خرّج مسلم في «صحيحه» من حديث نبيشة الهذلي أنّ النبي ﷺ، قال:
«أيّام منى أيّام أكل وشرب، وذكر لله ﷿» (^١). وخرّجه أهل السّنن والمسانيد من طرق متعددة عن النبي ﷺ؛ وفي بعضها أنّ النبيّ ﷺ بعث في أيّام منى مناديا ينادي: «لا تصوموا هذه الأيام؛ فإنّها أيام أكل وشرب وذكر لله ﷿» (^٢). وفي رواية للنسائي: «أيّام أكل وشرب وصلاة» (^٣). وفي رواية للدّارقطني بإسناد فيه ضعف: «أيّام أكل وشرب وبعال» (^٤). وفي رواية للإمام أحمد: «من كان صائما فليفطر؛ فإنّها أيام أكل وشرب» (^٥). وفي رواية: «إنها ليست أيّام صيام» (^٦).
أيّام منى هي الأيّام المعدودات التي قال الله ﷿ فيها: ﴿وَاذْكُرُوا اللهَ فِي أَيّامٍ مَعْدُوداتٍ﴾ [البقرة: ٢٠٣]. وهي ثلاثة أيام بعد يوم النّحر، وهي أيّام التشريق، هذا قول ابن عمر وأكثر العلماء. وروي عن ابن عباس وعطاء أنّها
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٣/ ١٥٣) (١١٤٢)، وأحمد (٧٦، ٥/ ٧٥)، وأبو داود (٢٨٣٠، ٢٨١٣)، والنسائي (٧/ ١٧٠)، وابن ماجه (٣١٦٧، ٣١٦٠).
(٢) أخرجه: أحمد (٣/ ٤٩٤) عن حمزة بن عمرو الأسلمي ﵁.
(٣) أخرجها: النسائي في «الكبرى» (٢٩١٤) من حديث عبد الله بن عمرو.
(٤) أخرجها: الدارقطني في «سننه» (٢/ ٢١٢) وفي إسنادها الواقدي، وقال الدارقطني بعد رواية هذا الحديث: «الواقدي ضعيف».
(٥) أخرجه: أحمد (٥/ ٢٢٤) عن رجل من الصحابة.
(٦) راجع: «مجمع الزوائد» (٣/ ٢٠٢ - ٢٠٣).
[ ٥٠٢ ]
أربعة أيام: يوم النّحر، وثلاثة أيّام بعده، وسمّاها عطاء أيّام التشريق؛ والأوّل أظهر.
وقد قال النبي ﷺ: «أيّام منى ثلاثة، ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣]». خرّجه أهل السّنن الأربعة من حديث عبد الرحمن بن يعمر، عن النبي ﷺ (^١)، وهذا صريح في أنّها أيام التشريق.
وأفضلها أولها، وهو يوم القرّ؛ لأنّ أهل منى يستقرون فيه، ولا يجوز فيه النّفر. وفي حديث عبد الله بن قرط عن النبي ﷺ: «أعظم الأيّام عند الله يوم النّحر، ثم يوم القر» (^٢). وقد روي عن سعيد بن المسيّب أنّ يوم الحجّ الأكبر هو يوم القرّ، وهو غريب.
ثم يوم النّفر الأوّل، وهو أوسطها. ثم يوم النّفر الثاني، وهو آخرها.
قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٢٠٣].
قال كثير من السّلف: يريد أن المتعجّل والمتأخّر يغفر له ويذهب عنه الإثم الذي كان عليه قبل حجّه، إذا حجّ فلم يرفث ولم يفسق، ورجع من ذنوبه كيوم ولدته أمّه. ولهذا قال تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقى﴾ [البقرة: ٢٠٣]، فتكون التقوى شرطا لذهاب الإثم على هذا التقدير، وتصير الآية دالّة على ما صرّح به قول النبي ﷺ: «من حجّ فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمّه» (^٣).
