خرّجا في «الصحيحين» من حديث أبي سعيد الخدريّ ﵁، أنّ النّبيّ ﷺ جلس على المنبر، فقال: «إنّ عبدا خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدّنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده». فبكى أبو بكر، وقال:
يا رسول الله، فديناك بآبائنا وأمّهاتنا، قال: فعجبنا، وقال النّاس: انظروا إلى هذا الشيخ! يخبر رسول الله ﷺ عن عبد خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدّنيا ما شاء، وبين ما عند الله، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمّهاتنا.
قال: فكان رسول ﷺ هو المخيّر، وكان أبو بكر هو أعلمنا به. فقال النّبيّ ﷺ: «إنّ من أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متّخذا من أهل الأرض خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوّة الإسلام، لا تبقى في المسجد خوخة إلا سدّت، إلاّ خوخة أبي بكر، ﵁» (^١).
الموت مكتوب على كل حيّ من الأنبياء والرّسل وغيرهم. قال الله تعالى لنبيه ﷺ: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزّمر: ٣٠]. وقال: ﴿وَما جَعَلْنا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنا تُرْجَعُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٤ - ٣٥]. وقال تعالى: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ الآيتين (^٢) [آل عمران: ١٤٤].
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٥/ ٤ - ٥) (٣٩٠٤)، ومسلم (٧/ ١٠٨) (٢٣٨٢).
(٢) في ب ذكر الآيتين كاملتين.
[ ١٧٦ ]
خلق الله تعالى آدم من تراب الأرض، ونفخ فيه من روحه، فكانت روحه في جسده وأرواح ذريّته في أجسادهم في هذه الدّار عاريّة، وقضى عليه وعلى ذريّته أنّه لا بدّ من أن يستردّ أرواحهم من هذه الأجساد، ويعيد أجسادهم إلى ما خلقت منه، وهو التّراب، ووعد أن يعيد الأجساد من الأرض مرّة ثانية، ثمّ يردّ إليها الأرواح مرّة ثانية تمليكا دائما لا رجعة فيه في دار البقاء.
قال الله تعالى: ﴿فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٥].
وقال تعالى: ﴿مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى﴾ [طه: ٥٥].
وقال: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتًا (١٧) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجًا﴾ [نوح:
١٧ - ١٨].
وأرانا دليلا في هذه الدار على إعادة الأجساد من التراب بإنبات الزّرع من الأرض، وإحياء الأرض بعد موتها بالمطر، ودليلا على إعادة الأرواح إلى أجسادها بعد المفارقة بقبض أرواح العباد في منامهم، وردّها إليهم في يقظتهم، كما قال تعالى: ﴿اللهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الزّمر: ٤٢].
وفي «مسند البزار»، عن أنس، أنّ النّبيّ ﷺ قال لهم لمّا ناموا عن الصّلاة: «إنّ هذه الأرواح عاريّة في أجساد العباد فيقبضها إذا شاء ويرسلها إذا شاء» (^١).
استعدّي للموت يا نفس واسعي … لنجاة فالحازم المستعدّ
_________________
(١) أخرجه: البزار (٣٩٦ - كشف)، والعقيلي (٣/ ٣٣٠)، وضعّفه، وانظر «فتح الباري» لابن رجب (٣/ ٣٢٦ بتحقيقي). و«مجمع الزوائد» (١/ ٣٢٢).
[ ١٧٧ ]
قد تيقّنت أنّه ليس للح … يّ خلود ولا من الموت بدّ
إنّما أنت مستعيرة ما سو … ف تردّين والعواري تردّ
غيره:
فما أهل الحياة لنا بأهل … ولا دار الحياة لنا بدار
وما أموالنا والأهل فيها … ولا أولادنا إلاّ عواري
وأنفسنا إلى أجل قريب … سيأخذها المعير من المعار
مفارقة الجسد للرّوح لا تقع إلاّ بعد ألم عظيم تذوقه الرّوح والجسد جميعا، فإنّ الرّوح قد تعلّقت بهذا الجسد وألفته، واشتدّت ألفتها له وامتزاجها به ودخولها فيه، حتّى صارا كالشيء الواحد، فلا يتفارقان إلاّ بجهد شديد وألم عظيم، ولم يذق ابن آدم في حياته ألما مثله، وإلى ذلك الإشارة بقول الله ﷿: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]. قال الرّبيع بن خثيم: أكثروا من ذكر هذا الموت؛ فإنّكم لم تذوقوا قبله مثله.
ويتزايد الألم بمعرفة المحتضر بأنّ جسده إذا فارقته الرّوح صار جيفة مستقذرة يأكله الهوامّ، ويبليه التّراب حتّى يعود ترابا، وأنّ الرّوح المفارقة له لا تدري أين مستقرّها، هل هو في الجنّة أو النّار؟ فإن كان عاصيا مصرّا على المعصية إلى الموت، فربّما غلب على ظنّه أنّ روحه تصير إلى النّار، فتتضاعف بذلك حسرته وألمه، وربّما كشف له مع ذلك عن مقعده من النّار فيراه أو يبشّر بذلك، فيجتمع له مع كرب الموت وألمه العظيم معرفته بسوء مصيره، وهذا هو المراد بقول الله تعالى: ﴿وَالْتَفَّتِ السّاقُ بِالسّاقِ﴾ [القيامة: ٢٩] على ما فسّره به كثير من السّلف، فيجتمع عليه سكرة الموت مع حسرة الفوت، فلا تسأل عن سوء حاله.
[ ١٧٨ ]
وقد سمّى الله ذلك سكرة؛ لأنّ ألم الموت مع ما ينضمّ إليه يسكر صاحبه فيغيب عقله غالبا، قال الله تعالى: ﴿وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾ [ق: ١٩].
ألا للموت كأس أيّ كأس … وأنت لكأسه لا بدّ حاسي
إلى كم والممات إلى قريب … تذكّر بالممات وأنت ناسي
وقد أمر النّبيّ ﷺ بكثرة ذكر الموت، فقال: «أكثروا ذكر هاذم اللّذّات، الموت» (^١). وفي حديث مرسل أنّه ﷺ مرّ بمجلس قد استعلاه الضّحك، فقال: «شوبوا مجلسكم بذكر مكدّر اللّذّات» (^٢) الموت. وفي الإكثار من ذكر الموت فوائد؛ منها: أنّه يحثّ على الاستعداد له قبل نزوله، ويقصّر الأمل، ويرضي بالقليل من الرّزق، ويزهّد في الدّنيا، ويرغّب في الآخرة، ويهوّن مصائب الدّنيا، ويمنع من الأشر والبطر والتّوسّع في لذّات الدّنيا.
وفي حديث أبي ذرّ المرفوع الذي خرّجه ابن حبّان في «صحيحه» وغيره:
«إنّ صحف موسى ﵇ كانت عبرا فيها: عجبت لمن أيقن بالموت كيف يفرح! عجبت لمن أيقن بالنار كيف يضحك! عجبت لمن أيقن بالقدر كيف ينصب! عجبت لمن رأى الدّنيا وسرعة تقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها!» (^٣).
وقد روي أنّ الكنز الذي كان للغلامين كان لوحا من ذهب مكتوب فيه هذا أيضا.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٩٣)، والنسائي (٤/ ٤)، والترمذي (٢٣٠٧)، وابن ماجه (٤٢٥٨)، وابن حبان (٢٩٩٢)، (٢٩٩٤)، (٢٩٩٥). والحديث صححه الألباني في «الإرواء» (٦٨٢)، و«تخريج المشكاة» (١٦٠٧).
