خَرَّجَ الإمامُ أحمدُ بإسنادِهِ: عن رجلٍ مِن باهِلَةَ، قالَ: أتَيْتُ النَّبيَّ - ﷺ - لحاجةٍ مرَّةً. فقالَ: "مَن أنتَ؟ ". قُلْتُ: أما تَعْرِفُني؟ قالَ: "ومَن أنتَ؟ ". قالَ: أنا الباهِلِيُّ الذي أتَيْتُكَ عامَ أوَّلَ. فقالَ: "إنَّكَ أتَيْتَني وجسمُكَ ولونُكَ وهيئتُكَ حسنةٌ، فما بَلَغَ بكَ ما أرى؟ ". قُلْتُ: واللهِ؛ ما أفْطَرْتُ بعدَكَ إلَّا ليلًا. قال: "مَن أمَرَكَ أنْ تُعَذِّبَ نفسَكَ؟ مَن أمَرَكَ أنْ تُعَذِّبَ نفسَكَ؟ (ثلاثَ مرَّاتٍ). صُمْ شهرَ الصَّبرِ (رمضان) ". قُلْتُ: إنِّي أجِدُ قوَّةً، وإنِّي أُحِبُّ أنْ تَزيدَني. قالَ: "صُمْ يومًا مِن الشَّهرِ". قُلْتُ: إنِّي أجِدُ قوَّةً، وإنِّي أُحِبُّ أنْ تَزيدَني. قالَ: "فيومينِ مِن الشَّهرِ". قُلْتُ: إنِّي أجِدُ قوَّةً، وإنِّي أُحِبُّ أنْ تَزيدَني. قالَ: "فثلاثةُ أيَّام مِن الشَهرِ". قالَ: وألَحَّ عندَ الرَّابعةِ فما كادَ. فقُلْتُ: إنِّي أجِدُ قوَّةً، وإنِّي أُحِبُّ أنْ تَزيدَني. قالَ: "فمِن الحُرُمِ وأفْطِرْ" (^١). وخَرَّجَهُ أبو داوودَ
_________________
(١) (حسن لشواهده دون ذكر الحرم). رواه: سعيد بن منصور (٤/ ١٧٣ - إصابة)، وابن سعد (٧/ ٨٣)، وأحمد (٥/ ٢٨)، وعبد بن حميد (٤٠٠ - منتخب)، وابن ماجه (٧ - الصيام، ٤٣ - صيام الحرم، ١/ ٥٥٤/ ١٧٤١)، وأبو داوود (٨ - الصيام، ٥٤ - صوم الحرم، ١/ ٧٣٨/ ٢٤٢٨)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (١٢٥٥)، والنسائي في "الكبرى" (٢٧٤٣)، والبغوي في "المعجم" (٢٣١٨ - مختصر أبي داوود)، وابن قانع (٢/ ٩٣/ ٥٣٨)، والطبراني (٢٢/ ٣٥٨/ ٩٠١)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٢٩١) و"الشعب" (٣٧٣٨)، والضياء في "المختارة" (٩/ ٢٢٩/ ٢١١ - ٢١٢)، والمزّي في "التهذيب" (٣٥/ ٣٠٣)؛ من طرق، عن الجريري، عن أبي السليل، ثتني مجيبة الباهليّة، عن أبيها أو عمّها … رفعه. والجريريّ اختلط، لكن في الرواة عنه هنا الثوري، وهو ممّن روى عنه قبل اختلاطه. وأبو السليل ثقة. ومجيبة مجهولة. وقال المنذري بعد ذكر خلاف لهم في سنده: "وقع فيه هذا الاختلاف كما تراه، وأشار بعض شيوخنا إلى تضعيفه لذلك، وهو متوجّه". قلت: تضعيفه بجهالة مجيبة أقوى. وقد ضعّفه الألباني. لكنْ روى: الطيالسي (٣/ ٣٠٨ - إصابة)، وابن سعد (٧/ ٤٦ و٨٣)، والبخاري في "التاريخ" (٧/ ٢٣٨)، وسمّويه في (الفوائد" (٣/ ٣٠٨ - إصابة)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (١٤٤٥)، وابن قانع في "المعجم" (٢/ ٣٨٢/ ٩٣٠)، وابن حبّان في "الثقات" (٣/ ٣٥٦) تعليقا، والطبراني (١٩/ ١٩٤/ ٤٣٥)، وابن =
[ ٥٥٩ ]
والنَّسائِيُّ وابنُ ماجَهْ بمعناهُ، وفي ألفاظِهِم زيادةٌ ونقصٌ.
وفي بعضِ الرِّواياتِ "صُمِ الحُرُمَ وأفْطِرْ" (^١).
• في هذا الحديثِ دليلٌ على أن مَن تَكَلَّفَ [مِن] العبادةِ ما يَشُقُّ عليهِ حتَّى تأذَّى بذلكَ جسدُهُ؛ فإنَّهُ غيرُ مأْمورٍ بذلكَ (^٢)، ولذلكَ قالَ لهُ: "مَن أمَرَكَ أنْ تعَذِّبَ نفسَكَ؟ "، وأعادَها عليهِ ثلاثَ مرارٍ.
وهذا كما قالَ لمَن رَآهُ يَمْشي في الحجِّ وقد أجْهَدَ نفسَهُ: "إنَّ الله لغنيٌّ عن تعذيبِ هذا نفسَهُ، فمُروهُ فلْيَرْكَبْ" (^٣).
وقالَ لعَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العاصِ حيثُ كانَ يَصومُ النَّهارَ ويَقومُ الليلَ ويَخْتِمُ القرآنَ في كلِّ ليلةٍ ولا يَنامُ معَ أهلِهِ، فأمَرَهُ أنْ يَصومَ ويُفْطِرَ ويَقْرَأ القرآنَ في كلِّ سبعٍ. وقالَ لهُ: "إنَّ لنفسِكَ عليكَ حقًّا، وإنَّ لأهلِكَ عليكَ حقًّا، فآتِ كلَّ ذي حقٍّ حقَّهُ" (^٤).
ولمَّا بَلَغَهُ عن بعض أصحابِهِ أنَّهُ قالَ: أنا أصومُ ولا أُفْطِرُ، وقالَ آخرُ منهُم: أنا أقومُ ولا أنامُ، وقالَ آخرُ منهُم: لا أتَزَوَّجُ النِّساءَ. فخَطَبَ - ﷺ -، وقالَ: "ما بالُ رجالٍ يَقولونَ كذا وكذا؟! لكنِّي أصومُ وأُفْطِرُ وأقومُ وأنامُ وآكلُ اللحمَ وأتَزَوَّجُ النِّساءَ، فمَن
_________________
(١) = عبد البر في "الاستيعاب" (٣/ ٣٢١) تعليقًا، وابن الأثير في "الغابة" (٣/ ٥٤٧)؛ من طريق حمّاد بن يزيد المنقري، ثنا معاوية بن قرّة المزني، عن كهمس الهلاليّ … رفعه مختصرًا بمعناه دون ذكر الحرم. قال الهيثمي (٣/ ٢٠٠): "فيه حمّاد بن يزيد المنقري ولم أجد من ذكره". قلت: بيض له البخاري وابن أبي حاتم وذكره ابن حبّان في "الثقات" وروى عنه جماعة فمثله لا بأس بحديثه. فإن كانت الحادثة المذكورة في الطريقين واحدة، وكان ذكر "الباهلية" في الطريق الأولى وهمّا من أبي السليل أو الجريري صوابه الهلاليّة، أو كانت مجيبة هلاليّة الأصل باهليّة الزوج والولد فصحّت نسبتها إلى القبيلتين؛ فهذا المتن قويّ بمجموع طريقيه. وإن كان هاهنا حادثتان متشابهتان؛ فالأولى ضعيفة، والمعوّل على الثانية في تقوية هذا المتن. وعليه؛ فالمتن قويّ على الحالين؛ إلّا ذكر الأشهر الحرم؛ فقد تفرّدت به الطريق الأولى وحدها، وهي ضعيفة كما علمت.
(٢) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه في الحاشية السابقة.
(٣) وربّما وصل به الحال إلى أن يكون آثمًا بفعله هذا.
(٤) رواه: البخاري ٢٨١ - جزاء الصيد، ٢٧ - من نذر المشي، ٤/ ٧٨/ ١٨٦٥)، ومسلم (٢٦ - النذر، ٤ - من نذر أن يمشي، ٣/ ١٢٦٣/ ١٦٤٢)؛ من حديث أنس.
(٥) متّفق عليه. تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٢٩٥).
[ ٥٦٠ ]
رَغِبَ عن سنَّتي؛ فليسَ منِّي" (^١).
وسببُ هذا أنَّ اللهَ تَعالى خَلَقَ ابنَ آدَمَ محتاجًا إلى ما يَقومُ بهِ بدنُهُ مِن مأْكلٍ ومشربٍ ومنكحٍ وملبسٍ، وأباحَ لهُ مِن ذلكَ كلِّهِ ما هوَ طيِّبٌ حلالٌ تَقوى بهِ النَّفسُ ويَصِحُّ بهِ الجسدُ ويَتَعاوَنانِ على طاعةِ اللهِ ﷿، وحَرَّمَ مِن ذلكَ ما هوَ ضارٌّ خبيثٌ يوجِبُ للنَّفسِ طغيانَها وعماها وقسوتَها وغفلتَها وأشرَها وبطرَها، فمَن أطاعَ نفسَهُ في تناولِ ما تَشْتَهيهِ ممَّا حَرَّمَهُ اللهُ عليهِ؛ فقد تَعَدَّى وطَغى وظَلَمَ نفسَهُ، ومَن مَنَعَها حقَّها مِن المباحِ حتَّى تَضَرَّرَتْ بذلكَ؛ فقد ظَلَمَها ومَنَعَها حقَّها، فإنْ كانَ ذلكَ سببًا لضعفِها وعجزِها عن أداءِ شيءٍ مِن فرائضِ اللهِ عليهِ ومِن حقوقِ اللهِ ﷿ أو حقوقِ عبادِهِ؛ كانَ بذلكَ عاصيًا، وإنْ كانَ ذلكَ سببًا للعجزِ عن نوافلَ هيَ أفضلُ ممَّا فَعَلَهُ؛ كانَ بذاكَ مفرِّطًا مغبونًا خاسرًا.
