وقد دلّ هذا الحديث على أنّ العمل في أيّامه أحبّ إلى الله من العمل في أيّام الدنيا من غير استثناء شيء منها، وإذا كان أحبّ إلى الله فهو أفضل عنده.
وقد ورد هذا الحديث بلفظ: «ما من أيام العمل فيها أفضل من أيام العشر».
وروي بالشك في لفظه «أحبّ» أو «أفضل».
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٢/ ٢٤ - ٢٥) (٩٦٩)، وأبو داود (٢٤٣٨)، والترمذي (٧٥٧)، وابن ماجه (١٧٢٧).
[ ٤٥٦ ]
وإذا كان العمل في أيّام العشر أفضل وأحبّ إلى الله من العمل في غيره من أيّام السّنة كلّها، صار العمل فيه - وإن كان مفضولا - أفضل من العمل في غيره وإن كان فاضلا؛ ولهذا قالوا: يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: «ولا الجهاد»، ثم استثنى جهادا واحدا هو أفضل الجهاد؛ فإنّه ﷺ سئل: أيّ الجهاد أفضل؟ قال: «من عقر جواده وأهريق دمه» (^١)، وصاحبه أفضل الناس درجة عند الله.
سمع النبي ﷺ رجلا يدعو، يقول: اللهم، أعطني أفضل ما تعطي عبادك الصالحين. فقال له: «إذن يعقر جوادك وتستشهد» (^٢). فهذا الجهاد بخصوصه يفضل على العمل في العشر.
وأمّا بقية أنواع الجهاد فإنّ العمل في عشر ذي الحجّة أفضل وأحبّ إلى الله ﷿ منها، وكذلك سائر الأعمال، وهذا يدلّ على أنّ العمل المفضول في الوقت الفاضل يلتحق بالعمل الفاضل في غيره، ويزيد عليه لمضاعفة ثوابه وأجره. وقد روي في حديث ابن عبّاس ﵄ هذا زيادة: «والعمل فيهن يضاعف بسبعمائة» وفي إسنادها ضعف.
وقد ورد في قدر المضاعفة روايات متعدّدة مختلفة، فخرّج الترمذي وابن ماجه من رواية النّهّاس بن قهم، عن قتادة، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ما من أيّام أحبّ إلى الله أن يتعبّد له فيها من عشر ذي الحجّة، يعدل صيام كلّ يوم منها [بصيام سنة] (^٣)، وقيام كلّ ليلة
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (١٤٤٩)، والنسائي (٥/ ٥٨) بمعناه.
(٢) أخرجه: الحاكم (٢/ ٧٤)، وابن حبان (٤٦٣٩). وراجع: «التاريخ الكبير» للبخاري (١/ ٢٢٢)، و«التمهيد» لابن عبد البر (١/ ٢٣٧)، و«علل الدارقطني» (٤/ ٣٤٢).
(٣) في الأصول: «السنة»، والمثبت من مصادر التخريج.
[ ٤٥٧ ]
منها بقيام ليلة القدر» (^١). والنّهّاس بن قهم ضعفوه. وذكر الترمذي عن البخاري أنّ الحديث يروى عن قتادة عن سعيد مرسلا.
وروى ثوير بن أبي فاختة - وفيه ضعف - عن مجاهد، عن ابن عمر ﵄، قال: «ليس يوم أعظم عند الله من يوم الجمعة ليس العشر؛ فإنّ العمل فيها يعدل عمل سنة». وروى أبو عمرو النيسابوري في «كتاب الحكايات» بإسناده، عن حميد، قال: سمعت ابن سيرين وقتادة يقولان: صوم كلّ يوم من العشر يعدل سنة. وقد روي في المضاعفة أكثر من ذلك؛ فروى هارون بن موسى النّحوي، قال: سمعت الحسن يحدّث عن أنس بن مالك، قال: كان يقال في أيّام العشر: بكلّ يوم ألف يوم، ويوم عرفة عشرة آلاف. قال الحاكم:
هذا من المسانيد التي لا يذكر سندها عن رسول الله ﷺ.
