ثبت في «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، قال: «كلّ عمل ابن آدم له؛ الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، قال الله ﷿:
إلاّ الصّيام فإنّه لي وأنا أجزي به، إنّه ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي.
للصّائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربّه، ولخلوف فم الصائم أطيب عند الله من ريح المسك» (^١). وفي رواية: «كلّ عمل ابن آدم له إلاّ الصّيام فإنّه لي». وفي رواية للبخاري: «لكلّ عمل كفّارة، والصّوم لي وأنا أجزي به». وخرّجه الإمام أحمد من هذا الوجه، ولفظه: «كلّ عمل ابن آدم كفارة إلاّ الصّوم، والصّوم لي، وأنا أجزي به» (^٢).
فعلى الرواية الأولى: يكون استثناء الصوم من الأعمال المضاعفة، فتكون الأعمال كلّها تضاعف بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلاّ الصيام فإنّه لا ينحصر تضعيفه في هذا العدد، بل يضاعفه الله أضعافا كثيرة بغير حصر عدد؛ فإنّ الصيام من الصّبر، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ [الزّمر: ١٠].
_________________
(١) أخرجه: البخاري (١٩٠٤) (٥٩٢٧) (٣٤، ٣/ ٣١)، ومسلم (٣/ ١٥٧ - ١٥٨) (١١٥١)، والترمذي (٧٦٤)، والنسائي (٢٢١٥)، وابن ماجه (١٦٣٨).
(٢) أخرجه: أحمد (٢٧٣، ٢/ ٢٥٧).
[ ٢٦٨ ]
ولهذا ورد عن النبيّ ﷺ أنّه سمّى شهر رمضان شهر الصّبر (^١). وفي حديث آخر عنه ﷺ، قال: «الصّوم نصف الصّبر» (^٢). خرّجه الترمذيّ.
والصّبر ثلاثة أنواع: صبر على طاعة الله، وصبر عن محارم الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة. وتجتمع الثلاثة كلّها في الصوم؛ فإنّ فيه صبرا على طاعة الله، وصبرا عمّا حرّم الله على الصّائم من الشّهوات، وصبرا على ما يحصل للصّائم فيه من ألم الجوع والعطش، وضعف النفس والبدن.
وهذا الألم الناشئ من أعمال الطّاعات يثاب عليه صاحبه، كما قال تعالى في المجاهدين: ﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلا يَطَؤُنَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلا يَنالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلاّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صالِحٌ إِنَّ اللهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التّوبة: ١٢٠].
وفي حديث سلمان المرفوع الذي أخرجه ابن خزيمة في «صحيحه» في فضل شهر رمضان «وهو شهر الصّبر، والصّبر ثوابه الجنّة» (^٣). وفي الطبراني عن ابن عمر مرفوعا: «الصّيام لله لا يعلم ثواب عمله إلاّ الله ﷿» (^٤).
وروي مرسلا وهو أصحّ.
واعلم أنّ مضاعفة الأجر للأعمال تكون بأسباب:
منها: شرف المكان المعمول فيه ذلك العمل، كالحرم. ولذلك تضاعف الصّلاة في مسجدي مكّة والمدينة. كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح عن
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (٢٤٢٨)، وابن ماجه (١٧٤١).
(٢) أخرجه: الترمذي (٣٥١٩)، وفي إسناده مجهول. وانظر: «ضعيف المشكاة» (٢٩٦)، و«ضعيف الجامع الصغير» (٢٥٠٩).
(٣) أخرجه: ابن خزيمة (١٨٨٧)، وإسناده ضعيف.
(٤) أخرجه: الطبراني في «الأوسط» (٨٦٥).
[ ٢٦٩ ]
النبيّ ﷺ، قال: «صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام» (^١). وفي رواية: «فإنه أفضل». وكذلك روي أنّ الصّيام يضاعف بالحرم. وفي «سنن ابن ماجه» بإسناد ضعيف، عن ابن عباس مرفوعا: «من أدرك رمضان بمكّة فصامه وقام منه ما تيسّر كتب الله له مائة ألف شهر رمضان فيما سواه» (^٢)، وذكر له ثوابا كثيرا.