وقد كانَ رجلٌ في زمنِ التَّابعينَ يَصومُ ويُواصِلُ حتَّى يَعْجِزَ عنِ القيامِ، فكانَ يُصَلِّي الفرضَ جالسًا، فأنْكَروا ذلكَ عليهِ، حتَّى قالَ عَمْرُو بنُ مَيْمونٍ: لو أدْرَكَ هذا أصحابُ مُحَمَّدٍ لَرَجَموهُ.
وكانَ ابنُ مَسْعودٍ يُقِلُّ الصِّيامَ ويَقولُ: إنَّهُ يُضْعِفُني عن قراءةِ القرآنِ، وقراءةُ القرآنِ أحبُّ إليَّ.
وأحْرَمَ رجلٌ مِن الكوفةِ، فقَدِمَ مَكَّةَ وقد أصابَهُ الجهدُ، فرَآهُ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وهوَ سيِّئُ الهيئةِ، فأخَذَ عُمَرُ بيدِهِ وجَعَلَ يَدورُ بهِ الحلقَ ويَقولُ للنَّاسِ: انْظُروا إلى ما يَصْنَعُ هذا بنفسِهِ وقد وَسَّعَ اللهُ عليهِ!
فمَن تَّكَلَّفَ مِن التَّطوُّعِ ما يَتَضَرَّرُ بهِ في جسمِهِ كما فَعَلَ هذا الباهِلِيُّ، أو مَنَعَ بهِ حقًّا واجبًا عليهِ كما فَعَلَ عَبْدُ اللهِ بنُ عَمْرِو بنِ العاصِ وغيرُهُ ممَّن عَزَمَ على تركِ المباحاتِ في عهدِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ فإنَّهُ يُنْهى عن ذلكَ. ومنِ احْتَمَلَ بدنُهُ ذلكَ ولم يَمْنَعْهُ مِن حقٍّ واجبٍ عليهِ؛ لم يُنْهَ عن ذلكَ إلَّا أنْ يَمْنَعَهُ عمَّا هوَ أفضلُ مِن ذلكَ مِن النَّوافلِ؛ فإنَّهُ
_________________
(١) متّفق عليه. تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٢٩٥).
[ ٥٦١ ]
يُرْشَدُ إلى عملِ الأفضلِ (^١).
وأحوالُ النَّاس تَخْتَلِفُ فيما تَحْمِلُ أبدانُهُم مِن العملِ.
كانَ سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ يَصومُ ثلاثَةَ أيَّامٍ مِن الشَّهرِ فيُرى أثرُ ذلكَ عليهِ، وكانَ غيرُهُ في زمنِهِ يَصومُ الدَّهرَ فلا يَظْهَرُ عليهِ أثرُهُ (^٢).
وكانَ كثيرٌ مِن المتقدِّمينَ يَحْمِلونَ على أنفسِهِم مِن الأعمالِ ما يُضِرُّ بأجسادِهِم ويَحْتَسِبونَ أجرَ ذلكَ عندَ اللهِ، وهؤلاءِ قومٌ أهلُ صدقٍ وجدٍّ واجتهادٍ فيُحَيَّوْنَ على ذلكَ (^٣)، ولكنْ لا يُقْتَدى بهِم، وإنَّما يُقْتَدى بسنَّةِ رسولِ اللهِ - ﷺ -؛ فإنَّ خيرَ الهَدْيِ هديُهُ، ومَن أطاعَهُ فقدِ اهْتَدى، ومنِ اقْتَدى بهِ وسَلَكَ وراءَهُ وَصَلَ إلى اللهِ ﷿.
• وقد كانَ - ﷺ - يَنْهى عنِ التَّعسيرِ ويَأْمُرُ التَّيسِيرِ (^٤)، ودينُهُ الذي بُعِثَ بهِ يُسْرٌ.
وكانَ يَقولُ: "خيرُ دينِكُم أيسرُهُ" (^٥).
_________________
(١) إن وقع فيما نهى النبيّ - ﷺ - عنه أثم ولو احتمله بدنه: كأن يصوم الدهر مثلًا، أو يداوم على قيام الليل كلّه، أو يقرأ القرآن كلّ يوم أو يومين …
(٢) فهذا آثم ولو لم يظهر عليه أثر ولا ضرر.
(٣) قصارى ما يقال في المتعمّقين أنّهم معذورون بجهلهم أو بتأوّلهم، ولا يستحقّ التحيّة والثناء إلّا أهل الاتّباع.
(٤) رواه: البخاري (٣ - العلم، ١١ - ما كان يتخوّلهم بالموعظة، ١/ ١٦٣/ ٦٩)، ومسلم (٣٢ - الجهاد، ٣ - الأمر بالتيسير، ٣/ ١٣٥٩/ ١٧٣٤)؛ عن أنس. وفي الباب عندهما عن جماعة من الصحابة.
(٥) (صحيح). وقد جاء عن جماعة من الصحابة: فرواه: الطيالسي (١٢٩٦)، وأحمد (٤/ ٣٣٨، ٥/ ٣٢)، والبخاري في "الأدب" (٣٤١)، وعمر بن شبّة في "المدينة" (١/ ٢٧٥)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٢٣٨٣)، والطبراني في "الكبير" (١٨/ ٢٣٠ / ٥٧٣، ٢٠/ ٢٩٦/ ٧٠٤ - ٧٠٧) و"الأوسط" (٢٤٩٧)، وابن شاهين (٢/ ٥٨ - إصابة)، والقضاعي (١٢٢٤)، والمزّي في "التهذيب" (٩/ ١٦٠)؛ من طرق، [عن عبد الله بن شقيق]، [عن رجاء بن أبي رجاء]، (قال مرّة: عن عمران بن حصين، ومرّة: عن محجن بن الأدرع، ومرّة: عن بريدة) … رفعه. وهذا سند ضعيف فيه علل: أولاها: اختلافهم في إثبات ابن شقيق وإسقاطه، والصواب إثباته وإسقاطه وهم، والرجل ثقة، فالعلّة غير قادحة. والثانية: اختلافهم في إثبات رجاء وأسقاطه، وإثباته زيادة ثقة يتعيّن المصير إليها، ورجاء مجهول. والثالثة: اختلافهم على الصحابيّ، ولا يضرّ. فالعلّة الثانية وحدها هي القادحة. ورواه: الطبراني في "الصغير" (١٠٦٨)، وابن عدي (٣/ ١٢٤٣)، وأبو الشيخ في "الطبقات" (٣/ ٢١٤ و٥٥٤ و٥٧٧)، والقضاعي (١٢٢٥)، والضياء في "المختارة" (٧/ ١٣٢/ ٢٥٦٥)؛ من طرق ثلاث، عن=
[ ٥٦٢ ]
ورَأى رجلًا يُكْثِرُ الصَّلاةَ، فقالَ: "إنَّكُم أُمَّةٌ أُريدَ بكُمُ اليسرَ" (^١).
ولم يَكُنْ أكثرُ تطوُّعِ النَّبيِّ - ﷺ - وخواصِّ أصحابِهِ بكثرةِ الصَّومِ والصَّلاةِ، بل ببرِّ القلوبِ وطهارتِها وسلامتِها وقوَّةِ تعلُّقِها باللهِ خشيةً لهُ ومحبّهً وإجلالًا وتعظيمًا ورغبةً فيما عندَهُ وزهدًا فيما يَفْنى.
وفي "المسند": عن عائِشَةَ؛ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قالَ: "إنِّي أعلمُكُم باللهِ وأتقاكُم لهُ قلبًا" (^٢).
قالَ ابنُ مَسْعودٍ لأصحابِهِ: أنتم أكثرُ صلاةً وصيامًا مِن أصحابِ مُحَمَّدٍ - ﷺ -، وهُم كانوا خيرًا منكُم. قالوا: ولمَ؟ قالَ: كانوا أزهدَ منكُم في الدُّنيا وأرغبَ في الآخرةِ.
وقال بَكْرٌ المُزنِيُّ: ما سَبَقَهُم أبو بَكْرٍ بكثرةِ صيامٍ ولا صلاةٍ، ولكنْ بشيءٍ وَقَرَ في صدرِهِ. قالَ بعضُ العلماءِ المتقدِّمينَ: الذي وَقَرَ في صدرِهِ هوَ حبُّ اللهِ والنَّصيحةُ لخلقِهِ.
وسُئِلَتْ فاطِمَةُ بنتُ عَبْدِ المَلِكِ زوجةُ عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزيزِ بعدَ وفاتِهِ عن عملِهِ. فقالَتْ: واللهِ، ما كانَ بأكثرَ النَّاسِ صلاةً ولا بأكثرِهِم صيامًا، ولكنْ واللهِ ما رَأيْتُ أحدًا أخوفَ للهِ مِن عُمَرَ، لقد كانَ يَذْكُرُ اللهَ في فراشِهِ فيَنْتَفِضُ انتفاضَ العصفورِ مِن شدَّةِ الخوفِ حتَّى نَقولَ: لَيُصْبِحَنَّ النَّاسُ ولا خليفةَ لهُم.
_________________
(١) = أنس … رفعه. والطرق الثلاث ضعيفة، لكنّ اجتماعها يرشّح الحديث للانتفاع بالشواهد. ورواه: مسدّد في "المسند" (٢/ ٥٨ - إصابة)، وأحمد بن منيع في "المسند" (٢/ ٥٨ - إصابة)، والروياني (٥٨)؛ من طريقين، عن رجل من أسلم … رفعه. وإحدى طريقيه قويّة. ورواه أحمد (٣/ ٤٧٩) من طريق أبي هلال الراسبي، سمعت حميد بن هلال، عن أبي قتادة، عن أعرابيّ … رفعه. قال العسقلاني: "سند صحيح". قلت: في أبي هلال كلام، وحديثه ليّن. وهذا اللفظ صحيح بمجموع هذه الطرق، وقد مال إلى تقويته الضياء المقدسيّ والعراقي والهيثمي والعسقلاني والعجلوني والمناوي.