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٣٣٥، ٣١٠، ٤/ ٣٠٩)، وأبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٩٠، ٨٨٩)، والنسائي (٢٦٤، ٥/ ٢٥٦)، وابن ماجه (٣٠١٥)، وطرفه: «الحج عرفة …»، وهو حديث صحيح. وراجع: «سؤالات الآجري» (٣٤٣).
(٢) تقدم.
(٣) أخرجه: البخاري (٢/ ١٦٤، ٣/ ١٤) (١٥٢١) (١٨١٩)، ومسلم (١٠٨، ٤/ ١٠٧)، -
[ ٥٠٣ ]
وقد أمر الله تعالى بذكره في هذه الأيّام المعدودات، كما قال النبيّ ﷺ:
«إنّها أيام أكل وشرب وذكر لله ﷿».
وذكر الله ﷿ المأمور به في أيّام التشريق أنواع متعددة:
منها: ذكر الله ﷿ عقيب الصّلوات المكتوبات بالتكبير في أدبارها، وهو مشروع إلى آخر أيّام التشريق عند جمهور العلماء. وقد روي عن عمر وعلي وابن عباس. وفيه حديث مرفوع في إسناده ضعف.
ومنها: ذكره بالتّسمية والتكبير عند ذبح النّسك؛ فإنّ وقت ذبح الهدايا والأضاحي يمتدّ إلى آخر أيّام التشريق عند جماعة من العلماء، وهو قول الشافعي، ورواية عن الإمام أحمد، وفيه حديث مرفوع: «كلّ أيام منى ذبح» (^١)، وفي إسناده مقال. وأكثر الصّحابة على أنّ الذبح يختصّ بيومين من أيّام التشريق مع يوم النّحر، وهو المشهور عن أحمد، وقول مالك، وأبي حنيفة، والأكثرين.
ومنها: ذكر الله ﷿ على الأكل والشرب؛ فإنّ المشروع في الأكل والشرب أن يسمّي الله في أوله، ويحمده في آخره. وفي الحديث عن النبي ﷺ: «إن الله ﷿ يرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشّربة فيحمده عليها» (^٢). وقد روي أنّ من سمى على أوّل طعامه وحمد الله على آخره، فقد أدّى ثمنه، ولم يسأل بعد عن شكره.
_________________
(١) - (١٣٥٠) وأحمد (٤٩٤، ٤٨٤، ٤١٠، ٢/ ٢٤٨)، والترمذي (٨١١)، والنسائي (١١٤/ ٥)، وابن ماجه (٢٨٨٩). من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) أخرجه: أحمد (٤/ ٨٢).
(٣) أخرجه: مسلم (٨/ ٨٧) (٢٧٣٤)، والترمذي (١٨١٦)، عن أنس ﵁.
[ ٥٠٤ ]
ومنها: ذكره بالتكبير عند رمي الجمار في أيّام التشريق، وهذا يختصّ به أهل الموسم.
ومنها: ذكر الله تعالى المطلق؛ فإنّه يستحبّ الإكثار منه في أيّام التشريق، وقد كان عمر يكبّر بمنى في قبته، فيسمعه النّاس فيكبّرون فترتج منى تكبيرا.
وقد قال الله تعالى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمْ مَناسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللهَ كَذِكْرِكُمْ آباءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا وَما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ (٢٠٠) وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠١].
وقد استحبّ كثير من السّلف كثرة الدّعاء بهذا في أيام التشريق. قال عكرمة: كان يستحبّ أن يقال في أيام التشريق: ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]. وعن عطاء، قال: ينبغي لكلّ من نفر أن يقول حين ينفر متوجها إلى أهله (^١): ﴿رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنا عَذابَ النّارِ﴾ [البقرة: ٢٠١]. خرّجهما عبد بن حميد في «تفسيره».
وهذا الدعاء من أجمع الأدعية للخير، وكان النبي ﷺ يكثر منه، وروي أنّه كان أكثر دعائه (^٢)، وكان إذا دعا بدعاء جعله معه؛ فإنّه يجمع خيري الدنيا والآخرة. قال الحسن: الحسنة في الدنيا العلم والعبادة، وفي الآخرة الجنة.
