خرّج الإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «الشتاء ربيع المؤمن» (^١). وخرّجه البيهقي وغيره، وزاد فيه: «طال ليله فقامه، وقصر نهاره فصامه» (^٢).
إنّما كان الشتاء ربيع المؤمن لأنّه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويسرح في ميادين العبادات، وينزه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه، كما ترتع البهائم في مرعى الرّبيع، فتسمن وتصلح أجسادها، فكذلك يصلح دين المؤمن في الشتاء بما يسّر الله فيه من الطاعات، فإنّ المؤمن يقدر في الشتاء على صيام نهاره من غير مشقّة ولا كلفة تحصل له؛ من جوع ولا عطش؛ فإنّ نهاره قصير بارد، فلا يحسّ فيه بمشقّة الصّيام.
وفي «المسند»، و«الترمذي» عن النبي ﷺ، قال: «الصّيام في الشّتاء الغنيمة الباردة» (^٣).
وكان أبو هريرة ﵁، يقول: ألا أدلّكم على الغنيمة الباردة؟ قالوا: بلى، فيقول: الصّيام في الشتاء.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٧٥).
(٢) أخرجه: البيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٢٩٧)، وضعفه الألباني كما في «ضعيف الجامع» (٣٤٢٩).
(٣) أخرجه: أحمد (٤/ ٣٣٥)، والترمذي (٧٩٧)، وقال: «مرسل».
[ ٥٦٤ ]
ومعنى كونها غنيمة باردة أنّها غنيمة حصلت بغير قتال ولا تعب ولا مشقّة، فصاحبها يحوز هذه الغنيمة عفوا صفوا بغير كلفة.
وأمّا قيام ليل الشتاء، فلطوله يمكن أن تأخذ النفس حظّها من النوم، ثم تقوم بعد ذلك إلى الصلاة، فيقرأ المصلّي ورده كلّه من القرآن وقد أخذت نفسه حظّها من النوم، فيجتمع له فيه نومه المحتاج إليه مع إدراك ورده من القرآن، فيكمل له مصلحة دينه وراحة بدنه. ومن كلام يحيى بن معاذ: الليل طويل فلا تقصّره بمنامك، والإسلام نقيّ فلا تدنّسه بآثامك.
بخلاف ليل الصيف، فإنه لقصره وحرّه يغلب النوم فيه فلا تكاد تأخذ النفس حظّها بدون نومه كلّه، فيحتاج القيام فيه إلى مجاهدة، وقد لا يتمكّن فيه لقصره من الفراغ من ورده من القرآن.
وروي عن ابن مسعود ﵁، قال: مرحبا بالشتاء تنزل فيه البركة، ويطول فيه الليل للقيام، ويقصر في النّهار للصيام. وروي عنه مرفوعا ولا يصحّ رفعه.
وعن الحسن، قال: نعم زمان المؤمن الشتاء، ليله طويل يقومه، ونهاره قصير يصومه. وعن عبيد بن عمير أنّه كان إذا جاء الشتاء، قال: يا أهل القرآن، طال ليلكم لقراءتكم فاقرءوا، وقصر النهار لصيامكم فصوموا.
قيام ليل الشتاء يعدل صيام نهار الصيف، ولهذا بكى معاذ ﵁ عند موته، وقال: إنّما أبكي على ظمإ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء بالرّكب عند حلق الذكر. وقال معضد: لولا ثلاث: ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ولذاذة التهجّد بكتاب الله، ما باليت أن أكون يعسوبا.
القيام في ليل الشتاء يشقّ على النفوس من وجهين:
أحدهما: من جهة تألّم النفس بالقيام من الفراش في شدّة البرد؛ قال داود ابن رشيد: قام بعض إخواني إلى ورده بالليل في ليلة شديدة البرد، فكان عليه
[ ٥٦٥ ]
خلقان، فضربه البرد فبكى، فهتف به هاتف: أقمناك وأنمناهم، وتبكى علينا! خرّجه أبو نعيم (^١).
