خرّج مسلم من حديث أبي قتادة الأنصاريّ ﵁ أنّ النبيّ ﷺ سئل عن صيام يوم الإثنين، فقال: «ذاك يوم ولدت فيه، وأنزلت عليّ فيه النّبوّة» (^١).
أمّا ولادة النّبيّ ﷺ يوم الإثنين فكالمجمع عليه بين العلماء، وقد قاله ابن عبّاس وغيره. وقد حكي عن بعضهم أنّه ولد يوم الجمعة، وهو قول ساقط مردود، وروي عن أبي جعفر الباقر أنّه توقّف في ذلك، وقال: لا يعلم ذلك إلاّ الله. وإنّما قال هذا لأنه لم يبلغه في ذلك ما يعتمد عليه، فوقف تورّعا.
وأمّا الجمهور فبلغهم في ذلك ما قالوا بحسبه. وقد روي عن أبي جعفر أيضا موافقتهم، وأنّ النبيّ ﷺ ولد يوم الإثنين، موافقة لما قاله سائر العلماء.
وحديث أبي قتادة يدلّ على أنّه ﷺ ولد نهارا في يوم الإثنين.
وقد روي أنّه ولد عند طلوع الفجر منه. وروى أبو جعفر بن أبي شيبة في «تاريخه»، وخرّجه من طريقه أبو نعيم في «الدلائل» بإسناد فيه ضعف، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: كان بمرّ الظّهران راهب يدعى عيصا من أهل الشّام، وكان يقول: يوشك أن يولد فيكم - يا أهل مكّة - مولود تدين له العرب، ويملك العجم؛ هذا زمانه. فكان لا يولد بمكّة مولود إلاّ سأل عنه.
فلمّا كان صبيحة اليوم الّذي ولد فيه رسول الله ﷺ خرج عبد الله بن
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٣/ ١٦٧ - ١٦٨) (١١٦٢).
[ ١٦٦ ]
عبد المطلب حتّى أتى عيصا فناداه: فأشرف عليه، فقال له عيصا: كن أباه، فقد ولد ذلك المولود الذي كنت أحدّثكم عنه يوم الإثنين، ويبعث يوم الإثنين، ويموت يوم الإثنين قال: إنّه ولد لي مع الصّبح مولود، قال: فما سمّيته؟ قال: محمّد، قال: والله، لقد كنت أشتهي أن يكون هذا المولود فيكم أهل البيت، لثلاث خصال بها نعرفه، فقد أتى عليهن؛ منها: أنّه طلع نجمه البارحة، وأنّه ولد اليوم، وأنّ اسمه محمّد، انطلق إليه؛ فإنّه الذي كنت أحدّثكم عنه. وقد روي ما يدلّ على أنّه ولد ليلا، وقد سبق في المجلس الذي قبله من الآثار ما يستدلّ به لذلك.
وفي «صحيح الحاكم» عن عائشة، قالت: كان بمكّة يهوديّ يتّجر فيها، فلمّا كانت الليلة التي ولد فيها رسول الله ﷺ، قال: يا معشر قريش، هل ولد فيكم الليلة مولود؟ قالوا: لا نعلمه، فقال: ولد الليلة نبيّ هذه الأمّة الأخيرة، بين كتفيه علامة فيها شعرات متواترات كأنّهنّ عرف فرس، فخرجوا باليهوديّ حتّى أدخلوه على أمّه، فقالوا: أخرجي إلينا ابنك، فأخرجته، وكشفوا عن ظهره، فرأى تلك الشّامة، فوقع اليهوديّ مغشيّا عليه، فلما أفاق قالوا: ويلك! ما لك؟ قال: ذهبت والله النّبوّة من بني إسرائيل (^١).
وهذا الحديث يدلّ على أنّه ولد بخاتم النّبوّة بين كتفيه. وخاتم النّبوّة من علامات نبوّته التي كان يعرفه بها أهل الكتاب ويسألون عنها، ويطلبون الوقوف عليها.
وقد روي أن هرقل بعث إلى النّبيّ ﷺ بتبوك من ينظر له خاتم النبوّة ثم يخبره عنه. وقد روي من حديث أبي ذرّ، وعتبة بن عبد، عن النّبيّ ﷺ، أنّ
_________________
(١) أخرجه: الحاكم (٢/ ٦٠١) وقال: «صحيح الإسناد»، وتعقبه الذهبي بقوله: «لا».