ومنها: شرف الزمان، كشهر رمضان وعشر ذي الحجة. وفي حديث سلمان المرفوع الذي أشرنا إليه في فضل شهر رمضان «من تطوّع فيه بخصلة من خصال الخير كان كمن أدّى فريضة فيما سواه، ومن أدّى فيه فريضة كان كمن أدّى سبعين فريضة فيما سواه» (^٣). وفي الترمذي عن أنس: «سئل النبيّ ﷺ: أيّ الصّدقة أفضل؟ قال: صدقة في رمضان» (^٤). وفي «الصحيحين» عن النبي ﷺ: قال: «عمرة في رمضان تعدل حجّة» أو قال: «حجّة معي» (^٥). وورد في حديث آخر: «إنّ عمل الصّائم مضاعف».
وذكر أبو بكر بن أبي مريم عن أشياخه أنّهم كانوا يقولون: إذا حضر شهر رمضان فانبسطوا فيه بالنّفقة؛ فإنّ النّفقة فيه مضاعفة كالنّفقة في سبيل الله، وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة في غيره. وقال النّخعيّ: صوم يوم من رمضان أفضل من ألف يوم، وتسبيحة فيه أفضل من ألف تسبيحة، وركعة فيه أفضل من ألف ركعة.
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٢/ ٧٦) (١١٩٠)، ومسلم (٤/ ١٢٤) (١٣٩٤).
(٢) أخرجه: ابن ماجه (٣١١٧)، وهو حديث ضعيف وانظر «السلسلة الضعيفة» (٢٣٧).
(٣) أخرجه: ابن خزيمة وقد تقدم قريبا.
(٤) أخرجه: الترمذي (٦٦٣)، وهو ضعيف. وانظر: «الإرواء» (٨٨٩).
(٥) أخرجه: البخاري (٣/ ٢٤) (١٧٨٢) (١٨٦٣)، ومسلم (٤/ ٦١) (١٢٥٦).
[ ٢٧٠ ]
فلمّا كان الصّيام في نفسه مضاعفا أجره بالنسبة إلى سائر الأعمال، كان صيام شهر رمضان مضاعفا على سائر الصّيام؛ لشرف زمانه، وكونه هو الصّوم الذي فرضه الله على عباده، وجعل صيامه أحد أركان الإسلام التي بني الإسلام عليها.
وقد يضاعف الثّواب بأسباب أخر؛ منها: شرف العامل عند الله وقربه منه، وكثرة تقواه، كما ضوعف أجر هذه الأمّة على أجور من قبلهم من الأمم، وأعطوا كفلين من الأجر.
وأمّا على الرواية الثانية: فاستثناء الصّيام من بين الأعمال يرجع إلى أنّ سائر الأعمال للعباد، والصّيام اختصّه الله تعالى لنفسه من بين أعمال عباده، وأضافه إليه، وسيأتي ذكر توجيه هذا الاختصاص إن شاء الله تعالى.
وأمّا على الرواية الثالثة: فالاستثناء يعود إلى التكفير بالأعمال، ومن أحسن ما قيل في معنى ذلك: ما قاله سفيان بن عيينة ﵀، قال: هذا من أجود الأحاديث وأحكمها، إذا كان يوم القيامة يحاسب الله عبده، ويردّ (^١) ما عليه من المظالم من سائر عمله، حتى لا يبقى إلاّ الصّوم، فيتحمّل الله ﷿ ما بقي عليه من المظالم ويدخله بالصّوم الجنّة. خرّجه البيهقيّ في «شعب الإيمان» وغيره.
وعلى هذا فيكون المعنى أن الصيام لله ﷿، فلا سبيل لأحد إلى أخذ أجره من الصّيام، بل أجره مدّخر لصاحبه عند الله ﷿، وحينئذ فقد يقال: إنّ سائر الأعمال قد يكفّر بها ذنوب صاحبها فلا يبقى لها أجر، فإنّه روي أنّه يوازن يوم القيامة بين الحسنات والسيئات، ويقصّ بعضها من بعض، فإن
_________________
(١) في ص، أ: «يؤدي».