والثاني: بما يحصل بإسباغ الوضوء في شدّة البرد من التألّم، وإسباغ الوضوء في شدّة البرد من أفضل الأعمال. وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «ألا أدلّكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدّرجات؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصّلاة بعد الصّلاة، فذلكم الرّباط، فذلكم الرّباط» (^٢).
وفي حديث معاذ بن جبل ﵁ عن النبي ﷺ «أنّه رأى ربّه ﷿ - يعني في المنام - فقال له: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قال: في الدرجات والكفّارات. قال: والكفّارات إسباغ الوضوء في الكريهات، ونقل الأقدام إلى الجمعات - وفي رواية: الجماعات - وانتظار الصّلاة بعد الصلاة، من فعل ذلك عاش بخير ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمّه. والدّرجات:
إطعام الطعام، وإفشاء السّلام، والصّلاة بالليل والنّاس نيام»، وذكر الحديث.
خرّجه الإمام أحمد والترمذي (^٣). وفي بعض الروايات: «إسباغ الوضوء في السّبرات». والسّبرة: شدّة البرد. فإسباغ الوضوء في شدّة البرد من أعلى خصال الإيمان.
_________________
(١) أخرجه: أبو نعيم في «الحلية» (٨/ ٣٣٥).
(٢) أخرجه: مسلم (١/ ١٥١) (٢٥١)، والنسائي (١/ ٨٩ - ٩٠)، والترمذي (٥١).
(٣) أخرجه: أحمد (٥/ ٢٤٣)، والترمذي (٣٢٣٥). وذكر عن البخاري أنه قال: «هذا حديث حسن صحيح». وراجع: «العلل الكبير» للترمذي (٦٦٠ - ٦٦٢)، و«علل الدارقطني» (٦/ ٥٤ - ٧٥).
[ ٥٦٦ ]
روى ابن سعد بإسناده: أنّ عمر ﵁ وصّى ابنه عبد الله عند موته، فقال له: يا بني، عليك بخصال الإيمان. قال: وما هي؟ قال: الصّوم في شدّة الحرّ أيام الصيف، وقتل الأعداء بالسّيف، والصّبر على المصيبة، وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي، وتعجيل الصّلاة في يوم الغيم، وترك ردغة الخبال. قال:
فقال: وما ردغة الخبال؟ قال: شرب الخمر.
وروى الأوزاعيّ عن يحيى بن أبي كثير، قال: ستّ من كنّ فيه فقد استكمل الإيمان؛ قتال أعداء الله بالسيف، والصّيام في الصيف، وإسباغ الوضوء في اليوم الشاتي، والتبكير بالصّلاة في اليوم الغيم، وترك الجدال والمراء وأنت تعلم أنّك صادق، والصّبر على المصيبة. وقد روي هذا مرفوعا. خرّجه محمد بن نصر المروزي في «كتاب الصلاة» له بإسناد فيه ضعف، عن أبي سعيد الخدري ﵁: «ستّ من كنّ فيه بلغ حقيقة الإيمان: ضرب أعداء الله بالسيف، وابتدار الصلاة في اليوم الدّجن، وإسباغ الوضوء عند المكاره، والصّيام في الحرّ، وصبر عند المصائب، وترك المراء وأنت صادق» (^١).
وفي كتاب «الزهد» للإمام أحمد، عن عطاء بن يسار قال: قال موسى ﵇: يا رب، من هم أهلك الذين هم أهلك، تظلّهم في ظلّ عرشك؟ قال:
هم البريّة أيديهم، الطاهرة قلوبهم الذين يتحابّون لجلالي، الذين إذا ذكرت ذكروا بي، وإذا ذكروا ذكرت بذكرهم، الذي يسبغون الوضوء في المكاره، وينيبون إلى ذكري كما تنيب النّسور إلى أوكارها، ويكلفون بحبّي كما يكلف الصّبيّ بحبّ الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استحلّت كما يغضب النّمر إذا حرب.
