خَرَّجا في الصَّحيحينِ (^١) مِن حديثِ أبي بَكْرَةَ: أن النَّبيَّ - ﷺ - خَطَبَ في حَجَّةِ الوداع فقالَ في خطبتِهِ: "إنَّ الزَّمانَ قدِ اسْتَدارَ كهيئتِهِ يومَ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ، السَّنة اثنا عَشَرَ شهرًا، منها أربعة حرمٌ: ثلاثة متوالياتٌ؛ ذو القَعْدَةِ وذو الحِجَّةِ والمحرَّمُ، ورجبُ مُضَرَ الذي بينَ جُمادى وشعبانَ … " وذَكَرَ الحديثَ.
• قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]. فأخْبَرَ سبحانَهُ أنَّهُ منذُ خَلَقَ السَّماواتِ والأرضَ، وخَلَقَ الليلَ والنَّهارَ يَدورانِ في الفلكِ، وخَلَقَ ما في السَّماءِ مِن الشَّمسِ والقمرِ والنُّجومِ، وجَعَلَ الشَّمسَ والقمرَ يَسْبَحانِ في الفَلَكِ [فـ]ـينْشَأُ منهُما ظلمةُ الليلِ وبياضُ النَّهارِ؛ فمِن حينئذٍ جَعَلَ السَّنةَ اثني عشرَ شهرًا بحسبِ الهلالِ.
فالسَّنةُ في الشَّرعِ مقدَّرة بسيرِ القمرِ وطلوعِهِ لا بسيرِ الشَّمسِ وانتقالِها كما يَفْعَلُهُ أهلُ الكتابِ.
وجَعَلَ [اللهُ تَعالى] مِن هذهِ الأشهرِ أربعةَ أشهرٍ حرمًا، وقد فَسَّرَها النَّبي - ﷺ - في هذا الحديثِ، وذَكَرَ أنَّها ثلاثةٌ متوالياتٌ؛ ذو القَعْدَةِ وذو الحِجَّةِ ومُحَرَّمٌ، وواحدٌ فردٌ وهوَ شهر رجبٍ. وهذا قد يَسْتَدِلُّ بهِ مَن يَقولُ: إنَّها مِن سنتينِ. وقد رُوِيَ مِن حديثِ ابن عُمَرَ مرفوعًا: "أوَّلُهُنَ رجبٌ" (^٢)، وفي إسناده موسى بنُ عُبَيْدَةَ، وفيهِ ضعفٌ شديدٌ
_________________
(١) البخاري (٢٥ - الحجّ، ١٣٢ - الخطبة أيّام منى، ٣/ ٥٧٣/ ١٧٤١)، ومسلم (٢٨ - القسامة، ٩ - تغليظ تحريم الدماء، ٣/ ١٣٠٥/ ١٦٧٩).
(٢) (منكر). رواه: ابن جرير (١٦٦٩٩)، وابن المنذر (التوبة ٣٦ - الدرّ)، وابن أبي حاتم (١٠٠٩٦) =
[ ٢٧٢ ]
مِن قبلِ حفظِهِ. وقد حُكِيَ عن أهلِ المدينةِ أنَّهُم جَعَلوها مِن سنتينِ، وأنَّ أوَّلَها ذو القَعْدَةِ ثمَّ ذو الحِجَّةِ ثمَّ المحرَّمُ ثمَّ رجبٌ، فيَكونُ رجبٌ آخرَها. وعن بعضِ المدنيِّينَ أنَّ أوَّلَها رجبٌ ثمَّ ذو القعدةِ ثم ذو الحجَّةِ ثمَّ المحرَّمُ. وعن [بعضِ] أهلِ الكوفةِ أنَّها مِن سنةٍ واحدةٍ؛ أوَّلُها المحرَّمُ ثمَّ رجبٌ ثمَّ ذو القَعْدَةِ ثمَّ ذو الحِجَّةِ (^١).
واخْتُلِفَ في أي هذهِ الأشهرِ الحرمِ أفضلُ: فقيلَ: رجبٌ. قالَهُ بعضُ الشَّافعيّةِ، وضَعَّفَهُ النَّوَوِيُّ وغيرُهُ. وقيلَ: المحرَّمُ. قالَهُ الحَسَنُ، ورَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ. وقيلَ: ذو الحِجَّةِ. رُوِيَ عن سَعيدِ بن جُبَيْرٍ وغيرِهِ، وهوَ أظهرُ. واللهُ أعلمُ.
• وقولُهُ - ﷺ -: "إنَّ الزَّمانَ قدِ اسْتَدارَ كهيئتِهِ يومَ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ، السَّنةُ اثنا عشرَ شهرًا"؛ مرادُهُ بذلكَ إبطالُ ما كانتِ الجاهليَّةُ تَفْعَلُهُ مِن النَّسيءِ، كما قالَ تَعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [التوبة: ٣٧].
وقدِ اخْتُلِفَ في تفسيرِ النَّسيءِ: فقالَتْ طائفةٌ: كانوا يُبْدِلونَ بعضَ الأشهرِ الحرمِ بغيرِها مِن الأشهرِ فيُحَرِّمونَها بدلَها ويُحِلُّونَ ما أرادوا تحليلَهُ مِن الأشهرِ الحرمِ إذا احْتاجوا إلى ذلكَ، ولكنْ لا يَزيدونَ في عددِ الأشهرِ الهلاليّةِ شيئًا. ثمَّ مِن أهلِ هذهِ المقالةِ مَن قالَ: كانوا يُحِلُّونَ المحرَّمَ فيَسْتَحِلُّونَ القتالَ فيه؛ لطولِ مدَّةِ التَّحريمِ عليهِم بتوالي ثلاثةِ أشهرٍ محرَّمةٍ، ثمَّ يُحَرِّمونَ صَفَرَ مكانَهُ، فكأنَّهُم تقْتَرِضونَهُ ثمَّ يُوَفُّونَهُ. ومنهُم مَن قالَ: كانوا يُحِلُونَ المحرَّمَ معَ صَفَرَ مِن عامٍ ويُسَمُّونَهُما صَفرينِ، ثمَّ يُحِرِّمونَهُما مِن عامٍ قابلٍ ويُسَمُّونَهُما محرَّمينِ، قالَهُ ابنُ زيدِ بن أسْلَمَ. وقيلَ: بل كانوا ربَّما احْتاجوا إلى صَفَرَ أيضًا فأحَلُّوهُ وجَعَلوا مكانَهُ ربيعًا، ثمَّ يَدورُ ذلكَ التَّحريمُ
_________________
(١) = مختصرًا، وابن مردويه (التوبة ٣٦ - ابن كثير)؛ من طريق موسى بن عبيدة الربذي، ثني صدقة بن يسار (وقال ابن أبي حاتم وابن مردويه: عن عبد الله بن دينار)، عن ابن عمر … رفعه. قال ابن رجب: "فيه موسى بن عبيدة، وفيه ضعف شديد من قبل حفظه". قلت: موسى ضعيف، ولا سيّما في عبد الله بن دينار، وقد تردّد في تابعيّ الحديث، وهذا، وإن كان تردّدًا بين ثقتين لا يضرّ، فإنه يدلّ على أنّه لم يضبط الحديث، وقد خالف الثقات الذين رووا هذا الحديث بغير هذا القيد، وهذا حدّ النكارة.
(٢) وهذا نوع من الترف العلمي الذي لا طائل تحته ولا فائدة تجنى من ورائه.
[ ٢٧٣ ]
والتَّحليلُ بالتَّأْخير (^١)، إلى أنْ جاءَ الإسلامُ ووافَقَ حجَّةَ الوداعِ [و] صارَ رجوعُ التَّحريمِ إلى محرَّمٍ الحقيقيِّ. وهذا هوَ الذي رَجَّحَهُ أبو عُبَيْدٍ. وعلى هذا (^٢) فالتَّغييرُ إنَّما وَقَعَ في عينِ الأشهرِ الحرمِ خاصَّة. وقالَتْ طائفةٌ أُخرى: بل كانوا يَزيدونَ في عددِ شهورِ السَّنةِ، وظاهرُ الآيةِ يُشْعِرُ بذلكَ، حيثُ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ فذَكَرَ هذا توطئةً لهدمِ النَّسيءِ وإبطالِهِ.
ثمَّ مِن هؤلاءِ مَن قالَ: كانوا يَجْعَلونَ السَّنةَ ثلاثةَ عشرَ شهرًا. قالَهُ مُجاهِدٌ وأبو مالِكٍ. قالَ أبو مالِكٍ: كانوا يَجْعَلونَ السَّنةَ ثلاثةَ عشرَ شهرًا، ويَجْعَلونَ المحرَّمَ صَفَرًا. وقالَ مُجاهِدٌ: كانوا يُسْقِطونَ المحرَّمَ، ثمَّ تقولونَ صَفَرَينِ لصَفَرَ وربيعٍ الأوَّلِ، ثمَّ يَقولونَ لرمضان شعبانُ (^٣) ولِشوَّالٍ رمضانُ ولذي القعدةِ شوَّالٌ ولذي الحجَّةِ ذو القعدةِ - على وجهِ ما ابْتَدَؤوا -. وللمحرَّمِ ذو الحِجَّةِ، فيَعُدُّونَ ما ناسَؤُوا على مستقبلِهِ على وجهِ ما ابْتَدَؤُوا.
وعنهُ قالَ: كانَتِ الجاهليَّةُ يَحُجُّونَ في كلِّ شهرٍ مِن شهورِ السَّنةِ عامينِ، فوافَقَ حجُّ رسولِ اللهِ - ﷺ - في ذي الحِجَّةِ، فقالَ: "هذا يومَ اسْتَدارَ الزَّمانُ كهيئتِهِ يومَ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ" (^٤).
ومِن هؤلاءِ مَن قالَ: كانَتِ الجاهليَّةُ يَجْعَلونَ السَّنةَ (^٥) اثني عشرَ شهرًا وخمسةَ أيَّامٍ. قالَهُ إياسُ بنُ مُعاوِيَةَ. وهذا العددُ قريبٌ مِن عددِ السَّنةِ الرُّوميَّةِ، ولهذا جاءَ في مراسيلِ عِكْرِمَةَ بن خالِدٍ؛ أن النَّبيَّ ﷺ قالَ في خطبتِهِ يومَ النَّحرِ: "والشَّهرُ هكذا وهكذا وهكذا، وخَنَسَ إبهامَهُ في الثَّالثةِ، وهكذا وهكذا وهكذا"؛ يَعْني
_________________
(١) في خ وم: "يدور كذلك التحريم والتحليل والتأخير"، والمقطع ساقط من ن، والتصويب من ط.
(٢) في خ: "وعلى ذلك"، والأولى ما أثبتّه من م وط.