وروي في المضاعفة أقلّ من سنة، قال حميد بن زنجويه، حدثنا يحيى بن عبد الله الحرّاني، حدثنا أبو بكر بن أبي مريم، عن راشد بن سعد: أنّ رسول الله ﷺ قال: «صيام كلّ يوم من أيّام العشر كصيام شهر» (^٢). وهذا مرسل ضعيف الإسناد. وروى عبد الرزّاق في كتابه عن جعفر، عن هشام، عن الحسن، قال: صيام يوم من العشر يعدل شهرين (^٣). وقال عبد الكريم عن مجاهد: العمل في العشر يضاعف.
وفي المضاعفة أحاديث أخر مرفوعة، لكنها موضوعة، فلذلك أعرضنا عنها وعمّا أشبهها من الموضوعات في فضائل العشر، وهي كثيرة. وقد دلّ حديث
_________________
(١) أخرجه: الترمذي (٧٥٨)، وابن ماجه (١٧٢٨). وراجع: «علل الدارقطني» (٩/ ١٩٩ - ٢٠٣).
(٢) عزاه في «كنز العمال» (١٢١١٧) إلى ابن زنجويه فقط.
(٣) أخرجه: عبد الرزاق في «مصنفه» (٨١٢٦).
[ ٤٥٨ ]
ابن عبّاس على مضاعفة جميع الأعمال الصالحة في العشر من غير استثناء شيء منها.
وقد روي في خصوص صيام أيّامه وقيام لياليه وكثرة الذّكر فيه، ما يذكر مما يحسن ذكره دون ما لا يحسن؛ لعدم صحّته. وقد سبق حديث أبي هريرة في ذلك، ومرسل راشد بن سعد، وما روي عن الحسن، وابن سيرين، وقتادة في صومه.
وفي «المسند» و«السّنن» عن حفصة أنّ النبي ﷺ: «كان لا يدع صيام عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيام من كلّ شهر» (^١)؛ وفي إسناده اختلاف.
وروي عن بعض أزواج النبي ﷺ «أنّ النبي ﷺ كان لا يدع صيام تسع ذي الحجّة» (^٢).
وممن كان يصوم العشر عبد الله بن عمر ﵄. وقد تقدّم عن الحسن وابن سيرين وقتادة ذكر فضل صيامه، وهو قول أكثر العلماء، أو كثير منهم.
وفي «صحيح مسلم» عن عائشة ﵂، قالت: «ما رأيت رسول الله ﷺ صائما العشر قطّ». وفي رواية: «في العشر قطّ» (^٣).
وقد اختلف جواب الإمام أحمد عن هذا الحديث؛ فأجاب مرّة بأنّه قد روي خلافه، وذكر حديث حفصة، وأشار إلى أنه اختلف في إسناد حديث عائشة؛
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٦/ ٢٨٧)، والنسائي (٤/ ٢٢٠)، وقال الزيلعي في «نصب الراية»: «ضعيف». وراجع: «الإرواء» (٩٥٤).
(٢) أخرجه: أبو داود (٢٤٣٧).
(٣) أخرجه: مسلم (٣/ ١٧٦) (١١٧٦)، وأحمد (١٩٠، ١٢٤، ٦/ ٤٢)، وأبو داود (٢٤٣٩)، والترمذي (٧٥٦)، وابن خزيمة (٢١٠٣)، وابن ماجه (١٧٢٩).
[ ٤٥٩ ]
فأسنده الأعمش، ورواه منصور عن إبراهيم مرسلا، وكذلك أجاب غيره من العلماء بأنّه إذا اختلفت عائشة وحفصة في النفي والإثبات أخذ بقول المثبت؛ لأنّ معه علما خفي على النّافي.
وأجاب أحمد مرّة أخرى بأنّ عائشة أرادت أنّه لم يصم العشر كاملا، يعني وحفصة أرادت أنّه كان يصوم غالبه؛ فينبغي أن يصام بعضه ويفطر بعضه.
وهذا الجمع يصحّ في رواية من روى: «ما رأيته صائما العشر». وأمّا من روى: «ما رأيته صائما في العشر» فيبعد أو يتعذّر هذا الجمع فيه.