_________________
(١) أخرجه: ابن نصر في «الصلاة» (٤٤٣). وراجع: «الضعيفة» (٣٦٩٢).
[ ٥٦٧ ]
وقد روي عن داود بن رشيد، قال: قام رجل ليلة باردة ليتوضأ للصلاة، فأصاب الماء باردا فبكى، فنودي: أما ترضى أنّا أنمناهم وأقمناك حتى تبكي علينا؟ خرّجه ابن السمعاني.
معالجة الوضوء في جوف الليل للتهجّد موجب لرضا الربّ، ومباهاة الملائكة، ففي شدّة البرد يتأكّد ذلك. ففي «المسند» و«صحيح ابن حبان» عن عقبة بن عامر ﵁، عن النبي ﷺ قال: «رجلان من أمّتي؛ يقوم أحدهما من الليل فيعالج نفسه إلى الطّهور وعليه عقد، فيتوضأ، فإذا وضأ يديه انحلّت عقدة، وإذا وضّأ وجهه انحلّت عقدة، وإذا مسح رأسه انحلّت عقدة، وإذا وضّأ رجليه انحلّت عقدة؛ فيقول الرّبّ ﷿ للذين وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يعالج نفسه، ما سألني عبدي هذا فهو له» (^١).
وفي حديث عطية، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، قال: «إنّ الله ليضحك إلى ثلاثة نفر: رجل قام من جوف الليل فأحسن الطّهور ثم صلّى، ورجل نام وهو ساجد، ورجل في كتيبة منهزمة على فرس جواد لو شاء أن يذهب لذهب» (^٢).
قال أبو سليمان الداراني: كنت ليلة باردة في المحراب، فأقلقني البرد، فخبّأت إحدى يديّ من البرد، وبقيت الأخرى ممدودة، فغلبتني عيني، فهتفت بي هاتف: يا أبا سليمان، قد وضعنا في هذه ما أصابها، ولو كانت الأخرى لوضعنا فيها. قال: فآليت على نفسي ألاّ أدعو إلاّ ويداي خارجتان؛ حرّا كان أو بردا.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٢٠١، ٤/ ١٥٩).
(٢) أخرجه: ابن ماجه (٢٠٠)، وأحمد (٣/ ٨٠). وراجع: «الضعيفة» (٣٤٥٣).
[ ٥٦٨ ]
قال مالك ﵀: كان صفوان بن سليم يصلّي - يعني بالليل - في الشتاء في السّطح، وفي الصيف في بطن البيت، يتيقّظ بالحرّ والبرد حتى يصبح، ثم يقول: هذا الجهد من صفوان، وأنت أعلم به، وإنه لترم رجلاه حتّى يعود مثل السّقط من قيام الليل، ثم يظهر فيها عروق خضر. وكان صفوان وغيره من العبّاد يصلّون في الشتاء بالليل في ثوب واحد، ليمنعهم البرد من النوم. ومنهم من كان إذا نعس ألقى نفسه في الماء، ويقول: هذا أهون من صديد جهنّم.
كان عطاء الخراساني ينادي أصحابه بالليل: يا فلان، يا فلان، يا فلان، قوموا فتوضّئوا وصلّوا؛ فقيام هذا الليل، وصيام هذا النهار أهون من شرب الصّديد ومقطعات الحديد غدا في النار. الوحا الوحا، النّجاء النجاء.
