خرّج الإمام أحمد من حديث العرباض بن سارية السّلمي ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّي عند الله في أمّ الكتاب لخاتم النبيين، وإنّ آدم لمنجدل في طينته، وسوف أنبئكم بتأويل ذلك: دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى قومه، ورؤيا أمّي التي رأت أنّه خرج منها نور أضاءت له قصور الشّام، وكذلك أمّهات النبيين يرين» (^١). وخرّجه الحاكم، وقال: صحيح الإسناد.
وقد روي معناه من حديث أبي أمامة الباهليّ، ومن وجوه أخر مرسلة.
المقصود من هذا الحديث أنّ نبوّة النّبيّ ﷺ كانت مذكورة معروفة من قبل أن يخلقه الله ويخرجه إلى دار الدّنيا حيّا، وأنّ ذلك كان مكتوبا في أمّ الكتاب من قبل نفخ الرّوح في آدم ﵇، وفسّر «أمّ الكتاب» باللّوح المحفوظ، وبالذّكر، في قوله تعالى: ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ﴾ [الرعد: ٣٩].
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٤/ ١٢٨)، والبزار (٣/ ١١٣ - كشف)، والطبراني (١٨/ ٦٢٩)، والبيهقي في «الدلائل» (٢/ ١٣٠)، وأبو نعيم في «الدلائل» (١٠). وهو ضعيف، وراجع: «الضعيفة» (٢٠٨٥).
[ ١٤٤ ]
وعن ابن عبّاس ﵄ أنه سأل كعبا عن «أمّ الكتاب» فقال: علم الله ما هو خالق، وما خلقه عاملون، فقال لعلمه: كن كتابا، فكان كتابا، ولا ريب أنّ علم الله تعالى قديم أزليّ لم يزل عالما بما يحدثه من مخلوقاته، ثم إنّه تعالى كتب ذلك في كتاب عنده قبل خلق السّماوات والأرض، كما قال تعالى: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢].
وفي «صحيح البخاري» عن عمران بن حصين، عن النّبيّ ﷺ، قال:
«كان الله ولا شيء قبله، وكان عرشه على الماء، وكتب في الذّكر كلّ شيء، ثم خلق السّماوات والأرض» (^١).
وفي «صحيح مسلم» عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النّبيّ ﷺ قال:
«إنّ الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء» (^٢).
ومن جملة ما كتبه في هذا الذّكر وهو «أمّ الكتاب» أنّ محمدا خاتم النبيّين، ومن حينئذ انتقلت المخلوقات من مرتبة العلم إلى مرتبة الكتابة، وهو نوع من أنواع الوجود الخارجيّ، ولهذا قال سعيد بن راشد: سألت عطاء: هل كان النّبيّ ﷺ نبيّا قبل أن يخلق؟ قال: إي والله، وقبل أن تخلق الدّنيا بألفي عام.
خرّجه أبو بكر الآجري في «كتاب الشريعة». وعطاء هذا، الظّاهر أنّه الخراسانيّ.
وهذا إشارة إلى ما ذكرنا من كتابة نبوّته ﷺ في «أمّ الكتاب» عند تقدير
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٤/ ١٣٨) (٣١٩٢)، (٨/ ١٥٢) (٧٤١٨).
(٢) أخرجه: مسلم (٨/ ٥١) (٢٦٥٣)، وأحمد (٢/ ١٦٩)، والترمذي (٢١٥٦)، وابن حبان (٦١٣٨).
[ ١٤٥ ]
المقادير وقوله ﷺ في هذا الحديث: «إني عند الله في أمّ الكتاب لخاتم النبيين، وإنّ آدم لمنجدل في طينته»، ليس المراد به - والله أعلم - أنّه حينئذ كتب في «أمّ الكتاب» ختمه للنبيين، وإنّما المراد الإخبار عن كون ذلك مكتوبا في «أم الكتاب» في تلك الحال قبل نفخ الرّوح في آدم، وهو أوّل ما خلق من النّوع الإنسانيّ.