[ ١٦٧ ]
الملكين اللذين شقّا صدره وملآه حكمة هما اللّذان ختماه بخاتم النّبوّة (^١)، وهذا يخالف حديث عائشة هذا.
وقد روي أنّ هذا الخاتم رفع من بعد موته من بين كتفيه، ولكن إسناد هذا الحديث ضعيف. وقد روي في صفة ولادته آيات تستغرب؛ فمنها ما روي عن آمنة بنت وهب أنّها قالت: وضعته فما وقع كما يقع الصّبيان، وقع واضعا يده على الأرض، رافعا رأسه إلى السّماء. وروي أيضا أنّه قبض قبضة من التّراب بيده لمّا وقع بالأرض. فقال بعض القافة: إن صدق الفأل ليغلبنّ أهل الأرض.
وروي أنّه وضع تحت جفنة، فانفلقت عنه، ووجدوه ينظر إلى السّماء.
واختلفت الروايات؛ هل ولد مختونا؟ فروي أنّه ولد مختونا مسرورا، يعني مقطوع السّرّة، حتّى قال الحاكم (^٢): تواترت الروايات بذلك. وروي أنّ جدّه ختنه، وتوقّف الإمام أحمد في ذلك.
قال المرّوذيّ: سئل أبو عبد الله: هل ولد النّبيّ ﷺ مختونا؟ قال: الله أعلم، ثمّ قال: لا أدري. قال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا: قد روي أنّه ﷺ ولد مختونا مسرورا. ولم يجترئ أبو عبد الله على تصحيح هذا الحديث.
وأمّا شهر ولادته فقد اختلف فيه، فقيل: في شهر رمضان، روي عن عبد الله بن عمرو بإسناد لا يصحّ. وقيل: في رجب، ولا يصحّ. وقيل: في ربيع الأوّل، وهو المشهور بين النّاس، حتّى نقل ابن الجوزيّ وغيره عليه الاتّفاق، ولكنّه قول جمهور العلماء. ثم اختلفوا في أيّ يوم كان من الشهر،
_________________
(١) أخرجه: الحاكم (٢/ ٦١٦ - ٦١٧) وقال: «صحيح على شرط مسلم». ووافقه الذهبي.
(٢) «المستدرك» (٦٠٢)، وتعقبه الذهبي بقوله: «ما أعلم صحة ذلك، فكيف متواترا؟!».
[ ١٦٨ ]
فمنهم من قال: هو غير معيّن، وإنما ولد في يوم الإثنين من ربيع الأول من غير تعيين لعدد ذلك اليوم من الشهر.
والجمهور على أنّه يوم معيّن منه، ثم اختلفوا، فقيل: لليلتين خلتا منه.
وقيل: لثمان خلت منه. وقيل: لعشر. وقيل: لاثنتي عشرة. وقيل: لسبع عشرة. وقيل: لثماني عشرة. وقيل: لثمان بقين منه. وقيل: إنّ هذين القولين غير صحيحين عمّن حكيا عنه بالكلّيّة، والمشهور الذي عليه الجمهور أنّه ولد يوم الإثنين ثاني عشر ربيع الأوّل، وهو قول ابن إسحاق وغيره.
وأمّا عام ولادته فالأكثرون على أنّه عام الفيل؛ وممّن قال ذلك قيس بن مخرمة، وقباث بن أشيم، وابن عبّاس، وروي عنه أنّه ولد يوم الفيل، وقيل:
إنّ هذه الرواية وهم، إنّما الصحيح عنه أنّه قال: عام الفيل. ومن العلماء من حكى الاتفاق على ذلك وقال: كلّ قول يخالفه وهم. والمشهور أنّه ﷺ ولد بعد الفيل بخمسين يوما.
وقيل: بعده بخمس وخمسين يوما. وقيل: بشهر. وقيل: بأربعين يوما.
وقد قيل: إنّه ولد بعد الفيل بعشر سنين. وقيل: بثلاث وعشرين سنة. وقيل:
بأربعين سنة. وقيل: قبل الفيل بخمس عشرة سنة. وهذه الأقوال وهم عند جمهور العلماء، ومنها ما لا يصحّ عمّن حكي عنه.