(٢) عزاه في «الجامع الصغير» (٣٤٠٨)، و«كنز العمال» (٤٢١١٢) لابن أبي الدنيا عن عطاء الخراساني مرسلا.
(٣) أخرجه: ابن حبان (٣٦١) مطوّلا جدّا، وأبو نعيم في «حلية الأولياء» (١/ ١٦٦ - ١٦٨)، وهو موضوع.
[ ١٧٩ ]
قال الحسن: إنّ هذا الموت قد أفسد على أهل النّعيم نعيمهم، فالتمسوا عيشا لا موت فيه. وقال: فضح الموت الدنيا فلم يدع لذي لبّ بها فرحا.
وقال غيره: ذهب ذكر الموت بلذاذة كلّ عيش، وسرور كلّ نعيم، ثم بكى.
وقال: واها لدار لا موت فيها.
اذكر الموت هاذم اللّذّات … وتهيّأ لمصرع سوف ياتي
غيره:
يا غافل القلب عن ذكر المنيّات … عمّا قليل ستلقى بين أموات
فاذكر محلّك من قبل الحلول به … وتب إلى الله من لهو ولذّات
إنّ الحمام له وقت إلى أجل … فاذكر مصائب أيّام وساعات
لا تطمئنّ إلى الدّنيا وزينتها … قد آن للموت يا ذا اللّبّ أن ياتي
قال بعض السّلف: شيئان قطعا عنّي لذاذة الدنيا؛ ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله ﷿.
وكيف يلذّ العيش من كان موقنا … بأنّ المنايا بغتة ستعاجله
وكيف يلذّ العيش من كان موقنا … بأنّ إله الخلق لا بدّ سائله
قال أبو الدّرداء: كفى بالموت واعظا، وكفى بالدّهر مفرّقا، اليوم في الدّور، وغدا في القبور.
اذكر الموت وداوم ذكره … إنّ في الموت لذي اللّبّ عبر
وكفى بالموت فاعلم واعظا … لمن الموت عليه قد قدر
غفلة الإنسان عن الموت مع أنّه لا بدّ له منه من العجب. والموجب لها طول الأمل:
[ ١٨٠ ]
كلّنا في غفلة والموت … يغدو ويروح
لبني الدّنيا من الموت … غبوق وصبوح
سيصير المرء يوما … جسدا ما فيه روح
بين عيني كلّ حيّ … علم الموت يلوح
نح على نفسك يا مسكين … إن كنت تنوح
لتموتنّ ولو عمّرت … ما عمّر نوح
لمّا كان الموت مكروها بالطّبع، لما فيه من الشّدّة والمشقّة العظيمة، لم يمت نبيّ من الأنبياء حتّى يخيّر، ولذلك وقع التردّد فيه في حقّ المؤمن، كما في حديث أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ: «يقول الله ﷿: وما تردّدت عن شيء أنا فاعله، تردّدي عن قبض نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأكره مساءته، ولا بدّ له منه» (^١).
قال ابن أبي مليكة: لمّا قبض إبراهيم ﵇ قال الله ﷿: كيف وجدت الموت؟ قال: يا رب، كأن نفسي تنزع بالسّلى، فقال: هذا وقد هوّنا عليك الموت! وقال أبو إسحاق: قيل لموسى ﵇: كيف وجدت طعم الموت؟ قال: وجدته كسفّود أدخل في صوف فاجتذب. قال: هذا وقد هوّنّا عليك الموت!
ويروى أنّ عيسى ﵇ كان إذا ذكر الموت يقطر جلده دما، وكان يقول للحواريّين: ادعوا الله أن يخفّف عنّي الموت، فلقد خفت الموت خوفا أوقعني مخافة الموت على الموت.
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٨/ ١٣١) (٦٥٠٢).
[ ١٨١ ]
كيف يطمع في البقاء وما من الأنبياء إلاّ مات؟ أم كيف يؤمن هجوم المنايا ولم يسلم الأصفياء والأحباء؟ هيهات هيهات.
قد مات كلّ نبيّ … ومات كلّ نبيه
ومات كلّ شريف … وعاقل وسفيه
لا يوحشنك طريق … كلّ الخلائق فيه
أوّل ما أعلم النّبيّ ﷺ من انقضاء عمره باقتراب أجله بنزول سورة: ﴿إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النّصر: ١] (^١). فإن المراد من هذه السّورة أنّك يا محمّد، إذا فتح الله عليك البلاد، ودخل النّاس في دينك الذي دعوتهم إليه أفواجا فقد اقترب أجلك. فتهيّأ للقائنا بالتّحميد والاستغفار، فإنّه قد حصل منك مقصود ما أمرت به من أداء الرّسالة والتّبليغ، وما عندنا لك خير من الدّنيا، فاستعدّ للنّقلة إلينا. قال ابن عبّاس: لمّا نزلت هذه السورة نعيت لرسول الله ﷺ نفسه، فأخذ في أشدّ ما كان اجتهادا في أمر الآخرة.
وروي في حديث أنّه تعبّد حتّى صار كالشّنّ البالي، وكان يعرض القرآن كلّ عام على جبريل مرّة، فعرضه ذلك العام مرّتين، وكان يعتكف العشر الأواخر من رمضان كلّ عام، فاعتكف في ذلك العام عشرين، وأكثر من الذّكر والاستغفار.
قالت أمّ سلمة: كان رسول الله ﷺ في آخر أمره لا يقوم ولا يقعد
_________________
(١) هنا زيادة من المطبوع، ويدل على أنها من النساخ أن معناها سيأتي قريبا، وهاك نص الزيادة: «وقيل لابن عباس ﵄: هل كان يعلم رسول الله ﷺ متى يموت؟ قال: نعم: قيل: ومن أين؟ قال: إنّ الله تعالى جعل علامة موته في هذه السورة: إِذا جاءَ نَصْرُ اللهِ وَالْفَتْحُ [النّصر: ١] يعني فتح مكّة وَرَأَيْتَ النّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْواجًا [النصر: ٢] ذلك علامة موته، وقد كان نعى نفسه إلى فاطمة ﵍».
[ ١٨٢ ]
ولا يذهب ولا يجيء إلاّ قال: «سبحان الله وبحمده». فذكرت ذلك له، فقال: «إنّي أمرت بذلك وتلا هذه السّورة (^١). وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول قبل موته: «سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه». فقلت له: إنّك تدعو بدعاء لم تكن تدعو به قبل اليوم، قال:
«إنّ ربّي أخبرني أنّي سأرى علما في أمّتي، وأنّي إذا رأيته أن أسبّح بحمده وأستغفره، وقد رأيته» (^٢). ثمّ تلا هذه السورة.
إذا كان سيّد المحسنين يؤمر بأن يختم أعماله بالحسنى، فكيف يكون حال المذنب المسيء المتلوّث بالذّنوب المحتاج إلى التّطهير؟ من لم ينذره باقتراب أجله وحي، أنذره الشّيب وسلب أقرانه بالموت.