(٢) (حسن بشواهده). هذا أحد ألفاظ حديث عبد الله بن شقيق المتقدّم بيان ضعفه آنفًا. لكن يشهد لهذه القطعة الطرق الأُخرى المتقدّمة وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.
(٣) رواه: أحمد (٦/ ٦١)، والبخاري (٢ - الإيمان، ١٣ - أنا أعلمكم بالله، ١/ ٧٠/ ٢٠)؛ من الطريق نفسها عن عائشة.
[ ٥٦٣ ]
قالَ بعضُ السَّلفِ: ما بَلَغَ مَن بَلَغَ عندَنا بكثرةِ صلاةٍ ولا صيامٍ، ولكنْ بسخاوةِ النُّفوسِ وسلامةِ الصُّدورِ والنُّصحِ للأُمَّةِ. وزادَ بعضُهُم: واحتقارِ أنفسِهِم.
وذُكِرَ [لـ]ـبعضِهِم شدَّةُ اجتهادِ بني إسْرائيلَ في العبادةِ، فقالَ: إنَّما يُريدُ اللهُ منكُم صدقَ النِّيِّةِ فيما عندَهُ. فمَن كانَ باللهِ أعرفَ ولهُ أخوفَ وفيما عندَهُ أرغبَ؛ فهوَ أفضلُ ممَّن دونَهُ في ذلكَ وإنْ كَثُرَ صومُهُ وصلاتُهُ.
قالَ أبو الدَّرْداءِ: يا حَبَّذا نومُ الأكياسِ وفطرُهُم كيفَ يَسْبِقُ سَهَرَ الجاهلينَ وصيامَهُم! ولهذا المعنى كانَ فضلُ العلمِ النَّافعِ الدَّالِّ على معرفةِ اللهِ وخشيتِهِ ومحبَّتِهِ ومحبَّةِ ما يُحِبُّهُ وكراهةِ ما يَكْرَهُهُ - لا سيَّما عندَ غلبةِ الجهلِ والتَّعبُّدِ بهِ - أفضلَ مِن التَّطوُّعِ بأعمالِ الجوارحِ.
قالَ ابنُ مَسْعودٍ: أنتُم في زمانٍ العملُ فيهِ أفضلُ مِن العلمِ، وسَيَأْتي زمانٌ العلمُ فيهِ أفضلُ مِن العملِ.
[و] قالَ مُطَرِّفٌ: فضلُ العلمِ أحبُّ إليَّ مِن فضلِ العبادةِ، وخيرُ دينِكُمُ الورعُ. وخَرَّجَهُ الحاكمُ وغيرُهُ مرفوعًا (^١).
_________________
(١) (صحيح مرفوعًا). هذا حديث يرويه الأعمش وفيه خلاف أجمله في الأوجه التالية: روى أوّلها ابن الجوزي في "الواهيات" (٧٨) من طريق أبي مطيع، عنه، عن أبي صالح، عن أبي هريرة … رفعه بنحوه. وأبو مطيع هو الحكم بن عبد الله البلخي متّهم متروك. وروى الثاني: البزّار (١٣٩ - كشف)، والطبراني في "الأوسط" (٣٩٧٢)، وابن عديّ في "الكامل" (٤/ ١٥١٤)، والحاكم (١/ ٩٢)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٢١١)، والبيهقي في "المدخل" (٤٥٥)، والقاضي في "علل الترمذي" (ص ٣٤١/ رقم ٦٣٣)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٧٦)؛ من طريق عبد الله بن عبد القدّوس، عنه، عن مطرّف، عن حذيفة … رفعه. وعبد الله بن عبد القدّوس صاحب مناكير لا يعدو أن يكون صالحًا في الشواهد، وبه أعلّه الهيثمي (١/ ١٢٥). وروى الثالث: أبو خيثمة في "العلم" (١٣)، وابن سعد (٧/ ٧٢)، وأحمد في "الزهد" (١٣٣٨)، والفسوي في"المعرفة" (٣/ ٣٩٧)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٢١١ و٢١٢)، والبيهقي في "الشعب" (١٧٠٦) و"المدخل" (٤٥٧)، وابن عبد البرّ في "العلم" (١/ ٢٨)؛ من طرق، عن الأعمش وقتادة وغيرهما، عن مطرّف … فذكره من قوله. وهذا قويّ بالمتابعات؛ لأنّه منقطع بين الأعمش ومطرّف؛ فقد بيّنت بعض الروايات أنّه بلاغ، وقد قوّاه البزّار والدارقطني والبيهقي.
[ ٥٦٤ ]
ونَصَّ كثيرٌ مِن الأئمَّةِ على أنَّ طلبَ العلمِ أفضلُ مِن صلاةِ النَّافلةِ، وكذلكَ الاشتغالُ بتطهيرِ القلوبِ أفضلُ مِن الاستكثارِ مِن الصَّومِ والصَّلاةِ معَ غشِّ القلوبِ ودغلِها. ومثلُ مَن يَسْتكثِرُ مِن الصَّومِ والصَّلاةِ معَ دغلِ القلبِ وغشِّهِ كمثلِ مَن بَذَرَ بذرًا في أرضٍ دغلةٍ كثيرةِ الشَّوكِ فلا يَزْكو ما يَنْبُتُ فيها مِن الزَّرعِ بل يَمْحَقُهُ دغلُ الأرضِ
_________________
(١) = وروى الرابع: الشاشي (٧٥)، والإسماعيلي في "المعجم" (١/ ٣٥٥)، وأبو الشيخ في "الطبقات" (٣/ ٢٧٦)، والدارقطني في "العلل" (٥٩١)، والحاكم (١/ ٩٢)، والبيهقي في "المدخل" (٤٥٤) و"الزهد" (٨١٧)، والضياء في "المختارة" (٣/ ٢٦٤/ ١٠٦٨)؛ من طريق حمزة بن حبيب الزيّات، عنه، [عن رجل]، عن مصعب بن سعد، عن سعد … رفعه. وحمزة هو القارئ المشهور صدوق، والرجل المبهم صرّح الحاكم والبيهقي أنّه الحكم بن عتيبة الثقة الثبت، فالسند حسن، وقد صحّحه الحاكم والذهبي والألباني. فالأوّل ساقط. والثاني مرجوح. والثالث أقواها؛ لقوّة الطريق إلى الأعمش، ولأنّه توبع عليه. والرابع دون الثالث قوّة، ولكنّه ليس بالمرجوح؛ لأنّه لا يبعد أن يكون للأعمش - على سعة روايته - إسنادان في حديث واحد، ولأنّ أصل التوفيق بين المرويّات بعد صحّتها لا ضرب بعضها ببعض. * ثمّ له شاهد يرويه: ابن عدي (٦/ ٢١٧٠)، والبيهقي في "الشعب" (٥٧٥١)؛ من طريق محمّد بن عبد الملك الأنصاري، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة … رفعته. والأنصاريّ متّهم * وآخر يرويه: الطبراني (١١/ ٣٢/ ١٠٩٦٩)، وابن عدي (٣/ ١٢٩٣)، وأبو الشيخ في "الثواب"، والقضاعي (٤٠ و١٢٩٢)، وابن عبد البرّ في "العلم" (١/ ٢٧)، والخطيب في "التاريخ" (٤/ ٤٣٦)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٧٧)؛ من طريق سوّار بن مصعب، عن ليث، عن طاووس، عن ابن عبّاس … رفعه. قال الهيثمي (١/ ١٢٥): "فيه سوّار بن مصعب، ضعيف جدًّا". قلت: متروك ساقط الحديث. * وثالث يرويه: وكيع في "الزهد" (٢٢٢)، وابن أبي شيبة (٢٦١٠٦ و٣٤٣٩٤)، وابن أبي الدنيا في "الورع"، وابن عبد البرّ في "العلم" (١/ ٢٦)؛ من طريق سفيان، عن عمرو بن قيس، عن النبيّ - ﷺ - … به. وإسناده قويّ، ولكنّه معضل. * ورابع رواه هنّاد في "الزهد" (٩٤٧) من طريق قويّة، عن الحسن وابن سيرين، عن النبي - ﷺ - … به. وهذا مرسل جيّد. * وخامس يرويه ابن عبد البرّ في "العلم" (١/ ٢٧) من طريق صهيب بن محمّد بن عبّاد، ثنا بشر بن إبراهيم، ثنا خليفة بن سليمان، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة … رفعه. وهذا ساقط: بشر كذّاب يضع، وصهيب إن كان ابن أخي عبّاد فهالك وإلّا فما عرفته، وخليفة ما عرفته. * وللقطعة الأخيرة منه شاهد من حديث ابن عمر رواه: الطبراني في "الأوسط" (٩٢٦٠) و"الصغير" (١١١٦)، والقضاعي (١٢٩٠)، والخطيب في "الفقيه والمتفقّه" (١/ ٢١)؛ عن ابن عمر … رفعه. وقد ضعّفه الهيثمي والعراقي. وهذه الأسانيد في الضعف كما ترى، ولكنّ اجتماع مرفوعي سعد وابن عمر مع مراسيل الحسن وابن سيرين وعمرو بن قيس يرجّح أنّ للحديث أصلًا عنه - ﷺ -، وقد قوّاه الحاكم والذهبي والألباني.
[ ٥٦٥ ]
ويُفْسِدُهُ، فإذا نُظِّفَتِ الأرضُ مِن دغلِها زَكا ما يَنْبُتُ فيها ونَما.
قالَ يَحْيى بنُ مُعاذٍ: كم مِن مُسْتَغْفِرٍ ممقوتٍ وساكتٍ مرحومٍ؛ هذا اسْتَغْفَرَ وقلبُهُ فاجرٌ، وهذا سَكَتَ وقلبُهُ ذاكرٌ (^١).
وقالَ غيرُهُ: ليسَ الشَّأْنُ فيمَن يَقومُ الليلَ، إنَّما الشَّأْنُ فيمَن يَنامُ على فراشِهِ ثمَّ يُصْبِحُ وقد سَبَقَ الرَّكبَ.
مَن سارَ على طريقِ الرَّسولِ - ﷺ - ومنهاجِهِ وإنِ اقْتَصَد فإنَّهُ يَسْبِقُ مَن سارَ على غيرِ طريقِهِ وإنِ اجْتَهَد.
