في «الصحيحين» عن ابن عبّاس ﵄، قال: «كان النّبيّ ﷺ أجود النّاس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، وكان جبريل يلقاه كلّ ليلة فيدارسه القرآن؛ فلرسول الله ﷺ حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الرّيح المرسلة» (^١). وخرّجه الإمام أحمد بزيادة في آخره، وهي:
«لا يسأل عن شيء إلا أعطاه».
الجود هو سعة العطاء وكثرته، والله تعالى يوصف بالجود. وفي الترمذي من حديث سعد بن أبي وقّاص، عن النبيّ ﷺ: «إنّ الله جواد يحبّ الجود، كريم يحبّ الكرم» (^٢).
وفيه أيضا: من حديث أبي ذرّ ﵁، عن النبي ﷺ، عن ربّه، قال:
«يا عبادي، لو أنّ أوّلكم وآخركم، وحيّكم وميّتكم (^٣)، ورطبكم ويابسكم اجتمعوا في صعيد واحد، فسأل كلّ إنسان منكم، ما بلغت أمنيّته، فأعطيت كلّ سائل منكم، ما نقص ذلك من ملكي إلاّ كما لو أنّ أحدكم مرّ بالبحر، فغمس فيه إبرة ثم رفعها إليه؛ ذلك بأنّي جواد واجد ماجد، أفعل ما أريد،
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٢٢٩، ٥/ ١٢٧) (٣٢٢٠)، ومسلم (٧/ ٧٣) (٢٣٠٨).
(٢) أخرجه: الترمذي (٢٧٩٩) مطوّلا، وقال: «هذا حديث غريب، وخالد بن إلياس ضعيف».
(٣) في أ: «وجنكم وإنسكم» مكان «وحيكم وميتكم».
[ ٢٩١ ]
عطائي كلام، وعذابي كلام، إنّما أمري لشيء إذا أردت أن أقول له: كن فيكون» (^١).
وفي الأثر المشهور عن فضيل بن عياض: إنّ الله تعالى يقول كلّ ليلة: أنا الجواد ومني الجود، أنا الكريم ومنّي الكرم.
فالله ﷾ أجود الأجودين، وجوده يتضاعف في أوقات خاصّة، كشهر رمضان، وفيه أنزل قوله تعالى: ﴿وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدّاعِ إِذا دَعانِ﴾ [البقرة: ١٨٦].
وفي الحديث الذي خرّجه الترمذيّ وغيره «أنّه ينادي فيه مناد: يا باغي الخير هلمّ، ويا باغي الشّرّ أقصر، ولله عتقاء من النّار، وذلك كلّ ليلة» (^٢).
ولمّا كان الله ﷿ قد جبل نبيّه ﷺ على أكمل الأخلاق وأشرفها، كما في حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «إنّما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» (^٣). وذكره مالك في «الموطإ» بلاغا. فكان رسول الله ﷺ أجود الناس كلّهم.
وخرّج ابن عدي بإسناد فيه ضعف من حديث أنس مرفوعا: «ألا أخبركم
_________________
(١) أخرجه: الترمذي (٢٤٩٥)، وأحمد (٥/ ١٦٠)، وقال الترمذي: «حديث حسن». قلت: والحديث أصله عند مسلم (٢٥٧٧) (١٧، ٨/ ١٦).
(٢) أخرجه: الترمذي (٦٨٢)، والنسائي (٤/ ١٣٠) واللفظ له، وقال الترمذي: «غريب»، ونقل عن البخاري أنه صحح وقفه على مجاهد. وراجع: «العلل الكبير» (١١١).
(٣) أخرجه: مالك (ص ٥٦٤)، والبيهقي (١٠/ ١٩١)، وأحمد (٢/ ٣٨١) بلفظ «بعثت لأتمم حسن الأخلاق». وصححه الألباني في «الصحيحة» (٤٥).
[ ٢٩٢ ]
بالأجود الأجود؟ الله الأجود الأجود، وأنا أجود بني آدم، وأجودهم من بعدي رجل علم علما فنشر علمه، يبعث يوم القيامة أمّة وحده، ورجل جاد بنفسه في سبيل الله» (^١). فدلّ هذا على أنّه ﷺ أجود بني آدم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم وأعلمهم وأشجعهم وأكملهم في جميع الأوصاف الحميدة.
وكان جوده يجمع أنواع الجود، من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكلّ طريق؛ من إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمّل أثقالهم.
ولم يزل ﷺ على هذه الخصال الحميدة منذ نشأ، ولهذا قالت له خديجة في أوّل مبعثه: «والله، لا يخزيك الله أبدا، إنّك لتصل الرّحم، وتقري الضّيف، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحقّ».
ثم تزايدت هذه الخصال فيه بعد البعثة وتضاعفت أضعافا كثيرة.
