة)، والحاكم (٤/ ١٩٩)، وأبو نعيم في "المعرفة" (٤/ ٤٢٨ - غابة)، والبيهقي في "السنن" (٩/ ٣٤٩) و"الشعب" (١٢٠٨) و"الاعتقاد" (ص ١٤١)، وابن عبد البرّ في "الاستيعاب" (٤/ ٥١) معلّقًا؛ من طرق خمسة، عن ابن شهاب، [عن أبي خزامة =
[ ١٩٣ ]
وكذلكَ قالَ عُمَرُ لمَّا رَجَعَ مِن الطَّاعونِ، فقالَ لهُ أبو عُبَيْدَةَ: أفرارًا مِن قدرِ اللهِ؟ فقالَ عُمَرُ: نَفِرُّ مِن قدرِ اللهِ إلى قدرِ اللهِ. فإنَّ الله تَعالى يُقَدِّرُ المقاديرَ ويُقَدِّرُ ما يَدْفَعُ بعضَها قبلَ وقوعِهِ.
وكذلكَ الأذكارُ المشروعةُ تَدْفَعُ البلاءَ.
وفي حديثِ عُثْمانَ ﵁ عن النَّبيِّ - ﷺ -: "مَن قالَ حينَ يُصْبِحُ ويُمْسي بسمِ اللهِ الذي لا يَضُرُّ معَ اسمِهِ شيءٌ في الأرضِ ولا في السَّماءِ وهوَ السَّميعُ العليمُ؛ لمْ يُصِبْهُ بلاءٌ" (^١).
وفي "المسند": عن عائِشَةَ، عن النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "الشُّؤمُ سوءُ الخلقِ" (^٢).
_________________
(١) = أحد بني الحارث بن سعد، عن أبيه] … رفعه. على خلاف لهم في هذه الطريق لا يهمّنا هنا بسطه وإنّما يهمّنا أنّ أبا خزامة هذا مجهول. ومع ذلك فقد قال الترمذي: "حسن صحيح". فالوجه الأوّل يسقط عند الترجيح لضعف راويه، والثاني والثالث قويّان، لكنّ تتابع الخمسة - ومنهم ثقات أثبات - على الثالث يرجّحه على الثاني. فإمّا أن يقال: المحفوظ الثالث والثاني شاذّ، وإليه مال مسلم والحاكم مرّة. أو يقال: هو عند الزهري على الوجهين. وهذا الثاني هو الراجح فيما أرى لأمور: أوّلها: أنّ الأصل بعد صحّة الطرق أن يجمع بينها ما أمكن ولا يضرب بعضها ببعض. والثاني: أنّه لا يبعد عن الزهري على جلالته وسعة روايته أن يروي هذا المتن من أكثر من طريق. والثالث: أنّ معمرًا الثقة الثبت رواه عن الزهري على الوجهين فيما ذكر مسلم، وتابعه ابن أبي الأخضر. فالجمع بين الوجهين أولى من توهيم الثلاثة. وله شاهد عند الطبراني (١٢/ ١٣١/ ١٢٧٨٤) من طريق صالح المرّيّ، عن قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن ابن عبّاس … رفعه. قال الهيثمي (٥/ ٨٨): "فيه صالح المرّيّ، وهو ضعيف". قلت: واه يكاد يترك. فالحديث حسن بوجهه الثاني، ويزداد حسنًا بالثالث وشاهده، وقد قوّاه الترمذي والحاكم والذهبي.