كفى مؤذنا باقتراب الأجل … شباب تولّى وشيب نزل
وموت اللّذّات هل (^٣) … بعده
بقاء يؤمّله من عقل
إذا ارتحلت قرناء الفتى … على حكم ريب المنون ارتحل
قال وهيب بن الورد: إنّ لله ملكا ينادي في السّماء كلّ يوم وليلة أبناء الخمسين: زرع دنا حصاده، أبناء الستين: هلمّوا إلى الحساب؛ أبناء السبعين:
ماذا قدّمتم، وماذا أخّرتم؟ أبناء الثمانين: لا عذر لكم. وعن وهب، قال:
ينادي مناد: أبناء الستين! عدّوا أنفسكم في الموتى.
وفي «صحيح البخاري»، عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ قال: «أعذر الله إلى من بلغه ستين من عمره» (^٤). وفي حديث آخر: «إذا كان يوم القيامة
_________________
(١) أخرجه: الطبري في «تفسيره» (٣٠/ ٣٣٥)، وقال ابن كثير في «تفسيره» (٨/ ٥٣٣): «غريب». يعني: «ضعيف».
(٢) أخرجه: مسلم (٢/ ٥٠) (٤٨٤)، وأحمد (٦/ ٣٥).
(٣) في ص، ب: «وموت الأقران وهل».
(٤) أخرجه: البخاري (٨/ ١١١) (٦٤١٩).
[ ١٨٣ ]
نودي: أين أبناء السّتين؟ وهو العمر الذي قال الله تعالى فيه: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧]» (^١). وفي الترمذي عنه ﷺ، قال:
«أعمار أمّتي ما بين السّتين إلى السّبعين، وأقلّهم من يجوز ذلك» (^٢). وفي حديث آخر: «معترك المنايا ما بين السّتين إلى السّبعين» (^٣).
وفي حديث آخر: «إنّ لكلّ شيء حصادا، وحصاد أمّتي ما بين السّتين إلى السّبعين» (^٤). وفي هذا المعترك قبض النبي ﷺ. قال سفيان الثوريّ: من بلغ سنّ رسول الله ﷺ فليتّخذ لنفسه كفنا.
وإنّ امرأ قد سار ستّين حجّة … إلى منهل من ورده لقريب
قال الفضيل لرجل: كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة. قال له: أنت منذ ستين سنة تسير إلى ربّك، يوشك أن تبلغ، فقال الرجل: إنّا لله وإنا إليه راجعون، فقال فضيل: من علم أنّه لله عبد وأنّه إليه راجع، فليعلم أنّه موقوف، وأنّه مسئول، فليعدّ للمسألة جوابا، فقال له الرّجل: فما الحيلة؟ قال: يسيرة، قال: ما هي؟ قال: تحسن فيما بقي يغفر لك ما مضى، فإنّك: إن أسأت فيما بقي أخذت بما مضى وما بقي.
خذ في جدّ فقد تولّى العمر … كم ذا التّفريط قد تدانى الأمر
أقبل فعسى يقبل منك العذر … كم تبني كم تنقض كم ذا الغدر
_________________
(١) رواه البيهقي (٣/ ٣٧٠) (٦٣١٣) والطبراني في «الأوسط» (٨/ ٤٩) (٧٩٢٥) و(٩/ ٦٦) (٩١٣٨)، وفي «الكبير» (١١/ ١٧٧) (١١٤١٥) وراجع «السلسلة الضعيفة» (٢٥٨٤).
(٢) أخرجه: الترمذي (٢٣٣١)، (٣٥٥٠)، وابن ماجه (٤٢٣٦)، والحديث صححه الألباني في «الصحيحة» (٧٥٧).
(٣) أخرجه: الخطيب في «تاريخه» (٥/ ٤٧٦)، وأبو يعلى في «مسنده» (١١/ ٤٢٢) (٦٥٤٣)، وإسناده ضعيف. وراجع: «الصحيحة» (١٥١٧)، و«الفتح» (١١/ ٢٣٩).
(٤) أخرجه: ابن عساكر من حديث ابن عباس، وراجع «السلسلة الضعيفة» (٤٣٢١).
[ ١٨٤ ]
وما زال ﷺ يعرّض باقتراب أجله في آخر عمره، فإنّه لمّا خطب في حجّة الوداع، قال للنّاس: «خذوا عنّي مناسككم، فلعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا» (^١). وطفق يودّع النّاس، فقالوا: هذه حجّة الوداع. فلمّا رجع من حجّته إلى المدينة جمع النّاس بماء يدعى خمّا في طريقه بين مكّة والمدينة، فخطبهم وقال: «أيّها النّاس، إنّما أنا بشر، يوشك أن يأتيني رسول ربّي فأجيب» (^٢) ثمّ حضّ على التّمسّك بكتاب الله، ووصّى بأهل بيته. ثمّ إنّه لما بدأ به مرض الموت خيّر بين لقاء الله ﷿ وبين زهرة الدّنيا والبقاء فيها ما شاء الله، فاختار لقاء الله، وخطب النّاس وأشار إليهم بذلك إشارة من غير تصريح.
وكان ابتداء مرضه في أواخر شهر صفر، وكانت مدّة مرضه ثلاثة عشر يوما في المشهور. وقيل: أربعة عشر يوما. وقيل: اثنا عشر يوما. وقيل: عشرة أيام، وهو غريب.
وكانت خطبته التي خطب بها في حديث أبي سعيد هذا الذي نتكلّم عليه هاهنا في ابتداء مرضه.
ففي «المسند»، «صحيح ابن حبان»، عن أبي سعيد، قال: خرج إلينا رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه وهو معصوب الرأس، فقام على المنبر، فقال: «إنّ عبدا عرضت عليه الدّنيا وزينتها، فاختار الآخرة». قال:
فلم يفطن لها أحد من القوم إلاّ أبو بكر، فقال: بأبي وأمّي، بل نفديك بأموالنا وأنفسنا وأولادنا. قال: ثمّ هبط عن المنبر فما رئي عليه حتّى السّاعة (^٣).
_________________
(١) أخرجه: مسلم (١٢٩٧).
(٢) أخرجه: مسلم (٢٤٠٨).
(٣) أخرجه: أحمد (٣/ ٩١)، وأبو يعلى (١١٥٥)، وابن حبان (٦٥٩٣). وأصل الحديث عند البخاري (٥/ ٧٣) (٣٦٥٤) (٣٩٠٤)، ومسلم (٧/ ٣٠٨) (٢٣٨٢) من حديث أبي سعيد ﵁ بمعناه.
[ ١٨٥ ]
وفي «المسند» عن أبي مويهبة، أنّ النبيّ ﷺ خرج ليلة إلى البقيع، فاستغفر لأهل البقيع، وقال: «ليهنكم ما أصبحتم فيه ممّا أصبح فيه النّاس، أقبلت الفتن كقطع اللّيل المظلم، يتبع بعضها بعضا، يتبع آخرها أوّلها، الآخرة شرّ من الأولى». ثمّ قال: «يا أبا مويهبة، إنّي قد أعطيت خزائن الدّنيا والخلد ثم الجنّة، فخيّرت بين ذلك وبين لقاء ربّي، فاخترت لقاء ربّي والجنّة»، ثمّ انصرف. فابتدأ وجعه الذي قبضه الله فيه (^١).
لمّا قويت معرفة الرّسول ﷺ بربّه، ازداد حبّه له وشوقه إلى لقائه، فلمّا خير بين البقاء في الدّنيا وبين لقاء ربّه، اختار لقاءه على خزائن الدّنيا والبقاء فيها.