كان قوم من العبّاد يبيتون في مسجد، وكانوا يتهجّدون بالليل، فاستيقظ واحد منهم ليلة فوجد إخوانه نياما؛ فسمع هاتفا يهتف من جانب المسجد:
أيا عجبا للنّاس من قرّت عيونهم … مطاعم غمض بعدها الموت منتصب
وطول قيام الليل أيسر مؤنة … وأهون من نّار تفور وتلتهب
وفي الحديث الصحيح «أنّ ابن عمر رأى في منامه كأنّ آتيا أتاه فانطلق به إلى النار حتى رآها، ورأى فيها رجالا يعرفهم معلّقين بالسلاسل. فأتاه ملك، فقال له: لم ترع، لست من أهلها. فقصّ ذلك على أخته حفصة، فقصّته حفصة على رسول الله ﷺ، فقال: نعم الرجل عبد الله لو كان يصلّي من الليل. فكان ابن عمر بعد ذلك لا ينام من الليل إلاّ قليلا» (^١).
قال الحسن: أفضل العبادة الصّلاة في جوف الليل. وقال: هو أقرب ما يتقرّب به إلى الله ﷿. وقال: ما وجدت في العبادة أشدّ منها. ورئي
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٩/ ٤٧) (١١٢٢) (٣٧٣٩)، ومسلم (٧/ ١٥٨) (٢٤٧٩).
[ ٥٦٩ ]
سلمة بن كهيل في المنام، فقال: وجدت أفضل الأعمال قيام الليل، ما عندهم أشرف منه. ورأى بعض السّلف خياما ضربت، فسأل: لمن هي؟ فقيل:
للمتهجدين بالقرآن، فكان بعد ذلك لا ينام.
فما لي بعيد الدّار لا أقرب الحمى … وقد نصبت للسّاهرين خيام
علامة طردي طول ليلي نائم … وغيري يرى أنّ المنام حرام
ومن الصالحين من كان يلطف به في الحرّ والبرد، كما دعا النبي ﷺ لعليّ أن يذهب الله عنه الحرّ والبرد، فكان يلبس في الشتاء ثياب الصيف وفي الصيف ثياب الشتاء، ولا يجد حرّا ولا بردا (^١).
وكان بعض التابعين يشتدّ عليه الطّهور في الشتاء، فدعا الله ﷿، فكان يؤتى بالماء في الشتاء وله بخار من حرّه. رأى أبو سليمان في طريق الحجّ في شدّة البرد شيخا عليه خلقان وهو يرشح عرقا، فعجب منه وسأله عن حاله، فقال: إنّما الحرّ والبرد خلقان لله ﷿، فإن أمرهما أن يغشياني أصاباني، وإن أمرهما أن يتركاني تركاني، وقال: أنا في هذه البرّيّة من ثلاثين سنة، يلبسني في البرد فيحا من محبّته، ويلبسني في الصيف بردا من محبتّه.
وقيل لآخر وعليه خرقتان في يوم برد شديد: لو استترت في موضع يكنّك من البرد. فأنشد:
ويحسن ظنّي أنّني في فنائه … وهل أحد في كنّه يجد البردا
وأمّا من يجد البرد، وهم عامة الخلق، فإنّه يشرع لهم دفع أذاه بما يدفعه من لباس وغيره. وقد امتنّ الله على عباده بأن خلق لهم من أصواف بهيمة الأنعام
_________________
(١) أخرجه: ابن ماجه (١١٧)، وضعّف البوصيري إسناده في «الزوائد».
[ ٥٧٠ ]
وأوبارها وأشعارها ما فيه دفء لهم، قال الله تعالى: ﴿وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ وَمَنافِعُ وَمِنْها تَأْكُلُونَ﴾ [النّحل: ٥]، وقال الله تعالى: ﴿وَمِنْ أَصْوافِها وَأَوْبارِها وَأَشْعارِها أَثاثًا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ﴾ [النّحل: ٨٠].
روى ابن المبارك، عن صفوان بن عمرو، عن سليم بن عامر، قال: كان عمر بن الخطاب ﵁ إذا حضر الشتاء تعاهدهم وكتب لهم بالوصيّة: إنّ الشتاء قد حضر وهو عدوّ فتأهّبوا له أهبته من الصّوف والخفاف والجوارب، واتخذوا الصّوف شعارا ودثارا؛ فإنّ البرد عدوّ؛ سريع دخوله، بعيد خروجه.