(٣) في خ: "ويقولون صفرين لصفر وربيع الأوّل وربيع الآخر، ثمّ يقولون [شهرا ربيع، ثمّ يقولون] لرمضان شعبان"! وذكر ربيع الآخر لا محلّ له في هذا السياق ولا ذكره من خرّجه من أهل التفسير وإنّما هو من إضافات النسّاخ لاستكمال أشهر السنة! وذكره خطأ واضح؛ لأنّ الأشهر تصبح ثلاثة؛ فكيف يقال لها صفرين؟! وكذلك لم يذكر "شهرا ربيع" في السياق أحد ممّن خرّج هذا الأثر.
(٤) المرفوع متّفق عليه كما تقدّم، والموقوف من كلام مجاهد، وفي صحّة نسبته إليه نظر.
(٥) أشار في خ إلى أنّها كذلك في نسخة، وفي متن خ وم ون وط: "يجعلون الشهور".
[ ٢٧٤ ]
ثلاثينَ (^١). فأشارَ إلى أن الشَّهرَ هلاليٌّ، ثمَّ تارةً يَنْقُصُ وتارةً يَتِمُّ.
ولعل أهلَ النَّسيءِ كانوا يُتِمُّونَ الشُّهورَ كلَّها ويَزيدونَ عليها. واللهُ أعلمُ.
وقد قيلَ: إنَّ رَبيعَةَ ومُضَرَ كانوا يُحَرِّمونَ أربعةَ أشهرٍ مِن السَّنةِ معَ اختلافِهِم في تعيينِ رجبٍ منها، كما سَنَذْكُرُهُ إنْ شاءَ اللهُ. وكانَت بَنو عَوْفِ بن لُؤَيٍّ يُحَرِّمونَ مِن السَّنةِ ثمانيةَ أشهرٍ، وهذا مبالغةٌ في الزِّيادةِ على ما حَرَّمَهُ اللهُ تَعالى.
واخْتَلَفوا في أيِّ عامٍ عادَ الحجُ إلى ذي الحِجَّةِ على وجهِهِ، واسْتَدارَ الزَّمانُ فيهِ كهيئتِهِ: فقالَتْ طائفةٌ: إنَّما عادَ على وجهِهِ في حَجَّةِ الوداعِ، وأمَّا حَجَّةُ أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁؛ فكانَتْ [قد] وَقَعَتْ في شهرِ ذي القَعْدَةِ. هذا قولُ مُجاهِدٍ وعِكْرِمَةَ بن خالِدٍ وغيرِهِما. وقيلَ: إنَّهُ اجْتَمَعَ في ذلكَ العامِ حجُّ الأُممِ كلِّها في وقتٍ واحدٍ، فلذلكَ سُمِّيَ يومَ الحجِّ الأكبرِ. وقالَتْ طائفة: بل وَقَعَتْ حَجَّةُ الصِّدَيقِ في ذي الحِجَّةِ. قالَهُ الإمامُ أحْمَدُ، وأنْكَرَ قولَ مُجاهِدٍ، واسْتَدَلَّ بأنَّ النَّبيَّ - ﷺ - أمَرَ عليًّا فنادى يومَ النَّحرِ: "لا يَحُجُّ بعدَ العامِ مشركٌ" (^٢). وفي روايةٍ: "واليومُ يومُ الحجِّ الأكبرِ" (^٣). وقد قالَ تَعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ٣]، فسَمَاهُ يومَ الحجِّ الأكبرِ، وهذا يَدُلُّ على أن النِّداءَ وَقَعَ في ذي الحِجَّةِ.
وخَرَّجَ الطَبَرانِيُّ في "أوسطه" مِن حديثِ: عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّهِ؛ قالَ: كانَ العربُ يُحِلُّونَ عامًا شهرًا وعامًا شهرينِ، ولا يُصيبونَ الحجَّ إلَّا في كلِّ ستَّةٍ
_________________
(١) (ضعيف). رواه عكرمة بن خالد عن النبيّ - ﷺ - كما ذكره المصنف، ولم أقف عليه بعد طول بحث، فإن صحّت الطريق إلى عكرمة فالسند ضعيف لإرساله. وله شاهد رواه الخطيب في "الجمع والتفريق" (١/ ٣٨٣) من حديث ابن عبّاس بسند ساقط. وقد جاءت خطبة النبيّ - ﷺ - من أوجه صحيحة وحسنة وضعيفة عن جماعة كبيرة من الصحابة لم يذكر أحد منهم فيها هذه الزيادة إلّا من هذين الوجهين ممّا يدلّ على نكارتها.
(٢) رواه: البخاري (٨ - الصلاة، ١٠ - ما يستر العورة، ١/ ٤٧٧/ ٣٦٩)، ومسلم (١٥ - الحجّ، ٧٨ - لا يحجّ البيت مشرك، ٢/ ٩٨٣/ ١٣٤٧).
(٣) هو أحد ألفاظ الحديث المتقدّم قبله عند البخاري (٥٨ - الجزية، ١٦ - كيف ينبذ إلى أهل العهد، ٦/ ٢٧٩/ ٣١٧٧)، لكنّه قال: "ويوم الحجّ الأكبر يوم النحر".
[ ٢٧٥ ]
وعشرينَ سنةً مرَّةً، وهوَ النَّسيءُ الذي ذَكَرَهُ اللهُ في كتابِهِ، فلمَّا كانَ عامَ حَجَّ أبو بَكْرٍ [الصِّدِّيقُ] بالنَّاسِ؛ وافَقَ في ذلكَ العامِ الحجَّ، فسَمَّاهُ اللهُ يومَ الحجِّ الأكبرِ. ثمَّ حجَّ رسولُ اللهِ - ﷺ - في العامِ المقبلِ، فاسْتَقْبَلَ النَّاسُ الأهلَّةَ، فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "إنَّ الزَّمانَ قدِ اسْتَدارَ كهيئتِهِ يومَ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ" (^١).
وقيلَ: بلِ استدارةُ الزَّمانِ كهيئتِهِ كانَ مِن عامِ الفتحِ.
وخَرَّجَ البزَّارُ في "مسنده" مِن حديثِ سَمُرَةَ بن جُنْدَبٍ؛ أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ لهُم يومَ الفتحِ: "إنَّ هذا العامَ الحجُّ الأكبرُ، قدِ اجْتَمَعَ حجُّ المسلمينَ وحجُّ المشركينَ في ثلاثةِ أيَّامٍ متتابعاتٍ، واجْتَمَعَ حجُّ اليهودِ وحجُّ النَّصارى في ستةِ أيَّامٍ متتابعاتٍ، ولم يَجْتَمعْ منذُ خَلَقَ اللهُ السَّماواتِ والأرضَ ولا يَجْتَمعُ بعدَ العامِ حتَّى تَقومَ السَّاعةُ" (^٢).
وفي إسنادِهِ يوسُفُ السَّمْتِيُّ، وهوَ ضعيفٌ جدًّا.
• واخْتَلَفوا لِمَ سُمِّيَتْ هذهِ الأشهرُ الأربعةُ حرمًا:
فقيلَ: لعظمِ حرمتِها وحرمةِ الذَّنبِ فيها.
قالَ عَلِيُّ بنُ أبي طَلْحَةَ عن ابن عَبَّاسٍ: اخْتَصَّ اللهُ أربعةَ أشهرٍ وجَعَلَهُنَّ حرمًا، وعَظَّمَ حرماتِهِنَّ، وجَعَلَ الذَّنبَ فيهِنَّ أعظمَ، وجَعَلَ العملَ الصَّالحَ والأجرَ أعظمَ.
قالَ كَعْبٌ: اخْتارَ اللهُ الزمانَ، فأحبُّهُ إلى اللهِ الأشهرُ الحرمُ. وقد رُوِيَ مرفوعًا،
_________________
(١) (حسن بهذا السياق). رواه: الطبراني في "الأوسط" (٢٩٣٠)، وابن مردويه (٨/ ٣٢٢ - فتح)؛ من طريق عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه … به. قال الهيثمي (٧/ ٣٢): "رجاله ثقات". قلت: المرفوع منه من مخرّجات الصحيحين.
(٢) (منكر). رواه: البزّار (١٨٢٦ - كشف) من طريق يوسف بن خالد السمتي، والطبراني (٧/ ٢٥٦/ ٧٠٤٠) من طريق مروان بن جعفر عن محمّد بن إبراهيم؛ كلاهما عن جعفر بن سعد بن سمرة، ثنا خبيب بن سليمان بن سمرة، عن سليمان بن سمرة، عن سمرة … رفعه. قال ابن رجب والهيثمي (٦/ ١٨٨): "فيه يوسف بن خالد السمتي وهو ضعيف [جدًّا] ". قلت: متّهم لا يصلح لصالحة. لكنه توبع عند الطبراني كما ترى، قال الهيثمي (٧/ ٣٢) في المتابعة: "رجاله موثّقون". قلت: وثّق ابن حبّان بعضهم لا جميعهم على طريقته في توثيق المجاهيل: ومروان صاحب منكرات، ومحمّد مجهول ضعيف، وجعفر ليّن، وخبيب مجهول، وسليمان لا يعدو أن يكون مقبولًا في المتابعات. والحديث ساقط بمفردات طرقه ومجموعها، وقد استنكره الذهبي وابن رجب والهيثمي والعسقلاني.
[ ٢٧٦ ]
ولا يَصِحُّ رفعُهُ.
وقد قيلَ في قولِهِ تَعالى: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦]: إنَّ المرادَ في الأشهرِ الحرمِ. وقيلَ: بل في جميعِ شهورِ السَّنةِ.
وقيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ حرمًا لتحريمِ القتالِ فيها، وكانَ ذلكَ معروفًا في الجاهليّةِ.
وقيلَ: إنَّهُ كانَ في عهدِ إبْراهيمَ ﵇.
وقيلَ: إنَّ سببَ تحريمِ هذهِ الأشهرِ الأربعةِ بينَ العربِ لأجلِ التَّمكُّنِ مِن الحجِّ والعمرةِ: فحُرِّمَ (^١) شهرُ ذي الحِجَّةِ لوقوعِ الحجِّ فيهِ، وحُرِّمَ معَهُ شهرُ ذي القعدةِ للسَّيرِ فيهِ إلى الحجِّ، وشهرُ المحرَّمِ للرُّجوعِ فيهِ مِن الحجِّ، حتَّى يَأْمَنَ الحاجُّ على نفسِهِ مِن حينِ يَخْرُجُ مِن بيتِهِ إلى أنْ يَرْجِعَ إليهِ، وحُرِّمَ شهرُ رَجَبٍ، للاعتمارِ فيهِ في وسطِ السَّنةِ، فيَعْتَمِرُ فيهِ مَن كانَ قريبًا مِن مَكَّةَ.
• وقد شَرَعَ اللهُ تَعالى في أوَّلِ الإسلامِ تحريمَ القتالِ في الشَّهرِ الحرامِ: قالَ تَعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ [المائدة: ٢]. وقالَ تَعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
وخَرَّجَ ابنُ أبي حاتِمٍ بإسناده عن جُنْدَبِ بن عَبْدِ اللهِ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - بَعَثَ رهطًا وبَعَثَ عليهِم عَبْدَ اللهِ بنَ جَحْشٍ، فَلَقُوا ابنَ الحَضْرَمِيِّ فقَتَلوهُ، ولم يَدْروا أن ذلكَ مِن رجبٍ أو مِن جمادى، فقالَ المشركونَ للمسلمينَ: قَتَلْتُم في الشَّهرِ الحرامِ، فأنْزَلَ اللهُ تَعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢١٧] (^٢).