سئل الشّبليّ: هل يقنع المحبّ بشيء من حبيبه دون مشاهدته؟ فأنشد:
والله لو أنّك توّجتني … بتاج كسرى ملك المشرق
ولو بأموال الورى جدت لي … أموال من باد ومن قد بقي
وقلت لي لا نلتقي ساعة … اخترت يا مولاي أن نلتقي
لمّا عرّض الرسول ﷺ على المنبر باختياره اللّقاء على البقاء ولم يصرّح، خفي المعنى على كثير ممّن سمع، ولم يفهم المقصود غير صاحبه الخصيص به ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ﴾ [التّوبة: الآية ٤٠]. وكان أعلم الأمّة بمقاصد الرّسول ﷺ، فلمّا فهم المقصود من هذه الإشارة بكى، وقال: بل نفديك بأموالنا وأنفسنا وأولادنا، فسكّن الرسول ﷺ جزعه، وأخذ في مدحه والثّناء عليه على المنبر، ليعلم النّاس كلّهم فضله، فلا يقع عليه اختلاف في خلافته، فقال: «إنّ من أمنّ النّاس عليّ في صحبته وماله أبو بكر» (^٢).
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٤٨٩، ٣/ ٤٨٨)، والطبراني (٢٢/ ٣٤٦) (٨٧٢)، وإسناده ضعيف.
(٢) أخرجه: البخاري (٧٣، ٥/ ٤) (٣٩٠٤، ٣٦٥٤، ٤٦٦)، ومسلم (٧/ ١٠٨) (٢٣٨٢).
[ ١٨٦ ]
وفي رواية أخرى أنّه قال: «ما لأحد عندنا يد إلاّ وقد كافأناه، ما خلا أبا بكر، فإنّ له عندنا يدا يكافئه الله يوم القيامة، وما نفعني مال أحد قطّ ما نفعني مال أبي بكر» (^١)، خرّجه الترمذيّ.
ثم قال رسول الله ﷺ: «لو كنت متّخذا من أهل الأرض خليلا، لاتّخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوّة الإسلام» (^٢). لمّا كان الرّسول ﷺ خليل الله، لم يصلح له أن يخالل مخلوقا، فإنّ الخليل من جرت محبّة خليله منه مجرى الرّوح، ولا يصلح هذا لبشر، كما قيل:
قد تخلّلت مسلك الرّوح منّي … وبذا سمّي الخليل خليلا
ولهذا المعنى قيل: إنّ إبراهيم الخليل ﵇ أمر بذبح ولده، ولم يكن المقصود إراقة دم الولد، بل تفريغ محلّ الخلّة لمن لا يصلح أن يزاحمه فيها أحد
أروح وقد ختمت على فؤادي … بحبّك أن يحلّ به سواكا
فلو أنّي استطعت غضضت طرفي … فلم أنظر به حتّى أراكا
ثم قال ﷺ: «لا يبقينّ خوخة في المسجد إلا سدّت إلاّ خوخة أبي بكر» (^٢). وفي رواية: «سدّوا هذه الأبواب الشّارعة في المسجد إلاّ باب أبي بكر» (^٣).
وفي هذا إشارة إلى أنّ أبا بكر هو الإمام بعده؛ فإنّ الإمام يحتاج إلى سكنى
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٣٦٦، ٢/ ٢٥٣)، والترمذي (٣٦٦١)، وابن ماجه (٩٤)، وابن حبان (٦٨٥٨)، والنسائي في «الكبرى» (٨٠٤٨)، والحديث له شواهد كثيرة، وهو صحيح.
(٢) أخرجه: البخاري (٧٣، ٥/ ٤) (٣٦٥٤، ٤٦٦)، ومسلم (٧/ ١٠٨) (٢٣٨٢) عن أبي سعيد.
(٣) أخرجها: ابن أبي عاصم في «السنة» (٢/ ٥٧٩)، والدارمي (٨٢).
[ ١٨٧ ]
المسجد والاستطراق فيه، بخلاف غيره، وذلك من مصالح المسلمين المصلّين في المسجد، ثمّ أكّد هذا المعنى بأمره صريحا أن يصلّي بالناس أبو بكر، فروجع في ذلك فغضب، وقال: «مروا أبا بكر يصلّي بالنّاس» (^١)، فولاّه إمامة الصّلاة دون غيره، وأبقى استطراقه من داره إلى مكان الصلاة، وسدّ استطراق غيره. وفي هذا إشارة واضحة إلى استخلافه على الأمّة دون غيره، ولهذا قالت الصّحابة ﵃ عند بيعة أبي بكر: رضيه رسول الله ﷺ لديننا، أفلا نرضاه لدنيانا. ولما قال أبو بكر: قد أقلتكم بيعتي، قال عليّ:
لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله ﷺ فمن ذا يؤخرك؟
لمّا انطوى بساط النّبوّة من الأرض بوفاة رسول الله ﷺ، لم يبق على وجه الأرض أكمل من درجة الصّدّيقيّة، وأبو بكر رأس الصّدّيقين، فلهذا استحقّ خلافة الرّسول ﷺ والقيام مقامه.
وكان النّبيّ ﷺ قد عزم على أن يكتب لأبي بكر كتابا لئلا يختلف عليه، ثمّ أعرض عن ذلك، لعلمه أنّه لا يقع غيره، وقال: «يأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» (^٢) وربّما كان ترك ذلك لئلا يتوهّم متوهّم أنّ نصّه على خلافته كانت مكافأة ليده التي كانت له. والولايات كلّها لا يقصد بها مصلحة المولّي، بل مصلحة المسلمين عامّة.
وكان أوّل ما ابتدئ به رسول الله ﷺ من مرضه وجع رأسه، ولهذا خطب وقد عصب رأسه بعصابة دسماء، وكان صداع الرّأس والشّقيقة يعتريه كثيرا في حياته، ويتألّم منه أياما. وصداع الرأس من علامات أهل الإيمان وأهل الجنة.
_________________
(١) أخرجه: البخاري (١٨٢، ١/ ١٦٩) (٧١٢، ٦٨٧، ٦٦٤)، ومسلم (٢٣، ٢/ ٢٢) (٤١٨) من حديث عائشة ﵂.
(٢) أخرجه: مسلم (٧/ ١١٠) (٢٣٨٧) من حديث عائشة ﵂.
[ ١٨٨ ]
وقد روي عن النّبيّ ﷺ أنه وصف أهل النّار فقال: «هم الذين لا يألمون رءوسهم» (^١) ودخل عليه أعرابيّ، فقال له: «يا أعرابي، هل أخذك هذا الصّداع؟»، فقال: وما الصّداع؟ قال: «عروق تضرب على الإنسان في رأسه»، فقال: ما وجدت هذا. فلمّا ولّى الأعرابيّ، قال النبيّ ﷺ: «من أحبّ أن ينظر إلى رجل من أهل النّار فلينظر إلى هذا» (^٢). خرّجه الإمام أحمد، والنسائيّ.
وقال كعب: أجد في التوراة: لولا أن يحزن عبدي المؤمن لعصبت الكافر بعصابة من حديد لا يصّدّع أبدا. وفي «المسند» عن عائشة ﵂، قالت:
دخل عليّ رسول الله ﷺ في اليوم الذي بدئ فيه، فقلت: وا رأساه! فقال:
«وددت أنّ ذلك كان وأنا حيّ، فهيّأتك ودفنتك»، فقلت - غيرى -: كأنّي بك في ذلك اليوم عروسا ببعض نسائك، فقال: «أنا وا رأساه، وادعوا إليّ أباك وأخاك حتّى أكتب لأبي بكر كتابا، فإنّي أخاف أن يقول قائل ويتمنّى متمنّ، ويأبى الله والمؤمنون إلاّ أبا بكر» (^٣).