وإنما كان يكتب بذلك عمر إلى أهل الشام لمّا فتحت في زمنه، فكان يخشى على من بها من الصحابة وغيرهم ممّن لم يكن له عهد بالبرد أن يتأذّى ببرد الشام؛ وذلك من تمام نصيحته وحسن نظره وشفقته وحياطته لرعيته ﵁.
وروي عن كعب، قال: أوحى الله تعالى إلى داود ﵇: أن تأهّب لعدوّ قد أظلّك. قال: يا رب، من عدوّي وليس بحضرتي عدوّ؟ قال: بلى، الشّتاء.
وليس المأمور به أن يتّقي البرد حتى لا يصيبه منه شيء بالكلّيّة؛ فإنّ ذلك يضرّ أيضا. وقد كان بعض الأمراء يصون نفسه من الحرّ والبرد بالكلية حتى لا يحسّ بهما بدنه، فتلف باطنه وتعجّل موته. فإنّ الله تعالى بحكمته جعل الحرّ والبرد في الدنيا لمصالح عباده؛ فالحرّ لتحلّل الأخلاط، والبرد لجمودها؛ فمتى لم يصب الأبدان شيء من الحر والبرد تعجّل فسادها، ولكن المأمور به اتقاء ما يؤذي البدن من ذلك، فإنّ الحرّ المؤذي والبرد المؤذي معدودان من جملة أعداء بني آدم.
قيل لأبي حازم الزاهد: إنّك لتشدد، يعني في العبادة، فقال: وكيف لا أشدّد وقد ترصّد لي أربعة عشر عدوّا. قيل له: لك خاصّة؟ قال: بل لجميع
[ ٥٧١ ]
من يعقل. قيل له: وما هذه الأعداء؟ قال: أمّا أربعة فمؤمن يحسدني، ومنافق يبغضني، وكافر يقاتلني، وشيطان يغويني ويضلني. أمّا العشرة: فالجوع، والعطش، والحرّ، والبرد، والعري، والمرض، والفاقة، والهرم، والموت، والنّار، ولا أطيقهنّ إلاّ بسلاح تام، ولا أجد لهنّ سلاحا أفضل من التقوى.
فعدّ الحرّ والبرد من جملة أعدائه.
وقال الأصمعي: كانت العرب تسمّي الشتاء الفاضح، فقيل لامرأة منهم:
أيما أشدّ عليكم؛ القيظ أم القرّ؟ قالت: سبحان الله! من جعل البؤس كالأذى؟ فجعلت الشتاء بؤسا، والقيظ أذى.
قال بعض السّلف: إن الله تعالى وصف الجنّة بصفة الصيف لا بصفة الشتاء، فقال تعالى: ﴿فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨) وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ (٢٩) وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَماءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ﴾ [الواقعة: ٢٨ - ٣١]. وقد قال الله تعالى في صفة أهل الجنة: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها عَلَى الْأَرائِكِ لا يَرَوْنَ فِيها شَمْسًا وَلا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣]؛ فنفى عنهم شدّة الحرّ والبرد. قال قتادة: علم الله أنّ شدّة الحرّ تؤذي، وشدّة البرد تؤذي؛ فوقاهم أذاهما جميعا.
قال أبو عمرو بن العلاء: إنّي لأبغض الشتاء لنقص الفروض، وذهاب الحقوق، وزيادة الكلفة على الفقراء. وقد روي في حديث مرفوع: أنّ الملائكة تفرح بذهاب الشتاء؛ لما يدخل فيه على فقراء المؤمنين من الشّدّة.
ولكن لا يصحّ إسناده. وروي أيضا مرفوعا: «خير صيفكم أشدّه حرّا، وخير شتائكم أشدّه بردا، وإنّ الملائكة لتبكي في الشتاء رحمة لبني آدم». وإسناده أيضا باطل.