[ ٢٧١ ]
بقي من الحسنات حسنة دخل بها صاحبها الجنّة. قاله سعيد بن جبير وغيره.
وفيه حديث مرفوع خرّجه الحاكم من حديث ابن عباس مرفوعا (^١)، فيحتمل أن يقال في الصوم: إنّه لا يسقط ثوابه بمقاصّة ولا غيرها، بل يوفّر أجره لصاحبه حتّى يدخل الجنّة، فيوفّى أجره فيها.
وأمّا قوله: «فإنّه لي»، فإنّ الله خصّ الصيام بإضافته إلى نفسه دون [غيره من] (^٢) سائر الأعمال، وقد كثر القول في معنى ذلك من الفقهاء والصّوفية وغيرهم، وذكروا فيه وجوها كثيرة. ومن أحسن ما ذكر فيه وجهان:
أحدهما: أنّ الصّيام هو مجرّد ترك حظوظ النّفس وشهواتها الأصلية التي جبلت على الميل إليها لله ﷿، ولا يوجد ذلك في عبادة أخرى غير الصّيام؛ لأنّ الإحرام إنّما يترك فيه الجماع ودواعيه من الطّيب دون سائر الشّهوات؛ من الأكل والشرب، وكذلك الاعتكاف مع أنّه تابع للصّيام.
وأمّا الصّلاة فإنّه وإن ترك المصلّي فيها جميع الشهوات إلاّ أنّ مدّتها لا تطول، فلا يجد المصلّي فقد الطّعام والشّراب في صلاته، بل قد نهي أن يصلّي ونفسه تتوق إلى طعام بحضرته حتى يتناول منه ما يسكن نفسه، ولهذا أمر بتقديم العشاء على الصّلاة.
وذهبت طائفة من العلماء إلى إباحة شرب الماء في صلاة التطوّع، وكان ابن الزبير يفعله في صلاته، وهو رواية عن الإمام أحمد، وهذا بخلاف الصّيام؛ فإنّه يستوعب النّهار كلّه، فيجد الصّائم فقد هذه الشهوات، وتتوق نفسه إليها، خصوصا في نهار الصيف؛ لشدّة حرّه وطوله، ولهذا روي أنّ من خصال الإيمان الصّوم في الصّيف.
_________________
(١) «المستدرك» (٤/ ٢٥٢).
(٢) زيادة من «ص».
[ ٢٧٢ ]
وقد كان رسول الله ﷺ يصوم رمضان في السّفر في شدّة الحرّ دون أصحابه، كما قال أبو الدّرداء: «كنّا مع النبيّ ﷺ في رمضان في سفر وأحدنا يضع يده على رأسه من شدّة الحرّ، وما فينا صائم إلاّ رسول الله ﷺ وعبد الله بن رواحة» (^١). وفي «الموطإ» أنّه ﷺ كان بالعرج يصبّ الماء على رأسه وهو صائم من العطش، أو الحرّ (^٢).
فإذا اشتدّ توقان النّفس إلى ما تشتهيه مع قدرتها عليه، ثم تركته لله ﷿ في موضع لا يطّلع عليه إلاّ الله، كان ذلك دليلا على صحّة الإيمان؛ فإنّ الصّائم يعلم أن له ربّا يطّلع عليه في خلوته، وقد حرّم عليه أن يتناول شهواته المجبول على الميل إليها في الخلوة، فأطاع ربّه، وامتثل أمره، واجتنب نهيه خوفا من عقابه، ورغبة في ثوابه، فشكر الله له ذلك، واختصّ لنفسه عمله هذا من بين سائر أعماله؛ ولهذا قال بعد ذلك: إنّه إنّما ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي. قال بعض السّلف: طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعد غيب لم يره.
لمّا علم المؤمن الصّائم أنّ رضا مولاه في ترك شهواته، قدّم رضا مولاه على هواه؛ فصارت لذّته في ترك شهوته لله؛ لإيمانه باطلاع الله. وثوابه وعقابه أعظم من لذّته في تناولها في الخلوة؛ إيثارا لرضا ربّه على هوى نفسه، بل المؤمن يكره ذلك في خلوته أشدّ من كراهته لألم الضّرب.