مَنْ لي بِمِثْلِ سَيْرِكَ المُدَلَّلِ … تَمْشي رُوَيْدًا وتَجي في الأوَّلِ
• والمقصودُ أنَّ هذا الباهِلِيَ لمَّا رَآهُ النَّبيُّ - ﷺ - وقد أنْهَكَهُ الصَّومُ وغَيَّرَ هيئتَهُ وأضَرَّ بهِ في جسدِهِ؛ أمَرَهُ [أوَّلًا] أنْ يَقْتَصِرَ على صيامِ شهرِ الصَّبرِ، وهوَ شهرُ رمضانَ؛ فإنَّهُ الشَّهرُ الذي افْتَرَضَ اللهُ صيامَهُ على المسلمينَ، واكْتَفى منهُم بصيامِهِ مِن السَّنةِ كلِّها، وصيامُهُ كفَّارةٌ لِما بينَ الرَّمضانينِ إذا اجْتُنِبَتِ الكبائرُ. فطَلَبَ منهُ الباهِلِيُّ أنْ يَزيدَهُ مِن الصِّيامِ ويَأْمُرَهُ بالتَّطوُّعِ وأخْبَرَهُ أنَّهُ يَجِدُ قوَّةً على الصِّيامِ، فقالَ لهُ: "صُمْ يومًا مِن الشَّهرِ". فاسْتَزادَهُ، وقالَ: إنِّي أجِدُ قوَّةً. فقالَ: "صُمْ يومينِ مِن الشَّهرِ". فاسْتَزادَهُ، وقالَ: إنِّي أجِدُ قوَّةً. فقالَ: "صُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن الشَّهرِ". قالَ: وألَحَّ عندَ الثَّالثةِ فما كادَ؛ يَعْني: ما كادَ يَزيدُهُ على الثَّلاثةِ أيَّامٍ مِن الشَّهرِ.
وهكذا قالَ لعَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ أيضًا، ففي "صحيح مسلم" (^٢) عنهُ: أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قالَ لهُ: "صُمْ يومًا (يَعْني: مِن الشَّهرِ) ولكَ أجرُ ما بَقِيَ". قالَ: إنِّي أُطيقُ أكثرَ مِن ذلكَ. قالَ: "صُمْ يومينِ ولكَ أجرُ ما بَقِيَ". قالَ: إنِّي أُطيقُ أكثرَ مِن ذلكَ. قالَ: "صُمْ ثلاثةَ أيَّامٍ ولكَ أجرُ ما بَقِيَ".
ففي هذا أنَّ صيامَ يومٍ مِن الشَّهرِ يَحْصُلُ بهِ أجرُ صيامِ الشَّهرِ كلِّهِ، وكذلكَ صيامُ
_________________
(١) في خ: "هذا يستغفر وقلبه فاجر وهذا ساكت وقلبه ذاكر".
(٢) (١٣ - الصيام، ٣٥ - النهي عن صوم الدهر، ٢/ ٨١٧/ ١٩١). والحديث عند البخاري أيضًا كما تقدّم (ص ٢٩٥). لكن الكلام هنا في هذا اللفظ بالتحديد.
[ ٥٦٦ ]
يومينِ منهُ. ووجهُ ذلكَ أنَّ الصِّيامَ يُضاعَفُ ما لا يُضاعَفُ غيرُهُ مِن الأعمالِ، وقد سَبَقَ ذكرُ ذلكَ عندَ الكلامِ على حديثِ "كلُّ عملِ ابنِ آدَمَ لهُ الحسنةُ بعشرِ أمثالِها إلى سبعِ مئةِ ضعفٍ، قالَ اللهُ ﷿: إلَّا الصِّيامَ؛ فإنَّهُ لي وأنا أجزي بهِ" (^١)، فالصِّيامُ لا يَعْلَمُ منتهى مضاعفتِهِ إلَّا اللهُ ﷿، وكلَّما قَوِيَ الإخلاصُ فيهِ وإخفاؤُهُ وتنزيهُهُ عنِ المحرَّماتِ والمكروهاتِ؛ كَثُرَتْ مضاعفتُهُ. فلا يُسْتَنكرُ أنْ يَصومَ الرَّجلُ يومًا مِن الشَّهرِ فيُضاعَفَ لهُ بثوابِ ثلاثينَ يومًا فيُكْتَبَ لهُ صيامُ الشَّهرِ كلِّهِ. وكذلكَ إذا صامَ يومينِ مِن الشَّهرِ. وأمَّا إذا صامَ منهُ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ فهوَ ظاهرٌ؛ لأنَّ الحسنةَ بعشرِ أمثالِها.
وخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عن أبي ذَرٍّ؛ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "مَن صامَ مِن كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ كانَ كمَن صامَ الدَّهرَ". فأنْزَلَ اللهُ تَعالى تصديقَ ذلكَ: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٥]؛ اليومُ بعشرةِ أيَّامٍ (^٢).
وفي الصَّحيحينِ (^٣): عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو؛ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "صُمْ مِن الشَّهرِ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ فإنَّ الحسنةَ بعشرِ أمثالِها، وذلكَ مثلُ صيامِ الدَّهرِ".
_________________
(١) متّفق عليه. تقدّم تفصيل القول في شرحه وتخريجه (ص ٣٥٣).
(٢) (صحيح لشواهده). رواه: أحمد (٥/ ١٤٥)، وابن ماجه (٧ - الصيام، ٣٩ - صيام ثلاثة أيّام، ١/ ٥٤٥/ ١٧٠٨)، والترمذي (٦ - الصوم، ٥٤ - صوم ثلاثة أيّام، ٣/ ١٣٥/ ٧٦٢)، والبزّار (٩/ ٣٤٥/ ٣٩٠٤)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٢٧١٧) و"المجتبى" (٢٢ - الصيام، ٨٢ - الاختلاف على أبي عثمان، ٤/ ٢١٨/ ٢٤٠٨)، وابن عدي (٦/ ٢٤٣١)، والبغوي (١٨٠١)؛ من طرق، عن أبي عثمان النهدي، عن أبي ذرّ … رفعه. قال الترمذي: "حسن صحيح". وأقرّه البغوي والمنذري. وقال الألباني: "على شرط الشيخين". قلت: لم يخرّجا شيئًا من رواية النهديّ عن أبي ذرّ، وقد تكلّموا فيها، على أنّ للسند علّة أشار إليها النسائي في تبويبه والدارقطني في "العلل" (١١٤١) فقال: "يرويه عاصم عن أبي عثمان عن أبي ذرّ، يرويه أصحاب عاصم عنه كذلك، وخالفهم شيبان [ثقة] فرواه عن عاصم وأدخل بين أبي عثمان وبين أبي ذرّ رجلًا لم يسمّ". قلت: وتابعه عبد الله عند النسائي في "الكبرى" (٢٧١٨) و"المجتبى" (الموضع السابق، ٢٤٠٩). فالرجل المبهم زيادة ثقة يتعيّن الأخذ بها ولا سيّما أنّهم تكلّموا في سماع أبي عثمان من أبي ذرّ. وللحديث طريق أُخرى عند العقيلي (٣/ ١٥٨) لكنّها واهية بضعيفين. وله طرق أُخرى عن أبي ذرّ بنحوه وستأتي ألفاظه قريبًا. ويشهد له ما بعده، فهو به صحيح.
(٣) البخاري (٣٠ - الصوم، ٥٦ - صوم الدهر، ٤/ ٢٢٠/ ١٩٧٦)، ومسلم (١٣ - الصيام، ٣٥ - النهي عن صوم الدهر، ٢/ ٨١٢/ ١١٥٩).
[ ٥٦٧ ]
وفي روايةٍ فيهِما أيضًا (^١): "إنَّ بحسبِكَ أنْ تَصومَ مِن كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ فإنَّ لكَ بكل حسنةٍ عشرَ أمثالِها، فإذنْ ذلكَ صيامُ الدَّهرِ كلِّهِ".
وفي "المسند": عن قُرَّةَ المُزَنِيِّ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "صيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ صيامُ الدَّهرِ وإفطارُهُ" (^٢)؛ يَعْني: صيامَهُ في مضاعفةِ اللهِ وإفطارَهُ في رخصةِ اللهِ، كما كانَ أبو هُرَيْرَةَ وأبو ذَرٍّ ﵄ يَقولانِ ذلكَ، وكانا يَصومانِ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ ويَقولانِ في سائرِ أيَّامِ الشَّهرِ: نحنُ صيامٌ، ويَتَأوَّلانِ أنَّهُما صيامٌ في مضاعفةِ اللهِ وهُما مفطرانِ في رخصةِ اللهِ.
وقد وَصَّى النَّبيُّ - ﷺ - جماعةً مِن أصحابِهِ بصيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ، منهُم أبو هُرَيْرَةَ وأبو الدَّرْداءِ وأبو ذَرٍّ وغيرُهُم (^٣).
_________________
(١) البخاري (٧٨ - الأدب، ٨٤ - حقّ الضيف، ١٠/ ٥٣١/ ٦١٣٤)، ومسلم (الموضع السابق، ٢/ ٨١٤/ ١١٥٩).
(٢) (صحيح). رواه: الطيالسي (١٠٧٤)، وابن الجعد (١١٢٦)، وأحمد (٣/ ٤٣٥ و٤٣٦، ٤/ ١٩، ٥/ ٣٤ و٣٥)، والدارمي (٢/ ١٩)، والبخاري في "التاريخ" (٧/ ٢٣٨)، والبزّار (١٠٥٩ - كشف، ٣/ ١٩٩ - مجمع)، والروياني (٩٣٩)، وابن قانع (٢/ ٣٥٨/ ٩٠٠)، وابن حبّان (٣٦٥٢ و٣٦٥٣)، والطبراني (١٩/ ٢٦/ ٥٣)؛ من طريق شعبة، عن معاوية بن قرّة، عن أبيه … رفعه. قال المنذري: "إسناده صحيح". وقال الهيثمي: "رجال أحمد رجال الصحيح". وصحّحه الألباني.