وخرّجه البخاريّ بمعناه، ولفظه: أنّ عائشة ﵂، قالت: وا رأساه فقال النبي ﷺ: «ذاك لو كان وأنا حيّ، فأستغفر لك وأدعو لك»، قالت عائشة:
وا ثكلاه! والله إنّي لأظنّك تحبّ موتي، ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرّسا
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٢/ ٥٠٨)، والعقيلي (١/ ١٦١). وهو حديث منكر تفرد به البراء بن عبد الله الغنوي، وهو ضعيف، وذكره العقيلي في منكرات البراء هذا، وقال: «لا يتابع عليه».
(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٣٢)، والنسائي في «السنن الكبرى» (٤/ ٣٥٣) (٧٤٩١) وابن حبان (٢٩١٦)، والبزار (٧٧٨ - كشف)، والبيهقي في «الشعب» (٩٩٠٧)، وإسناده حسن.
(٣) أخرجه: مسلم (٧/ ١١٠) (٢٣٨٧)، وأحمد (٦/ ١٤٤)، وابن حبان (٦٥٩٨)، والبيهقي (٨/ ١٥٣).
[ ١٨٩ ]
ببعض أزواجك. فقال النّبيّ ﷺ: «بل أنا وا رأساه!» (^١)، وذكر بقيّة الحديث.
وفي «المسند» أيضا عنها، قالت: كان رسول الله ﷺ. إذا مرّ ببابي ربما يلقي الكلمة ينفع الله بها، فمرّ ذات يوم فلم يقل شيئا، مرتين، أو ثلاثا.
قلت: يا جارية، ضعي لي وسادة على الباب، وعصبت رأسي، فمرّ بي فقال:
«يا عائشة، ما شأنك؟»، فقلت: أشتكي رأسي، فقال: «أنا وا رأساه!»، فذهب فلم يلبث إلاّ يسيرا حتّى جيء به محمولا في كساء، فدخل عليّ، فبعث إلى النساء، وقال: «إنّي اشتكيت، وإنّي لا أستطيع أن أدور بينكنّ، فأذنّ لي فلأكن عند عائشة» (^٢).
وفيه أيضا عنها، قالت: رجع إليّ رسول الله ﷺ ذات يوم من جنازة بالبقيع، وأنا أجد صداعا في رأسي، وأنا أقول: وا رأساه! قال: «بل أنا وا رأساه!»، ثمّ قال: «ما ضرّك لو متّ قبلي فغسّلتك وكفّنتك، ثم صلّيت عليك ودفنتك؟»، فقلت: لكأنّي بك والله لو فعلت ذلك، لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك، فتبسّم رسول الله ﷺ ثمّ بدئ في وجعه الذي مات فيه (^٣).
فقد تبيّن أنّ أوّل مرضه كان صداع الرأس، والظّاهر أنّه كان مع حمّى، فإنّ الحمّى اشتدّت به في مرضه، فكان يجلس في مخضب، ويصبّ عليه الماء من سبع قرب، لم تحلل أوكيتهنّ؛ يتبرّد بذلك. وكان عليه قطيفة، فكانت حرارة
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٧/ ١٥٥) (٥٦٦٦) (٧٢١٧).
(٢) أخرجه: أحمد (٦/ ٢١٩)، وأبو داود (٢١٣٧) مختصرا، وإسناده حسن إن شاء الله.
(٣) أخرجه: أحمد (٦/ ٢٢٨)، وابن ماجه (١٤٦٥)، وابن حبان (٦٥٨٦)، والبيهقي (٣٩٦/ ٣)، والدارقطني (٢/ ٧٤)، وصححه الألباني في «أحكام الجنائز» (ص ٥٠).
[ ١٩٠ ]
الحمّى تصيب من وضع يده عليه من فوقها، فقيل له في ذلك، فقال: «إنّا كذلك يشدّد علينا البلاء ويضاعف لنا الأجر» (^١). وقال: «إنّي أوعك كما يوعك رجلان منكم» (^٢).
ومن شدّة وجعه كان يغمى عليه في مرضه، ثم يفيق، وحصل له ذلك غير مرّة، فأغمي عليه مرّة وظنّوا أنّ وجعه ذات الجنب، فلدّوه، فلمّا أفاق أنكر ذلك، وأمر أن يلدّ من لدّه، وقال: «إنّ الله لم يكن ليسلّطها عليّ» يعني ذات الجنب، «ولكنّه من الأكلة الّتي أكلتها يوم خيبر»، يعني أنّه نقض عليه سمّ الشّاة التي أهدتها له اليهوديّة، فأكل منها يومئذ، فكان ذلك يثور عليه أحيانا، فقال في مرض موته: «ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع أبهري» (^٣) فكان ابن مسعود وغيره. يقولون: إنّه مات شهيدا من السّمّ.
وقالت عائشة: ما رأيت أحدا كان أشدّ عليه الوجع من رسول الله ﷺ، وكان عنده في مرضه سبعة دنانير؛ فكان يأمرهم بالصّدقة بها، ثم يغمى عليه، فيشتغلون بوجعه، فدعا بها فوضعها في كفّه، وقال: «ما ظنّ محمّد بربّه لو لقي الله وعنده هذه؟» (^٤)، ثمّ تصدّق بها كلّها، فكيف يكون حال من لقي الله وعنده دماء المسلمين وأموالهم المحرّمة؟! وما ظنّه بربّه ولم يكن عندهم في مرضه دهن للمصباح يوقد فيه.
فلمّا اشتدّ وجعه ليلة الاثنين أرسلت عائشة بالمصباح إلى امرأة من النّساء،
_________________
(١) أخرجه: ابن ماجه (٤٠٢٤)، والحاكم (١/ ٤١)، (٤/ ٣٠٧)، ويشهد له ما بعده.
(٢) أخرجه: البخاري (٧/ ١٤٩ - ١٥٠) (٥٦٤٨) (٥٦٦٠)، ومسلم (٨/ ١٤) (٢٥٧١).
(٣) أخرجه: البخاري (٦/ ١١) معلقا بصيغة الجزم.
(٤) أخرجه: ابن حبان (٧١٥)، والطبراني (٦/ ١٩٨) رقم (٥٩٩٠)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٢٤): «رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح».
[ ١٩١ ]
فقالت: قطّري لنا في مصباحنا من عكّة السّمن، فإنّ رسول الله ﷺ أمسى في جديد الموت. وكان عند عائشة إزار غليظ مما يصنع باليمن، وكساء من الملبّدة، فكانت تقسم بالله إنّ رسول الله ﷺ قبض فيهما.
ودخلت عليه فاطمة ﵂ في مرضه، فسارّها بشيء فبكت، ثم سارّها فضحكت، فسئلت عن ذلك، فقالت: لا أفشي سرّ رسول الله ﷺ (^١). فلمّا توفي سئلت، فقلت: أخبرني أنّه يموت في مرضه، فبكيت، ثمّ أخبرني أنّي أوّل أهله لحوقا به، وأنّي سيّدة نساء العالمين، فضحكت، فلمّا احتضر ﷺ اشتدّ به الأمر، فقالت عائشة: ما أغبط أحدا يهوّن عليه الموت بعد الذي رأيت من شدّة موت رسول الله ﷺ. قالت: وكان عنده قدح من ماء، فيدخل يده في القدح، ثمّ يمسح وجهه بالماء، ويقول: «اللهمّ، أعنّي على سكرات الموت» (^٢)، قالت: وجعل يقول: «لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات».