ولهذا كثير من المؤمنين لو ضرب على أن يفطر في شهر رمضان لغير عذر لم يفعل؛ لعلمه كراهة الله لفطره في هذا الشهر، وهذا من علامات الإيمان أن يكره المؤمن ما يلائمه من شهواته إذا علم أنّ الله يكرهه، فتصير لذّته فيما
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٣/ ٤٣ - ٤٤) (١٩٤٥)، ومسلم (٣/ ١٤٥) (١١٢٢).
(٢) أخرجه: مالك في «الموطإ» (ص ١٩٧).
[ ٢٧٣ ]
يرضي مولاه وإن كان مخالفا لهواه، ويكون ألمه فيما يكرهه مولاه، وإن كان موافقا لهواه.
وإذا كان هذا فيما حرّم لعارض الصّوم من الطّعام والشراب ومباشرة النساء، فينبغي أن يتأكّد ذلك فيما حرّم على الإطلاق، كالزّنا، وشرب الخمر، وأخذ الأموال أو الأعراض بغير حقّ، وسفك الدّماء المحرّمة؛ فإنّ هذا يسخط الله على كلّ حال وفي كلّ زمان ومكان، فإذا كمل إيمان المؤمن كره ذلك كلّه أعظم من كراهته للقتل والضّرب.
ولهذا جعل النبيّ ﷺ من علامات وجود حلاوة الإيمان: أن يكره أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه الله، كما يكره أن يلقى في النّار. وقال يوسف ﵇:
﴿رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ [يوسف: ٣٣].
سئل ذو النون: متى أحبّ ربّي؟ قال: إذا كان ما يكرهه أمرّ عندك من الصّبر. وقال غيره: ليس من أعلام المحبّة أن تحبّ ما يكرهه حبيبك.
وكثير من النّاس يمشي على العوائد دون ما يوجبه الإيمان ويقتضيه، فلهذا كثير منهم لو ضرب ما أفطر في رمضان لغير عذر. ومن جهّالهم من لا يفطر لعذر ولو تضرّر بالصّوم، مع أنّ الله يحبّ منه أن يقبل رخصته، جريا على العادة، وقد اعتاد مع ذلك ما حرّم الله من الزّنا وشرب الخمر وأخذ الأموال والأعراض أو الدّماء بغير حقّ، فهذا يجري على عوائده في ذلك كلّه لا على مقتضى الإيمان، ومن عمل بمقتضى الإيمان صارت لذّته في مصابرة نفسه عمّا تميل نفسه إليه إذا كان فيه سخط الله، وربّما يرتقي إلى أن يكره جميع ما يكرهه الله منه، وينفر منه وإن كان ملائما للنفوس، كما قيل:
إن كان رضاكم في سهري … فسلام الله على وسني
[ ٢٧٤ ]
وقال آخر:
فما لجرح إذا أرضاكم ألم (^١) …
وقال آخر:
عذابه فيك (^٢) … عذب
وبعده فيك قرب
وأنت عندي كروحي … بل أنت منها أحبّ
حسبي من الحبّ أنّي … لما تحبّ أحبّ
الوجه الثاني: أنّ الصّيام سرّ بين العبد وربّه لا يطّلع عليه غيره؛ لأنّه مركّب من نيّة باطنة لا يطّلع عليها إلاّ الله، وترك لتناول الشهوات التي يستخفى بتناولها في العادة، ولذلك قيل: لا تكتبه الحفظة. وقيل: إنّه ليس فيه رياء، كذا قاله الإمام أحمد وغيره؛ وفيه حديث مرفوع مرسل. وهذا الوجه اختيار أبي عبيد وغيره. وقد يرجع إلى الأول؛ فإنّ من ترك ما تدعوه نفسه إليه لله ﷿ حيث لا يطّلع عليه غير من أمره ونهاه، دلّ على صحّة إيمانه. والله تعالى يحبّ من عباده أن يعاملوه سرّا بينهم وبينه، وأهل محبّته يحبّون أن يعاملوه سرّا بينهم وبينه، بحيث لا يطّلع على معاملتهم إيّاه سواه، حتّى كان بعضهم يودّ لو تمكّن من عبادة لا تشعر بها الملائكة الحفظة، وقال بعضهم - لمّا اطّلع على بعض سرائره -: إنّما كانت تطيب الحياة لمّا كانت المعاملة بيني وبينه سرّا، ثم دعا لنفسه بالموت فمات.