(٢) (صحيح). رواه: الطيالسي (٧٩)، وابن أبي شيبة (٢٩٢٦٦)، وأحمد (١/ ٦٢ و٦٦)، وعبد بن حميد (٥٤٠ - منتخب)، والبخاري في "الأدب المفرد" (٦٦٠)، وابن ماجه (٣٤ - الدعاء، ١٤ - ما يدعو إذا أصبح وأمسى، ٢/ ١٢٧٣/ ٣٨٦٩)، وأبو داوود (الموضع السابق، ٢/ ٧٤٤/ ٥٠٨٨ و٥٠٨٩)، والترمذي (٤٩ - الدعوات، ١٣ - الدعاء إذا أصبح وأمسى، ٥/ ٤٦٥/ ٣٣٨٨)، وعبد الله بن أحمد (١/ ٧٢)، والبزّار (٣٥٧)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٩٨٤٣ و٩٨٤٥ و٩٨٤٦ و١٠١٧٨) و"اليوم والليلة" (١٥ و٣٤٨)، والطحاوي في "المشكل" (٤/ ١٧١ و١٧٢)، وابن حبّان (٨٥٢ و٨٦٢)، والطبراني في "الدعاء" (٣١٧)، وابن السنّي (٤٤)، والحاكم (١/ ٥١٤)، وأبو نعيم في "الحلية" (٩/ ٤٢)، والبغوي (١٣٢٦)، والضياء في "المختارة" (١/ ٤٣٣/ ٣٠٩ و٣١٠)؛ من طريقين، عن أبان بن عثمان، عن أبيه … به. وكلتا الطريقين قويّتان، والحديث صحيح بهما، وقد قوّاه الترمذي والدارقطني والحاكم والبغوي والضياء والمنذري والنووي والذهبي والعسقلاني وشاكر والألباني.
(٣) (حسن بشواهده). وقد جاء عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا وموصولًا من أوجه: =
[ ١٩٤ ]
وخَرَّجَهُ الخَرائِطِيُّ، ولفظُهُ: "اليُمْنُ حسنُ الخُلُقِ" (^١).
* وفي الجملةِ؛ فلا شؤمَ إلَّا المعاصي والذُّنوبُ؛ فإنَّها تُسْخِطُ الله، فإذا سَخِطَ اللهُ على عبدِهِ؛ شَقِيَ في الدُّنيا والآخرةِ، كما أنَّهُ إذا رَضِيَ عن عبدِهِ سَعِدَ في الدُّنيا والآخرةِ.
قالَ بعضُ الصَّالحينَ، وقد شُكِيَ إليهِ بلاءٌ وَقَعَ في النَّاسِ، فقالَ: ما أرَى ما أنتُم فيهِ إلَّا بشؤمِ الذُّنوبِ.
وقالَ أبو حازمٍ: كلُّ ما شَغَلَكَ عن اللهِ مِن أهلٍ أو ولدٍ أو مالٍ فهوَ عليكَ شؤمٌ.
_________________
(١) = * فرواه: أحمد (٦/ ٨٥)، والخرائطي في "المساوئ" (٢ و٣)، والطبراني في "الأوسط" (٤٣٥٧) و"الشاميّين" (١٤٦٢)، وابن عديّ (٢/ ٤٧٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ١٠٣)، والقضاعي في "الشهاب" (٢٥٤)؛ من طرق، عن أبي بكر بن أبي مريم، عن حبيب بن عبيد (وقال ابن عديّ: ضمرة بن حبيب)، عن عائشة … رفعته. وهذا سند ضعيف فيه علّتان: أشار إلى الأولى أبو نعيم بقوله: "تفرّد به أبو بكر". قال الهيثمي (٨/ ٢٨): "وهو ضعيف". قلت: بل توبع عند البخاري في "التاريخ" (٢/ ٣٢١): قال عبد الله، عن معاوية، عن حبيب بن عبيد، عن عائشة … رفعته بهذا اللفظ. وعبد الله هو كاتب الليث فيه ضعف. لكنّ متابعته أفادتنا: أنّ الصواب ها هنا ذكر حبيب، وأنّ ذكر ضمرة من