وفي حديث مرسل أنه قال: «اللهم إنك تأخذ الرّوح من بين العصب والقصب والأنامل، اللهم فأعنّي على الموت وهوّنه عليّ».
ولمّا ثقل النّبيّ ﷺ جعل تغشّاه الكرب، قالت فاطمة ﵂: وا كرب أبتاه، فقال لها: «لا كرب على أبيك بعد اليوم» (^٣). وفي حديث خرّجه ابن ماجه أنّه ﷺ قال لفاطمة: «إنّه قد حضر من أبيك ما ليس الله بتارك منه أحدا، الموافاة يوم القيامة» (^٤).
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٤/ ٢٤٨) (٣٦٢٦) (٣٧١٦) (٤٤٣٤)، ومسلم (٧/ ١٤٢) (٢٤٥٠).
(٢) أخرجه: أحمد (١٥١، ٧٧، ٧٠، ٦/ ٦٤)، وأبو يعلى (٤٥١٠)، (٤٦٨٨)، والحاكم (٥٠٥/ ٢)، (٣/ ٥٨)، والبيهقي (٤/ ٢٥٩)، (٦/ ٢٦٩)، وابن أبي شيبة (٢٩٣٣٣)، وإسناده ضعيف، وراجع: «تخريج المشكاة» (١٥٦٤)، و«تخريج فقه السيرة» (٤٩٩) للألباني.
(٣) أخرجه: البخاري (٦/ ١٨) (٤٤٦٢) من حديث أنس ﵁.
(٤) أخرجه: ابن ماجه (١٦٢٩)، وأحمد (٣/ ١٤١)، وإسناده حسن إن شاء الله.
[ ١٩٢ ]
ولم يقبض ﷺ حتّى خيّر مرّة أخرى بين الدّنيا والآخرة؛ قالت عائشة: كان النّبيّ ﷺ يقول: «إنّه لم يقبض نبيّ حتّى يرى مقعده من الجنّة، ثمّ يخيّر» (^١).
فلمّا نزل به ورأسه على فخذي، غشي عليه ساعة، ثمّ أفاق، فأشخص بصره إلى سقف البيت، ثم قال: «اللهمّ، الرفيق الأعلى» (^٢). فقلت: الآن لا يختارنا، وعلمت أنّه الحديث الذي كان يحدّثناه، وهو صحيح. فكانت تلك آخر كلمة تكلّم بها.
وفي رواية أنّه قال: «اللهمّ اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرّفيق الأعلى» (^٣).
وفي رواية أنّه أصابه بحّة شديدة، فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا﴾ [النّساء: ٦٩]. قالت:
فظننت أنّه خيّر (^٤). وهذه الرّوايات مخرّجة في «صحيح البخاري» وغيره.
وقد روي ما يدلّ على أنّه قبض، ثم رأى مقعده من الجنّة، ثمّ ردّت إليه نفسه، ثمّ خيّر. ففي «المسند» عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يقول: «ما من نبيّ إلاّ تقبض نفسه، ثمّ يرى الثواب، ثمّ تردّ إليه، فيخيّر بين أن تردّ إليه أو أن يلحق». فكنت قد حفظت ذلك منه، فإنّي لمسندته إلى صدري، فنظرت إليه حتى مالت عنقه، فقلت: قد قضى. قالت: فعرفت الّذي قال: فنظرت إليه حتّى ارتفع ونظر، فقلت: إذا والله لا يختارنا، فقال: «مع الرفيق الأعلى في الجنّة ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصّالِحِينَ﴾ إلى آخر الآية [النساء: ٦٩]» (^٥).
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٦/ ١٢) (٤٤٦٣) (٦٣٤٨)، ومسلم (٧/ ١٣٧) (٢٤٤٤).
(٢) أخرجه: البخاري (٦/ ١٢)، ومسلم (٧/ ١٣٧ - ١٣٨).
(٣) أخرجه: البخاري (٦/ ١٣) (٤٤٤٠)، ومسلم (٧/ ١٣٧) (٢٤٤٤)، والترمذي (٣٤٩٦).
(٤) أخرجه: البخاري (٤٤٣٥)، ومسلم (٧/ ١٣٧).
(٥) أخرجه: أحمد (٦/ ٧٤)، وذكره في «مجمع الزوائد» (٩/ ٣٦)، وقال: «رواه أحمد، والطبراني في «الأوسط».
[ ١٩٣ ]
وفي «صحيح ابن حبّان» عنها، قالت: أغمي على رسول الله ﷺ، ورأسه في حجري، فجعلت أمسحه وأدعو له بالشّفاء؛ فلمّا أفاق، قال: «لا بل أسأل الله الرّفيق الأعلى، مع جبريل وميكائيل وإسرافيل» (^١). وفيه، وفي «المسند» عنها، أنّها كانت ترقيه في مرضه الّذي مات فيه، فقال: «ارفعي يدك فإنّها كانت تنفعني في المدّة» (^٢).
قال الحسن: لمّا كرهت الأنبياء الموت هوّن الله ذلك عليهم بلقاء الله ﷿، وبكلّ ما أحبّوا من تحفة أو كرامة، حتى إنّ نفس أحدهم لتنزع من بين جنبيه وهو يحبّ ذلك، لما قد مثّل له.
وفي «المسند» عن عائشة ﵂، أنّ النّبيّ ﷺ قال: «إنّه ليهوّن عليّ الموت أنّي رأيت بياض كفّ عائشة في الجنّة» (^٣). وخرّجه ابن سعد وغيره مرسلا أنّه ﷺ، قال: «لقد أريتها في الجنّة، ليهوّن بذلك عليّ موتي، كأنّي أرى كفّيها» (^٤) يعني عائشة.
كان النّبيّ ﷺ يحبّ عائشة ﵂ حبّا شديدا، حتّى لا يكاد يصبر عنها، فمثلت له بين يديه في الجنّة ليهوّن عليه موته؛ فإنّ العيش إنّما يطيب (^٥) باجتماع الأحبّة، وقد سأله رجل: أيّ النّاس أحبّ إليك؟ فقال: «عائشة»، فقال له: فمن الرّجال؟ قال: «أبوها» (^٦). ولهذا قال لها في ابتداء مرضه، لمّا قالت: وا رأساه: «وددت أنّ ذلك كان وأنا حيّ، فأصلّي عليك وأدفنك» فعظم ذلك
_________________
(١) أخرجه: ابن حبان (٦٥٩١)، والبيهقي (٢٦٩، ٤/ ٢٦٠)، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه: أحمد (٦/ ٢٦٠)، وابن حبان (٢٩٦٢)، وإسناده ضعيف.
(٣) أخرجه: أحمد (٦/ ١٣٨)، وفي إسناده ضعف.
(٤) أخرجه: ابن سعد (٨/ ٦٦).
(٥) في ب: «فإن النفس إنما تطيب».
(٦) متفق عليه: البخاري (٥/ ٦) (٣٦٦٢) (٤٣٥٨)، ومسلم (٧/ ١٠٩) (٢٣٨٤).