_________________
(١) هذا عجز بيت للمتنبي، وتمامه: إن كان سرّكم ما قال حاسدنا … فما لجرح إذا أرضاكم ألم ووقع في «ب» زيادة، وهي: وما لنعيم إذا أسخطكم إرب ولعلها من زيادات النساخ. والله أعلم.
(٢) في ب: «منك».
[ ٢٧٥ ]
المحبّون يغارون من اطلاع الأغيار على الأسرار التي بينهم وبين من يحبّهم ويحبّونه.
نسيم صبا نجد متى جئت حاملا … تحيتهم فاطو الحديث عن الرّكب
ولا تذع السّرّ المصون فإنّني … أغار على ذكر الأحبّة من صحبي
وقوله: «ترك شهوته وطعامه وشرابه من أجلي» فيه إشارة إلى المعنى الذي ذكرناه، وأنّ الصائم تقرّب (^١) إلى الله بترك ما تشتهيه نفسه من الطعام والشراب والنّكاح، وهذه أعظم شهوات النفس.
وفي التقرّب بترك هذه الشهوات بالصيام فوائد:
منها: كسر النفس؛ فإنّ الشّبع والرّيّ ومباشرة النّساء تحمل النفس على الأشر والبطر والغفلة.
ومنها: تخلّي القلب للفكر والذّكر؛ فإنّ تناول هذه الشهوات قد تقسّي القلب وتعميه، وتحول بين العبد وبين الذّكر والفكر، وتستدعي الغفلة. وخلوّ الباطن (^٢) من الطعام والشراب ينوّر القلب، ويوجب رقّته، ويزيل قسوته، ويخليه للذكر والفكر.
ومنها: أنّ الغنيّ يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره له على ما منعه كثيرا من الفقراء من فضول الطّعام والشراب والنّكاح؛ فإنّه بامتناعه من ذلك في وقت مخصوص وحصول المشقّة له بذلك، يتذكر به من منع من ذلك على الإطلاق، فيوجب له ذلك شكر نعمة الله عليه بالغنى، ويدعوه إلى رحمة أخيه المحتاج ومواساته بما يمكن من ذلك.
ومنها: أنّ الصّيام يضيّق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم؛
_________________
(١) في ب: «وأن الصيام يقرب».
(٢) في ب: «البطن».
[ ٢٧٦ ]
فإن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم، فتسكن بالصّيام وساوس الشّيطان، وتنكسر سورة الشهوة والغضب، ولهذا جعل النبيّ ﷺ الصّوم وجاء (^١)؛ لقطعه عن شهوة النّكاح.
واعلم؛ أنّه لا يتمّ التقرّب إلى الله ﷿ بترك هذه الشهوات المباحة في غير حالة الصّيام إلا بعد التقرّب إليه بترك ما حرّم الله في كلّ حال؛ من الكذب والظلم والعدوان على الناس في دمائهم وأموالهم وأعراضهم، ولهذا قال النبيّ ﷺ: «من لم يدع قول الزّور والعمل به، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه» (^٢). خرّجه البخاريّ. وفي حديث آخر: «ليس الصّيام من الطّعام والشراب، إنّما الصّيام من اللغو والرّفث». قال الحافظ أبو موسى المدينيّ:
هو على شرط مسلم.
قال بعض السّلف: أهون الصّيام ترك الشراب والطعام. وقال جابر: إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عن الكذب والمحارم، ودع أذى الجار، وليكن عليك وقار وسكينة يوم صومك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء.
إذا لم يكن في السّمع منّي تصاون … وفي بصري غضّ وفي منطقي صمت
فحظّي إذا من صومي الجوع والظّما … فإنّ قلت إنّي صمت يومي فما صمت
وقال النبيّ ﷺ: «ربّ صائم حظّه من صيامه الجوع والعطش، وربّ قائم حظّه من قيامه السّهر» (^٣). وسرّ هذا أنّ التقرّب إلى الله ﷿ بترك
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٣/ ٣٤) (١٩٠٥)، ومسلم (٤/ ١٢٨) (١٤٠٠).