وكان ابن سيرين يكره أن يقال: صام العشر؛ لأنه يوهم دخول يوم النّحر فيه، وإنما يقال: صام التّسع، ولكن الصّيام إذا أضيف إلى العشر فالمراد صيام ما يجوز صومه منه. وقد سبق حديث أنّ النبي ﷺ كان يصوم العشر. ولو نذر صيام العشر، فينبغي أن ينصرف إلى التسع أيضا، فلا يلزم بفطر يوم النّحر قضاء ولا كفّارة؛ فإنّه غلب استعماله عرفا في التسع.
ويحتمل أن يخرّج في لزوم القضاء والكفّارة خلاف؛ فإنّ أحمد قال فيمن نذر صوم شوّال فأفطر يوم الفطر وصام باقيه، أنّه يلزمه قضاء يوم وكفّارة.
وقال القاضي أبو يعلى: هذا إذا نوى صوم جميعه، فأمّا إن أطلق لم يلزمه شيء؛ لأنّ يوم الفطر مستثنى شرعا. وهذه قاعدة من قواعد الفقه، وهي أنّ العموم هل يخصّ بالشرع أم لا؟ ففي المسألة خلاف مشهور.
وأمّا قيام ليالي العشر؛ فمستحبّ، وقد سبق الحديث في ذلك، وقد ورد في خصوص إحياء ليلتي العيدين أحاديث لا تصحّ، وورد إجابة الدّعاء فيهما، واستحبّه الشافعيّ وغيره من العلماء. وكان سعيد بن جبير، وهو الذي روى هذا الحديث عن ابن عبّاس ﵄، إذا دخل العشر اجتهد اجتهادا حتّى ما يكاد يقدر عليه. وروي عنه أنّه قال: لا تطفئوا سرجكم ليالي العشر؛ تعجبه العبادة.
[ ٤٦٠ ]
وأمّا استحباب الإكثار من الذكر فيها؛ فقد دلّ عليه قول الله ﷿:
﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُوماتٍ﴾ [الحجّ: ٢٨]، فإنّ الأيام المعلومات هي أيام العشر عند جمهور العلماء. وسيأتي ذكر ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وفي «مسند الإمام أحمد» عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ، قال: «ما من أيام أعظم [عند الله] ولا أحبّ إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر، فأكثروا فيهن من التّهليل والتكبير والتحميد» (^١).
فإن قيل: فإذا كان العمل في أيام العشر أفضل من العمل في غيرها، وإن كان ذلك العمل أفضل في نفسه ممّا عمل في العشر؛ لفضيلة العشر في نفسه، فيصير العمل المفضول فيه فاضلا حتى يفضل على الجهاد الذي هو أفضل الأعمال، كما دلّت على ذلك النّصوص الكثيرة، وهو قول الإمام أحمد وغيره من العلماء، فينبغي أن يكون الحجّ أفضل من الجهاد؛ لأنّ الحجّ مخصوص بالعشر، وهو من أفضل ما عمل في العشر، أو أفضل ما عمل فيه. فكيف كان الجهاد أفضل من الحج؟ فإنه ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ «أنّ رجلا قال: يا رسول الله، أيّ الأعمال أفضل؟ قال: إيمان بالله ورسوله، قال:
ثم ماذا؟ قال: جهاد في سبيل الله، قال: ثم ماذا؟ قال: حجّ مبرور» (^٢).
قيل: التطوّع بالجهاد أفضل من التطوّع بالحجّ عند جمهور العلماء، وقد نصّ عليه الإمام أحمد، وهو مروي عن عبد الله بن عمرو بن العاص. وروي فيه أحاديث مرفوعة، في أسانيدها مقال. وحديث أبي هريرة هذا صريح في ذلك.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (١٣١، ٢/ ٧٥)، وأصل الحديث في الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄، وقد تقدم.
(٢) أخرجه: البخاري (١/ ١٣) (٢٦)، ومسلم (١/ ٦٢) (٨٣)، والنسائي (٥/ ١١٣)، والترمذي (١٦٥٨).