وفي «الصحيحين» عن أنس، قال: «كان رسول الله ﷺ أحسن النّاس، وأشجع النّاس، وأجود الناس» (^٢). وفي «صحيح مسلم» عنه، قال:
«ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئا إلاّ أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا؛ فإنّ محمّدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة» (^٣). وفي رواية له: «إن رجلا سأل النبي ﷺ غنما بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه، فقال: يا قوم، أسلموا؛ فإنّ محمدا يعطي عطاء ما يخاف الفقر». قال أنس: «إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلاّ الدنيا، فما يمسي حتى يكون الإسلام أحبّ إليه من الدنيا وما عليها».
_________________
(١) أخرجه: ابن عدي (٢/ ٢٠).
(٢) أخرجه: البخاري (٤/ ٢٧) (٣٠٤٠)، ومسلم (٧/ ٧٢) (٢٣٠٧).
(٣) أخرجه: مسلم (٧/ ٧٤) (٢٣١٢).
[ ٢٩٣ ]
وفيه أيضا: عن صفوان بن أميّة، قال: لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنّه لمن أبغض النّاس إليّ، فما برح يعطيني حتّى إنّه لأحبّ النّاس إليّ (^١). قال ابن شهاب: أعطاه يوم حنين مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة.
وفي «مغازي الواقدي» أنّ النبي ﷺ أعطى صفوان يومئذ واديا مملوءا إبلا ونعما، فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلاّ نفس نبيّ.
وفي «الصحيحين» عن جبير بن مطعم: أنّ الأعراب علقوا بالنبيّ ﷺ مرجعه من حنين يسألونه أن يقسم بينهم، فقال: «لو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا، ولا جبانا» (^٢).
وفيهما عن جابر، قال: «ما سئل رسول الله ﷺ شيئا فقال: لا»، وأنه قال لجابر: لو جاءنا مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، وقال بيديه:
جميعا (^٣). وخرّج البخاري من حديث سهل بن سعد: أنّ شملة أهديت للنبيّ ﷺ فلبسها وهو محتاج إليها، فسأله إيّاها رجل فأعطاه، فلامه النّاس، وقالوا:
كان محتاجا إليها، وقد علمت أنّه لا يردّ سائلا، فقال: إنما سألتها لتكون كفني، فكانت كفنه (^٤).
وكان جوده ﷺ كلّه لله ﷿، وفي ابتغاء مرضاته، فإنّه كان يبذل المال: إمّا لفقير، أو محتاج، أو ينفقه في سبيل الله، أو يتألّف به على الإسلام من يقوى الإسلام بإسلامه.
وكان يؤثر على نفسه وأهله وأولاده، فيعطي عطاء يعجز عنه الملوك مثل
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٧/ ٧٥) (٢٣١٣)، والترمذي (٦٦٦)، وأحمد (٣/ ٤٠١).
(٢) أخرجه: البخاري (٤/ ٢٧) (٣١٤٨).
(٣) أخرجه: البخاري (٣/ ١٢٦) (٢٢٩٦) (٣١٣٧)، ومسلم (٣/ ١٢٦) (٢٣١٤).
(٤) أخرجه: البخاري (٨/ ١٦) (٥٨١٠).
[ ٢٩٤ ]
كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار (^١)، وربما ربط على بطنه الحجر من الجوع. وكان قد أتاه ﷺ سبي مرّة، فشكت إليه فاطمة ما تلقى من خدمة البيت، وطلبت منه خادما يكفيها مئونة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد عند نومها، وقال: «لا أعطيك وأدع أهل الصّفّة تطوى بطونهم من الجوع» (^٢).
وكان جوده ﷺ يتضاعف في شهر رمضان على غيره من الشهور، كما أنّ جود ربّه يتضاعف فيه أيضا، فإنّ الله جبله على ما يحبّه من الأخلاق الكريمة، وكان على ذلك من قبل البعثة.
ذكر ابن إسحاق عن وهب بن كيسان، عن عبيد بن عمير، قال: كان رسول الله ﷺ يجاور في حراء من كلّ سنة شهرا، يطعم من جاءه من المساكين، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله به ما أراد من كرامته، من السّنة التي بعثه فيها، وذلك الشهر شهر رمضان، خرج إلى حراء كما كان يخرج لجواره معه أهله، حتّى إذا كانت اللّيلة التي أكرمه الله تعالى برسالته، ورحم العباد بها، جاءه جبريل من الله ﷿ (^٣).
ثم كان بعد الرسالة جوده في رمضان أضعاف ما كان قبل ذلك؛ فإنه كان يلتقي هو وجبريل ﵇، وهو أفضل الملائكة وأكرمهم، ويدارسه الكتاب الذي جاء به إليه (^٤)، وهو أشرف الكتب وأفضلها، وهو يحثّ على الإحسان ومكارم الأخلاق.
_________________
(١) أخرجه: الحاكم (٤/ ١٠٥).
(٢) أخرجه: البخاري (٣١١٣) (٤/ ١٠٢)، ومسلم (٨/ ٨٤) (٢٧٢٧)، وأحمد (١/ ١٠٦).
(٣) أخرجه: ابن هشام في «السيرة النبوية» (١/ ٢٣٦).