(٣) أمّا حديث أبي هريرة؛ فعند: البخاري (١٩ - التهجّد، ٣٣ - الضحى في الحضر، ٣/ ٥٦/ ١١٧٨)، ومسلم (٦ - المسافرين، ١٣ - صلاة الضحى، ١/ ٤٩٩/ ٧٢١). وأمّا حديث أبي الدرداء؛ فتفرّد به مسلم (الموضع السابق، ١/ ٤٩٩/ ٧٢٢). وأمّا حديث أبي ذرّ؛ فرواه: أحمد (٥/ ١٧٣)، والنسائي في "الكبرى" (٢٧١٢) و"المجتبى" (٢٢ - الصيام، ٨١ - صوم ثلاثة أيّام، ٤/ ٢١٧/ ٢٤٠٣)، وابن خزيمة (١٠٨٣ و١٢٢١ و٢١٢٢)، وابن المنذر في "الأوسط" (٥/ ١٧٠)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٨/ ١٤٠)؛ من طريق صحيحة، عن عطاء بن يسار، عن أبي ذرّ … رفعه. وسماع عطاء من أبي ذرّ محتمل جدًّا، فالسند صحيح، وقد صحّحه الألباني. ورواه: بحشل في "واسط" (ص ٢١٢) من طريق القاسم بن عثمان البصري عن أنس بن مالك، والطبراني في "الأوسط" (٩٠٩١) من طريق المطّلب بن عبد الله بن حنطب؛ كلاهما عن أبي ذرّ … رفعه. والقاسم ضعيف، والمطّلب كثير الإرسال، فالوجهان ضعيفان. وله طريق أُخرى مفصّلة سيأتي تفصيل القول فيها عند ذكر الأيّام البيض. فإن لم يصحّ الحديث بالطريق الأولى وحدها؛ فهو صحيح بمجموع طرف، وقد قوّاه ابن خزيمة والمنذري والهيثمي والألباني.
[ ٥٦٨ ]
وفي "المسند": أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - قالَ في صيامِ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ: "هوَ صومٌ حسنٌ" (^١).
وفيهِ أيضًا: عن أبي ذَرٍّ؛ قالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ - ﷺ - يَقولُ: "صومُ شهرِ الصَّبرِ وثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ صومُ الدَّهرِ ويُذْهِبُ مغلَّةَ الصَّدرِ". قُلْتُ: وما مغلَّةُ الصَّدرِ؟ قالَ: "رجسُ الشَّيطانِ" (^٢).
وفيهِ أيضًا: عن رجلٍ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ -؛ قالَ: "صيامُ شهرِ الصَّبرِ وثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ يُذْهِبْنَ كثيرًا مِن وحرِ الصَّدرِ" (^٣). وفي غيرِ هذهِ الرِّوايةِ: "وغرِ الصَّدرِ". وهُما بمعنًى واحدٍ، يُقالُ: وَحَرَ صدرُهُ ووَغَرَ إذا كانَ فيهِ غلٌّ وغشٌّ، وقيلَ: الوحرُ الغلُّ
_________________
(١) (صحيح). رواه: ابن أبي شيبة (٨٨٩١)، وأحمد (٤/ ٢٢ و٢١٧)، وابن أبي عاصم في "السنّة" (١٥٤٢ و١٥٤٣)، والنسائي في "الكبرى" (٢٧١٩) و"المجتبى" (٢٢ - الصيام، ٨٢ - الاختلاف على أبي عثمان، ٤/ ٢١٩/ ٢٤١٠ و٢٤١١)، وابن خزيمة (١٨٩١ و٢١٢٥)، والروياني (١٥٢٢)، وابن حبّان (٣٦٤٩)، والطبراني في "الكبير" (٩/ ٥١/ ٨٣٦٠ و٨٣٦١ و٨٣٦٤)، والبيهقي في "الشعب" (٣٥٧٣)؛ كلّهم من طريق سعيد بن أبي هند إلّا الطبراني في الموضع الأخير فمن طريق يزيد بن عبد الله بن الشخّير، كلاهما [عن مطرّف]، عن عثمان بن أبي العاص … رفعه. وهذا سند صحيح، وقد صحّحه ابن خزيمة وابن حبّان والمنذري والألباني.
(٢) (صحيح لشواهده). رواه: الطيالسي (٤٨٢)، وأحمد (٥/ ١٥٤)، والبيهقي في "الشعب" (٣٨٥٦)؛ من طريق قويّة، عن رجل من تميم، عن أبي ذرّ … رفعه. وهذا ضعيف من أجل الرجل المبهم، لكن يشهد له ما بعده، فمغلّة الصدر ووحره ووغره واحد.
(٣) (صحيح). رواه: عبد الرزّاق (٧٨٧٧)، وأبو عبيد في "الأموال" (٣٠)، وابن أبي شيبة (٣٦٦٢٤)، وابن سعد (١/ ٢٧٩)، وأحمد (٥/ ٧٧ - ٧٨ و٣٦٣)، وابن زنجويه في "الأموال" (٨٠)، والبخاري في "التاريخ" (٧/ ٢٣٨)، وأبو داوود (١٤ - الخراج، ٢١ - سهم الصفيّ، ٢/ ١٦٩/ ٢٩٩٩) مختصرًا، والنسائي (٣٨ - الفيء، ٧/ ١٣٤/ ٤١٥٧) مختصرًا، وابن الجارود (١٠٩٩)، والطحاوي (٣/ ٣٠٢ - ٣٠٣)، وابن قانع (٣/ ١٦٥/ ١١٤٠)، وابن حبّان (٦٥٥٧)، والطبراني في "الأوسط" (٤٩٣٧)، والبيهقي في "السنن" (٦/ ٣٠٣، ٧/ ٥٨) و"الشعب" (٣٨٥٧ و٣٨٥٨)، وابن عبد البرّ في "الاستيعاب" (٣/ ٥٨٠) معلّقًا، وابن الأثير في "الغابة" (٤/ ٢٥٤، ٥/ ٢٠٥)؛ من طرق، عن أبي العلاء يزيد بن عبد الله بن الشخّير، عن رجل من الأعراب من أصحاب النبيّ - ﷺ - … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ١٩٩): "رجال أحمد رجال الصحيح". قلت: جهالة الصحابيّ لا تضرّ، وقد سمّاه ابن حبّان وابن عبد البرّ وابن الأثير والعسقلاني النمر بن تولب. وصحّح حديثه ابن حبّان والمنذري والهيثمي والألباني. وله شواهد عن جماعة من الصحابة.
[ ٥٦٩ ]
والوغرُ الغيظُ.
وقد كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَتَحَرَّى صيامَ ثلاثةِ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ، وكذلكَ كانَ إبْراهيمُ ﵇:
كما خَرَّجَهُ ابنُ ماجَهْ مِن حديثِ عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ مرفوعًا؛ قالَ: "صيامُ إبْراهيمَ ثلاثةُ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ؛ صامَ الدَّهرَ وأفْطَرَ الدَّهرَ" (^١).
وفي "السنن": عن حَفْصَةَ؛ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يَصومُ العشرَ وعاشوراءَ وثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ (^٢). وفي إسنادِهِ اختلافٌ.
• وفي "صحيح مسلم" (^٣): عن عائِشَةَ؛ أنَّ النَّبي - ﷺ - كانَ يَصومُ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ. قيلَ لها: مِن أيِّهِ كانَ يَصومُ؟ قالَتْ: كانَ لا يُبالي مِن أيِّهِ صامَ.
* ففي هذا الحديثِ أنَّهُ - ﷺ - لم يَكُنْ يُبالي مِن أيِّ الشَّهرِ صامَ الأيَّامَ الثَّلاثةَ.
وقد رُوِيَ في صفةِ صيامِ النَّبيِّ - ﷺ - للأيَّامِ الثَّلاثةِ مِن الشَّهرِ أنواعٌ أُخرُ:
* أحدُها: ما خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ عائِشةَ؛ قالَتْ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَصومُ مِن الشَّهرِ السَّبتَ والأحدَ والاثنينِ، ومِن الشَّهرِ الآخرِ الثُّلاثاءَ والأربعاءَ والخميسَ (^٤). وقالَ: حديثٌ حسنٌ. وذَكَرَ أنَّ بعضَهُم رواهُ موقوفًا - يَعْني: مِن فعلِ
_________________
(١) (ضعيف). رواه: ابن ماجه (٧ - الصيام، ٣٢ - صيام نوح، ١/ ٥٤٧/ ١٧١٤)، والطبراني في "الكبير" (١/ ١٨٨ - بداية، ٣/ ١٩٨ - مجمع)، والبيهقي في "الشعب" (٣٨٤٦)، والمزّي في "التهذيب" (٣٢/ ١٢١)؛ من طريقين قويّتين، عن ابن لهيعة، عن جعفر بن ربيعة (وفي البداية والتهذيب: عن أبي قنان)، عن أبي فراس يزيد بن رباح، عن ابن عمرو … رفعه مطوّلًا ومختصرًا. قال المنذري: "في إسناده أبو فراس، لم أقف فيه على جرح ولا تعديل ولا أراه يعرف". وردّه البوصيري بقوله: "وليس كما زعم". قلت: يعني أنّ أبا فراس هذا رجل ثقة معروف واسمه يزيد بن رباح ولا تعلّ النصوص بأمثاله. وزاد البوصيري: "ضعيف لضعف ابن لهيعة"، وأقرّه الألباني. وقال الهيثمي (٣/ ١٩٨): "فيه أبو قنان ولم أعرفه". قلت: فهاهنا علّتان قادحتان: ضعف ابن لهيعة، وأنّه اضطرب فيه فقال مرّة جعفر بن ربيعة ومرّة أبو قنان، وأبو قنان هذا لا يعرف.
(٢) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٢٨ - ١٣٠).
(٣) (١٣ - الصيام، ٣٦ - صيام ثلاثة من كل شهر، ٢/ ٨١٨/ ١١٦٠).
(٤) (ضعيف). رواه الترمذي (٦ - الصوم، ٤٤ - صوم الاثنين والخميس، ٣/ ١٢٢/ ٧٤٦): ثنا ابن غيلان، ثنا أبو أحمد ومعاوية بن هشام، ثنا سفيان، عن منصور، عن خيثمة، عن عائشة … رفعته.
[ ٥٧٠ ]
عائِشَةَ - غيرَ مرفوعٍ.