وجاء في حديث آخر، أنه في تلك الحال وجبت له النبوّة، وهذه مرتبة ثالثة، وهي انتقاله من مرتبة العلم والكتابة إلى مرتبة الوجود العينيّ الخارجيّ، فإنّه ﷺ استخرج حينئذ من ظهر آدم ونبّئ، فصارت نبوّته موجودة في الخارج بعد كونها كانت مكتوبة مقدّرة في أمّ الكتاب. ففي حديث ميسرة الفجر، قال:
قلت: يا رسول الله، متى كنت نبيّا؟ قال: «وآدم بين الرّوح والجسد» (^١).
خرّجه الإمام أحمد، والحاكم.
قال الإمام أحمد في رواية مهنّا: وبعضهم يرويه: «متى كتبت نبيّا؟»، من الكتابة. فإن صحّت هذه الرّواية، حملت مع حديث العرباض بن سارية على وجوب نبوّته وثبوتها وظهورها في الخارج فإنّ الكتابة إنّما تستعمل فيما هو واجب؛ إمّا شرعا كقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]، أو قدرا كقوله: ﴿كَتَبَ اللهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ [المجادلة: ٢١]. وفي حديث أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ أنّهم قالوا: يا رسول الله، متى وجبت لك النبوّة؟
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٥/ ٥٩)، والطبراني (٢٠/ ٨٣٤)، وابن أبي عاصم (٤١٠)، والحاكم (٦٠٨/ ٢ - ٦٠٩)، وابن سعد (٧/ ٦٠)، والبيهقي في «الدلائل» (١/ ٨٤ - ٨٥)، (٢/ ١٢٩). وقد اختلف في إرساله ووصله، والمرسل أشبه بالصواب، كما بينته في التعليق على «المنتخب من العلل» للخلال (رقم ٩٥).
[ ١٤٦ ]
قال: «وآدم بين الرّوح والجسد» (^١). خرّجه الترمذي وحسّنه. وفي نسخة:
صحّحه، وخرّجه الحاكم.
وروى ابن سعد من رواية جابر الجعفي، عن الشّعبيّ، قال: قال رجل للنبي ﷺ: متى استنبئت؟ قال: «وآدم بين الرّوح والجسد، حين أخذ منّي الميثاق» (^٢). وهذه الرّواية تدلّ على أنّه ﷺ حينئذ استخرج من ظهر آدم ونبّئ، وأخذ ميثاقه. فيحتمل أن يكون ذلك دليلا على أنّ استخراج ذريّة آدم من ظهره وأخذ الميثاق منهم كان قبل نفخ الرّوح في آدم. وقد روي هذا عن سلمان الفارسيّ وغيره من السّلف. ويستدلّ له أيضا بظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [الأعراف: ١١] على ما فسّره به مجاهد وغيره، أنّ المراد إخراج ذريّة آدم من ظهره قبل أمر الملائكة بالسّجود له.
ولكن أكثر السّلف على أنّ استخراج ذريّة آدم منه كان بعد نفخ الرّوح فيه، وعلى هذا يدلّ أكثر الأحاديث، فيحتمل على هذا أن يكون محمد ﷺ خصّ باستخراجه من ظهر آدم قبل نفخ الرّوح فيه، فإنّ محمدا ﷺ هو المقصود من خلق النّوع الإنسانيّ، وهو عينه، وخلاصته، وواسطة عقده؛ فلا يبعد أن يكون أخرج من ظهر آدم عند خلقه قبل نفخ الرّوح فيه.
وقد روي أنّ آدم ﵇ رأى اسم محمد ﷺ مكتوبا على العرش، وأنّ الله
_________________
(١) أخرجه: الترمذي (٣٦٠٩)، والحاكم (٢/ ٦٠٩) وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح غريب من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلا من هذا الوجه». كذا في النسخة المطبوعة، لكن الذي حكاه المزي في «تحفة الأشراف» (١١/ ٧٤)، وابن كثير في «البداية» (٢/ ٣٢٠): «حسن غريب» فقط وهذا أشبه؛ لأن هذا الحديث أنكره أحمد كما في «المنتخب من العلل» للخلال (رقم ٩٣) وراجع: تعليقي عليه.
(٢) أخرجه: ابن سعد (١/ ١٤٨)، وهو مرسل ضعيف.