وقال بعض السلف: البرد عدوّ الدّين. يشير إلى أنّه يفتر عن كثير من
[ ٥٧٢ ]
الأعمال، ويثبط عنها، فتكسل النّفوس بذلك. وقال بعضهم: خلقت القلوب من طين؛ فهي تلين في الشّتاء كما يلين الطين فيه.
قال الحسن: الشّتاء ذكر فيه اللّقاح، والصيف أنثى فيه النّتاج؛ يشير إلى أنّ الصيف تنتج فيه المواشي والشّجر. والصيف عند العرب هو الربيع، وأمّا الذي تسميه الناس الصيف فالعرب يسمّونه القيظ. ففي الشتاء تغور الحرارة إلى باطن الشجرة فتنعقد موادّ الثمر، فتظهر في الربيع مباديها، فتزهر الشجر، ثم تورق، ثم إذا ظهرت الثمار قوي حرّ الشمس؛ لإنضاجها.
الإيثار في الشتاء للفقراء بما يدفع عنهم البرد له فضل عظيم؛ خرج صفوان بن سليم في ليلة باردة بالمدينة من المسجد، فرأى رجلا عاريا، فنزع ثوبه وكساه إياه، فرأى بعض أهل الشام في منامه أنّ صفوان بن سليم دخل الجنّة بقميص كساه، فقدم المدينة، فقال: دلوني على صفوان، فأتاه فقصّ عليه ما رأى.
رأى مسعر أعرابيّا يتشرّق في الشمس، وهو يقول:
جاء الشتاء وليس عندي درهم … ولقد يخصّ بمثل ذاك المسلم
قد قطع النّاس الجباب وغيرها … وكأنّني بفناء مكّة محرم
فنزع مسعر جبّته فألبسه إيّاها.
رفع إلى بعض الوزراء الصالحين أنّ امرأة معها أربعة أطفال أيتام وهم عراة جياع، فأمر رجلا أن يمضي إليهم ويحمل معه ما يصلحهم من كسوة وطعام، ثم نزع ثيابه وحلف: لا لبستها ولا دفيت حتى تعود وتخبرني أنّك كسوتهم وأشبعتهم، فمضى وعاد وأخبره أنّهم اكتسوا وشبعوا وهو يرعد من البرد، فلبس حينئذ ثيابه.
[ ٥٧٣ ]
خرّج الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعا: «من أطعم مؤمنا على جوع أطعمه الله يوم القيامة من ثمار الجنّة، ومن سقاه على ظمإ سقاه الله يوم القيامة من الرحيق المختوم، ومن كساه على عري كساه الله من خضر الجنة» (^١).
وروى ابن أبي الدنيا بإسناده، عن ابن مسعود، قال: «يحشر الناس يوم القيامة أعرى ما كانوا قطّ، وأجوع ما كانوا قطّ، وأظمأ ما كانوا قطّ؛ فمن كسا لله ﷿ كساه الله، ومن أطعم لله أطعمه الله، ومن سقى لله سقاه الله، ومن عفا لله عفا الله عنه» (^٢).
ومن فضائل الشتاء أنّه يذكّر بزمهرير جهنّم، ويوجب الاستعاذة منها.
وفي حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي ﷺ، قال: «إذا كان يوم شديد البرد، فإذا قال العبد: لا إله إلا الله، ما أشدّ برد هذا اليوم! اللهم، أجرني من زمهرير جهنّم، قال الله تعالى لجهنم: إنّ عبدا من عبيدي استجار بي من زمهريرك، وإنّي أشهدك أنّي قد أجرته. قالوا: وما زمهرير جهنّم؟ قال: بيت يلقى فيه الكافر فيتميز من شدّة برده» (^٣).