وقال سفيان: الحسنة في الدنيا العلم والرزق الطيّب، وفي الآخرة الجنة.
_________________
(١) في أ: «متوجها إلى الكعبة».
(٢) أخرجه: البخاري (٨/ ١٠٣، ٦/ ٣٤) (٦٣٨٩)، ومسلم (٨/ ٦٨) (٢٦٩٠) من حديث أنس ﵁ عنه بلفظ: «كان أكثر دعوة يدعو بها رسول الله ﷺ: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنه، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار».
[ ٥٠٥ ]
والدّعاء من أفضل أنواع ذكر الله ﷿.
وقد روى زياد الجصّاص عن أبي كنانة القرشي أنّه سمع أبا موسى الأشعريّ، يقول في خطبته يوم النّحر: بعد يوم النّحر ثلاثة أيام التي ذكر الله الأيام المعدودات لا يردّ فيهن الدّعاء، فارفعوا رغبتكم إلى الله ﷿.
وفي الأمر بالذكر عند انقضاء النّسك معنى، وهو أنّ سائر العبادات تنقضي ويفرغ منها، وذكر الله باق لا ينقضي ولا يفرغ منه، بل هو مستمر للمؤمنين في الدنيا والآخرة.
وقد أمر الله تعالى بذكره عند انقضاء الصلاة، قال الله تعالى: ﴿فَإِذا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِكُمْ﴾ [النّساء: ١٠٣]، وقال تعالى في صلاة الجمعة: ﴿فَإِذا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللهِ وَاذْكُرُوا اللهَ كَثِيرًا﴾ [الجمعة: ١٠]، وقال الله تعالى: ﴿فَإِذا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (٧) وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشرح: ٧ - ٨].
روي عن ابن مسعود، قال: فإذا فرغت من الفرائض فانصب. وعنه في قوله تعالى: ﴿وَإِلى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الشّرح: ٨] قال: في المسألة، وأنت جالس.
وقال الحسن: أمره إذا فرغ من غزوة أن يجتهد في الدّعاء والعبادة، والأعمال كلّها يفرغ منها، والذّكر لا فراغ له ولا انقضاء؛ والأعمال (^١) تنقطع بانقطاع الدّنيا ولا يبقى منها شيء في الآخرة، والذّكر لا ينقطع. المؤمن يعيش على الذكر، ويموت عليه، وعليه يبعث.
أحسبتم أنّ الليالي غيّرت … عهد الهوى لا كان من يتغيّر
يفنى الزّمان وليس يفنى ذكركم … وعلى محبّتكم أموت وأحشر
_________________
(١) في ص، ب: «الأعمار».
[ ٥٠٦ ]
قال ذو النون: ما طابت الدنيا إلاّ بذكره، ولا الآخرة إلاّ بعفوه، ولا الجنّة إلاّ برؤيته.
بذكر الله ترتاح القلوب … ودنيانا بذكراه تطيب
إذا ذكر المحبوب عند حبيبه … ترنّح نشوان وحنّ طروب
فأيّام التشريق يجتمع فيها للمؤمنين نعيم أبدانهم بالأكل والشّرب، ونعيم قلوبهم بالذّكر والشكر؛ وبذلك تتم النّعمة، وكلما أحدثوا شكرا على النّعمة كان شكرهم نعمة أخرى، فيحتاج إلى شكر آخر، ولا ينتهي الشكر أبدا.