[ ١٤٧ ]
﷿ قال لآدم: لولا محمّد ما خلقتك (^١). وقد خرجه الحاكم في «صحيحه»، فيكون حينئذ من حين صوّر آدم طينا استخرج منه محمد ﷺ ونبّئ، وأخذ منه الميثاق، ثم أعيد إلى ظهر آدم حتى خرج في وقت خروجه الذي قدّر الله خروجه فيه.
ويشهد لذلك ما روي عن قتادة، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «كنت أوّل النّبيّين في الخلق وآخرهم في البعث». وفي رواية: «أوّل النّاس في الخلق» (^٢). خرّجه ابن سعد وغيره. وخرّجه الطّبرانيّ من رواية قتادة عن الحسن، عن أبي هريرة مرفوعا، والمرسل أشبه. وفي رواية عن قتادة (^٣) مرسلة، ثم تلا: ﴿وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧]، فبدأ به قبل نوح الذي هو أوّل الرسل فمحمد ﷺ أوّل الرّسل خلقا وآخرهم بعثا؛ فإنّه استخرج من ظهر آدم لما صوّر، ونبّئ حينئذ، وأخذ ميثاقه، ثم أعيد إلى ظهره.
ولا يقال: فقد خلق آدم قبله؛ لأنّ آدم كان حينئذ مواتا لا روح فيه، ومحمد ﷺ كان حيّا حين استخرج ونبّئ وأخذ ميثاقه، فهو ﷺ أوّل النبيين خلقا وآخرهم بعثا، فهو خاتم النّبيّين باعتبار أن زمانه تأخّر عنهم، فهو المقفّى والعاقب الذي جاء عقب الأنبياء ويقفوهم. قال تعالى: ﴿ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠].
وفي «الصحيحين» عن جابر، عن النّبيّ ﷺ قال: «مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى دارا فأكملها وأحسنها، إلاّ موضع لبنة، فجعل الناس يدخلونها
_________________
(١) أخرجه: الحاكم (٢/ ٦١٥) وقال: «صحيح الإسناد». وتعقبه الذهبي: «بل موضوع».
(٢) أخرجه: ابن سعد (١/ ١٤٩)، وهو مرسل. وانظر: «كشف الخفاء» (٢/ ١٦٩) (٢٠٠٧).
(٣) «مصنف ابن أبي شيبة» (٦/ ٣٢٢) (٣١٧٦٢).
[ ١٤٨ ]
ويعجبون منها، ويقولون: لولا موضع اللّبنة» (^١) زاد مسلم، قال: «فجئت فختمت الأنبياء». وفيهما أيضا عن أبي هريرة ﵁، عن النّبيّ ﷺ معناه.
وفيه: «فجعل النّاس يطوفون به ويقولون: هلاّ وضعت اللبنة؟ فأنا اللّبنة، وأنا خاتم النّبيّين» (^٢).
وقد استدلّ الإمام أحمد بحديث العرباض بن سارية هذا على أنّ النّبيّ ﷺ لم يزل على التوحيد منذ نشأ. وردّ بذلك على من زعم غير ذلك. بل قد يستدلّ بهذا الحديث على أنّه ﷺ ولد نبيّا، فإنّ نبوّته وجبت له من حين أخذ الميثاق منه، حيث استخرج من صلب آدم، فكان نبيّا من حينئذ، لكن كانت مدّة خروجه إلى الدّنيا متأخّرة عن ذلك، وذلك لا يمنع كونه نبيّا قبل خروجه، كمن يولّى ولاية ويؤمر بالتّصرّف بها في زمن مستقبل، فحكم الولاية ثابت له من حين ولايته وإن كان تصرّفه يتأخّر إلى حين مجيء الوقت.