قام زبيد الياميّ ذات ليلة للتهجّد، فعمد إلى مطهرة له كان يتوضّأ منها، فغمس يده في المطهرة، فوجد الماء باردا شديدا كاد أن يجمد من شدّة برده؛ فذكر الزمهرير ويده في المطهرة، فلم يخرجها حتى أصبح، فجاءت جاريته وهو على تلك الحال، فقالت: ما شأنك يا سيدي؟ لم تصل الليلة كما كنت
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (١٦٨٢)، والترمذي (٢٤٤٩)، وقال: «غريب، وقد روي هذا عن عطية عن أبي سعيد موقوف، وهو أصح عندنا وأشبه».
(٢) في (ص، ب): «أعفاه الله».
(٣) أخرجه: السهمي في «تاريخ جرجان» (٩٧٨) عن لاحق بن حسين المقدسي وهو وضاع، وانظر ترجمته في «لسان الميزان».
[ ٥٧٤ ]
تصلّي، وأنت قاعد هنا على هذه الحالة؟ فقال: ويحك! إنّي أدخلت يدي في هذه المطهرة فاشتد عليّ برد الماء، فذكرت به الزمهرير، فو الله ما شعرت بشدّة برده حتى وقفت علي، فانظري، لا تحدثي بهذا أحدا ما دمت حيّا. فما علم بذلك أحد حتى مات ﵀.
في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ، قال: «إنّ لجهنّم نفسين؛ نفسا في الشتاء، ونفسا في الصيف، فأشد ما تجدون من البرد من زمهريرها، وأشد ما تجدون من الحر من سمومها» (^١).
وروي عن ابن عباس قال: يستغيث أهل النار من الحرّ فيغاثون بريح باردة يصدّع العظام بردها، فيسألون الحرّ. وعن مجاهد، قال: يهربون إلى الزمهرير، فإذا وقعوا فيه حطّم عظامهم حتى يسمع لها نقيض. وعن كعب، قال: إنّ في جهنّم بردا هو الزّمهرير، يسقط اللحم حتى يستغيثوا بحرّ جهنّم.
وعن عبد الملك بن عمير، قال: بلغني أنّ أهل النار سألوا خازنها أن يخرجهم إلى جانبها، فأخرجوا فقتلهم البرد والزمهرير، حتى رجعوا إليها فدخلوها ممّا وجدوا من البرد، وقد قال الله ﷿: ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها بَرْدًا وَلا شَرابًا (٢٤) إِلاّ حَمِيمًا وَغَسّاقًا (٢٥) جَزاءً وِفاقًا﴾ [النبأ: ٢٤ - ٢٦]. وقال الله تعالى:
﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسّاقٌ﴾ [ص: ٥٧]. قال ابن عباس: الغسّاق: الزّمهرير البارد الذي يحرق من برده. وقال مجاهد: هو الذي لا يستطيعون أن يذوقوه من برده. وقيل: إنّ الغسّاق البارد المنتن، أجارنا الله تعالى من جهنّم بفضله وكرمه.
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٤/ ١٤٦) (٣٢٦٠)، ومسلم (٢/ ١٠٨) (٦١٧)، وأحمد (٢/ ٢٧٦، ٥٠٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٥٧٥ ]
يا من تتلى عليه أوصاف جهنّم، ويشاهد تنفّسها كلّ عام حتى يحسّ به ويتألّم وهو مصر على ما يقتضي دخولها، مع أنّه يعلم، ستعلم إذا جيء بها تقاد بسبعين ألف زمام من يندم. ألك صبر على سعيرها وزمهريرها؟ قل وتكلم، ما كان صلاحك يرجى، والله أعلم.
كم يكون الشتاء ثم المصيف … وربيع يمضي ويأتي الخريف
وارتحال من الحرور إلى البر … د وسيف الرّدى عليك منيف
يا قليل المقام في هذه الدّ … نيا إلى كم يغرّك التّسويف
يا طالب الزّائل حتّى متى … قلبك بالزّائل مشغوف
عجبا لامرئ يذلّ لذي الدّ … نيا ويكفيه كلّ يوم رغيف
***
[ ٥٧٦ ]