تخليطات ابن أبي مريم، وأنّ الصواب في المتن ذكر الشؤم و"اليمن "رواية بالمعنى من تخليطات ابن أبي مريم، وأنّ ابن أبي مريم بريء من عهدة الحديث وإعلاله به لا يستقيم. والعلّة الثانية: أنّ رواية حبيب عن عائشة مرسلة. ورواه: أبو نعيم (١٠/ ٢٤٩)، والخطيب في "التاريخ" (٤/ ٢٧٦)؛ من طريق عبد الله بن إبراهيم الغفاري، ثنا جابر بن سليم، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمّد بن إبراهيم، عن عائشة … رفعته. والغفاريّ متّهم متروك لا تسوى متابعته فلسًا. * ورواه ابن وهب في "الجامع" (٤٨٨) من طريق قويّة، عن زيد بن الأخنس الكعبي، عن سعيد بن المسيّب، عن النبيّ - ﷺ - … بنحوه. وزيد وثّقه ابن حبّان وروى عنه ثقتان، فالسند مرسل صالح. * ورواه: السهمي في "جرجان" (ص ١٣٩/ رقم ١٥٣)، والطبراني في "الأوسط" (٥٧٢٢ و٨٣٩٩)، والدارقطني في "الأفراد"، والأصبهاني في "الترغيب" (١١٩٥)، والرافعي في "التدوين" (١/ ٣٠٢)؛ من حديث جابر بن عبد الله بسند واه. * ورواه ابن شاهين في "ثلاثة مجالس من الأماني" (٧٩٢ - الضعيفة) من حديث ابن عمر بسند واه. * وله شاهد واه من حديث رافع بن مكيث تقدّم آنفًا (ص ١٨٩). وأخلص من هذا إلى أنّ اجتماع حديث عائشة مع مرسل ابن المسيّب يشدّ هذا المتن ويفيد أنّ له أصلًا عن النبيّ - ﷺ -، وأمّا الموصولات الأخيرة؛ فواهية دون حدّ الاعتبار. وقد ضعّف الألباني يرحمه الله هذا المتن، ولعلّه لو وقف على طريق البخاري في "التاريخ" لكان له موقف آخر. والله أعلى وأعلم.
(٢) (منكر بهذا اللفظ). تقدّم لك آنفًا أنّه من تخليطات ابن أبي مريم التي لم يتابع عليها.
[ ١٩٥ ]
وقد قيلَ:
فَلا كانَ ما يُلْهي عَنِ اللهِ إنَّهُ … يَضُرُّ وَيُؤْذي إنَّهُ لَمَشُومُ
فالشُّؤمُ في الحقيقةِ هوَ المعصيةُ، واليمنُ [هوَ] طاعةُ اللهِ وتقواهُ، كما قيلَ:
إنَّ رَأْيًا دَعا إلى طاعةِ اللـ … ـهِ لَرَأْيٌ مبارَكٌ مَيْمونُ
والعدوى التي تُهْلِكُ مَن قارَبَها هيَ المعاصي، فمَن قارَبَها وخالَطَها وأصَرَّ عليها؛ هَلَكَ، وكذلكَ مخالطةُ أهلِ المعاصي ومَن يُحَسِّنُ المعاصيَ ويُزَيِّنُها ويَدْعو إليها مِن شياطينِ الإنسِ، وهُم أضرُّ مِن شياطينِ الجنِّ.
قالَ بعضُ السَّلفِ: شيطانُ الجنِّ تَسْتَعيذُ بِاللهِ منهُ فيَنْصَرِفُ، وشيطانُ الإنسِ لا يَبْرَحُ حتَّى يوقِعَكَ في المعصيةِ.
وفي الحديثِ: "يُحْشَرُ المرءُ على دينِ خليلِهِ، فلْيَنْظُرْ أحدُكُمْ مَن يُخالِلُ" (^١).
وفي حديثٍ آخرَ: "لا تَصْحَبْ إلَّا مؤمنًا ولا يَأْكُلْ طَعامَكَ إلَّا تقيٌّ" (^٢).