قال حنبل: قلت لأبي عبد الله - يعني أحمد -: من زعم أنّ النّبيّ ﷺ كان على دين قومه قبل أن يبعث؟ قال: هذا قول سوء، ينبغي لصاحب هذه المقالة يحذر كلامه، ولا يجالس، قلت له: إنّ جارنا النّاقد أبا العبّاس يقول هذه المقالة، قال: قاتله الله، وأي شيء أبقى إذا زعم أنّ رسول الله ﷺ كان على دين قومه وهم يعبدون الأصنام؟! قال الله تعالى - حاكيا عن عيسى ﵇ -:
﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. قلت له: وزعم أنّ خديجة كانت على ذلك حين تزوّجها النّبيّ ﷺ في الجاهلية. قال: أمّا خديجة فلا أقول شيئا، قد كانت أوّل من آمن به من النساء، ثم قال: ماذا يحدث النّاس من الكلام!؟ هؤلاء أصحاب الكلام، من أحبّ الكلام لم يفلح. سبحان الله لهذا
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٤/ ٢٢٦) (٣٥٣٤)، ومسلم (٧/ ٦٤) (٢٢٨٧).
(٢) أخرجه: البخاري (٤/ ٢٢٦) (٣٥٣٥)، ومسلم (٧/ ٦٥) (٢٢٨٦).
[ ١٤٩ ]
القول!! واحتجّ في ذلك بكلام لم أحفظه. وذكر أنّ أمّه حين ولدت رأت نورا أضاء له قصور الشام، أو ليس هذا عند ما ولدت رأت هذا، وقبل أن يبعث كان طاهرا مطهّرا من الأوثان، أو ليس كان لا يأكل ما ذبح على النّصب؟ ثم قال:
احذروا الكلام، فإنّ أصحاب الكلام لا يئول أمرهم إلى خير. خرّجه أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في «كتاب السّنّة».
ومراد الإمام أحمد الاستدلال بتقديم البشارة بنبوّته من الأنبياء الذين قبله، وبما شوهد عند ولادته من الآيات، على أنّه كان نبيّا من قبل خروجه إلى الدنيا وولادته، وهذا هو الذي يدلّ عليه حديث العرباض هذا؛ فإنّه ﷺ ذكر فيه أنّ نبوّته كانت حاصلة من حين كان آدم منجدلا في طينته؛ والمراد بالمنجدل الطّريح الملقى على الأرض قبل نفخ الروح فيه، ويقال للقتيل إنه منجدل لذلك.
ثم استدل ﷺ على سبق ذكره، والتنويه باسمه، ونبوّته، وشرف قدره لخروجه إلى الدّنيا، بثلاث دلائل؛ وهو مراده بقوله: «وسأنبئكم بتأويل ذلك»:
الدّليل الأوّل: دعوة أبيه إبراهيم ﵇؛ وأشار بذلك إلى ما قصّ الله في كتابه عن إبراهيم وإسماعيل أنّهما قالا عند بناء البيت الذي بمكة: ﴿رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنا وَاجْعَلْنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧ - ١٢٩].
فاستجاب الله دعاءهما وبعث في أهل مكّة منهم رسولا بهذه الصّفة من ولد إسماعيل الذي دعا مع أبيه إبراهيم ﵉ بهذا الدّعاء. وقد امتنّ الله تعالى على المؤمنين ببعث هذا النّبيّ فيهم على هذه الصّفة التي دعا بها إبراهيم وإسماعيل.
[ ١٥٠ ]
قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]. وقال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣) ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٢ - ٤].
ومعلوم أنّه لم يبعث في مكّة رسول منهم بهذه الصفة غير محمّد ﷺ، وهو من ولد إسماعيل، كما أنّ أنبياء بني إسرائيل من ولد إسحاق. وذكر الله تعالى أنّه منّ على المؤمنين بهذه الرّسالة، فليس لله نعمة أعظم من إرسال محمد ﷺ يهدي إلى الحقّ وإلى طريق مستقيم.
وقوله: ﴿فِي الْأُمِّيِّينَ﴾ - والمراد بهم العرب - تنبيه لهم على قدر هذه النّعمة وعظمها، حيث كانوا أمّيّين لا كتاب لهم، وليس عندهم شيء من آثار النّبوّات، كما كان عند أهل الكتاب، فمنّ الله عليهم بهذا الرسول وبهذا الكتاب، حتى صاروا أفضل الأمم وأعلمهم، وعرفوا ضلالة من ضلّ من الأمم قبلهم.