إذا كان شكري نعمة الله نعمة … عليّ له في مثلها يجب الشّكر
فكيف بلوغ الشّكر إلاّ بفضله … وإن طالت الأيّام واتّصل العمر
وفي قول النبي ﷺ: «إنها أيام أكل وشرب وذكر لله ﷿» إشارة إلى أنّ الأكل في أيّام الأعياد والشّرب إنّما يستعان به على ذكر الله تعالى وطاعته، وذلك من تمام شكر النّعمة أن يستعان بها على الطاعات. وقد أمر الله تعالى في كتابه بالأكل من الطيبات، والشكر له [بعمل الطّاعات] (^١)، فمن استعان بنعم الله على معاصيه فقد كفر نعمة الله وبدّلها كفرا، وهو جدير أن يسلبها، كما قيل:
إذا كنت في نعمة فارعها … فإنّ المعاصي تزيل النّعم
وداوم عليها بشكر الإله … فشكر الإله يزيل النّقم
وخصوصا نعمة الأكل من لحوم بهيمة الأنعام، كما في أيام التشريق؛ فإنّ هذه البهائم مطيعة لله لا تعصيه، وهي مسبحة له قانتة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ﴾
_________________
(١) من (أ).
[ ٥٠٧ ]
﴿مِنْ شَيْءٍ إِلاّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]. وأنّها تسجد له، كما أخبر بذلك في سورة «النحل» وسورة «الحج»، وربما كانت أكثر ذكرا لله من بعض بني آدم. وفي «المسند» مرفوعا: «ربّ بهيمة خير من راكبها، وأكثر لله منه ذكرا» (^١).
وقد أخبر الله تعالى في كتابه أنّ كثيرا من الجنّ والإنس كالأنعام بل هم أضلّ. فأباح الله ﷿ ذبح هذه البهائم المطيعة الذاكرة له لعباده المؤمنين حتى تتقوّى بها أبدانهم، وتكمل لذّاتهم في أكلهم اللحوم، فإنّها من أجلّ الأغذية وألذّها، مع أنّ الأبدان تقوم بغير اللحم من النباتات وغيرها، لكن لا تكمل القوّة والعقل واللذة إلاّ باللحم، فأباح للمؤمنين قتل هذه البهائم والأكل من لحومها؛ ليكمل بذلك قوّة عباده وعقولهم، فيكون ذلك عونا لهم على علوم نافعة وأعمال صالحة يمتاز بها بنو آدم على البهائم، وعلى ذكر الله ﷿، وهو أكثر من ذكر البهائم، فلا يليق بالمؤمن مع هذا إلاّ مقابلة هذه النّعم بالشكر عليها، والاستعانة بها على طاعة الله ﷿، وذكره حيث فضّل الله ابن آدم على كثير من المخلوقات، وسخّر له هذه الحيوانات، قال الله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [الحجّ: ٣٦].
فأمّا من قتل هذه البهائم المطيعة الذّاكرة لله ﷿، ثم استعان بأكل لحومها على معاصي الله ﷿، ونسي ذكر الله ﷿، فقد قلب الأمر وكفر النّعمة، فلا كان من كانت البهائم خيرا منه وأطوع.
نهارك يا مغرور سهو وغفلة … وليلك نوم والرّدى لك لازم
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٤٤١، ٤٤٠، ٣/ ٤٣٩)، وضعفه الألباني. وراجع: «الصحيحة» (٢١).
[ ٥٠٨ ]
وتتعب فيما سوف تكره غبّه … كذلك في الدّنيا تعيش البهائم
وإنّما نهي عن صيام أيام التشريق؛ لأنّها أعياد للمسلمين مع يوم النّحر، فلا تصام بمنى ولا غيرها عند جمهور العلماء، خلافا لعطاء، في قوله: إنّ النهي مختصّ بأهل منى، وإنما نهي عن التطوّع بصيامها، سواء وافق عادة أو لم يوافق.
فأمّا صيامها عن قضاء فرض أو نذر، أو صيامها بمنى للمتمتع إذا لم يجد الهدي، ففيه اختلاف مشهور بين العلماء، ولا فرق بين يوم منها ويوم عند الأكثرين، إلاّ عند مالك؛ فإنّه قال: في اليوم الثالث منها يجوز صيامه عن نذر خاصة.