(٢) أخرجه: البخاري (٣/ ٣٣) (١٩٠٣).
(٣) أخرجه: أحمد (٢/ ٣٧٣)، وابن ماجه (١٦٩٠)، وأبو يعلى (٦٥٥١)، وابن خزيمة (١٩٩٧)، والحاكم (١/ ٤٣١). وصححه الألباني في «تخريج المشكاة» (٢٠١٤)، و«تخريج الترغيب» (٩٨، ٢/ ٩٧).
[ ٢٧٧ ]
المباحات لا يكمل إلاّ بعد التقرّب إليه بترك المحرّمات، فمن ارتكب المحرّمات ثم تقرّب بترك المباحات، كان بمثابة من يترك الفرائض ويتقرّب بالنوافل، وإن كان صومه مجزئا عند الجمهور بحيث لا يؤمر بإعادته؛ لأنّ العمل إنّما يبطل بارتكاب ما نهي عنه فيه لخصوصه، دون ارتكاب ما نهي عنه لغير معنى يختصّ به. هذا هو أصل جمهور العلماء.
وفي «مسند الإمام أحمد»: أنّ امرأتين صامتا في عهد النّبيّ ﷺ فكادتا أن تموتا من العطش، فذكر ذلك للنبي ﷺ فأعرض، ثم ذكرتا له فدعاهما فأمرهما أن يتقيئا، فقاءتا ملء قدح قيحا ودما وصديدا ولحما عبيطا، فقال النبي ﷺ:
«إنّ هاتين صامتا عمّا أحلّ الله لهما، وأفطرتا على ما حرّم الله عليهما؛ جلست إحداهما إلى الأخرى، فجعلتا يأكلان لحوم النّاس» (^١).
ولهذا المعنى - والله أعلم - ورد في القرآن بعد ذكر تحريم الطعام والشّراب على الصّائم بالنّهار ذكر تحريم أكل أموال الناس بالباطل؛ فإنّ تحريم هذا عام في كلّ زمان ومكان، بخلاف الطعام والشراب، فكان إشارة إلى أنّ من امتثل أمر الله في اجتناب الطعام والشراب في نهار صومه، فليمتثل أمره في اجتناب أكل الأموال بالباطل؛ فإنّه محرّم بكلّ حال لا يباح في وقت من الأوقات.
وقوله ﷺ: «وللصّائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربّه»:
أمّا فرحة الصّائم عند فطره؛ فإن النفوس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم ومشرب ومنكح، فإذا منعت من ذلك في وقت من الأوقات ثم أبيح لها في وقت آخر، فرحت بإباحة ما منعت منه، خصوصا عند اشتداد الحاجة
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٥/ ٤٣١)، وأبو يعلى (١٥٧٦)، والبيهقي في «الدلائل» (٦/ ١٨٦)، وقال في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٧١): «رواه أحمد، وأبو يعلى، وفيه رجل لم يسم».
[ ٢٧٨ ]
إليه؛ فإنّ النفوس تفرح بذلك طبعا، فإن كان ذلك محبوبا لله كان محبوبا شرعا. والصّائم عند فطره كذلك، فكما أنّ الله تعالى حرّم على الصّائم في نهار الصّيام تناول هذه الشهوات، فقد أذن له فيها في ليل الصّيام، بل أحبّ منه المبادرة إلى تناولها في أوّل الليل وآخره، فأحبّ عباده إليه أعجلهم فطرا، والله وملائكته يصلّون على المتسحّرين.
فالصّائم ترك شهواته لله بالنّهار تقرّبا إليه وطاعة له؛ وبادر إليها في اللّيل تقرّبا إلى الله وطاعة له، فما تركها إلاّ بأمر ربّه، ولا عاد إليها إلاّ بأمر ربّه؛ فهو مطيع له في الحالين. ولهذا نهي عن الوصال في الصّيام، فإذا بادر الصّائم إلى الفطر تقرّبا إلى مولاه، وأكل وشرب وحمد الله؛ فإنّه يرجى له المغفرة أو بلوغ الرّضوان بذلك. وفي الحديث: «إنّ الله ليرضى عن عبده أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشّربة فيحمده عليها» (^١).