[ ٤٦١ ]
ويمكن الجمع بينه وبين حديث ابن عبّاس بوجهين:
أحدهما: أنّ حديث ابن عبّاس قد صرّح فيه بأنّ جهاد من لا يرجع من نفسه وماله بشيء يفضل على العمل في العشر، فيمكن أن يقال: الحجّ أفضل من الجهاد، إلاّ جهاد من لم يرجع من نفسه وماله بشيء، ويكون هو المراد من حديث أبي هريرة، ويجتمع حينئذ الحديثان.
والثاني - وهو الأظهر -: أنّ العمل المفضول قد يقترن به ما يصير أفضل من الفاضل في نفسه، كما تقدّم. وحينئذ فقد يقترن بالحجّ ما يصير به أفضل من الجهاد، وقد يتجرّد عن ذلك، فيكون الجهاد حينئذ أفضل منه، فإن كان الحجّ مفروضا فهو أفضل من التطوّع بالجهاد؛ فإنّ فروض الأعيان أفضل من فروض الكفايات عند جمهور العلماء. وقد روي هذا في الحجّ والجهاد بخصوصهما عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وروي مرفوعا من وجوه متعدّدة، في أسانيدها لين. وقد دلّ على ذلك ما حكاه النبي ﷺ عن ربّه ﷿، أنّه قال: «ما تقرّب إليّ عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه» (^١).
وإن كان الحاج ليس من أهل الجهاد فحجّه أفضل من جهاده، كالمرأة.
وفي «صحيح البخاري» عن عائشة ﵂ أنّها قالت: «يا رسول الله، نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: أفضل الجهاد حجّ مبرور (^٢). وفي رواية له: «جهادكنّ الحجّ». وفي رواية له أيضا: «نعم الجهاد الحجّ».
وكذلك إذا استغرق العشر كلّه عمل الحجّ وأتي به على أكمل وجوه البرّ من أداء الواجبات واجتناب المحرّمات، وانضمّ إلى ذلك الإحسان إلى الناس ببذل
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٨/ ١٣١) (٦٥٠٢)، وهو جزء من حديث أبي هريرة وطرفه: «من عاد لي وليّا فقد آذنته بالحرب …».
(٢) أخرجه: البخاري (٢/ ١٦٤) (١٥٢٠)، والنسائي (٥/ ١١٤ - ١١٥).
[ ٤٦٢ ]
السّلام وإطعام الطعام، وضمّ إليه كثرة ذكر الله ﷿، والعجّ والثّجّ، وهو رفع الصّوت بالتلبية وسوق الهدي؛ فإنّ هذا الحجّ على هذا الوجه قد يفضل على الجهاد.
وإن وقع عمل الحجّ في جزء يسير من العشر ولم يؤت به على الوجه المبرور، فالجهاد أفضل منه.
وقد روي عن عمر وابن عمر وأبي موسى الأشعري ومجاهد ما يدلّ على تفضيل الحجّ على الجهاد وسائر الأعمال، وينبغي حمله على الحجّ المبرور الذي كمل برّه واستوعب فعله أيّام العشر، والله أعلم.
فإن قيل: قوله ﷺ: «ما من أيام العمل الصّالح فيها أحبّ إلى الله من هذه الأيام». هل يقتضي تفضيل كلّ عمل صالح وقع في شيء من أيام العشر على جميع ما يقع في غيرها، وإن طالت مدته أم لا؟
قيل: الظاهر - والله أعلم - أنّ المراد أنّ العمل في هذه الأيام العشر أفضل من العمل في أيام عشر غيرها، فكلّ عمل صالح يقع في هذا العشر فهو أفضل من عمل في عشرة أيام سواها، من أيّ شهر كان، فيكون تفضيلا للعمل في كلّ يوم منه على العمل في كلّ يوم من أيّام السّنة غيره.
وقد قيل: إنّما يفضل العمل فيها على الجهاد إذا كان العمل فيها مستغرقا لأيام العشر، فيفضل على جهاد في عدد تلك الأيّام من غير العشر. وإن كان العمل مستغرقا لبعض أيّام العشر، فهو أفضل من جهاد في نظير ذلك الزمان من غير العشر.