_________________
(١) في خ: "تحريم هذه الأربعة أشهر … وحرَّم"، والأولى ما أثبته من م وط.
(٢) (صحيح بشواهده). رواه: الطبري (٤٠٨٧)، وابن أبي حاتم (ابن كثير - البقرة ٢١٧)، والطبراني (٢/ ١٦٢/ ١٦٧٠)، والعسقلاني في "التغليق" (٢/ ٧٦)؛ من طريق معتمر بن سليمان، عن أبيه، عن الحضرميّ، عن أبي السوار، عن جندب … به. وهذا سند لا بأس به، رجاله ثقات رجال الصحيح، إلّا الحضرمي فصدوق لا بأس بحديثه. وله شاهد عند: ابن إسحاق في "المغازي" (٢/ ٧٦ - تغليق)، والطبري (٤٠٨٥)، والبيهقي (٩/ ٥٨)، =
[ ٢٧٧ ]
ورَوَى السُّدِّيُّ: عن أبي مالكٍ وعن أبي صالحٍ عن ابن عَبَّاسٍ، وعن مُرَّةَ عن ابن مَسْعودٍ في هذهِ الآيةِ … فذَكَروا هذهِ القصَّةَ مبسوطةً، وقالوا فيها: فقالَ المشركونَ: يَزْعُمُ مُحَمَّدٌ أنَّهُ يَتَبعُ طاعةَ اللهِ وهوَ أوَّلُ مَنِ اسْتَحَلَّ الشَّهرَ الحرامَ. فقالَ المسلمونَ: إنَّما قتَلْناهُ في جُمادى. وقيلَ: في أوَّلِ رجبٍ وآخرِ ليلةٍ مِن جمادى، وغَمَدَ المسلمونَ سيوفَهُم حينَ دَخَلَ شهرُ رجبٍ. وأنْزَلَ اللهُ تعييرًا لأهلِ مَكَّةَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لا يَحِلُّ، وما صَنَعْتُمْ أنتُم يا معشرَ المشركينَ أكبرُ مِن القتلِ في الشَّهرِ الحرامِ حينَ كَفَرْتُم باللهِ وصَدَدْتُم عن مُحَمَّدٍ وأصحابِهِ، وإخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ حينَ أخْرَجوا منهُ مُحَمَّدًا - ﷺ - أكبرُ مِن القتلِ عندَ اللهِ.
وقد رُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ هذا المعنى: مِن روايةِ العَوْفِيِّ عنهُ، ومِن روايةِ أبي سَعْدٍ البَقَّالِ عن عِكْرِمَةَ عنهُ، ومِن روايةِ الكَلْبِيِّ عن أبي صالحٍ عنهُ.
وذَكَرَ ابنُ إسحاقَ أن ذلكَ كانَ في آخرِ يومٍ مِن رجبٍ، وأنَّهُم خافوا إنْ أخَّروا القتالَ أنْ يَسْبِقَهُمُ المشركونَ فيَدْخُلوا الحرمَ فيَأْمَنوا. وأنَّهُم لمَّا قَدِموا على النَّبيِّ - ﷺ - قالَ لهُم: "ما أمَرْتُكُم بالقتالِ في الشَّهرِ الحرامِ"، ولمْ يَأْخُذْ مِن غنيمتِهِم شيئًا. وقالَتْ قُرَيْشٌ: قدِ اسْتَحَلَّ مُحَمَّد وأصحابُهُ الشَّهرَ الحرامَ. فقالَ مَن بمَكَّةَ مِن المسلمينَ: إنَّما قَتَلوهُم في شعبانَ. فلمَّا أكْثَرَ النَّاسُ في ذلكَ؛ نَزَلَ قولُهُ تَعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ الآية (^١).
ورُوِيَ نحوُ هذا السِّياق عن عُرْوَةَ والزُّهْرِيِّ وغيرِهِما.
وقيلَ: إنَّها كانَتْ أوَّلَ غنيمةٍ غَنِمَها المسلمونَ.
_________________
(١) = والعسقلاني في "التغليق" (٢/ ٧٥ - ٧٦)؛ من طريقين قويّتين، عن عروة بن الزبير … مرسلًا. وآخر عند البيهقي (٩/ ٥٨) من طريق لا بأس بها عن موسى بن عقبة … مرسلًا. وشواهد أُخرى عند: عبد الرزّاق (٢٥٤)، وابن جرير (٤٠٨٦ و٤٠٨٨ - ٤٠٩٠ و٤٠٩٢ و٤٠٩٣ - ٤٠٩٦)؛ من أوجه عدّة موصولة ضعيفة ومرسلة قويّة. ومن وقف على شواهد القصّة لم يتردّد في صحّتها، وإلى تقويتها مال ابن كثير والهيثمي والعسقلاني.
(٢) (لا بأس به). تقدّم تفصيل القول فيه في الحاشية السابقة؛ إلّا قوله - ﷺ - "ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام"؛ فقد جاء فقط في مرسل عروة بن الزبير المتقدّم آنفًا، لكنّ الجوّ العام للنصوص المتقدّمة يقوّيه، ويشهد لمعناه حديث جابر الحسن الآتي قريبًا، فأرجو أنّه ممّا لا بأس به من أخبار السيرة.
[ ٢٧٨ ]
وقالَ عَبْدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ في ذلكَ - وقيلَ: إنَّها لأبي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ -:
تَعُدُّونَ قَتْلًا في الحَرامِ عَظيمَةً … وَأعْظَمُ مِنْهُ لَوْ يَرَى الرُّشْدَ راشِدُ
صُدودُكُمُ عَمَّا تقولُ مُحَمَّدٌ … وَكُفْرٌ بِهِ واللهُ راءٍ وَشاهِدُ
وَإخْراجُكُمْ مِنْ مَسْجِدِ اللهِ أهْلَهُ … لِئَلَّا يُرى للهِ في البَيْتِ ساجِدُ
… في أبياتٍ أُخرَ.
• وقدِ اخْتَلَفَ العلماءُ في حكمِ القتالِ في الأشهرِ الحرمِ، هل تحريمُهُ باقٍ أم نُسِخَ:
فالجمهورُ على أنَّهُ نُسِخَ تحريمُهُ، ونَصَّ على نسخِهِ الإمامُ أحْمَدُ وغيرُهُ مِن الأئمَّةِ. وذَهَبَ طائفةٌ مِن السَّلفِ - منهُم عطاءٌ - إلى بقاءِ تحريمِهِ، ورَجَّحَهُ بعضُ المتأخِّرينَ، واسْتَدَلُوا بآيةِ المائدةِ، والمائدةُ مِن آخرِ ما نَزَلَ مِن القرآنِ. وقد رُوِيَ (^١): أحِلُّوا حلالَها وحَرِّموا حرامَها. وقيلَ: ليسَ فيها منسوخٌ.
وفي "المسند": أن عائِشَةَ قالَتْ: هيَ آخرُ سورةٍ نَزَلَتْ، فما وَجَدْتُم فيها مِن حلالٍ فاسْتَحِلوهُ، وما وَجَدْتُم فيها مِن حرامٍ فحَرِّموهُ.
ورَوى الإمامُ أحْمَدُ في "مسنده": حَدَّثَنا إسْحاقُ بنُ عيسى، حَدَّثَنا لَيْثُ بنُ سَعْدٍ، عن أبي الزُّبَيْرِ، عن جابِرٍ؛ قالَ: لم يَكُنْ رسولُ اللهِ - ﷺ - يَغْزو في الشَّهرِ الحرامِ إلَّا أنْ يُغْزى، ويَغْزو فإذا حَضَرَهُ أقامَ حتَّى يَنْسَلخَ (^٢).
وذَكَرَ بعضُهُم أن النَّبيَّ - ﷺ - حاصَرَ الطَّائفَ في شوَّالٍ، فلمَّا دَخَلَ ذو القَعْدَةِ؛ لمْ يُقاتِلْ، بل صابَرَهُم، ثمَّ رَجَعَ (^٣).
_________________
(١) يعني: في الموقوف، ولم أقف على مرفوع بهذا المعنى، فكأنّه يعني قول عائشة الآتي بعده.
(٢) (حسن). رواه: أحمد (٣/ ٣٣٤ و٣٤٥)، والحارث (٦٤٥ - هيثمي)، والطبري (٤٠٨٤)، والنحّاس في "الناسخ"؛ من طرق، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر … رفعه. قال الهيثمي (٦/ ٦٩): "رجاله رجال الصحيح". قلت: أبو الزبير صدوق حسن الحديث من رجال الشيخين، ورواية الليث عنه أمان من التدليس، فالسند حسن.
(٣) (منكر). لم أقف عليه، ولكنّه ظاهر المخالفة لقصّة حصار الطائف المخرّجة في الصحيحين وقول النبيّ - ﷺ - للمسلمين "اغدوا على القتال" قبل رجوعهم عن الحصن بيوم واحد.
[ ٢٧٩ ]
وكذلكَ في عمرةِ الحُدَيْبِيَةِ (^١) لمْ يُقاتِلْ حتَّى بَلَغَهُ أن عُثْمانَ قُتِلَ، فبايَعَ على القتالِ، ثمَّ لمَّا بَلَغَهُ أن ذلكَ لا حقيقةَ لهُ؛ كَفَّ عن القتالِ (^٢).
واسْتَدَلَّ الجمهورُ بأنَّ الصَّحابةَ ﵃ اشْتَغَلوا بعدَ النَّبي - ﷺ - بفتحِ البلادِ ومواصلةِ القتالِ والجهادِ ولمْ يُنْقَلْ عن أحدٍ منهُم أنَّهُ تَوَقَّفَ عن القتالِ وهوَ طالبٌ لهُ في شيء مِن الأشهرِ الحرمِ، وهذا يَدُلُّ على إجماعِهِم على نسخِ ذلكَ (^٣). واللهُ أعلمُ.
ومِن عجائبِ الأشهرِ الحرمِ ما رُوِيَ [عن] عَبْدِ اللهِ بن عَمْرِو بن العاصِ؛ أنَّهُ ذَكَرَ عجائبَ الدُّنيا، فعَدَّ منهـ[ـا]، بأرضِ عادٍ عمودَ نحاسٍ، عليهِ شجرة مِن نحاسٍ، فإذا كانَ في الأشهرِ الحرمِ؛ قَطَرَ منها الماءُ، فملؤوا منهُ حياضَهُم، وسَقَوْا مواشيَهُم وزروعَهُم، فإذا ذَهَبَ الأشهرُ الحرمُ؛ انْقَطَعَ المال (^٤).