_________________
(١) (حسن). وقد جاء من حديث أبي هريرة وسهل: فرواه: الطيالسي (٢٥٧٣)، وإسحاق (١/ ٣٥٢/ ٣٥١)، وأحمد (٢/ ٣٠٣ و٣٣٤)، وعبد بن حميد (١٤٣١)، وأبو داوود (٣٥ - الأدب، ١٩ - من يؤمر أن يجالس، ٢/ ٦٧٥/ ٤٨٣٣)، والترمذي (٣٧ - الزهد، ٤٥ - باب، ٤/ ٥٨٩/ ٢٣٧٨)، وابن عديّ (٣/ ١٠٧٤)، وابن بطّة في "الإبانة" (٣٥٤ و٣٥٦)، والحاكم (٤/ ١٧١)، والقضاعي في "الشهاب" (١٨٧ و١٨٨)، والبيهقي في "الشعب" (٩٤٣٦ و٩٤٣٧)، والخطيب في "التاريخ" (٤/ ١١٥)، والذهبي في "النبلاء" (٨/ ١٨٩ و٤٥٣)؛ من طريق زهير بن محمّد، ثني موسى بن وردان، عن أبي هريرة … رفعه. وهذا سند قويّ، رواية العقديّ وابن مهدي عن زهير مستقيمة وهذا منها، وقد تابعه ابن لهيعة عند ابن بطّة (٣٥٥). وموسى بن وردان لا بأس بحديثه. ورواه: ابن بطّة (٣٥٧)، والحاكم (٤/ ١٧١)، وأبو نعيم في "الحلية" (٣/ ١٦٥)، والبيهقي في "الشعب" (٩٤٣٨)؛ من طريقين واهيتين، عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة … رفعه. صحّحه الحاكم والذهبي وأعلّه العسقلاني بضعيف ومجهول. قلت: وفي الطريق الأخرى مجهول أيضًا. ورواه: القضاعي (٩٠٧)، والخطيب في "الأوهام" (٢/ ١٢٨)؛ من طريق سليمان بن عمرو النخعي، عن أبي حازم، عن سهل … رفعه. والنخعي هذا هو أبو داوود، كذّاب. فحديث سهل لا يصلح لصالحة، وطريق أبي هريرة الثانية واهية، فالمعوّل في تحسين هذا الحديث على الطريق الأولى، وإلى تقويته انفصل الترمذي والحاكم والنووي والذهبي والألباني.
(٢) (حسن). رواه: ابن المبارك في "الزهد" (٣٦٤)، والطيالسي (٢٢١٣)، وأحمد (٣/ ٣٨)، والدارمي (٢/ ١٠٣)، وأبو داوود (٣٥ - الأدب، ١٩ - من يؤمر أن يجالس، ٢/ ٦٧٥/ ٤٨٣٢)، والترمذي (٣٧ - الزهد، ٥٥ - صحبة المؤمن، ٤/ ٦٠٠/ ٢٣٩٥)، وأبو يعلى (١٣١٥)، وابن حبان (٥٥٤ و٥٥٥ =
[ ١٩٦ ]
وممَّا يُرْوى لعَلِيِّ بن أبي طالِبٍ ﵁:
[فَـ]ـلَا تَصْحَبْ أخا الجَهْلِ … وَإيَّاكَ وَإيَّاهُ
فَكَمْ مِنْ جاهِلٍ أرْدى … حَكيمًا حينَ آخاهُ
يُقاسُ المَرْءُ بِالْمَرْءِ … إذا ما المَرْءُ ماشاهُ
وَلِلشَّيْءِ على الشَّيْءِ … مَقاييسٌ وأشْباهُ
ولِلْقَلْبِ عَلى القَلْبِ … دَليلٌ حينَ يَلْقاهُ
فالعاصي مشؤومٌ على نفسِهِ وعلى غيرِهِ؛ فإنَّهُ لا يُؤْمَنُ أنْ يَنْزِلَ عليهِ عذابٌ فيَعُمَّ النَّاسَ، خصوصًا مَن لمْ يُنْكِرْ عليهِ عملَهُ، فالبعدُ عنهُ متعيِّنٌ، فإذا كَثُرَ الخَبَثُ هَلَكَ النَّاسُ عمومًا.
وكذلكَ أماكنُ المعاصي وعقوباتُها يَتَعَيَّنُ البعدُ عنها (^١) والهربُ منها خشيةَ نزولِ العذابِ، كما قالَ النَّبيُّ - ﷺ - لأصحابِهِ لمَّا مَرَّ على ديارِ ثمودَ بالحِجْرِ: "لا تَدْخُلوا على هؤلاءِ المعذَّبينَ؛ إلَّا أنْ تَكونوا باكينَ؛ خشيةَ أنْ يُصيبَكُمْ ما أصابَهُم" (^٢).