[ ١٩٤ ]
عليها، وظنّت أنّه يحبّ فراقها. وإنّما كان يريد تعجيلها بين يديه ليقرب اجتماعهما.
وقد كانت عائشة مضغت له ﷺ سواكا وطيّبته بريقها، ثمّ دفعته إليه، فاستنّ به أحسن استنان، ثمّ ذهب يتناوله، فضعفت يده عنه، فسقط من يده، فكانت عائشة تقول: جمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم من الدّنيا، وأوّل يوم من الآخرة (^١). والحديث مخرّج في «الصحيحين». وفي حديث خرّجه العقيليّ أنّه ﷺ قال لها في مرضه: «ائتيني بسواك رطب، امضغيه ثم ائتيني به أمضغه لكي يختلط ريقي بريقك، لكي يهوّن به عليّ عند الموت» (^٢).
قال جعفر بن محمد، عن أبيه: لمّا بقي من أجل رسول الله ﷺ ثلاث نزل عليه جبريل ﵇، فقال: يا أحمد، إنّ الله قد أرسلني إليك إكراما لك وتفضيلا لك، وخاصة لك، يسألك عمّا هو أعلم به منك، يقول لك: كيف تجدك؟ فقال: «أجدني يا جبريل مغموما، وأجدني يا جبريل مكروبا»؛ ثم أتاه في اليوم الثاني، فقال له مثل ذلك؛ ثمّ أتاه في اليوم الثالث، فقال له مثل ذلك، ثم استأذن فيه ملك الموت، فقال جبريل: يا أحمد، هذا ملك الموت يستأذن عليك، ولم يستأذن على آدمي كان قبلك، ولا يستأذن على آدميّ بعدك، قال: «ائذن له»، فدخل ملك الموت، فوقف بين يديه، فقال:
يا رسول الله، يا أحمد، إنّ الله أرسلني إليك وأمرني أن أطيعك في كلّ ما تأمر؛ إن أمرتني أن أقبض نفسك قبضتها، وإن أمرتني أن أتركها تركتها؟
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٦/ ١٦ - ١٧) (٤٤٥١)، وأحمد (١٢١، ٦/ ٤٨ - ٢٧٤، ٢٠٠، ١٢٢)، وابن حبان (٧١١٦).
(٢) أخرجه: العقيلي (٢/ ٢٤٩) في ترجمة عبد الله بن داود الواسطي، وقال: «الكلام الأخير لا يحفظ إلا عن هذا الشيخ، ولا يتابع عليه».
[ ١٩٥ ]
قال: «وتفعل يا ملك الموت؟»، قال: بذلك أمرت أن أطيعك في كلّ ما تأمرني به.
فقال جبريل: يا أحمد، إنّ الله قد اشتاق إليك. قال: «فامض يا ملك الموت لما أمرت به»، فقال جبريل ﵇: السّلام عليك يا رسول الله، هذا آخر موطئي من الأرض، إنّما كنت حاجتي من الدّنيا. وجاءت التّعزية يسمعون الصّوت والحسّ ولا يرون الشّخص: السّلام عليكم يا أهل البيت ورحمة الله وبركاته ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، إن في الله عزاء من كلّ مصيبة، وخلفا من كلّ هالك، ودركا من كلّ فائت، فبالله فثقوا، وإيّاه فارجوا، إنّما المصاب من حرم الثّواب، والسّلام عليكم ورحمة الله وبركاته (^١).
وكانت وفاته ﷺ في يوم الإثنين في شهر ربيع الأوّل بغير خلاف، وكان قد كشف السّتر في ذلك اليوم والنّاس في صلاة الصّبح خلف أبي بكر، فهمّ المسلمون أن يفتتنوا من فرحهم برؤيته ﷺ، حين نظروا إلى وجهه كأنّه ورقة مصحف، وظنّوا أنّه يخرج للصّلاة، فأشار إليهم: «أن مكانكم»، ثم أرخى السّتر.
وتوفي ﷺ من ذلك اليوم، وظنّ المسلمون أنّه ﷺ قد برئ من مرضه لمّا أصبح يوم الإثنين مفيقا، فخرج أبو بكر إلى منزله بالسّنح خارج المدينة، فلما ارتفع الضّحى من ذلك اليوم توفي رسول الله ﷺ. وقيل: توفي حين زاغت
_________________
(١) أخرجه بطوله: الطبراني (٣/ ١٢٩) رقم (٢٨٩٠)، والجرجاني في «تاريخ جرجان» (٣٦٣/ ١)، وابن سعد (٢/ ٢٥٩). وذكره في «مجمع الزوائد» (٩/ ٣٥) وقال: «وفيه عبد الله ابن ميمون القداح وهو ذاهب الحديث».
[ ١٩٦ ]
الشّمس والأوّل أصحّ، توفي حين اشتدّ الضّحى من يوم الإثنين في مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة حين هاجر إليها.
واختلفوا في تعيين ذلك اليوم من الشهر: فقيل: كان أوّله. وقيل: ثانيه.
وقيل: ثاني عشره. وقيل: ثالث عشره. وقيل: خامس عشره. والمشهور بين النّاس أنّه كان ثاني عشر ربيع الأوّل.
وقد ردّ ذلك السّهيليّ وغيره، بأن وقفة حجّة الوداع في السّنة العاشرة كانت الجمعة، وكان أوّل ذي الحجة فيها الخميس، ومتى كان كذلك لم يصحّ أن يكون يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول، سواء حسبت الشّهور الثّلاثة - أعني ذا الحجّة ومحرّما وصفرا - كلها كاملة أو ناقصة، أو بعضها كاملة وبعضها ناقصة.
ولكن أجيب عن هذا بجواب حسن، وهو أنّ ابن إسحاق ذكر أنّ النّبيّ ﷺ توفي لاثنتي عشرة ليلة من ربيع الأوّل، وهذا ممكن، فإنّ العرب تؤرّخ بالليالي دون الأيّام، ولكن لا تؤرّخ إلا بليلة مضى يومها، فيكون اليوم تبعا لليلة، وكلّ ليلة لم يمض يومها لم يعتدّ بها، وكذلك إذا ذكروا الليالي في عدد فإنّهم يريدون بها الليالي مع أيامهم، فإذا قالوا: عشر ليال، فمرادهم بأيّامها. ومن هنا تتبيّن صحّة قول الجمهور في أنّ عدّة الوفاة أربعة أشهر وعشر ليال بأيّامها، وأنّ اليوم العاشر من جملة تمام العدّة، خلافا للأوزاعيّ.
وكذلك قال الجمهور في أشهر الحجّ: إنّها شوّال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وأنّ يوم النّحر داخل فيها لهذا المعنى، خلافا للشافعيّ.
وحينئذ فيوم الإثنين الذي توفي فيه النّبيّ ﷺ كان ثالث عشر الشهر، لكن لمّا لم يكن يومه قد مضى لم يؤرّخ بليلته، إنّما أرّخوا بليلة الأحد ويومها،
[ ١٩٧ ]
وهو الثاني عشر، فلذلك قال ابن إسحاق: توفي لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأوّل. والله أعلم.
واختلفوا في وقت دفنه: فقيل: دفن من ساعته، وفيه بعد. وقيل: من ليلة الثلاثاء. وقيل: يوم الثلاثاء. وقيل: ليلة الأربعاء.