• وقولُهُ - ﷺ - "ورَجَبُ مُضَر": سُمِّيَ رجبٌ رجبًا لأنَّهُ كانَ يُرَجَّبُ؛ أي: يُعَظّمُ. كذا قالَ الأصْمَعِيُّ والمُفَضَّلُ والفَرَّاءُ. وقيلَ: لأنَّ الملائكةَ [تَ]ـتَرَجَّبُ للتَّسبيحِ والتَّحميدِ فيهِ، وفي ذلكَ حديث مرفوعٌ؛ إلَّا أنَّهُ موضوعٌ.
_________________
(١) في خ: "وكذلك غزوة الحديبية"، والأولى ما أثبتّه من م وط.
(٢) ملخص مختصر لقصّة غزوة الحديبية المشهورة المخرّجة في "السير" و"الصحاح". وانظر لتفاصيلها: "صحيح البخاري" (٦٤ - المغازي، ٣٥ - الحديبية، ٧/ ٤٣٩/ ٤١٤٧ - ٤١٩١)، و"صحيح مسلم" (٣٢ - الجهاد والسير، ٣٤ - صلح الحديبية، ٣/ ١٤٠٩/ ١٧٨٣ - ١٧٨٦).
(٣) استند الذين حرَّموا القتال في الشهر الحرام وجعلوه أمرًا محكمًا إلى: آية البقرة ﴿قل قتال فيه كبير﴾، وأنّ آية المائدة ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ ظاهرتها والمائدة من آخر ما نزل من القرآن، وأنّ حديث جابر الصحيح بيّن أنّ النبيّ - ﷺ - التزم بذلك حتّى مات. وهذه أدلة يقينية غاية في الوضوح. واستند الذين أحلّوا القتال في الشهر الحرام وجعلوا التحريم حكمًا منسوخًا إلى: آية التوبة ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾، وليست صريحة في الأشهر الحرم فضلًا عن نسخ تحريم القتال فيها، وعلى فرض أنّها نزلت في الأشهر الحرم فيمكن أن يوفق بينها وبين آيات التحريم بيسر بحملها على مقاتلة المشركين في الحرم إذا ابتدؤوا هم بالقتال فيه، ويقوّي ذلك لفظة ﴿كما﴾. واستندوا أيضًا إلى فعل الصحابة، وهذا يستلزم إثبات ابتدائهم القتال في الحرم بغير اضطرار منهم، ولا تحرّش للعدوّ بهم ولا نكير من أحد منهم، وهو أمر غاية في الصعوبة. ومعلوم أن الظنون والاحتمالات لا تصلح لنسخ الآيات الصريحة والأحاديث الصحيحة. والله أعلم.
(٤) والله المستعان على هذا الكذب والبهتان على هذا الصحابيّ الجليل.
[ ٢٨٠ ]
وأمَّا إضافتُهُ إلى مُضَرَ: فقيلَ: لأنَّ مُضَرَ كانَتْ تَزيدُ في تعظيمِهِ واحترامِهِ، فنُسِبَ إليهِم لذلكَ. وقيلَ: بل كانَتْ ربيعةُ تُحَرِّمُ رمضانَ وتُحَرِّمُ مُضَرُ رجبًا، فلذلكَ سَمَّاهُ رجبَ مُضَرَ وحَقَّقَ ذلكَ بقولِهِ "الذي بينَ جمادى وشعبانَ".
وذَكَرَ بعضُهُم أن لشهرِ رجبٍ أربعةَ عشرَ اسمًا: شهرُ اللهِ، ورجبٌ، ورجبُ مُضَرَ، ومُنْصِلُ الأسنَّةِ، والأصمُّ، والأصبُّ، ومُنَفِّسٌ، ومُطَهِّر، ومُعَلًّى، ومقيمٌ، وهَرِمٌ، ومقشقِشٌ، ومُبَرِّئ، وفردٌ. وذَكَرَ غيرُهُ أن لهُ سبعةَ عشرَ اسمًا، فزادَ: رَجَمَ بالميم، ومُنْصِلَ الألَّةِ وهيَ الحربةُ، ومنزِعَ الأسنَّةِ.
• ويَتَعَلَّقُ بشهرِ رجبٍ أحكامٌ كثيرةٌ:
فمنها ما كانَ في الجاهليَّةِ واخْتَلَفَ العلماءُ في استمرارِهِ في الإسلامِ:
• كالقتالِ، وقد سَبَقَ ذكرُهُ.
• وكالذَّبائحِ؛ فإنَّهُم كانوا في الجاهليّةِ يَذْبَحونَ ذبيحةً يُسَمُّونَها العَتِيرَةَ. واخْتَلَفَ العلماءُ في حكمِها في الإسلامِ:
فالأكثرونَ على أن الإسلامَ أبْطَلَها. وفي الصَّحيحينِ (^١): عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النَّبي - ﷺ -؛ قالَ: "لا فَرَعَ ولا عَتِيرَةَ" (^٢).
ومنهُم مَن قالَ: بل هيَ مستحبَّةٌ. منهُمُ ابنُ سِيرِينَ. وحَكاهُ الإمامُ أحْمَدُ عن أهلِ البَصْرَةِ. ورَجَّحَهُ طائفةٌ مِن أهلِ الحديثِ المتأخِّرينَ. ونَقَلَ حَنْبَلٌ عن أحْمَدَ نحوَهُ.
وفي "سنن" أبي داوودَ والنَّسائِيِّ وابنِ ماجَهْ: عن مِخْنَفِ بن سُلَيْمٍ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - قالَ بعَرَفَةَ: "إنَّ على كلِّ أهلِ بيتٍ في كلِّ عامٍ أضْحاةٌ وعَتِيرَةً، وهيَ التي يُسَمُّونَها الرَّجَبِيّة" (^٣).
_________________
(١) البخاري (٧١ - العقيقة، ٣ - الفرع، ٩/ ٥٩٦/ ٥٤٧٣ و٥٤٧٤)، ومسلم (٣٥ - الأضاحي، ٧ - الفرع والعتيرة، ٣/ ١٥٦٤/ ١٩٧٦).
(٢) الفرع: بكر الناقة أو النعجة … كانوا يذبحونه لأصنامهم. العتيرة: الذبيحة الرجبية.
(٣) (ضعيف). رواه: ابن أبي شيبة (٢٤٢٩٣)، وأحمد (٤/ ٢١٥، ٥/ ٧٦)، والبخاري في "التاريخ" (٨/ ٥٢)، وابن ماجه (٢٦ - الأضاحي، ٢ - الأضاحي واجبة أم لا، ٢/ ١٠٤٥/ ٣١٢٥)، وأبو داوود (١٠ - الضحايا، ١ - إيجاب الأضاحي، ٢/ ١٠٢/ ٢٧٨٨)، والترمذي (٢ - الأضاحي، ١٩ - باب، =
[ ٢٨١ ]
وفي النَّسائِيِّ عن نُبَيْشَةَ؛ أنَّهُم قالوا: يا رسولَ اللهِ! إنَّا كنَّا نَعْتِرُ فيهِ في الجاهليَّةِ (يَعْني: في رجبٍ). قالَ: "اذْبَحوا للهِ في أيِّ شهرٍ كانَ (^١)، وبَرُّوا الله وأطْعِموا" (^٢).
ورَوى الحارِثُ بنُ عَمْرٍو؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - سُئِلَ عن الفَرَع والعَتائِرِ، فقالَ: "مَن شاءَ فَرَّعَ ومَن شاءَ لم يُفَرِّعْ، ومَن شاءَ عَتَرَ ومَن شاءَ لمْ يَعْتِرْ" (^٣).
_________________
(١) = ٢/ ١٠٢/ ٢٧٨٨)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٢٣١٨)، والنسائي في "المجتبى" (٤١ - الفرع والعتيرة، ١ - باب، ٧/ ١٦٧/ ٤٢٣٥) و"الكبرى" (٤٥٥٠)، والبغوي في "المعجم" (٣/ ٣٩٢ - إصابة)، والطحاوي في "المشكل" (١/ ٤٦٣)، وابن قانع في "المعجم" (٣/ ٩١/ ١٠٥٣)، والطبراني (٢٠/ ٣١٠/ ٧٣٨ و٧٣٩)، وأبو الشيخ في "الطبقات" (١/ ٢٧٩ و٢٨١ و٢٨٢)، والبيهقي (٩/ ٢٦٠ و٣١٢)؛ من طريق ابن عون، عن أبي رملة، عن مخنف بن سليم … رفعه. قال الترمذي: "حسن غريب". وقال البغوي وعبد الحقّ وابن القطان: "غريب ضعيف الإسناد". قلت: من أجل أبي رملة؛ فإنّه لا يعرف. ورواه: عبد الرزّاق (٨٠٠١ و٨١٥٩)، وأحمد (٥/ ٧٦)، والطبراني (٢٠/ ٣١١/ ٧٤٠)، وابن الأثير في "الغابة" (١/ ٤٢٤)؛ من طريق عبد الكريم بن أبي المخارق، عن حيب بن مخنف، [عن أبيه] … رفعه. وهذا سند واهٍ: عبد الكريم واهٍ اتّفقوا على ضعفه، وحبيب مجهول لا يعرف. وهذا طريقان لا يصلح أن يقوّي أحدهما الآخر لأمور: أوّلها: أنّ أحدهما شديد الضعف يكاد يكون دون حدّ الاعتبار. والثاني: أنّه لا يبعد أن يكون أبو رملة هذا هو حبيب بن مخنف نفسه فتعود الطريقان طريقًا واحدة واهية. والثالث: أنّ المتن منكر مخالف لأحاديث الصحيحين في إبطال العتيرة، فلا تقوم هذه الأسانيد المتداعية لإثباتها بصيغة الأمر والإيجاب. والرابع: أنّ السياق يدلّ على أنّ الحادثة وقعت في عرفة أمام جمهرة فلا يعقل أن يتفرد بروايتها مخنف بن سليم من طريقين واهيتين عنه. ولذلك استنكره البغوي وضعّفه عبد الحقّ وابن القطّان والخطّابي، وقد مال الألباني إلى تقويته، وفيه نظر كبير.
(٢) في خ: "اذبحوا لله في كلّ شهر"، وما أثبتّه من م وط أولى بلفظ النسائي.
(٣) (صحيح). رواه: الشافعي في "السنن" (٣٩٥)، وأحمد (٥/ ٧٥ و٧٦)، وابن ماجه (٢٧ - الذبائح، ٢ - الفرعة، ٢/ ١٠٥٧/ ٣١٦٧)، وأبو داوود (١٣ - الذبائح، ٢٠ - العتيرة، ٢/ ١١٤/ ٢٨٣٠)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (١٠٧١ و١٠٧٢)، والنسائي (٤١ - الفرع، ٢ - تفسير العتيرة، ٧/ ١٦٩/ ٤٢٣٩ - ٤٢٤٣) و"الكبرى" (٤٥٥٤ - ٤٥٥٨)، والطحاوي في "المشكل" (١/ ٤٦٥)، والحاكم (٤/ ٢٣٥)، والبيهقي (٩/ ٣١١)، والمزّي (٥/ ١٣٢)؛ من طرق ثلاث، عن أبي المليح، عن نبيشة … رفعته. وبعض طرقه إلى أبي المليح صحيحة، وأبو المليح ثقة، فالسند صحيح، وقد صحّحه الحاكم وابن المنذر والذهبي والعسقلاني والألباني.