ولمَّا تابَ الذي قَتَلَ مئةَ نفسٍ مِن بني إسرائيلَ وسَألَ العالِمَ هلْ لهُ [مِن] توبةٍ؛ قالَ لهُ: نعم، فأمَرَهُ أنْ يَنْتَقِلَ مِن قريةِ السُّوءِ إلى القريةِ الصَّالحةِ، فأدْرَكَهُ الموتُ بينَهُما، فاخْتَصَمَ فيهِ ملائكةُ الرَّحمةِ وملائكةُ العذابِ، فأوْحى اللهُ إليهِم: أنْ قيسوا بينَهُما، فإلى أيِّهِما كانَ أقربَ فألْحِقوهُ بها، فوَجَدوهُ إلى القريةِ الصَّالحةِ أقربَ برميةِ حجرٍ، فغُفِرَ لهُ.
هجرانُ أماكنِ المعصيةِ وإخوانِها مِن جملةِ الهجرةِ المأْمورِ بها؛ فإنَّ المهاجرَ مَن
_________________
(١) = و٥٦٠)، والطبراني في "الأوسط" (٣١٦٠)، والحاكم (٤/ ١٢٨)، والبيهقي في "الشعب" (٩٣٨٢ و٩٣٨٣)، والبغوي (٣٤٨٤)؛ كلهم عن حيوة بن شريح إلّا الطبراني فعن ابن لهيعة، عن سالم بن غيلان، عن الوليد بن قيس، أنّه سمع أبا سعيد أو عن أبي الهيثم عن أبي سعيد … رفعه. وهذا سند حسن من أجل سالم والوليد؛ فلا بأس بهما، والشك في إثبات أبي الهيثم أو عدمه لا يضرّ، فكلا الوجهين حسن. وقد حسّنه الترمذي والبغوي والمنذري والنووي والألباني وصحّحه الحاكم والذهبي.
(٢) في خ: "يتعيّن البعد منها"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
(٣) رواه: البخاري (٨ - الصلاة، ٥٣ - الصلاة في مواضع الخسف، ١/ ٥٣٠/ ٤٣٣)، ومسلم (٥٣ - الزهد، ١ - لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا، ٤/ ٢٢٨٥/ ٢٩٨٠ و٢٩٨١)؛ من حديث ابن عمر.
[ ١٩٧ ]
هَجَرَ ما نَهى اللهُ عنهُ.
قالَ إبْراهيمُ بنُ أدْهَمَ: مَن أرادَ التَّوبةَ؛ فلْيَخْرُجْ مِن المظالمِ، ولْيَدَعْ مخالطةَ مَن كانَ يُخالِطُهُ، وإلَّا؛ لمْ يَنَلْ ما يُريدُ.
احْذَروا الذُّنوبَ؛ فإنَّها مشؤومة، عواقبُها ذميمة، وعقوباتُها أليمة، والقلوبُ المحبَّةُ لها سقيمة، والنُّفوسُ المائلةُ إليها غيرُ مستقيمة، والسَّلامةُ منها غنيمة، والعافيةُ منها ليس لها قيمة، والبليَّةُ بها - لا سيَّما بعدَ نزولِ الشَّيبِ - داهيةٌ عظيمة.
طاعَةُ اللهِ خَيْرُ ما اكْتَسَبَ العَبْـ … ـدُ كُنْ طائِعًا لِلهِ لا تَعْصِيَنْهُ
ما هَلاكُ النُّفوسِ إلَّا المعاصي … فَاجْتَنِبْ ما نَهاكَ لا تَقْرَبَنْهُ
إنَّ شَيْئًا هَلاكُ نَفْسِكَ فيهِ … يَنْبَغي أنْ تَصونَ نَفْسَكَ عَنْهُ
يا مَن ضاعَ قلبُهُ! انْشُدْهُ في مجلسِ الذِّكرِ، عَسى أنْ تَجِدَهُ. يا مَن مَرِضَ قلبُهُ! احْمِلْهُ إلى مجلسِ الذِّكرِ، لَعَلَّهُ أنْ يُعافى.