قال إبراهيم بن المنذر الحزاميّ: الذي لا يشكّ فيه أحد من علمائنا أنّه ﷺ ولد عام الفيل. وقال خليفة بن خيّاط: هذا هو المجمع عليه. وكانت قصّة الفيل توطئة لنبوّته وتقدمة لظهوره وبعثته. وقد قصّ الله ذلك في كتابه فقال:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ (٢) وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ (٣) تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ (٤) فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ﴾ [الفيل: ١ - ٥].
[ ١٦٩ ]
فقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] استفهام تقرير لمن سمع هذا الخطاب، وهذا يدلّ على اشتهار ذلك بينهم ومعرفتهم به، وأنّه ممّا لا يخفى علمه عن العرب، خصوصا قريش وأهل مكّة. وهذا أمر اشتهر بينهم وتعارفوه، وقالوا فيه الأشعار السّائرة.
وقد قالت عائشة ﵂: رأيت قائد الفيل وسائسه بمكّة أعميين يستطعمان.
وفي هذه القصّة ما يدلّ على تعظيم مكّة، واحترامها واحترام بيت الله الذي فيها. وولادة النّبيّ ﷺ عقيب ذلك تدلّ على نبوّته ورسالته؛ فإنّه ﷺ بعث بتعظيم هذا البيت وحجّه والصّلاة إليه، وكان هذا البلد هو موطنه ومولده، فاضطرّه قومه عند دعوتهم إلى الله إلى الخروج منه كرها بما نالوه منه من الأذى، ثم إنّ الله تعالى ظفّره بهم، وأدخله عليهم قهرا، فملك البلد عنوة، وملك رقاب أهله، ثمّ منّ عليهم وأطلقهم وعفا عنهم، فكان في تسليط نبيّه ﷺ على هذا البلد وتمليكه إيّاه ولأمّته من بعده ما دلّ على صحّة نبوّته، فإنّ الله حبس عنه من يريده بالأذى وأهلكه، ثم سلّط عليه رسوله وأمّته كما قال ﷺ: «إنّ الله حبس عن مكّة الفيل وسلّط عليها رسوله والمؤمنين» (^١).
فإنّ الرسول ﷺ وأمّته إنّما قصدهم تعظيم البيت وتكريمه واحترامه، ولهذا أنكر النّبيّ ﷺ يوم الفتح على من قال: اليوم تستحلّ الكعبة، وقال: «اليوم تعظّم الكعبة» (^٢).
وقد كان أهل الجاهلية غيّروا دين إبراهيم وإسماعيل بما ابتدعوه من الشّرك وتغيير بعض مناسك الحجّ، فسلّط الله رسوله وأمّته على مكّة فطهّروها من ذلك كلّه، وردّوا الأمر إلى دين إبراهيم الحنيف، وهو الذي دعا لهم مع ابنه
_________________
(١) أخرجه: البخاري (١/ ٣٨ - ٣٩) (٢٤٣٤)، ومسلم (٤/ ١١٠) (١٣٥٥).
(٢) أخرجه: البخاري (٥/ ١٨٦ - ١٨٧) (٤٢٨٠).
[ ١٧٠ ]
إسماعيل عند بناء البيت أن يبعث الله فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلّمهم الكتاب والحكمة، فبعث الله فيهم محمّدا ﷺ من ولد إسماعيل بهذه الصّفة، فطهّر البيت وما حوله من الشّرك، وردّ الأمر إلى دين إبراهيم الحنيف، والتوحيد الذي لأجله بني البيت، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [الحج: ٢٦].
وأمّا تسليط القرامطة على البيت بعد ذلك، فإنّما كان عقوبة بسبب ذنوب النّاس، ولم يصلوا إلى هدمه ونقضه ومنع النّاس من حجّه وزيارته، كما كان يفعل أصحاب الفيل لو قدروا على هدمه وصرف النّاس عن حجّه. والقرامطة أخذوا الحجر والباب، وقتلوا الحاجّ وسلبوهم أموالهم، ولم يتمكّنوا من منع النّاس من حجّه بالكلّيّة، ولا قدروا على هدمه بالكلّيّة، كما كان أصحاب الفيل يقصدونه. ثم أذلّهم الله بعد ذلك وخذلهم وهتك أستارهم، وكشف أسرارهم.