(٤) (حسن). رواه: ابن سعد (٧/ ٦٤)، وأحمد (٣/ ٤٨٥)، والبخاري في "التاريخ" (٢/ ٢٥٩ و٢٦٠، ٣/ ٤٣٨، ٨/ ٢٧٤) و"الأدب" (١١٤٨) و"خلق الأفعال" (ص ٩٠)، وأبو داوود (٥ - المناسك، ٩ - المواقيت، ١/ ٥٤٣/ ١٧٤٢) مختصرًا، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (١٢٥٧ و١٢٥٨)، والبزّار (٣٣٤٧ - كشف)، والنسائي في "المجتبى" (٤١ - الفرع، ١ - باب، ٧/ ١٦٩/ ٤٢٣٧) و"الكبرى" (٤٥٥٢ و٤٥٥٣) و"اليوم والليلة" (٤٢٣)، والبغوي في "المعجم" (١/ ٢٨٥ - إصابة)، والطحاوي في "المشكل" (١/ ٤٦٥ =
[ ٢٨٢ ]
وفي حديثٍ آخرَ؛ قالَ: "العتيرةُ حقٌّ" (^١).
وفي النَّسائِيِّ عن أبي رَزِينٍ؛ قالَ: قُلْتُ: [يا رسولَ اللهِ]! كنَّا نَذْبَحُ ذبائحَ في الجاهليّةِ (يَعْني: في رجب)، فنَأْكُلُ ونُطعِمُ مَن جاءَنا. فقالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "لا بأْسَ بهِ" (^٢).
_________________
(١) = و٤٦٦)، وابن قانع في "المعجم" (١/ ١٨١/ ١٩٩)، وابن حبّان في "الثقات" (٧/ ٦٠٢)، والطبراني في "الكبير" (٣/ ٢٦١/ ٣٣٥٠ - ٣٣٥٢) و"الأوسط" (٥٩٢٤)، والحاكم (٤/ ٢٣٢ و٢٣٦)، والبيهقي (٥/ ٢٨) مختصرًا، وابن الأثير في "الغابة" (١/ ٣٨٧)، والمزّي في "التهذيب" (٣١/ ٣٠٤)؛ من طرق ثلاث لا بأس بها، عن زرارة بن كريم بن الحارث، عن جدّه الحارث … رفعه. قال الهيثمي (٣/ ٢٧٢): "رجاله ثقات". قلت: زرارة وثّقه ابن حبّان وروى عنه جماعة فحديثه لا بأس به والسند حسن. وقد قوّاه الحاكم والذهبي والعسقلاني والهيثمي والألباني.
(٢) (حسن). قطعة من حديث رواه: عبد الرزّاق (٧٩٦١ و٧٩٩٥)، وابن أبي شيبة (٢٤٢٩٥)، وأحمد (٢/ ١٨٢)، وأبو داوود (٢١ - العقيقة، ٢٠ - باب، ٢/ ١١٨/ ٢٨٤٢)، والنسائي في "المجتبى" (٤١ - الفرع، ١ - باب، ٧/ ١٦٨/ ٤٢٣٦) و"الكبرى" (٤٥٥١)، والحاكم (٤/ ٢٣٦)، والبيهقي (٩/ ٣١٢)، وابن عبد البرّ في "التمهيد" (٤/ ٣١٧)؛ من طرق، عن داوود بن قيس، عن عمرو بن شعيب، (قال مرّة: عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا، ومرّة: عن أبيه وزيد بن أسلم عن النبيّ - ﷺ - مرسلًا، ومرّة: عن أبيه أراه عن جدّه عن النبي - ﷺ -، ومرة عن أبيه عن جدّه عن النبيّ - ﷺ -) … مطوّلًا ومختصرًا. وهذا سند رجاله ثقات، لكنّهم اختلفوا فيه على الأوجه المتقدّمة، ولا يضرّ إن شاء الله، فقد جاء من غير وجه قويّ مسندًا، فالإسناد زيادة ثقة له حكمها، والحديث حسن من أجل كلامهم في عمرو بن شعيب، وقد قوّاه الحاكم والذهبي والعسقلاني والألباني. وله شاهد عند: مالك (٢/ ٩)، وأحمد (٥/ ٣٦٩)، وابن أبي عاصم في "الآحاد" (٩٨١)، والبيهقي (٩/ ٣١٢)؛ من طريق رجل من بني ضمرة، عن أبيه … رفعه مطوّلًا ومختصرًا. وفيه راو مبهم. وله شاهد آخر عند الطبراني في "الأوسط" (٤/ ٣٢ - مجمع) سكت عنه الهيثمي ولم أقف عليه. فمن لم تطب نفسه بتقوية حديث ابن عمرو للخلاف فيه؛ فحريّ به أن يقوّيه بهذين الشاهدين.
(٣) (حسن بشواهده). رواه: ابن أبي شيبة (٢٤٢٩٨)، وأحمد (٤/ ١٢ و١٣)، والنسائي في "المجتبى" (٤١ - الفرع، ٣ - تفسير الفرع، ٧/ ١٧١/ ٤٢٤٤) و"الكبرى" (٤٥٥٩)، وابن حبّان (٥٨٩١)، والطبراني (١٩/ ٢٠٧/ ٤٦٧)، والبيهقي (٩/ ٣١٢)؛ من طريق يعلى بن عطاء، عن وكيع بن عدس، عن عمّه أبي رزين العقيلي … رفعه. وهذا سند ضعيف من أجل وكيع؛ فإنّه مجهول. وله شاهد عند: الطبراني (٧/ ١٦٨/ ٦٧٢٢)، وابن عديّ (٤/ ١٦٠١)، وأبي الشيخ في "الطبقات" (٢/ ٢٦٤)، والخطيب في "التاريخ" (١/ ٤١٣، ٩/ ٥٧)، والمزّي في "التهذيب" (٣٤/ ٨٦)، والذهبي في "الميزان" (٢/ ٥٨٣)؛ عن أبي العشراء الدارمي، عن أبيه؛ أنّه - ﷺ - سئل عن العتيرة فحسّنها. لكن في سنده متّهم، وأبو العشراء وأبوه لا يعرفان. ويشهد لمعناه حديثا نبيشة والحارث المتقدّمين آنفًا، فمقتضاهما أنّه لا بأس بذلك، ولعلّه لذلك قوّاه ابن حبّان وأقرّه العسقلاني.
[ ٢٨٣ ]
وخَرَّجَ الطَّبَرانيُّ بإسنادِهِ عن ابن عَبَّاسٍ؛ قالَ: اسْتَأْذَنَتْ قُرَيْشٌ رسولَ اللهِ - ﷺ - في العَتِيرَةِ، فقالَ: "أعَتْرٌ كعَتْرِ الجاهليَّةِ، ولكنْ مَن أحَبَّ منكُم أنْ يَذْبَحَ للهِ فيَأْكُلَ ويَتَصَدَّقَ؛ فلْيَفْعَلْ" (^١).
وهؤلاءِ جَمَعوا بينَ هذهِ الأحاديثِ وبينَ حديثِ "لا فَرَعَ ولا عَتِيرَةَ" بأنَّ المنهيَّ عنهُ هوَ ما كانَ يَفْعَلُهُ أهلُ الجاهلية مِن الذبحِ لغيرِ اللهِ.
وحَمَلَهُ سُفْيانُ بنُ عُيَيْنة على أنَّ المرادَ بهِ نفيُ الوجوبِ.
ومِن العلماءِ مَن قالَ: حديثُ أبي هُرَيْرَةَ أصحُّ مِن هذهِ الأحاديثِ وأثبتُ، فيَكونُ العملُ عليهِ دونَها. وهذهِ طريقةُ الإمامِ أحْمَدَ.
ورَوى مُبارَكُ بنُ فَضالَةَ عن الحَسَنِ؛ قالَ: ليسَ في الإسلامِ عتيرة، إنَّما كانَتِ العتيرةُ في الجاهليَّةِ، كانَ أحدُهُم يَصومُ رَجَبَ ويَعْتِرُ فيهِ (^٢).
• ويُشْبِهُ الذَّبحَ في رجبٍ اتِّخاذُهُ موسمًا وعيدًا لأكلِ الحلوى ونحوِها.
وقد رُوِيَ عن ابن عَبَّاسٍ أنَّهُ كانَ يَكْرَهُ أنْ يُتَّخَذَ رجبٌ عيدًا.
ورَوى عَبْدُ الرَّزاقِ: عن ابن جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ؛ قالَ: كانَ النَّبيُّ - ﷺ - يَنْهى عن
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). رواه الطبراني في "الكبير" (١١/ ١٨٥/ ١١٥٨٦) من طريق إبراهيم بن إسماعيل، عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، عن داوود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عبّاس … رفعه. قال الهيثمي (٤/ ٣١): "فيه إسماعيل بن إبراهيم بن أبي حبيبة، وثقه ابن معين وضعّفه الناس". قلت: خلاصة أمره الضعف. وشيخه داوود منكر الحديث عن عكرمة. والراوي عنه إبراهيم بن إسماعيل اليشكري مجهول الحال. والسند ضعيف جدًّا دون حدّ الانتفاع بالشواهد المتقدّمة.
(٢) من المعلوم أنّ الإسلام لم يأت لصدّ الناس عن الخيرات وإنما جاء لتجريد التوحيد لله وتجريد الاتّباع لرسول الله - ﷺ - وإتمام مكارم الأخلاق. وانطلاقًا من هذا الأصل الأصيل الذي لا يجادل فيه إلَّا ضالّ زائغ أستطيع أن أوفّق بين النصوص المتقدّمة كما يلي: [١] كل ذبيحة قارف صاحبها بها شيئًا من الشرك فهي حرام لاحق بقوله - ﷺ -: "لا فرع ولا عتيرة". [٢] كلّ ذبيحة أراد بها صاحبها إحياء آثار الجاهلية ومعاهدها ومواسمها فهي حرام لاحق بقوله - ﷺ -: "لا فرع ولا عتيرة". [٣] كل ذبيحة ذبحت لله تعالى وأراد صاحبها بها برّ أهله وجيرانه وغيرهم من المحتاجين فأمر مشروع "لا بأس به" لاحق بقوله - ﷺ -: "العتيرة حقّ"، لكن لا على سبيل الوجوب بل "من شاء عتر ومن شاء لم يعتر"، ولا يضرّها أن تقع في رجب اتفاقًا لأنّ الذبح لله والبرّ مشروع "في أيّ شهر كان"، فإن وقعت في رجب قصدًا واختصاصًا أصبحت لاحقة بما تقدّم من إحياء مواسم الجاهليّة. والله أعلى وأعلم.