* الثَّاني: ما خَرَّجَهُ أبو داوودَ وغيرُهُ مِن حديثِ حَفْصَةَ؛ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يَصومُ ثلاثةَ أيَّامٍ مِن كلِّ شهرٍ؛ الاثنينِ والخميسِ والاثنينِ مِن الجمعةِ الأُخرى (^١). فعلى هذهِ الرِّوايةِ كانَ - ﷺ - يَجْعَلُها مِن أوَّلِ الشَّهرِ ولا يُوالي بينَها، بل كانَ يَتَحَرَّى بها يومَ الاثنينِ مرَّتينِ والخميسِ مرَّةً.
* الثَّالثُ: عكسُ الثَّاني. خَرَّجَهُ النَّسائِيُّ مِن حديثِ حَفْصَةَ أيضًا، أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يَصومُ مِن كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ؛ أوَّلَ اثنينِ مِن الشَّهرِ ثمَّ الخميسَ ثمَّ الخميسَ الذي يَليهِ (^٢). وفي روايةٍ لهُ أيضًا: أوَّلَ اثنينِ مِن الشَّهرِ وخميسينِ (^٣). وخَرَّجَ أبو داوودَ مِن حديثِ أُمِّ سَلَمَةَ عنِ النَّبيِّ - ﷺ - معنى ذلكَ (^٤).
* وفي روايةٍ في "المسند": "الاثنينِ والجمعةَ والخميسَ" (^٥). وكأنَّها غيرُ محفوظةٍ، فإنْ كانَـ[ـتْ] محفوظةً؛ فهوَ نوعٌ رابعٌ.
* والنَّوعُ الخامسُ: ما خَرَّجَهُ أبو داوودَ والنَّسائِيُّ والتِّرْمِذِيُّ مِن حديثِ ابنِ مَسْعودٍ؛ أنَّ النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يَصومُ مِن غرَّةِ كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيَّامٍ (^٦). وحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وذَكَرَ
_________________
(١) = قال الترمذي: "حديث حسن". وأقرّه ابن القيّم والسيوطي وعبد الحقّ والمناوي. قلت: لكن هاهنا علّتان: أشار الترمذي إلى أولاهما بقوله: "وروى عبد الرحمن بن مهدي هذا الحديث عن سفيان ولم يرفعه". قلت: هذه علّة ينبغي الوقوف عندها؛ فإنّ أبا أحمد كثير الخطأ في حديث الثوري ومعاوية صدوق يخطئ، فأين هما من عبد الرحمن بن مهدي جبل الحفظ وأكثر الناس لزومًا للثوري ومعرفة لحديثه؟! وأشار إلى العلّة الثانية ابن القطّان بقوله: "وينبغي البحث عن سماع خيثمة من عائشة فإنّي لا أعرفه". ولذلك قال العسقلاني: "روي موقوفًا وهو أشبه"، وضعّفه الألباني.
(٢) (ضعيف): تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٢٨ - ١٣٠).
(٣) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٢٨ - ١٣٠).
(٤) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٢٨ - ١٣٠).
(٥) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٢٨ - ١٣٠).
(٦) (ضعيف). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ١٢٨ - ١٣٠).
(٧) (حسن). رواه: الطيالسي (٣٥٩ و٣٦٠)، وابن أبي شيبة (٩٢٦١)، وأحمد (١/ ٤٠٦)، وابن ماجه (٧ - الصيام، ٣٧ - صيام يوم الجمعة، ١/ ٥٤٩/ ١٧٢٥)، وأبو داوود (٨ - الصيام، ٦٨ - صوم الثلاث من كلّ شهر، ١/ ٧٤٤/ ٢٤٥٠)، والترمذي (٦ - الصوم، ٤١ - صوم الجمعة، ٣/ ١١٨/ ٧٤٢)، والنسائي في "السنن الكبرى" (٢٦٧٧) و"المجتبى" (٢٢ - الصيام، ٧٠ - صوم النبي، ٤/ ٢٠٤/ ٢٣٦٧)، والبزّار (٥/ ٢١٥ =
[ ٥٧١ ]
أنَّ بعضَهُم لم يَرْفَعْهُ؛ يَعْني: أنَّهُ وَقَفَهُ على ابنِ مَسْعودٍ. وظاهرُ هذا أنَّهُ كانَ يُوالي بينَ الأيَّامِ الثلاثةِ مِن أوَّلِ كل شهرٍ.
* والنَّوعُ السَّادسُ: أنَّهُ كانَ يَصومُ أيَّامَ البيضِ: فخَرَّجَ النَّسائِيُّ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ؛ أنَّ النَّبيِّ - ﷺ - كانَ لا يَدَعُ صيامَ أيَّامِ البيضِ في حضرٍ ولا سفرٍ (^١).
وخَرَّجَ التِّرْمِذِيُّ والنَّسائِيُّ عن أبي ذَرٍّ؛ أنَّ النَّبيَّ - ﷺأمَرَهُ بصيامِ أيَّامِ البيضِ؛ ثلاثَ عشرة وأربعَ عشرة وخمس عشرةَ (^٢).
_________________
(١) = / ١٨١٨)، وأبو يعلى (٥٣٠٥)، وابن خزيمة (٢١٢٩)، والشاشي (٦٣٧)، وابن حبّان (٣٦٤١ و٣٦٤٥)، والدارقطني في "العلل" (٧٠٤)، والبيهقي في "السنن" (٤/ ٢٩٤) و"الشعب" (٣٨٤٧)، والبغوي في "السنّة" (١٨٠٣)؛ من طرق قويّة، عن شيبان بن عبد الرحمن ومحمّد بن ميمون أبي حمزة السكري، عن عاصم بن أبي النجود، عن زرّ، عن عبد الله … رفعه مطوّلًا ومختصرًا. قال الترمذي: "روى شعبة عن عاصم هذا الحديث ولم يرفعه". قلت: شيبان وأبو حمزة ثقتان، ورفعهما زيادة ثقة يتعيّن المصير إليها. وعاصم صدوق حسن الحديث، فالسند كذلك. وقد قوّاه الترمذي وابن خزيمة وابن حبّان والدارقطني وابن حزم وابن عبد البرّ والمنذري والعراقي والعسقلاني والألباني.
(٢) (لا بأس به). رواه: النسائي في "الكبرى" (٢٦٥٤) و"المجتبى" (٢٢ - الصيام، ٧٠ - صوم النبيّ - ﷺ -، ٤/ ١٩٨/ ٢٣٤٤)، والطبراني (١٢/ ٩/ ١٢٣٢٠)، والضياء (١٠/ ١٣/ ١٠٠)؛ من طريقين إحداهما قويّة، عن يعقوب القمّي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبّاس … رفعه. قال الشوكاني: "في إسناده يعقوب بن عبد الله القمّي وجعفر بن أبي المغيرة القمّي، وفيهما مقال". قلت: كلاهما صدوق يهم لا بأس بحديثه، والسند كذلك، وإلى تحسينه مال السيوطي والمناوي والألباني.
(٣) (صحيح). رواه: الطيالسي (٤٧٥)، وعبد الرزّاق (٧٨٧٣)، وأحمد (٥/ ١٥٠ و١٥٢ و١٦٢ و١٧٧)، والترمذي (٦ - الصوم، ٥٤ - صوم ثلاثة أيّام، ٣/ ١٣٤/ ٧٦١)، والبزّار (٩/ ٤٥٣/ ٤٠٦٤)، والنسائي (٢٢ - الصيام، ٨٤ - الاختلاف على موسى، ٤/ ٢٢٢/ ٢٤٢١ - ٢٤٢٨)، وابن خزيمة (٢١٢٨)، والطحاوي (٢/ ٨٠ و٨١)، وابن حبّان (٣٦٥٥ و٣٦٥٦)، والرامهرمزي في "المحدّث الفاصل" (ص ٤٨٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (٨/ ٣٨٨)، والبيهقي (٤/ ٣٩٤، ٩/ ٣٢١)، والخطيب في "تاريخ بغداد" (١١/ ١٢٠) و"تلخيص المتشابه" (٢٥٧)، وتمّام في "الفوائد" (٥٨٧)، والبغوي في "السنّة" (١٨٠٠)، والرافعي في "التدوين" (٣/ ٤٧٥)، والضياء (١/ ٤٢٠/ ٢٩٩)، والمزّي في "التهذيب" (٣١/ ٣١٧)؛ من طرق، عن موسى بن طلحة، [عن ابن الحوتكيّة]، [عن أبي ذرّ] … رفعه. فأرسله موسى مرّة، ورواه عن أبي ذرّ مرّة مباشرة بالعنعنة وبالتصريح بالسماع، ورواه عن ابن الحوتكيّة عن أبي ذرّ مرّة. ورواه: الطيالسي (٤٤)، والحميدي (١٣٦)، وأحمد (٥/ ١٥٠)، والبيهقي في "الشعب" (٣٨٥٢)، والضياء (١/ ٤٢١/ ٣٠٠)؛ من طريقين، عن موسى، عن ابن الحوتكيّة، عن عمر … رفعه.
[ ٥٧٢ ]
وفي السُّننِ الأربعةِ خلا التِّرْمِذِيِّ: عن قَتادَةَ بنِ مِلْحانَ، عنِ النَّبيِّ - ﷺ - … نحوُهُ (^١).
وخَرَّجَ النَّسائِيُّ مِن حديثِ جريرٍ البَجَلِيِّ عنِ النَّبيِّ - ﷺ - نحوَهُ أيضًا (^٢).