وربّما استجيب دعاؤه عند ذلك، كما في الحديث المرفوع الذي خرّجه ابن ماجه: «إنّ للصّائم عند فطره دعوة ما تردّ» (^٢).
وإن نوى بأكله وشربه تقوية بدنه على القيام والصّيام، كان مثابا على ذلك.
كما أنه إذا نوى بنومه في الليل والنّهار التقوّي على العمل، كان نومه عبادة.
وفي حديث مرفوع: «نوم الصّائم عبادة» (^٣). قالت حفصة بنت سيرين:
قال أبو العالية: «الصّائم في عبادة ما لم يغتب أحدا وإن كان نائما على
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٨/ ٨٧) (٢٧٣٤).
(٢) أخرجه: ابن ماجه (١٧٥٣)، وانظر: «إرواء الغليل» (٩٢١)، و«الكلم الطيب» (١٦٣).
(٣) أخرجه: أبو نعيم في «حلية الأولياء» (٥/ ٨٣)، والسهمي في «تاريخ جرجان» (٣٧٠)، والشجري في «الأمالي» (٢٨٠)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣٩٣٩) وهو ضعيف وراجع «السلسلة الضعيفة» (٤٦٩٦).
[ ٢٧٩ ]
فراشه». قال: وكانت حفصة تقول: «يا حبّذا عبادة وأنا نائمة على فراشي».
خرّجه عبد الرزاق.
فالصّائم في ليله ونهاره في عبادة، ويستجاب دعاؤه في صيامه وعند فطره.
فهو في نهاره صائم صابر؛ وفي ليله طاعم شاكر. وفي الحديث الذي خرّجه الترمذي وغيره: «الطّاعم الشّاكر بمنزلة الصّائم الصّابر» (^١).
ومن فهم هذا الذي أشرنا إليه لم يتوقّف في معنى فرح الصّائم عند فطره؛ فإنّ فطره على الوجه المشار إليه من فضل الله ورحمته، فيدخل في قول الله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ﴾ [يونس: ٥٨]. ولكن شرط ذلك أن يكون فطره على حلال، فإن كان فطره على حرام كان ممّن صام عمّا أحلّ الله، وأفطر على ما حرّم الله، ولم يستجب له دعاء، كما قال النبي ﷺ في الذي يطيل السّفر: «يمدّ يديه إلى السّماء: يا ربّ، يا ربّ، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذّي بالحرام، فأنّي يستجاب لذلك» (^٢).
وأمّا فرحه عند لقاء ربه؛ فبما يجده عند الله من ثواب الصّيام مدّخرا، فيجده أحوج ما كان إليه، كما قال الله تعالى: ﴿وَما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمّل: ٢٠]. وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا﴾ [آل عمران: ٣٠]. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾ [الزّلزلة: ٧].
وقد تقدّم قول ابن عيينة أنّ ثواب الصائم لا يأخذه الغرماء في المظالم بل
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٢٨٩، ٢/ ٢٨٣)، والترمذي (٢٤٨٦)، وأبو يعلى (٦٥٨٢)، وابن خزيمة (١٨٩٨)، والحاكم (٤/ ١٣٦)، وقد سبق.
(٢) أخرجه: مسلم (٣/ ٨٥ - ٨٦) (١٠١٥).
[ ٢٨٠ ]
يدّخره الله عنده للصّائم حتى يدخله به الجنّة. وفي «المسند» عن عقبة بن عامر، عن النبي ﷺ، قال: «ليس من عمل يوم إلاّ يختم عليه» (^١).
وعن عيسى ﵇، قال: إنّ هذا الليل والنّهار خزانتان، فانظروا ما تضعون فيهما. فالأيام خزائن للناس ممتلئة بما خزنوه فيها من خير وشرّ. وفي يوم القيامة تفتح هذه الخزائن لأهلها؛ فالمتقون يجدون في خزائنهم العزّ والكرامة، والمذنبون يجدون في خزائنهم الحسرة والنّدامة.