[ ٢٨٤ ]
صيامِ رجبٍ كلِّهِ لئلَّا يُتَّخَذَ عيدًا (^١).
وعن مَعْمَرٍ، عن ابن طاووسٍ، عن أبيهِ؛ قالَ: قالَ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "لا تتَّخِذوا شهرًا عيدًا ولا يومًا عيدًا" (^٢).
وأصلُ هذا أنَّهُ لا يُشْرَعُ أنْ يَتَّخِذَ المسلمونَ عيدًا إلَّا ما جاءَتِ الشَّريعةُ باتِّخاذِهِ عيدًا، وهوَ يومُ الفطرِ ويومُ الأضحى وأيَّامُ التَّشريقِ - وهيَ أعيادُ العامِ - ويومُ الجمعةِ - وهوَ عيدُ الأسبوعِ -، وما عَدا ذلكَ؛ فاتِّخاذُهُ عيدًا أو موسمًا بدعةٌ لا أصلَ لهـ[ـا] في الشَّريعةِ.
ومِن أحكامِ رجبٍ ما وَرَدَ فيهِ مِن الصَّلاةِ والزَّكاةِ والصِّيامِ والاعتمارِ:
• فأمَّا الصَّلاةُ؛ فلمْ يَصِحَّ في شهرِ رجبٍ صلاة مخصوصةٌ تَخْتَصُّ بهِ، والأحاديثُ المرويَّةُ في فضلِ صلاةِ الرَّغائبِ في أوَّلِ ليلةِ جمعة مِن شهرِ رجب كذبٌ وباطلٌ لا يَصِحُّ، وهذهِ الصَّلاةُ بدعةٌ عندَ جمهورِ العلماءِ. وممَّن ذَكَرَ ذلكَ مِن أعيانِ العلماءِ المتأخِّرينَ مِن الحفَّاظِ أبو إسْماعيلَ الأنْصارِيُّ وأبو بَكْرِ بنُ السَّمْعانِي وأبو الفَضْلِ بنُ ناصِرٍ وأبو الفَرَجِ بنُ الجَوْزِيِّ وغيرُهُم. وإنَّما لم يَذْكُرْها المتقدِّمونَ لأنَّها أُحْدِثَتْ بعدَهُم. وأوَّلُ ما ظهَرَتْ بعدَ الأربعِ مئةٍ، فلذلكَ لمْ يَعْرِفْها المتقدِّمونَ ولم
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). رواه: ابن ماجه (٧ - الصيام، ٢٣ - صيام الحرم، ١/ ٥٥٤/ ١٧٤٣)، والطبراني (١٠/ ٢٨٧/ ١٠٦٨١)، والبيهقي في "فضائل الأوقات" (١٨)، وابن الجوزي في "الواهيات" (٩١٣) تعليقًا، والمزّي (١٠/ ٨٤)، وابن حجر في "تبيين العجب" تعليقًا؛ من طريق داوود بن عطاء، ثني زيد بن عبد الحميد بن زيد بن الخطّاب، عن سليمان بن علي بن عبد الله بن عبّاس، عن أبيه، عن جدّه … رفعه. وهذا سند ساقط فيه علل: أشار إلى أولاها البوصيري بقوله: "داوود بن عطاء متّفق على ضعفه". قلت: هو منكر الحديث واه شبه المتروك. والثانية: أنّ زيدًا هذا مجهول. والثالثة: أن عبد الرزّاق رواه في "المصنّف" (٧٨٥٤): عن ابن جريج، عن عطاء؛ قال: كان ابن عبّاس ينهى عن صيام رجب كلّه لئلًا يتّخذ عيدًا. كذا موقوفًا لا مرسلًا كما ذكر ابن رجب هنا! وقد جاء عنه موقوفًا من غير وجه بأسانيد قويّة. فالظاهر أن هذا أصل الحديث، ثمّ جاء أُولئك الضعفاء فأسندوه إلى النبيّ - ﷺ -. وقد ضعّفه البيهقي وابن الجوزي والذهبي وابن القيم والبوصيري والعسقلاني، وقال الألباني: "ضعيف جدًّا".
(٢) (ضعيف). رواه عبد الرزّاق (٧٨٥٣): ثنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه … به. وهذا سند قويّ، ثقات رجال الشيخين، لكنّه مرسل. ومعناه صحيح جدًّا، لكن العمدة هنا هل قاله النبيّ - ﷺ - أو لا، وهذا السند لا يكفي لترجيح ذلك.
[ ٢٨٥ ]
يَتَكَلَّموا فيها.
• وأمَّا الصِّيامُ؛ فلمْ يَصِحَّ في فضلِ صومِ رجبٍ بخصوصهِ شيءٌ عن النَّبيِّ - ﷺ - ولا عن أصحابِهِ، ولكنْ رُوِيَ عن أبي قِلابةَ؛ قالَ: في الجنَّةِ قصرٌ لصوَّامِ رجبٍ. قالَ البَيْهَقِيُّ: أبو قِلابةَ مِن كبارِ التَّابعينَ لا يَقولُ مثلَهُ إلَّا عن بلاغٍ (^١).
وإنَّما وَرَدَ في صيامِ الأشهرِ الحرمِ كلِّها حديثُ: مُجِيبَة (^٢) الباهِلِيّةِ، عن أبيها (أو: عمِّها)؛ أن رسولَ اللهِ - ﷺ - قالَ لهُ: "صُمْ مِن الحرمِ واتْرُكْ"؛ قالَها ثلاثًا (^٣).
خَرَّجَهُ أبو داوودَ وغيرُهُ. وخَرَّجَهُ ابنُ ماجَهْ، وعندَهُ: "صُم أشهُرَ الحرمِ".
وقد كانَ بعضُ السَّلفِ يَصومُ الأشهرَ الحرمَ كلَّها، منهُمُ ابنُ عُمَرَ والحَسَنُ البَصرِيُّ وأبو إسْحاقَ السَّبِيعِيُّ (^٤)، وقالَ الثَّوْرِيُّ: الأشهرُ الحرمُ أحبُّ إليَّ أنْ أصومَ فيها.
وجاءَ في حديثٍ خَرَّجَهُ ابنُ ماجَهْ؛ أن أُسامَةَ بنَ زيدٍ كانَ يَصومُ أشهرَ الحرم، فقالَ لهُ رسولُ اللهِ - ﷺ -: "صُمْ شوَّالًا"، فتَرَكَ أشهرَ الحرمِ وصامَ شوَّالًا حتَّى ماتَ (^٥). وفي إسناده انقطاعٌ.
وخَرَّجَ ابن ماجَهْ أيضًا بإسنادٍ فيهِ ضعفٌ عن ابن عَبَّاسٍ؛ أن النَّبي - ﷺ -
_________________
(١) كذا في "فضائل الأوقات" (٢١). وفي هذا الكلام نظر لأمور: أوّلها: أنّ بلاغات أبي قلابة ليست حجة، بل قصاراها أن تكون في حكم المرسل، وما هو بالحجّة. والثاني: أنّه لا يبعد أن يكون أبو قلابة قد تلقّاه عن بعض الضعفاء أو عمّن تلقّاه عنهم، بل هذا هو المرجّح، ولذلك وقفه ولم يرسله. والثالث: أنّه صحّ عمّن هو أعظم من أبي قلابة كابن عبّاس وعمر بن الخطّاب النهي عن صيام رجب، فقول هذين الصحابيّين أولى أن يكون بلاغًا أم قول أبي قلابة؟!
(٢) في خ: "جحيفة"، وأشار إلى أنّه في نسخة "نجيبة"، وكلاهما تحريف صوابه ما أثبتّه من م وط.
(٣) (ضعيف). سيأتي نصّه مطوّلًا وتخريجه في وظائف شهر ذي القعدة.
(٤) ولا يسلم كثير من هذا من نظر في إسناده أو متنه أو مجموع ما ورد عن الرجل الواحد في الباب الواحد. فابن عمر مثلًا كان كثير الصيام في جميع الشهور رجب وغيره، وكان يكره أن يرى ما يعدّه الناس لرجب، وجاء عنه أنّه كره صوم رجب كلّه لا يفطر منه شيئًا كما سيأتي (ص ٢٨٧)، فمن روى عنه أنّه كان يصوم رجبًا كلّه؛ ففي روايته - على صدقه - قصور شديد في وصف حقيقة حاله ومذهبه في الباب. وكذلك الشأن مع الحسن والسبيعيّ سواء بسواء. والله أعلم.
(٥) (ضعيف). سيأتي تفصيل الكلام فيه (ص ٤٩١ - ٤٩٢).
[ ٢٨٦ ]
نَهى عن صيامِ رجبٍ (^١). والصحيحُ وقفُهُ على ابن عَبَّاس. ورَواهُ عَطاءٌ عن النَّبيِّ - ﷺ - مرسلًا (^٢)، وقد سَبَقَ لفظُهُ.
ورَوى عَبْدُ الرَّزاقِ في كتابِهِ: عن داوودَ بن قَيْسٍ، عن زَيْدِ بن أسْلَمَ: ذُكِرَ لرسولِ اللهِ - ﷺ - قومٌ يَصومونَ رجبًا. [فـ]ـقالَ: "أينَ هُم مِن شعبانَ؟ " (^٣).
ورَوى أزْهَرُ بنُ سَعيدٍ (^٤) الجُمَحِيِّ عن أُمِّهِ؛ أنَّها سَألَتْ عائِشَةَ عن صومِ رجبٍ.
فقالَتْ: إن كنتِ صائمةً؛ فعليكِ بشعبانَ. ورُوِيَ مرفوعًا، ووقفُهُ أصحُّ (^٥).
ورُوِيَ عن عُمَرَ ﵁؛ أنَّهُ كانَ يَضْرِبُ أكفَّ الرِّجالِ في صومِ رجبٍ حتَّى يَضَعوها في الطَّعامِ ويَقولُ: ما رجبٌ؟! إنَّ رجبًا كانَتْ تُعَظِّمُهُ أهلُ الجاهليةِ، فلمَّا كانَ الإسلامُ تُرِكَ (^٦). وفي روايةٍ: كَرِهَ أنْ يَكونَ صيامُهُ سنَّةً.
وعن أبي بَكْرَةَ؛ أنَّهُ رَأى أهلَهُ يَتَهَيَّؤونَ لصيامِ رجبٍ. فقالَ لهُم: أجَعَلْتُم رجبًا كرمضانَ؟! وألْقى السِّلالَ وكَسَرَ الكيزانَ.
وعنِ ابن عَبَّاسٍ؛ أنَّهُ كَرِهَ أنْ يُصامَ رجبٌ كلُّهُ.
وعنِ ابن عُمَرَ وابنِ عَبَّاسٍ أنَّهُما كانا يَرَيانِ أنْ يُفْطِرَ منهُ أيَّامًا.
وكَرِهَهُ أنَسٌ [أيضًا] وسَعيدُ بنُ جُبَيْرٍ.