_________________
(١) = ورواه: أحمد (٢/ ٣٣٦ و٣٤٦)، والنسائي (الموضع السابق، ٤/ ٢٢٢/ ٢٤٢٠)، وابن حبّان (٣٦٥١)؛ من طريق صحيحة، عن عبد الملك بن عمير، عن موسى بن طلحة، عن أبي هريرة … رفعه. فقد اختلف الثقات في هذا الحديث على موسى بن طلحة كما ترى، وما هو من الاضطراب أو الاختلاف القادح في صحّة الحديث في شيء إذا أنعمنا النظر في النصوص. فهذه حادثة وقعت في إحدى أسفار النبيّ - ﷺ - فحفظها جماعة من الصحابة، ثمّ استذكرها عمر ممّن حفظها - مع أنّه حضرها - على ما عهد عنه من المبالغة في الاستيثاق، ولذلك رويت عن جماعة من الصحابة كأبي ذرّ وأبي الدرداء وعمّار وغيرهم، ولذلك قال ابن حبّان: "سمع هذا الخبر موسى بن طلحة عن أبي هريرة وسمعه من ابن الحوتكيّة عن أبي ذرّ، والطريقان جميعًا محفوظان". قلت: لكنّ ابن الحوتكيّة مجهول، فالمعوّل على حديث ابن هريرة في تقوية الأوجه الثلاثة جميعًا وتصحيح الحادثة، وإلى تقويتها مال الترمذي وابن خزيمة وابن حبّان والبغوي والضياء المقدسيّ والمنذري والعسقلاني والألباني.
(٢) (ضعيف). رواه: الطيالسي (١٢٢٥)، وابن سعد (٧/ ٤٣)، وأحمد (٤/ ١٦٥، ٥/ ٢٧ - ٢٨)، وابن ماجه (٧ - الصيام، ٢٩ - صيام ثلاثة أيّام، ١/ ٥٤٤/ ١٧٠٧)، وأبو داوود (٨ - الصيام، ٦٨ - صوم ثلاث من كلّ شهر، ١/ ٧٤٣/ ٢٤٤٩)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (١٦٤٦ و٢٣١٠)، والنسائي (الموضع السابق، ٤/ ٢٢٤/ ٢٤٢٩ - ٢٤٣١)، وابن قانع في "المعجم" (٢/ ٣٦٠/ ٩٠٤)، وابن حبّان (٣٦٥١)، والطبراني (١٩/ ١٥/ ٢٣ - ٢٤)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٢٧٧)، والبيهقي (٤/ ٢٩٤)؛ من طريق همّام تارة وشعبة تارة، كلاهما عن أنس بن سيرين، عن عبد الملك بن قتادة بن ملحان (وقال شعبة: عن عبد الملك بن المنهال، وخطّأه السواد الأعظم من أهل العلم)، عن أبيه … رفعه بلفظ: "كان يأمرنا أن نصوم الأيّام البيض … ". وهذا سند ضعيف من أجل عبد الملك بن قتادة فإنّه مجهول، وللحديث شواهد كثيرة منها ما تقدّم وغيره، لكن ليس في شيء منها ذكر للأمر بصيام هذه الأيّام وإنّما هي الوصيّة والندب، فإن أريد بالأمر هنا ذاك المعنى فالحديث قويّ بشواهده، وإن أُريد به أمر الوجوب فالشواهد قاصرة عن هذا المعنى. ومن أجل هذا الملحظ اضطربت فيه أقوال أهل العلم تقوية وتضعيفًا. والله أعلم.
(٣) (صحيح لشواهده). رواه الطبراني في "الكبير" (٢/ ٣٣٣/ ٢٣٩١) من طريق الحسن بن عمارة البجلي، عن الحكم بن عتيبة، عن إسماعيل بن جرير، عن جرير … رفعه. وهذا سند ساقط: الحسن بن عمارة متروك، وإسماعيل بن جرير لم أقف له على ترجمة. ورواه: النسائي في "السنن الكبرى" (٢٧٢٨)، وأبو يعلى (٧٥٠٤)، وابن أبي حاتم في "العلل" (٧٨٥) تعليقًا، والطبراني في "الكبير" (٢/ ٣٥٦/ ٢٤٩٩ و٢٥٠٠) و"الأوسط" (٧٥٤٦) و"الصغير" (٩١٤)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣٨٥٣)، والخطيب في "تالي التلخيص" (٣٥٢)؛ من طريق زيد بن أنيسة، عن أبي إسحاق، عن جرير … رفعه. وهذا سند ضعيف له علّتان: أولاهما: تخليط أبي إسحاق السبيعي مع تأخّر رواية زيد بن أنيسة عنه =
[ ٥٧٣ ]
وقد رُوِيَ عنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ يَصومُ خمسةَ أيَّامٍ مِن أوَّلىِ الشَّهرِ وتقولُ: ما يُدْريني لعلِّي لا أدْرِكُ البيضَ.
وفي كتابِ "مناقب الحسن" لأبي حَيَّانَ التَّوْحيدِيِّ؛ أنَّ رجلًا سَألَ الحَسَنَ: لأيِّ شيءٍ اسْتُحِبَّ صيامُ أيَّامِ البيضِ؟ فلمْ يَدْرِ ما يَقولُ. فقالَ أعرابيٌّ [عندَهُ]: لأنَّ القمرَ يَنكَسِفُ في لياليهنَّ، فيَكونُ النَّاسُ عندَ حدوثِ الآياتِ على عبادةٍ. فقالَ الحسنُ: خُذوها مِن غيرِ فقيهٍ.
• وفي حديثِ الباهِلِيِّ (١) أنَّهُ قالَ للنَّبيِّ - ﷺ - بعدَ ذلكَ: إنِّي أجِدُ قوَّةً وإنِّي أُحِبُّ أنْ تَزيدَني. فقالَ لهُ: "فمِن الحرمِ وأفْطِرْ". وفي روايةٍ: "صُمِ الحرمَ وأفْطِرْ". وفي روايةٍ قالَ: "صُمِ الأشهرَ الحرمَ".
فهذا دليلٌ (^٢) على فضلِ صيامِ الأشهرِ الحرمِ الأربعةِ التي ذَكَرَها اللهُ تَعالى في كتابِهِ بقولِهِ: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التَّوبة: ٣٦]، وقد فَسَّرَها النَّبيُّ - ﷺ - في حديثِ أبي بَكْرَةَ بأنَّها ثلاثةٌ متوالياتٌ؛ ذو القعدةِ وذو الحجَّةِ والمحرَّمُ وشهرُ رجبٍ. وقد ذَكَرْناهُ في وظيفةِ شهرِ رجبٍ (^٣).
وذَكَرْنا عنِ ابنِ عَبَّاسٍ أنَّ العملَ الصَّالحَ والأجرَ في هذهِ الحرمِ أعظمُ (^٤).
وذَكَرْنا في وظائفِ المحرَّمِ قولَ النَّبيِّ - ﷺ -: "أفضلُ الصِّيامِ بعدَ رمضانَ شهرُ اللهِ الذي تَدْعونَهُ المحرَّمَ" (^٥).
وسيأْتي في وظائفِ ذي الحجَّةِ ذكرُ فضلِ صيامِ عشرِ ذي الحجَّةِ إنْ شاءَ اللهُ
_________________
(١) = وعنعنته على تدليسه. والثانية: أنّه خالفه المغيرة بن مسلم فرواه عن أبي إسحاق السبيعي عن جرير موقوفًا، لكن قال أبو زرعة: "المرفوع أصحّ من الموقوف لأنّ زيذًا أحفظ من المغيرة". قلت: فهذه العلّة ليست بالقادحة إذًا بخلاف الأولى. على أنّ الحديث بطريقه الثانية يترشّح للانتفاع بالشواهد المتقدّمة وغيرها، فهو صحيح بها. (١) الذي تقدّم أوّل المجلس.
(٢) لو كان صحيحًا! ووقع فى خ: "فهذا دليل على أنّ فضل … " إلخ!
(٣) متّفق عليه. تقدم تفصيل القول فيه (ص ٢٧٢).
(٤) (ص ٢٧٦).
(٥) رواه مسلم. وقد تقدّم تخريجه (ص ٨٥).
[ ٥٧٤ ]
تَعالى (^١).
وقد كانَ كثير مِن السَّلفِ يَصومُ الأشهرَ الحرمَ كلَّها، رُوِيَ ذلكَ عنِ ابنِ عُمَرَ والحَسَنِ البَصْرِيِّ وأبي إسْحاقَ السَّبيعِيِّ (^٢).
وقال سُفْيانُ الثَّوْرِيُّ: الأشهرُ الحرمُ أحبُّ إليَّ أنْ أصومَ منها.
وروى خَلاَّد الصَّفَّارُ عن أبي مُسْلِمٍ؛ قالَ: صيامُ يومٍ مِن أشهرِ الحجِّ (أو قالَ: أشهرِ الحرمِ) يَعْدِلُ شهرًا، وصيامُ يومٍ مِن غيرِ الأشهرِ الحرمِ يَعْدِلُ عشرًا (^٣).
ورُوِيَ عنِ النَّخَعِيِّ نحوُهُ، لكنَّهُ قالَ: مِن المحرَّمِ. فيُحْتَمَلُ أنَّهُ أرادَ جنسَ الأشهرِ المحرَّمةِ (^٤).
ورُوِيَ معناهُ مرفوعًا من حديثِ أنَسٍ، وإسنادُهُ ضعيفٌ جدًّا (^٥).
ويُرْوى بإسنادٍ مجهولٍ عن أنسٍ مرفوعًا: "مَن صامَ مِن شهرٍ حرامٍ الخميسَ والجمعةَ والسَّبتَ؛ كتَبَ اللهُ لهُ عبادةَ تسعِ مئةِ سنةٍ" (^٦).
_________________
(١) فانظره بالضرورة هناك؛ فالأحاديث الواردة فيه لا تصحّ.
(٢) تقدّم الكلام في هذه الآثار وما فيها من الإشكالات (ص ٢٨٦).
(٣) أبو مسلم هذا ما عرفته! وقوله - ولو كان إمامًا ثقة - لا يعدو أن يكون دعوى لا تنفق في سوق الأدلّة بغير بيّنة.
(٤) وغيره أكثر احتمالًا منه، ثمّ هو كالذي قبله حذو القذّة بالقذّة.