والبيت المعظّم باق على حاله من التّعظيم، والزّيارة، والحجّ، والاعتمار، والصّلاة إليه، لم يبطل شيء من ذلك عنه بحمد الله ومنّه. وغاية أمرهم أنّهم أخافوا حاجّ العراق حتّى انقطعوا بعض السّنين، ثم عادوا. ولم يزل الله يمتحن عباده المؤمنين بما يشاء من المحن، ولكن دينه قائم محفوظ لا يزال تقوم به أمّة من أمّة محمّد ﷺ لا يضرّهم من خذلهم حتّى يأتي أمر الله وهم على ذلك، كما قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِؤُا نُورَ اللهِ بِأَفْواهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (٣٢) هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٢ - ٣٣].
وقد أخبر النّبيّ ﷺ أنّ هذا البيت يحجّ ويعتمر بعد خروج يأجوج
[ ١٧١ ]
ومأجوج (^١)، ولا يزال كذلك حتّى تخرّبه الحبشة (^٢)، ويلقون حجارته في البحر، وذلك بعد أن يبعث الله ريحا طيبّة تقبض أرواح المؤمنين كلّهم، فلا يبقى في الأرض مؤمن ويسرى بالقرآن من الصّدور والمصاحف، فلا يبقى في الأرض قرآن، ولا إيمان، ولا شيء في الخير (^٣). فبعد ذلك تقوم السّاعة، ولا تقوم إلاّ على شرار النّاس (^٤) وقوله ﷺ: «ويوم أنزلت عليّ فيه النّبوّة»، يعني أنّه ﷺ نبّئ يوم الإثنين.
وفي «المسند» عن ابن عبّاس، قال: ولد النّبيّ ﷺ يوم الإثنين، واستنبئ يوم الإثنين، وخرج مهاجرا من مكّة إلى المدينة يوم الإثنين، ودخل المدينة يوم الإثنين، وتوفيّ يوم الإثنين، ورفع الحجر الأسود يوم الإثنين (^٥). وذكر ابن إسحاق أنّ النّبوّة نزلت يوم الجمعة، وحديث أبي قتادة يردّ هذا.
واختلفوا في أيّ شهر كان ابتداء النّبوّة؟ فقيل: في رمضان. وقيل: في رجب، ولا يصحّ. وقيل: في ربيع الأوّل. وقيل: إنه نبّئ يوم الإثنين لثمان من ربيع الأوّل.
وأمّا الإسراء، فقيل: كان في رجب، وضعّفه غير واحد. وقيل: كان في ربيع الأوّل، وهو قول إبراهيم الحربي وغيره.
وأمّا دخوله المدينة ووفاته ﷺ فكانا في ربيع الأوّل بغير خلاف، مع الاختلاف في تعيين ذلك اليوم من أيّام الشهر.
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٢/ ١٨٢ - ١٨٣) (١٥٩٣).
(٢) أخرجه: البخاري (٢/ ١٨٢) (١٥٩٦)، ومسلم (٨/ ١٨٣) (٢٩٠٩).
(٣) أخرجه: ابن ماجه (٤٠٤٩)، والحاكم (٤/ ٤٧٣)، (٥/ ٥٤٥).
(٤) أخرجه: مسلم (٨/ ٢٠٨) (٢٩٣٧)، وأحمد (١/ ٤٣٥).
(٥) أخرجه: أحمد (١/ ٢٧٧)، والطبراني (١٢٩٨٤)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٧/ ٢٣٣، ٢٣٤). وفي سنده عبد الله بن لهيعة، وهو ضعيف.
[ ١٧٢ ]
وفي قول النّبيّ ﷺ لمّا سئل عن صيام يوم الإثنين: «ذاك يوم ولدت فيه، وأنزلت عليّ فيه النّبوّة» (^١)، إشارة إلى استحباب صيام الأيّام التي تتجدّد فيها نعم الله على عباده. فإنّ أعظم نعم الله على هذه الأمّة إظهار محمد ﷺ لهم وبعثته وإرساله إليهم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٦٤].
فإنّ النّعمة على الأمّة بإرساله أعظم من النّعمة عليهم بإيجاد السّماء، والأرض، والشّمس، والقمر، والرّياح، والليل، والنّهار، وإنزال المطر، وإخراج النبات، وغير ذلك؛ فإنّ هذه النّعم كلّها قد عمّت خلقا من بني آدم كفروا بالله وبرسله وبلقائه، فبدّلوا نعمة الله كفرا.