ولمّا توفي ﷺ اضطرب المسلمون؛ فمنهم من دهش فخولط؛ ومنهم من أقعد فلم يطق القيام؛ ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكليّة، وقال: إنّما بعث إليه كما بعث إلى موسى، وكان من هؤلاء عمر، وبلغ الخبر أبا بكر، فأقبل مسرعا حتّى دخل بيت عائشة ورسول الله ﷺ مسجّى، فكشف عن وجهه الثّوب وأكبّ عليه، وقبّل وجهه مرارا وهو يبكي، وهو يقول: وا نبيّاه! وا خليلاه! وا صفياه! وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات والله رسول الله ﷺ. وقال: والله لا يجمع الله عليك موتتين، أمّا الموتة التي كتبت عليك فقد متّها.
ثمّ دخل المسجد وعمر يكلّم النّاس، وهم مجتمعون عليه، فتكلّم أبو بكر وتشهّد، وحمد الله، فأقبل النّاس إليه، وتركوا عمر. فقال: من كان يعبد محمّدا فإنّ محمّدا قد مات، ومن كان يعبد الله، فإنّ الله حيّ لا يموت، وتلا: ﴿وَما مُحَمَّدٌ إِلاّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ﴾ الآية [آل عمران: ١٤٤]. فاستيقن النّاس كلّهم بموته وكأنّهم لم يسمعوا هذه الآية من قبل أن يتلوها أبو بكر، فتلقّاها النّاس منه، فما يسمع أحد إلاّ يتلوها (^١).
وقالت فاطمة ﵂: يا أبتاه، أجاب ربّا دعاه. يا أبتاه، جنّة الفردوس
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٦/ ١٦ - ١٧) (١٢٤٢)، وأحمد (٦/ ٢١٩)، وابن حبان (٦٦٢٠).
[ ١٩٨ ]
مأواه. يا أبتاه، إلى جبريل أنعاه. يا أبتاه، من ربّه ما أدناه (^١). وعاشت بعده ستة أشهر، فما ضحكت في تلك المدّة، وحقّ لها ذلك.
على مثل ليلى يقتل المرء نفسه … وإن كان من ليلى على الهجر طاويا
كلّ المصائب تهون عند هذه المصيبة.
في «سنن ابن ماجه» أنّه ﷺ قال في مرضه: «يا أيّها النّاس، إن أحد من النّاس - أو: من المؤمنين - أصيب بمصيبة، فليتعزّ بمصيبته بي عن المصيبة التي تصيبه بغيري، فإنّ أحدا من أمّتي لن يصاب بمصيبة بعدي أشدّ عليه من مصيبتي» (^٢).
قال أبو الجوزاء: كان الرّجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه، ويقول: يا عبد الله، ثق بالله، فإنّ في رسول الله ﷺ أسوة حسنة.
اصبر لكلّ مصيبة وتجلّد … واعلم بأنّ المرء غير مخلّد
واصبر كما صبر الكرام فإنّها … نوب تنوب اليوم تكشف في غد
وإذا أتتك مصيبة تشجى بها … فاذكر مصابك بالنّبيّ محمّد
ولغيره:
تذكّرت لمّا فرّق الدّهر بيننا … فعزّيت نفسي بالنّبيّ محمّد
وقلت لها إنّ المنايا سبيلنا … فمن لم يمت في يومه مات في غد
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٦/ ١٨) (٤٤٦٢)، وأحمد (٣/ ١٩٧)، والنسائي (٤/ ١٢ - ١٣)، وابن حبان (٦٦٢١).
(٢) أخرجه: ابن ماجه (١٥٩٩)، والطبراني في «الأوسط» (٤٤٤٨)، وفي «الصغير» (٣٦٦/ ١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (١٠١٥٤)، وأوهم فعدّه في «مجمع الزوائد» من الزوائد، وقال: «فيه عبد الله بن جعفر والد علي بن المديني وهو ضعيف».
[ ١٩٩ ]
كانت الجمادات تتصدّع من ألم مفارقة الرّسول ﷺ، فكيف بقلوب المؤمنين؟!.
لما فقده الجذع الذي كان يخطب عليه قبل اتخاذ المنبر حنّ إليه، وصاح كما يصيح الصّبيّ، فنزل إليه فاعتنقه، فجعل يهدّى كما يهدّى الصبيّ الذي يسكّن عند بكائه، فقال: «لو لم أعتنقه لحنّ إلى يوم القيامة» (^١).
كان الحسن إذا حدّث بهذا الحديث بكى، وقال: هذه خشبة تحنّ إلى رسول الله ﷺ، فأنتم أحقّ أن تشتاقوا إليه. وروي أنّ بلالا كان يؤذّن بعد وفاة النّبيّ ﷺ قبل دفنه، فإذا قال: أشهد أنّ محمّدا رسول الله، ارتجّ المسجد بالبكاء والنّحيب، فلمّا دفن ترك بلال الأذان.
ما أمرّ عيش من فارق الأحباب، خصوصا من كانت رؤيته حياة الألباب.
لو ذاق طعم الفراق رضوى … لكاد من وجده يميد
قد حمّلوني عذاب شوق … يعجز عن حمله الحديد
لمّا دفن الرّسول ﷺ، قالت فاطمة: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله ﷺ التّراب؟ قال أنس: لمّا كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كلّ شيء، فلمّا كان اليوم الذي دفن فيه أظلم منها كلّ شيء (^٢)، وما نفضنا [أيدينا] (^٣) عن رسول الله ﷺ، وإنّا لفي دفنه حتّى أنكرنا قلوبنا.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٣٦٣، ١/ ٢٤٩)، وابن ماجه (١٤١٥)، وأبو يعلى (٣٣٨٤)، وأصل الحديث في «صحيح البخاري» (٤/ ٢٣٧، ٣/ ٨٠، ١/ ١٢٢) (٣٥٨٣ - ٣٥٨٥) من حديث جابر بن عبد الله ﵄.
(٢) أخرجه: أحمد (٣/ ٢٤٠)، وإسناده صحيح.
(٣) ليست في ص، ب وهي ملحقة في أبين الأسطر.
[ ٢٠٠ ]
ليبك رسول الله من كان باكيا … فلا تنس قبرا بالمدينة ثاويا
جزى الله عنّا كلّ خير محمّدا … فقد كان مهديّا وقد كان هاديا
وكان رسول الله روحا ورحمة … ونورا وبرهانا من الله باديا
وكان رسول الله بالخير آمرا … وكان عن الفحشاء والسّوء ناهيا
وكان رسول الله بالقسط قائما … وكان لما استرعاه مولاه راعيا
وكان رسول الله يدعو إلى الهدى … فلبّى رسول الله لبّيه داعيا
أينسى أبرّ النّاس بالنّاس كلّهم … وأكرمهم بيتا وشعبا وواديا
أينسى رسول الله أكرم من مشى … وآثاره بالمسجدين كما هيا
تكدّر من بعد النّبيّ محمّد … عليه سلام كلّ ما كان صافيا
ركنّا إلى الدّنيا الدّنيّة بعده … وكشّفت الأطماع منّا مساويا
وكم من منار كان أوضحه لنا … ومن علم أمسى وأصبح عافيا
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التّقى … تقلّب عريانا وإن كان كاسيا
وخير خصال المرء طاعة ربّه … ولا خير فيمن كان لله عاصيا
***
[ ٢٠١ ]