مجالسُ الذِّكرِ مارَسْتاناتُ (^١) الذُّنوبِ، تُداوى فيها أمراضُ القلوبِ كما تُداوى أمراضُ الأبدانِ في مارستاناتِ الدُّنيا، ونزهٌ لقلوبِ المؤمنينَ تَتَنَزَّهُ فيهـ[ـا] (^٢) بسماعِ كلامِ الحكمةِ كما تَتَنَزَّهُ أبصارُ أهلِ الدُّنيا في رياضِها وبساتينِها.
مجلسُنا هذا حضرةٌ في روضةِ الخشوع، طعامُنا فيهِ الجوع، وشرابُنا فيهِ الدُّموع، ونُقْلُنا (^٣) هذا الكلامُ المسموع، نُداوي فيهِ أمراضًا أعْيَتْ جالينوسَ وبَخْتيشوع، نَسْقي فيهِ دِرْياقَ الذُّنوبِ وفاروقَ المعاصي (^٤) فمَن شَرِبَ لمْ يَكُنْ لهُ إلى المعصيةِ رجوع، كم أفاقَ فيهِ مِن المعصيةِ مصروع، وبَرِئَ فيهِ مِن الهوى ملسوع، ووَصَلَ فيهِ إلى اللهِ مقطوع، ما عيبُهُ إلَّا أن الطَّبيبَ الذي لهُ لو كانَ يَسْتَعْمِلُ ما يَصِفُ للنَّاسِ لكانَ إلى قولِهِ المرجوع. يا ضيعةَ العمرِ إنْ نَجا السَّامعُ وهَلَكَ المسموع! يا خيبةَ المسعى إنْ وَصَلَ
_________________
(١) المارستان: المستشفى بلغتنا اليوم.
(٢) زيادة يقتضيها السياق ليست في خ وم ون.
(٣) النقل: ما يؤكل بعد الطعام على سبيل التسلية كالفواكه والحلويات والمكسّرات.
(٤) درياق الذنوب: دواؤها، كالترياق. فاروق المعاصي: ما يفرّق بين المرء وبين المعصية.
[ ١٩٨ ]
التَّابعُ وانْقَطَعَ المتبوع!
وَغَيْرُ تَقِيٍّ يَأْمُرُ النَّاسَ بِالتُّقى … طَبيبٌ يُداوي النَّاسَ وَهْوَ سَقيمُ (^١)
يا أيُّها الرَّجُلُ المُقَوِّمُ غَيْرَهُ … هَلَّا لِنَفْسِكَ كانَ ذا التَّقْويمُ
فابْدَأْ بِنَفْسِكَ فَانْهَها عَنْ غَيِّها … فَإنِ انْتَهَتْ عَنْهُ فَأنْتَ حَكيمُ
فَهُناكَ يُقْبَلُ ما تَقولُ وَيُقْتَدى … بِالقَوْلِ مِنْكَ وَيَنْفَعُ التَّعْليمُ
لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وَتَأْتِيَ مِثْلَهُ … عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظيمُ (^٢)
غيرُهُ:
كَمْ ذا التَّمادي فها قَدْ جاءَنا صَفَرُ … شَهْرٌ بِهِ الفَوْزُ وَالتَّوْفيقُ وَالظَّفَرُ
فَابْدَأْ بِما شِئْتَ مِنْ فِعْلٍ تُسَرُّ بهِ … يَوْمَ المَعادِ ففيهِ الخَيْرُ يُنْتَظَرُ
توبوا إلى اللهِ فيهِ مِن ذُنوبِكُمُ … مِنْ قَبْلِ يَبْلُغُ فيكُمْ حَدَّهُ العُمُرُ
* * *
_________________
(١) هذا البيت لا علاقة له بما يليه؛ لأنّه من البحر الطويل وما يليه من الكامل.
(٢) زاد في حاشية خ هنا: "تصف الدواء لذي السقام ليشتفي، داء ألمّ به وأنت سقيم"، وهو لاحق بهذه الأبيات حقيقة، لكن الظاهر أنّه هنا من إضافة النسّاخ، ولذلك لم يشر إليه بعلامة إلحاق، ولا ساقته سائر الأصول الخطّيّة.
[ ١٩٩ ]