وفي النهي عن صيام هذه الأيام والأمر بالأكل فيها والشّرب سرّ حسن، وهو أن الله تعالى لمّا علم ما يلاقي الوافدون إلى بيته من مشاق السّفر وتعب الإحرام وجهاد النفوس على قضاء المناسك، شرع لهم الاستراحة عقيب ذلك بالإقامة بمنى يوم النحر وثلاثة أيام بعده، وأمرهم بالأكل فيها من لحوم نسكهم؛ فهم في ضيافة الله ﷿ فيها؛ لطفا من الله بهم، ورأفة ورحمة.
وشاركهم أيضا أهل الأمصار في ذلك؛ لأنّ أهل الأمصار شاركوهم في النّصب لله والاجتهاد في عشر ذي الحجّة؛ بالصّوم والذّكر والاجتهاد في العبادات، وشاركوهم في حصول المغفرة وفي التقرّب إلى الله تعالى بإراقة دماء الأضاحي، فشاركوهم في أعيادهم، واشترك الجميع في الراحة في أيام الأعياد بالأكل والشّرب، كما اشتركوا جميعا في أيام العشر في الاجتهاد في الطاعة والنّصب، وصار المسلمون كلّهم في ضيافة الله ﷿ في هذه الأيام، يأكلون من رزقه، ويشكرونه على فضله.
ونهوا عن صيامها؛ لأنّ الكريم لا يليق به أن يجيع أضيافه، فكأنّه قيل
[ ٥٠٩ ]
للمؤمنين في هذه الأيام: قد فرغ عملكم الذي عملتموه، فما بقي لكم إلاّ الرّاحة؛ فهذه الراحة بذاك التعب، كما أريح الصائمون لله في شهر رمضان بأمرهم بإفطار يوم عيد الفطر.
ويؤخذ من هذا إشارة إلى حال المؤمن في الدنيا؛ فإنّ الدّنيا كلها أيام سفر كأيّام الحجّ، وهي زمان إحرام المؤمن عمّا حرّم الله عليه من الشهوات، فمن صبر في مدّة سفره على إحرامه وكفّ عن الهوى، فإذا انتهى سفر عمره ووصل إلى منى المنى، فقد قضى تفثه ووفّى نذره، فصارت أيّامه كلّها كأيّام منى، أيّام أكل وشرب وذكر لله ﷿، وصار في ضيافة الله ﷿ في جواره أبد الأبد، ولهذا يقال لأهل الجنة: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الطّور:
١٩] ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيّامِ الْخالِيَةِ﴾ [الحاقّة: ٢٤]. وقد قيل:
إنّها نزلت في الصّوّام في الدنيا.
وقد صمت عن لذات دهري كلّها … ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي
قال بعض السلف: صم الدنيا اجعل فطرك الموت.
فصم يومك الأدنى لعلّك في غد … تفوز بعيد الفطر والنّاس صوّم
من صام اليوم عن شهواته أفطر عليها غدا بعد وفاته، ومن تعجّل ما حرّم عليه من لذّاته عوقب بحرمان نصيبه من الجنة وفواته؛ شاهد ذلك من شرب الخمر في الدّنيا لم يشربها في الآخرة، ومن لبس الحرير لم يلبسه في الآخرة.
أنت في دار شتات … فتأهّب لشتاتك
واجعل الدّنيا كيوم … صمته عن شهواتك
وليكن فطرك عند اللّ … هـ في يوم وفاتك
[ ٥١٠ ]
قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥].
الجنّة ضيافة الله أعدّها لعباده المؤمنين نزلا، فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وبعث رسول الله ﷺ يدعو إليها بالإيمان والإسلام والإحسان، فمن أجابه دخل الجنّة وأكل من تلك الضيافة، ومن لم يجب حرم.