وأمّا النّعمة بإرسال محمد ﷺ، فإنّ بها تمّت مصالح الدّنيا والآخرة، وكمل بسببها دين الله الذي رضيه لعباده، وكان قبوله سبب سعادتهم في دنياهم وآخرتهم، فصيام يوم تجدّدت فيه هذه النّعم من الله على عباده المؤمنين حسن جميل، وهو من باب مقابلة النّعم في أوقات تجدّدها بالشكر. ونظير هذا صيام يوم عاشوراء حيث أنجى الله فيه نوحا من الغرق، ونجّى فيه موسى وقومه من فرعون وجنوده، وأغرقهم في اليمّ، فصامه نوح وموسى شكرا، فصامه رسول الله ﷺ متابعة لأنبياء الله، وقال لليهود: «نحن أحقّ بموسى منكم»، وصامه وأمر بصيامه.
وقد روي أنّ النّبيّ ﷺ كان يتحرّى صيام يوم الإثنين ويوم الخميس، روي ذلك عنه من حديث عائشة، وأبي هريرة، وأسامة بن زيد. وفي حديث أسامة أنّه سأله عن ذلك، فقال: «إنّهما يومان تعرض فيهما الأعمال على ربّ
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٣/ ١٦٧ - ١٦٨) (١١٦٢).
[ ١٧٣ ]
العالمين، فأحبّ أن يعرض عملي وأنا صائم» (^١). وفي حديث أبي هريرة، أنّه سئل عن ذلك، فقال: «إنّه يغفر فيهما لكلّ مسلم، إلاّ مهتجرين، يقول:
دعهما حتّى يصطلحا» (^٢). وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة مرفوعا:
«تفتح أبواب الجنّة يوم الإثنين والخميس، فيغفر لكلّ عبد لا يشرك بالله شيئا، إلاّ رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتّى يصطلحا» (^٣).
ويروى من حديث أبي أمامة مرفوعا: «ترفع الأعمال يوم الإثنين والخميس، فيغفر للمستغفرين، ويترك أهل الحقد بحقدهم» (^٤). وفي «المسند» عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ: «إنّ أعمال بني آدم تعرض كلّ خميس ليلة الجمعة، فلا يقبل عمل قاطع رحم» (^٥).
كان بعض التابعين يبكي إلى امرأته يوم الخميس وتبكي إليه، ويقول: اليوم تعرض أعمالنا على الله ﷿، يا من يبهرج بعمله، على من تبهرج، والناقد بصير؟. يا من يسوّف بتطويل أمله، إلى كم تسوّف والعمر قصير؟
_________________
(١) أخرجه: الترمذي (٧٤٧)، والنسائي (٤/ ٢٠١ - ٢٠٢). وقد روي من حديث عدة من الصحابة، وهو حديث صحيح، وراجع: «التلخيص» (٤١٠/ ٢ - ٤١١).
(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ٣٢٩)، وابن ماجه (١٧٤٠)، والترمذي (٧٤٧)، وقال: «حسن غريب».
(٣) أخرجه: مسلم (٨/ ١١) (٢٥٦٥)، وأحمد (٤٠٠، ٣٨٩، ٢/ ٢٦٨)، وأبو داود (٤٩١٦)، والترمذي (٢٠٢٣).
(٤) أخرجه: الطبراني (١٠/ ١٠) (٩٧٧٦) عن أبي أمامة عن ابن مسعود عن رسول الله ﷺ، وذكره الهيثمي (٨/ ٦٥) وقال: «وفيه علي بن زيد الألهاني، وهو متروك».
(٥) أخرجه: أحمد (٢/ ٤٨٤)، والبخاري في «الأدب المفرد» (٦١)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٧٩٦٦، ٧٩٦٥)، وهو حديث حسن. وراجع: «الإرواء» (٩٤٩، ٩٤٨).
[ ١٧٤ ]
صروف الحتف مترعة الكئوس … تدار على الرّعايا والرّءوس
فلا تتبع هواك فكلّ شخص … يصير إلى بلي وإلى دروس
وخف من هول يوم قمطرير … مخوف شرّه ضنك عبوس
فمالك غير تقوى الله زادا … وفعلك حين تقبر من أنيس
فحسّنه ليعرض مستقيما … ففي الإثنين يعرض والخميس
***
[ ١٧٥ ]