وكَرِهَ صيامَ رجب كلِّهِ يَحْيى بنُ سَعيدٍ الأنْصارِيُّ والإمامُ أحْمَدُ، وقالَ: يُفْطِرُ منهُ
_________________
(١) (ضعيف جدًّا). تقدّم تفصيل القول فيه قبل صفحة واحدة.
(٢) بل موقوفًا كما أشرت إليه فيما تقدّم (ص ٢٨٥).
(٣) (ضعيف). رواه: عبد الرزّاق (٧٨٥٨)، وابن أبي شيبة (٩٧٥٩)، وإسحاق بن راهويه في "المسند" (٣/ ٩٥٤/ ١٦٦٣)؛ من طريقين صحيحتين، عن زيد بن أسلم … به مرسلًا. ورواه ابن وهب (ص ٣١٠ - لطائف المعارف)، وابن زنجويه؛ كلاهما عن أزهر بن سعيد، عن أُمّه، عن عائشة ﵂ … موقوفًا. وأزهر صالح لا بأس بحديثه، لكن أُمّه مجهولة لا تعرف إلَّا في هذا الحديث، زد على ذلك أنّه روي عنه مرفوعًا أيضًا كما ذكر ابن رجب هنا، ومثل هذا لا يحتمل منه ولا من أمّه، ولذلك رجّح ابن رجب وقفه. ومعلوم أنّ الطريق الأخيرة لا تقوم بالمرسلة التي قبلها لضعفها ورجحان وقفها. فالحديث ضعيف.
(٤) في خ: "أزهر بن سعد"! وهذا تحريف صوابه ما أثبتّه من م وط.
(٥) (ضعيف). انظر ما تقدّم في الحاشية السابقة.
(٦) سنده صحيح إلى عمر ﵁. انظر: "مصنّف ابن أبي شيبة" (٩٧٥٨).
[ ٢٨٧ ]
يومًا أو يومينِ، وحَكاهُ عن ابن عُمَرَ وابنِ عَبَّاسٍ. وقال الشَّافِعِيُّ في القديمِ: أكْرَهُ أنْ يَتَّخِذَ الرَّجلُ صومَ شهرٍ يُكْمِلُهُ كما يُكْمِلُ رمضانَ، واحْتَجَّ بحديثِ عائِشَةَ: ما رَأيْتُ رسول اللهِ - ﷺ - اسْتكمَلَ شهرًا قطُّ إلَّا رمضانَ (^١). قال: وكذلكَ يومًا مِن بين الأيَّامِ. قال: وإنَّما كَرِهْتُهُ أنْ لا يَتَأسَّى رجل جاهلٌ فيَظُنَّ أن ذلكَ واجبٌ، وإنْ فَعَلَ فحَسَنٌ.
وتَزول كراهةُ إفرادِ رجبٍ بالصَّومِ بأنْ يَصومَ [معَهُ] شهرًا آخرَ تطوُّعًا عندَ بعضِ أصحابِنا، مثلُ أن يَصومَ الأشهرَ الحرمَ، أو يَصومَ رجبَ وشعبانَ (^٢). وقد تَقَدَّمَ عن ابن عُمَرَ وغيرِهِ صيامُ الأشهرِ الحرمِ. والمنصوصُ عن أحْمَدَ أنّهُ لا يَصومُهُ بتمامِهِ إلَّا مَن صامَ الدَّهرَ.
ورُوِيَ عن ابن عُمَرَ ما يَدُلُّ عليهِ؛ فإنَّهُ بَلَغَهُ أن قومًا أنْكَروا عليهِ أنَّهُ حَرَّمَ صومَ رجبٍ، فقال: كيفَ بمَن يَصومُ الدَّهرَ؟! وهذا يَدُلُّ على أنَّهُ لا يُصامُ رجب إلَّا معَ صومِ الدَّهرِ!
ورَوى: يوسُفُ بنُ عَطِيّةَ، عن هِشامِ بن حَسَّانَ، عن ابن سِيرينَ، عن عائِشَةَ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - لم يَصُمْ بعدَ رمضانَ إلَّا رجبًا وشعبانَ (^٣). ويوسُفُ ضعيفٌ جدًّا.
ورَوى أبو يوسُفَ القاضي: عن ابن أبي لَيْلى، عن أخيهِ عيسى، عن عَبْدِ الرَّحمنِ بن أبي لَيْلى، عن عائِشَةَ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - كانَ يَصومُ مِن كلِّ شهرٍ ثلاثةَ أيامٍ، وربَّما أخَّرَ
_________________
(١) رواه: البخاري (٣٠ - الصوم، ٥٢ - صوم شعبان، ٤/ ٢١٣/ ١٩٦٩)، ومسلم (١٣ - الصيام، ٣٤ - صيامه - ﷺ - في غير رمضان، ٢/ ٨٠٩ / ١١٥٦).
(٢) فيه نظر من وجهين: أوّلهما: أنّ من صام جمادى أو شعبان أو كليهما ليتوصّل بهما إلى صيام رجب؛ فلا يخلو فعله من مواطأة الجاهليّة أو أهل البدع في تعظيمهم المبالغ فيه لرجب، والأعمال بالنيّات، والله يعلم السرّ وأخفى. والثاني: أنه لا يشرع اختصاص جمادى ورجب أو رجب وشعبان أو جمادى ورجب وشعبان معًا بعبادة معيّنة بغير دليل شرعيّ كما أنّه لا يشرع اختصاص رجب وحده بعبادة معينة بغير دليل شرعيّ. ولا ينجو المرء من مثل هذه البدع والمخالفات إلَّا بأن يجعل نوافله مطلقة بغير توقيت بزمان أو مكان ما أنزل الله بهما من سلطان، وإنّما يجعل ذلك كلّه مقيّدًا بإقباله وهمّته ورغبته في الاستزادة من الخيرات.
(٣) (ضعيف جدًّا). رواه: الطبراني في "الأوسط" (٩٤١٨)، والبيهقي في "الشعب" (٣٨٠٣)؛ من طريق يوسف بن عطية الصفّار … به رفعه. قال ابن رجب والهيثمي (٣/ ١٩٤): "فيه يوسف بن عطيّة، وهو ضعيف [جدًّا] ". قلت: متروك.
[ ٢٨٨ ]
ذلكَ حتَّى يقْضِيَهُ في رجبٍ وشعبانَ (^١).
ورَواهُ عَمْرُو بنُ أبي قَيْسٍ عن ابن أبي لَيْلى، فلمْ يَذْكُرْ [فيهِ] رجبًا، وهوَ أصحُّ (^٢).
• وأمَّا الزَّكاةُ؛ فقدِ اعْتادَ أهلُ هذهِ البلادِ إخراجَ الزَّكاةِ في شهرِ رجب، ولا أصلَ لذلكَ في السُّنَّةِ، ولا عُرِفَ عن أحدٍ مِن السَّلفِ.
ولكنْ رُوِيَ عن عُثْمانَ ﵁؛ أنَّهُ خَطَبَ النَّاسَ على المنبرِ فقالَ: إنَّ هذا شهرُ زكاتِكُم، فمَن كانَ عليهِ دينٌ؛ فلْيُؤدِّ دينَهُ ولْيُزَكِّ ما بَقِي (^٣). خَرَّجَهُ مالِكٌ في "الموطَّإ".
وقد قيلَ: إنَّ ذلكَ الشَّهرَ الذي كانوا يُخْرِجونَ فيهِ زكاتَهُم نُسِيَ ولمْ يُعْرَفْ.
وقيلَ: بل كانَ شهرَ المُحَرَّمِ؛ لأنَّهُ رأْسُ الحولِ. وقد ذَكَرَ الفقهاءُ مِن أصحابِنا وغيرِهِم أن الإمامَ يَبْعَثُ سعاتَهُ لأخْذِ الزَّكاةِ في المحرَّمِ.
وقيلَ: بل كانَ شهرَ رمضانَ؛ لفضلِهِ وفضلِ الصَّدقةِ فيهِ.
وبكلِّ حالٍ؛ [فـ]ـإنَّما تَجِبُ الزَّكاةُ إذا تَمَّ الحولُ على النِّصابِ، فكلُّ أحدٍ لهُ حولٌ يَخُصُّهُ بحسبِ وقتِ ملكِهِ للنِّصابِ، فإذا تَمَّ حولُهُ؛ وَجَبَ عليهِ إخراجُ زكاتِهِ في أيِّ شهرٍ كان.
فإنْ عَجَّلَ زكاتَهُ قبلَ الحولِ؛ أجْزَأهُ عندَ جمهورِ العلماءِ، سواءٌ كانَ تعجيلُهُ لاغتنامِ زمانٍ فاضلٍ أو لاغتنامِ الصَّدقةِ على مَن لا يَجِدُ مثلَهُ في الحاجةِ، أو كانَ لمشقَّةِ إخراجِ الزَّكاةِ عليهِ عندَ تمامِ الحولِ جملةً فيَكونُ التَّفريقُ في طولِ الحولِ أرفقَ بهِ. وقد صَرَّحَ مُجاهِدٌ بجوازِ التَّعجيلِ على هذا الوجهِ، وهوَ مقتضى إطلاقِ الأكثرينَ. وخالَفَ في هذهِ الصُّورةِ إسْحاقُ. نَقَلَهُ عنهُ ابن مَنْصورٍ.
_________________
(١) (ضعيف). أبو يوسف إمام جليل في حديثه بعض لين. وابن أبي ليلى هو محمّد بن عبد الرحمن، سيئ الحفظ جدًّا، قصاراه أن يكون صالحًا في الشواهد. ولذلك ضعّف العسقلاني في "الفتح" هذا الحديث.
(٢) (ضعيف). رواه الطبراني في "الأوسط" (٢١١٩) من طريق عمرو بن قيس … به. قال الهيثمي (٣/ ١٩٥): "فيه محمّد بن أبي ليلى، وفيه كلام". وقال العسقلاني في "الفتح" (٤/ ٢١٤): "ابن أبي ليلى ضعيف"، وضعّف حديثه هذا.
(٣) جاء عند البيهقي (٤/ ١٤٨) أنّ الزهريّ - وهو راوي أثر عثمان - قال: "ولم يسمّ لي السائب (وهو شيخه) الشهر ولم أسأله عنه"! فما أدري ما الذي جعل المصنّف يرحمه الله يورده في رجب!
[ ٢٨٩ ]
وأمَّا إذا حال الحول؛ فليسَ لهُ التَّأْخيرُ بعدَ ذلكَ عندَ الأكثرينَ. وعن أحْمَدَ: يَجوزُ تأْخيرُها لانتظارِ قومٍ لا يَجِدُ مثلَهُم في الحاجةِ.
وأجازَ مالِكٌ وأحْمَدُ في رواية نَقْلَها إلى بلدٍ فاضلٍ. فعلى قياسِ هذا لا يَبْعُدُ جوازُ تأْخيرِها إلى زمنٍ فاضلٍ لا يوجَدُ مثلُّهَ كرمضانَ ونحوِهِ.