خرّج الترمذي عن جابر، قال: «خرج علينا رسول الله ﷺ يوما، فقال:
رأيت في المنام كأنّ جبريل عند رأسي وميكائيل عند رجليّ، فقال أحدهما لصاحبه: اضرب له مثلا، فقال: اسمع سمعت أذنك، واعقل عقل قلبك؛ إنّما مثلك ومثل أمّتك كمثل ملك اتخذ دارا، ثم بنى فيها بيتا، وجعل فيها مائدة، ثم بعث رسولا يدعو النّاس إلى طعامه؛ فمنهم من أجاب الرسول، ومنهم من تركه، فالله تعالى: هو الملك، والدّار هي الإسلام، والبيت الجنّة، وأنت يا محمّد رسول، من أجابك دخل الإسلام، ومن دخل الإسلام دخل الجنّة، ومن دخل الجنّة أكل ما فيها» (^١).
وخرّجه البخاري بمعناه، ولفظه: «مثله كمثل رجل بنى دارا، وجعل فيها مأدبة، وبعث داعيا، فمن أجاب الدّاعي دخل الدّار وأكل من المأدبة، ومن لم يجب الدّاعي لم يدخل الدّار ولم يأكل من المأدبة؛ والدّار الجنة، والدّاعي محمد ﷺ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه: الترمذي (٢٨٦٠)، وقال: «وقد روي هذا الحديث من غير وجه عن النبي ﷺ بإسناد أصح من هذا، وهو حديث مرسل»، وعلقه البخاري (٩/ ١١٥).
(٢) أخرجه: البخاري (٩/ ١١٤ - ١١٥) (٧٢٨١).
[ ٥١١ ]
في بعض الآثار الإسرائيلية يقول الله تعالى: «ابن آدم، ما أنصفتني، أذكرك وتنساني، وأدعوك إليّ فتفر منيّ إلى غيري، وأذهب عنك البلايا وأنت منعكف على الخطايا، ابن آدم، ما يكون اعتذارك غدا إذا جئتني؟». طوبى لمن أجاب مولاه، ﴿يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللهِ﴾ [الأحقاف: ٣١].
يا نفس ويحك قد أتاك هداك … أجيبي فداعي الحقّ قد ناداك
كم قد دعيت إلى الرّشاد فتعرضي … وأجبت داعي الغيّ حين دعاك
كلّ ما في الدنيا يذكّر بالآخرة؛ فمواسمها وأعيادها وأفراحها تذكّر بمواسم الآخرة وأعيادها وأفراحها. صنع عبد الواحد بن زيد طعاما لإخوانه، فقام عتبة الغلام على رءوس الجماعة يخدمهم وهو صائم، فجعل عبد الواحد ينظر إليه ويسارقه النظر ودموع عتبة تجري، فسأله بعد ذلك عن بكائه حينئذ، فقال:
ذكرت موائد الجنّة والولدان قائمون علي رءوسهم؛ فصعق عبد الواحد. أبدان العارفين في الدنيا وقلوبهم في الآخرة.
جسمي معي غير أنّ الرّوح عندكم … فالجسم في غربة والرّوح في وطن
أعياد الناس تنقضي، فأمّا أعياد العارفين فدائمة. قال الحسن: كلّ يوم لا تعصي الله فيه فهو لك عيد. جاء بعضهم إلى بعض العارفين فسلّم عليه، وقال له: أريد أن أكلمك، قال: اليوم لنا عيد، فتركه، ثم جاءه يوما آخر، فقال له مثل ذلك، ثم جاء يوما آخر، فقال له مثل ذلك. فقال له: ما أكثر أعيادك! قال: يا بطّال! أما علمت أنّ كلّ يوم لا نعصي الله فيه فهو لنا عيد.
أوقات العارفين كلّها فرح وسرور بمناجاة مولاهم وذكره، فهي أعياد. وكان الشّبلي ينشد:
[ ٥١٢ ]
إذا ما كنت لي عيدا … فما أصنع بالعيد
جرى حبّك في قلبي … كجري الماء في العود
وأنشد أيضا:
عيدي مقيم وعيد النّاس منصرف … والقلب منّي عن اللّذات منحرف
ولي قرينان ما لي منهما خلف … طول الحنين وعين دمعها يكف
***
[ ٥١٣ ]