واستدلّ على ذلك بأنّ النبيّ ﷺ جعل العمل الدّائم الذي لا يفتر من صيام وصلاة معادلا للجهاد في أيّ وقت كان، فإذا وقع ذلك العمل الدّائم في العشر، كان أفضل من الجهاد في مثل أيامه؛ لفضل العشر وشرفه؛ ففي
[ ٤٦٣ ]
«الصحيحين» عن أبي هريرة، قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فقال:
دلّني على عمل يعدل الجهاد. قال: لا أجده. قال: هل تستطيع إذا خرج المجاهد أن تدخل مسجدك، فتقوم ولا تفتر، وتصوم ولا تفطر؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟» (^١). ولفظه للبخاري، ولمسلم معناه، وزاد: ثم قال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصّائم القائم القانت بآيات الله، الذي لا يفتر من صلاة ولا صيام، حتى يرجع المجاهد في سبيل الله». وللبخاري: «مثل المجاهد في سبيل الله - والله أعلم بمن يجاهد في سبيله - كمثل الصائم القائم». وللنسائي: «كمثل الصائم القائم الخاشع الراكع السّاجد» (^٢).
ويدلّ على أنّ المراد تفضيله على جهاد في مثل أيّامه خاصّة ما في صحيح ابن حبّان، عن جابر، عن النبي ﷺ، قال: «ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة. فقال رجل: يا رسول الله، هو أفضل أم عدّتهن جهادا في سبيل الله؟ قال: هو أفضل من عدتهنّ جهادا في سبيل الله» (^٣). فلم يفضّل العمل في العشر إلاّ على الجهاد في عدّة أيام العشر لا مطلقا.
وأمّا ما تقدّم من أنّ كلّ يوم منه يعدل سنة أو شهرين أو ألف يوم، فكلّها من أحاديث الفضائل، ليست بقوية.
ثم إنّ أكثر ما ورد ذلك في صيامها، والصيام له خصوصيّة في المضاعفة، فإنّه لله، والله يجزي به. وإن قيل: إنه لا يختص بالصّوم، بل يعمّ سائر الأعمال، فإنّما يدلّ على تفضيل كلّ عمل في العشر على مثل ذلك العمل في غيره سنة، فلا يدخل فيه إلاّ تفضيل من جاهد في العشر على ما جاهد في غيره سنة.
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٤/ ١٨) (٢٧٨٥)، ومسلم (٦/ ٣٥) (١٨٧٨)، والنسائي (٦/ ١٩).
(٢) أخرجه: النسائي (٦/ ١٨).
(٣) أخرجه: ابن حبان (٣٨٥٣).
[ ٤٦٤ ]
وإذا قيل: يلزم من تفضيل العمل في هذا العشر على كلّ عشر غيره أن يكون صيام هذا العشر أفضل من صوم عشر رمضان، وقيام لياليه أفضل من قيام لياليه.
قيل: أمّا صيام رمضان فأفضل من صيامه بلا شكّ؛ فإنّ صوم الفرض أفضل من النّفل بلا تردّد، وحينئذ فيكون المراد أنّ ما فعل في العشر من فرض فهو أفضل ممّا فعل في عشر غيره من فرض، فقد تضاعف صلواته المكتوبة على صلوات عشر رمضان، وما فعل فيه من نفل فهو أفضل ممّا فعل في غيره من نفل.
وقد اختلف عمر وعلي ﵄ في قضاء رمضان في عشر ذي الحجّة، فكان عمر يستحبه لفضل أيامه، فيكون قضاء رمضان فيه أفضل من غيره، وهذا يدلّ على مضاعفة الفرض فيه على النّفل. وكان عليّ ينهى عنه. وعن أحمد في ذلك روايتان. وقد علّل قول عليّ بأنّ القضاء فيه يفوت به فضل صيامه تطوّعا، وبهذا علّله الإمام أحمد وغيره.
وقد قيل: إنه يحصل به فضيلة صيام التطوّع أيضا، وهذا على قول من يقول: إن نذر صيام شهر، فصام رمضان، أجزأه عن نذره فيه، وفرضه متوجّه، وقد علّل بغير ذلك.
وأمّا قيام لياليه وتفضيل قيامه على قيام عشر رمضان، فيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
***