ورَوى يَزيدُ الرَّقاشِيُّ عن أنَسٍ؛ أن المسلمينَ كانوا يُخْرِجونَ زكاتَهُم في شعبانَ تقويةً على الاستعدادِ لرمضانَ (^١). وفي الإسنادِ ضعفٌ.
• وأمَّا الاعتمارُ في رجبٍ؛ فقد رَوى ابن عُمَرَ؛ أن النَّبيَّ - ﷺ - اعْتَمَرَ في رجبٍ، فأنْكَرَتْ ذلكَ عليهِ عائِشَةُ، وهوَ يَسْمَعُ، فسَكَتَ (^٢).
واسْتَحَبَّ الاعتمارَ في رجبٍ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ وغيرُهُ. وكانَتْ عائِشَةُ تَفْعَلُهُ وابنُ عُمَرَ أيضًا. ونَقَلَ ابن سِيرِينَ عن السَّلفِ أنَّهُم كانوا يَفْعَلونَهُ. فإنَّ أفضلَ الأنساكِ أنْ يُؤْتى بالحجِّ في سفرةٍ، وبالعمرةِ في سفرةٍ أُخرى في غيرِ أشهرِ الحجِّ، وذلكَ مِن جملةِ إتمامِ الحجِّ والعمرةِ المأْمورِ بهِ. كذلكَ قالَهُ جمهورُ الصَّحابةِ كعُمَرَ وعُثْمانَ وعَلِيٍّ وغيرِهِم ﵃ أجمعينَ (^٣).
• وقد رُوِيَ أنَّهُ كانَ في شهرِ رجب حوادثُ عظيمةٌ (^٤)، ولمْ يَصِحَّ شيءٌ مِن ذلكَ: فرُوِيَ أن النَّبيَّ - ﷺ - وُلِدَ في أوَّلِ ليلةٍ منهُ، وأنَّهُ بُعِثَ في السَّابعِ والعشرينَ منهُ، وقيلَ: في الخامسِ والعشرينَ. ولا يَصِحُّ شيءٌ مِن ذلكَ.
ورُوِيَ بإسنادٍ لا يَصِحُّ عن القاسِمِ بن مُحَمَّدٍ، أن الإسراءَ بالنَّبيِّ - ﷺ - كانَ في سابعِ عشرينَ رجبٍ. وأنْكَرَ ذلكَ إبْراهيمُ الحَرْبِيُّ وغيرُهُ.
_________________
(١) (ضعيف). يزيد بن أبان ضعيف منكر الحديث.
(٢) رواه: البخاري (٢٦ - العمرة، ٣ - كم اعتمر - ﷺ -، ٣/ ٥٩٩/ ١٧٧٥ - ١٥٧٧)، ومسلم (١٥ - الحجّ، ٣٥ - عدد عمره - ﷺ -، ٢/ ٩١٦/ ١٢٥٥).
(٣) وقال غيرهم غيره، وقد أطال ابن القيِّم يرحمه الله في "زاد المعاد" (٢/ ١٧٨) في تفصيل هذه القضيّة، وانتهى إلى أنّ أفضل الأنساك هو التمتّع الذي أمر النبيّ - ﷺ - به أصحابه وشدّد عليهم فيه، ويليه القران الذي فعله النبيّ - ﷺ - ومن ساق الهدي من أصحابه.
(٤) وكلّها أقوال مرسلة، لا تثبت إلى أصحابها، وبين أصحابها وبين النبيّ - ﷺ - مفاوز.
[ ٢٩٠ ]
ورُوِيَ عن قَيْسِ بن عُبادٍ؛ قالَ: في اليومِ العاشرِ مِن رجبٍ ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩].
وكانَ أهلُ الجاهليَّة يَتَحَرَّوْنَ الدُّعاءَ فيهِ على الظَّالمِ، وكانَ يُسْتَجابُ لهُم، ولهُم في ذلكَ أخبارٌ مشهورةٌ قد ذَكَرَها ابنُ أبي الدُّنيا في كتابِ "مجابي الدَّعوة" وغيرُهُ. وقد ذُكِرَ ذلكَ لعُمَرَ بن الخَطَّابِ، فقالَ [عُمَرُ]: إنَّ الله كانَ يَصْنَعُ بهِم ذلكَ لِيَحْجُزَ بعضَهُم عن بعضٍ، وإنَّ الله جَعَلَ السَّاعةَ موعدَكُم والسَّاعةُ أدْهى وأمرُّ (^١).
وروى زائِدَةُ بنُ أبي الرُّقادِ: عن زِيادٍ النُّمَيْرِيِّ، عن أنَسٍ؛ قالَ: كانَ رسولُ اللهِ - ﷺ - إذا دَخَلَ رجب؛ قالَ: "اللهمَّ! بارِكْ لنا في رجبٍ وشعبانَ وبَلِّغْنا رمضانَ" (^٢).
ورُوِيَ عن أبي إسْماعيلَ الأنْصارِيِّ أنَّهُ قالَ: لمْ يَصِحَّ في فضلِ رجبٍ غيرُ هذا الحديثِ. وفي قولِهِ نظرٌ؛ فإنَّ هذا الإسنادَ فيهِ ضعف.
وفي هذا الحديثِ دليلٌ على استحبابِ الدُّعاءِ بالبقاءِ إلى الأزمانِ الفاضلةِ لإدراكِ الأعمالِ الصَّالحةِ فيها؛ فإنَّ المؤمنَ لا يَزيدُهُ عمرُهُ إلَّا خيرًا، وخيرُ النَّاسِ مَن طالَ عمرُهُ وحَسُنَ عملُهُ. وكانَ السَّلفُ يَسْتَحِبُّونَ أنْ يَموتوا عقبَ عملٍ صالحٍ مِن صومِ رمضانَ أو رجوع مِن حجٍّ، وكانَ يُقالُ: مَن ماتَ كذلكَ؛ غُفِرَ لهُ.
كانَ بعضُ العلماءِ الصَّالحينَ قد مَرِضَ قبلَ شهرِ رجبٍ، فقالَ: إنِّي دَعَوْتُ الله أنْ يُؤَخِّرَ وفاتي إلى شهرِ رجب؛ فإنَّهُ بَلَغَني أن للهِ فيهِ عتقاءَ (^٣)، فبَلَّغَهُ اللهُ ذلكَ وماتَ في
_________________
(١) فانظر إلى هذا الفقه العميق والفهم الدقيق؛ حلّل المسألة وبيّن وجهها وشدّد على الالتزام بالسنّة.
(٢) (ضعيف جدًّا). رواه: عبد الله بن أحمد (١/ ٢٥٩)، والبزّار (٦١٦ و٩٦١ - كشف)، والطبراني في "الأوسط" (٣٩٥١) و"الدعاء" (٩١١)، وابن السني (٦٥٩)، وأبو نعيم في "الحلية" (٦/ ٢٦٩)، والبيهقي في "فضائل الأوقات" (١٧) و"الشعب" (٣٨١٥)، والخطيب في "الجمع والتفريق" (٢/ ٤٧٣)، وابن النجّار في "ذيل تاريخ بغداد" (١٦/ ١٥٣)، والرافعي في "التدوين" (٣/ ٤٤٩)، والذهبي في "الميزان" (٢/ ٦٥) تعليقًا؛ من طريق زائدة بن أبي الرقاد، عن زياد النميري، عن أنس … رفعه. قال البزّار: "زائدة إنّما ينكر من حديثه ما ينفرد به". وقال البيهقي: "تفرّد به زياد وعنه زائدة". وقال البيهقي والهيثمي (٢/ ١٦٨، ٣/ ١٤٣): "زائدة قال البخاري منكر الحديث". وقال الذهبي: "زياد أيضًا ضعيف". فالسند واهٍ، وقد ضعفه البزّار والبيهقي والنووي والذهبي وابن رجب والهيثمي والعسقلاني والألباني.
(٣) مثل هذا لا بدّ فيه من سند صالح إلى من لا ينطق عن الهوى، وهيهات!
[ ٢٩١ ]
شهرِ رجبٍ.
شهرُ رجبٍ مفتاحُ أشهرِ الخيرِ والبركةِ.
قال أبو بكرٍ الوَرَّاقُ البَلْخِيُّ: شهرُ رجبٍ شهرُ الزَّرعِ، وشهرُ شعبانَ شهرُ السَّقيِ للزَّرعِ، وشهرُ رمضانَ شهرُ حصادِ الزَّرعِ.
وعنهُ قال: مَثَلُ شهرِ رجبٍ مَثَلُ الرِّيح، ومَثَلُ شعبانَ مَثَلُ الغيمِ، ومَثَلُ رمضانَ مَثَلُ المطرِ.
وقال بعضُهُم: السَّنةُ مثلُ الشَّجرةِ، وشهرُ رجبٍ أيَّامُ توريقِها، وشعبانُ أيَّامُ تفريعِها، ورمضانُ أيَّامُ قطفِها (^١)، والمؤمنونَ قطَّافُها.
جديرٌ بمَن سَوَّدَ صحيفتَهُ بالذُّنوبِ أنْ يُبيِّضَها بالتَّوبةِ في هذا الشَّهر، وبمَن ضَيَّعَ عمرَهُ في البطالةِ أنْ يَغْتَنِمَ فيهِ ما بقِيَ مِن العمر.
بيِّضْ صحيفَتَكَ السَّوداءَ في رَجَبٍ … بِصالِحِ العَمَلِ المُنْجي مِنَ اللَهَبِ
شَهْرٌ حَرامٌ أتى مِنْ أشْهُرٍ حُرُمٍ … إذا دَعا الله داعٍ فيهِ لَمْ يَخِبِ
طوبى لِعَبْدٍ زكا فيهِ لَهُ عَمَلٌ … فَكَفَّ فيهِ عَنِ الفَحْشاءِ وَالرِّيَبِ
انتهازُ الفرصةِ بالعملِ في هذا الشَّهرِ غنيمة، واغتنامُ أوقاتِهِ بالطَّاعاتِ لهُ فضيلةٌ عظيمة.
يا عَبْدُ أقْبِلْ مُنيبًا واغْتَنِمْ رَجَبا … فَإنَّ عَفْوِيَ عَمَّنْ تابَ قَدْ وَجَبا
في هذهِ الأشْهُرِ الأبوابُ قَدْ فُتِحَتْ … للتَّائِبينَ فَكُلٌّ نَحْوَنا هَرَبا
حَطُّوا الرَّكائِبَ في أبْوابِ رَحْمَتِنا … بِحُسْنِ ظَنٍّ فكُلٌّ نال ما طَلَبا
وَقَدْ نَثَرْنا عَلَيْهِمْ مِنْ تَعَطُّفِنا … نِثارَ حُسْنِ قَبولٍ فازَ مَن نَهَبا
* * *
_________________
(١) في خ: "قطعها"، والأولى ما أثبتّه من م ون وط.
[ ٢٩٢ ]