(٥) (موضوع). روى الطبراني في "الكبير" (١١٠٨١) و"الصغير" (٩٦٤) من طريق الهيثم بن حبيب، ثنا سلاّم الطويل، عن حمزة الزيّات، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد، عن ابن عبّاس مرفوعًا: "من صام يومًا من شهر حرام فله بكلّ يوم ثلاثون يومًا (وفي الكبير: ثلاثين (!) حسنة) ". قال المنذري: "غريب وإسناده لا بأس به"! وقال الهيثمي (٣/ ١٩٣): "سلاّم ضعيف، وأمّا الهيثم بن حبيب فلم أر من تكلّم فيه غير الذهبي اتّهمه بخبر رواه وقد وثّقه ابن حبّان". قلت: الهيثم وسلاّم متّهمان، والحديث من افتراء واحد منهما. ورواه الخلّال في "فضائل رجب" (٥ و١٥) من طريق إبراهيم بن اليسع، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عبّاس … رفعه. وإبراهيم بن اليسع متروك منكر الحديث. والحديث ساقط من وجهيه، وقال الألباني: "موضوع". تنبيه: الذي أشار إليه المصنّف هنا بالمعنى هو من حديث أنس لا من حديث ابن عبّاس، ولم أقف لأنس على شيء مقارب إلّا ما يأتي بعده. فالله أعلم.
(٦) (ضعيف جدًّا). رواه: بحشل في "واسط" (ص ٥٨)، والطبراني في "الأوسط" (١٨١٠)، وابن شاهين في "الترغيب" (٢٤١٧٣ - كنز)، وتمّام في "الفوائد" (٥٨٩ و٥٩٠)، والخلّال في "فضائل رجب" (١٤)، والبيهقي في "الفضائل" (٣٠٨)، والخطيب في "الجمع والتفريق" (١/ ١١٧)، وابن عساكر، وابن=
[ ٥٧٥ ]
وقالَ كَعْبٌ: اخْتارَ اللهُ الزَّمانَ، فأحَبُّهُ إليهِ الأشهرُ الحرمُ.
ويُرْوى مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ مرفوعًا ولا يَصِحُّ (^١).
وعن قَيْسِ بنِ عُبادٍ؛ قالَ: ليسَ في الأشهرِ الحرمِ شهرٌ إلَّا في اليومِ العاشرِ منهُ خيرٌ. قالَ: ففي ذي الحجَّةِ في العاشرِ النَّحرُ يومُ الحجِّ الأكبرِ، وفي المحرَّمِ العاشرُ عاشوراءُ، وفي العاشرِ مِن رجبٍ ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرَّعد: ٣٩]. قالَ الرَّاوي: ونَسِيتُ ما قالَ في ذي القعدةِ (^٢).
وقد تَقَدَّمَ في ذكرِ وظيفةِ رجبٍ أنَّهُ رُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عَمْرِو بنِ العاصِ أنَّهُ ذَكَرَ مِن عجائبِ الدُّنيا بأرضِ عادٍ عمودً [ا] مِن نحاسٍ عليهِ شجرةٌ مِن نحاسٍ، فإذا كانَ في الأشهرِ الحرمِ؛ قَطَرَ منها الماءُ، فمَلَؤُوا منهُ حياضَهُم وسَقَوْا مواشيَهُم وزروعَهُم، فإذا ذَهَبَتِ الأشهرُ الحرمُ؛ انْقَطَعَ الماءُ (^٣).
• وذو القَعْدَةِ مِن الأشهرِ الحرمِ بغيرِ خلافٍ، وهوَ أوَّلُ الأشهرِ الحرمِ المتواليةِ. وهل هوَ أوَّلُ الحرمِ مطلقًا أم لا فيهِ اختلافٌ ذَكَرْناهُ في وظيفةِ رجبٍ.
وهوَ أيضًا مِن أشهرِ الحجِّ التي قالَ اللهُ تَعالى فيها: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧]. وقيلَ: إنَّ تحريمَ ذي القَعْدَةِ كانَ في الجاهليَّةِ لأجلِ السَّيرِ إلى الحجِّ، وسُمِّيَ ذا القَعْدَةِ لقعودِهِم فيهِ عنِ القتالِ، وتحريمُ المحرَّمِ لرجوعِ النَّاسِ فيهِ
_________________
(١) = الجوزي في "الواهيات" (٩١١)؛ من طريق يعقوب بن موسى المدني، عن مسلمة بن راشد، عن أبيه راشد أبي محمّد المدني، عن أنس … رفعه. على خلاف لهم في عدد السنين! ووقع في خ: "سبع مئة". قال الهيثمي (٣/ ١٩٤): "مسلمة هو ابن راشد الحمّاني: قال فيه أبو حاتم مضطرب الحديث، وقال الأزدي في "الضعفاء" لا يحتجّ به وأورد له هذا الحديث. وأبوه راشد بن نجيح أبو محمّد الحمّاني: أخرج له ابن ماجه، وقال أبو حاتم صالح الحديث، وذكره ابن حبّان في "الثقات" وقال: ربّما أخطأ". قلت: فاته أنّ يعقوب المدنيّ مجهول. فقد أنصف ابن الجوزي في عدّ الحديث في الواهيات. وضعّفه الألباني.
(٢) (منكر مرفوعًا). تقدّم تفصيل القول فيه (ص ٥٩١).
(٣) هذا أثر موضوع على قيس بن عبّاد! رواه الخلّال في "فضائل رجب" (١٢) بسند فيه عبد العزيز بن أبان المتروك الذي كذّبه جماعة من أهل العلم. وإنّما أشرت إليه دون غيره من الآثار الكثيرة الواهية التي وردت في الكتاب لأنّه قد يظنّ الظانّ أن لهذا الأثر حكم الرفع.
(٤) تقدم هذا (ص ١٣٥)، فقارن بين سياقه هناك وهنا، وانظر ما علّقته هناك.
[ ٥٧٦ ]
مِن الحجِّ إلى بلادِهِم، وتحريمُ ذي الحجَّةِ لوقوعِ حجِّهِم فيهِ، وتحريمُ رجبٍ كانَ للاعتمارِ فيهِ مِن البلادِ القريبةِ.
ومِن خصائصِ ذي القَعْدَةِ: أنَّ عُمَرَ النَّبيِّ - ﷺكلَّها كانَتْ في ذي القَعْدَةِ سوى عمرتِهِ التي قَرَنَها بحجَّتِهِ، معَ أنَّهُ - ﷺ - أحْرَمَ بها أيضًا في ذي القَعْدَةِ وفَعَلَها في ذي الحجَّةِ معَ حجَّتِهِ.
وكانَتْ عُمَرُهُ - ﷺ - أربعًا: عمرةُ الحُدَيْبِيَةِ، ولمْ يُتِمَّها، بل تَحَلَّلَ منها ورَجَعَ. وعمرةُ القضاءِ مِن قابلٍ. وعمرةُ الجِعْرَانَةِ عامَ الفتحِ لمَّا قَسَمَ غنائمَ حُنَيْنٍ، وقيلَ: إنَّها كانَتْ في آخرِ شوَّالٍ، والمشهورُ أنَّها كانَتْ في ذي القَعْدَةِ، وعليهِ الجمهورُ. وعمرتُهُ في حجَّةِ الوداعِ كما دَلَّتْ عليهِ النُّصوصُ الصَّحيحةُ وعليهِ جمهورُ العلماءِ أيضًا (^١).
وقد رُوِيَ عن طائفةٍ مِن السَّلفِ - منهُمُ ابنُ عُمَرَ وعائِشَةُ وعَطاءٌ - تفضيلُ عمرةِ ذي القَعْدَةِ وشوَّالٍ على عمرةِ رمضانَ؛ لأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - اعْتَمَرَ في [ذي] القَعْدَةِ، وفي أشهرِ الحجِّ حيثُ يَجِبُ عليهِ الهديُ إذا حَجَّ مِن عامِهِ؛ لأنَّ الهديَ زيادةُ نسكٍ، فيَجْتَمعُ نسكُ العمرةِ معَ نسكِ الهديِ.
ولذي القَعْدَةِ فضيلةٌ أُخرى، وهيَ أنَّهُ قد قيلَ: إنَّهُ الثَّلاثونَ يومًا الذي واعَدَ اللهُ فيهِ موسى ﵇، قالَ لَيْثٌ عن مُجاهِدٍ في قولهِ تَعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾؛ قالَ: ذو القَعْدَةِ، ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢]؛ قالَ: عشرُ ذي الحجَّةِ (^٢).
يا مَن لا يُقْلعُ عنِ ارتكابِ الحرامِ لا في شهرٍ حلالٍ ولا في شهرٍ حرام! يا مَن هوَ في الطَّاعاتِ إلى وراءَ وراءَ وفي المعاصي إلى قدَّام! يا مَن هوَ في كلِّ يومٍ مِن عمرِهِ شرٌّ ممَّا كانَ قبلَهُ مِن الأيَّام! متى تَسْتَفيقُ مِن هذا المنام؟! متى تَتوبُ مِن هذهِ الأجرام؟! يا مَن أنْذَرَهُ الشَّيبُ بالموتِ وهوَ مقيمٌ على الآثام! أما كفاكَ واعظُ الشَّيبِ معَ واعظِ القرآنِ
_________________
(١) انظر تفصيلًا طويلًا لهذا عند ابن القيّم في "زاد المعاد" (٢/ ٩٧ وما بعدها).
(٢) (لا أصل له في المرفوع). وإنّما روي عن ابن عبّاس وجماعة من التابعين، وليست أسانيدها بالقويّة، ولا لها حكم رفع أو إرسال.
[ ٥٧٧ ]
والإسلام؟! الموتُ خيرٌ لكَ مِن الحياةِ على هذهِ الحالِ والسَّلام.
يا غادِيًا في غَفْلَةٍ وَرائِحا … إلى مَتى تَسْتَحْسِنُ القَبائِحا
وَكَمْ إلى كَمْ لا تَخافُ مَوْقِفًا … يَسْتَنْطِقُ اللهُ بهِ الجَوارِحا
وا عَجَبًا مِنْكَ وَأنْتَ مُبْصِرٌ … كَيْفَ تَجَنَّبْتَ الطَّريقَ الواضحا
وَكَيْفَ تَرْضى أنْ تَكونَ خاسِرًا … يَوْمَ يَفوزُ مَنْ يَكونُ رابِحا (^١)
* * *
_________________
(١) في حاشية خ: "بلغ مقابلة بالبلد الحرام بدار العبّاس عمّ النبيّ - ﷺ - ورضي الله عنه في السادس من جمادى الآخرة سنة سبع وخمسين وثمان مئة، علي بن سليمان عفا الله عنه.
[ ٥٧٨ ]