(٤) الحديث عند البخاري (٦) (١/ ٤)، ومسلم (٢٣٠٨) (٧/ ٧٣)، من حديث ابن عباس ﵄.
[ ٢٩٥ ]
وقد كان رسول الله ﷺ هذا الكتاب له خلقا بحيث يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حثّ عليه، ويمتنع ممّا زجر عنه؛ فلهذا كان يتضاعف جوده وإفضاله في هذا الشهر؛ لقرب عهده بمخالطة جبريل ﵇، وكثرة مدارسته له هذا الكتاب الكريم، الذي يحثّ على المكارم والجود. ولا شكّ أنّ المخالطة تؤثّر وتورث أخلاقا من المخالط.
كان بعض الشعراء قد امتدح ملكا جوادا، فأعطاه جائزة سنية، فخرج بها من عنده وفرّقها كلّها على الناس، وأنشد:
لمست بكفّي كفّه أبتغي الغني … ولم أدر أنّ الجود من كفّه يعدي
فبلغ ذلك الملك فأضعف له الجائزة.
وقد قال بعض الشعراء يمتدح بعض الأجواد ولا يصلح أن يكون ذلك إلاّ لرسول الله ﷺ:
تعوّد بسط الكفّ حتّى لو أنّه … ثناها لقبض لم تجبه أنامله
تراه إذا ما جئته متهلّلا … كأنّك تعطيه الذي أنت سائله
ولو لم يكن في كفّه غير روحه … لجاد بها فليتّق الله سائله
هو البحر من أيّ النّواحي أتيته … فلجّته المعروف والجود ساحله
سمع الشّبليّ قائلا يقول: يا الله، يا جواد، فتأوّه وصاح، وقال: كيف يمكنني أن أصف الحقّ بالجود ومخلوق يقول في شكله، فذكر هذه الأبيات، ثم بكى، وقال: بلى يا جواد؛ فإنّك أوجدت تلك الجوارح، وبسطت تلك الهمم، فأنت الجواد كلّ الجواد؛ فإنّهم يعطون عن محدود وعطاؤك لا حدّ له ولا صفة، فيا جوادا يعلو كلّ جواد، وبه جاد كلّ من جاد.
[ ٢٩٦ ]
وفي تضاعف جوده ﷺ في شهر رمضان بخصوصه فوائد كثيرة:
منها: شرف الزمان، ومضاعفة أجر العمل فيه. وفي الترمذي عن أنس مرفوعا: «أفضل الصّدقة صدقة في رمضان» (^١).
ومنها: إعانة الصّائمين والقائمين والذّاكرين على طاعاتهم، فيستوجب المعين لهم مثل أجرهم، كما أنّ من جهّز غازيا فقد غزا، ومن خلفه في أهله فقد غزا (^٢).
وفي حديث زيد بن خالد عن النبي ﷺ، قال: «من فطّر صائما فله مثل أجره، من غير أن ينقص من أجر الصّائم شيء» (^٣). خرّجه الإمام أحمد، والنسائيّ، والترمذي، وابن ماجه. وخرّجه الطبراني من حديث عائشة، وزاد: «وما عمل الصائم من أعمال البرّ إلاّ كان لصاحب الطّعام ما دام قوة الطعام فيه» (^٤).
وخرّج ابن خزيمة في «صحيحه» من حديث سلمان مرفوعا حديثا في فضل شهر رمضان، وفيه: «وهو شهر المواساة، وشهر يزاد فيه في رزق المؤمن؛ من فطّر فيه صائما كان مغفرة لذنوبه، وعتق رقبته من النّار، وكان له مثل أجره من غير أن ينقص من أجره شيء». قالوا: يا رسول الله، ليس كلّنا يجد ما يفطّر الصّائم. قال: «يعطي الله هذا الثّواب لمن فطّر صائما على مذقة لبن،
_________________
(١) أخرجه: الترمذي (٦٦٣)، وقال: «هذا حديث غريب».
(٢) أخرجه: البخاري (٤/ ٣٢) (٢٨٤٣)، ومسلم (٦/ ٤١) (١٨٩٥) من حديث زيد بن خالد الجهني.
(٣) أخرجه: الترمذي (٨٠٧)، والنسائي في «الكبرى» (٣٣٣٠)، وابن ماجه (١٧٤٦)، وأحمد (٤/ ١١٤)، وابن حبان (٣٤٢٩)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وراجع: «تخريج الترغيب» (٢/ ٩٥).
(٤) أخرجه: الطبراني في «الأوسط» (٧١٣٦). وقال في «المجمع» (٣/ ١٥٧): «وفيه الحكم بن عبد الله الأبلي، وهو متروك».
[ ٢٩٧ ]
أو تمرة، أو شربة ماء. ومن أشبع فيه صائما سقاه الله من حوضي شربة لا يظمأ بعدها حتى يدخل الجنّة» (^١).
ومنها: أنّ شهر رمضان شهر يجود الله فيه على عباده بالرّحمة والمغفرة والعتق من النار، لا سيما في ليلة القدر. والله تعالى يرحم من عباده الرّحماء، كما قال ﷺ: «إنّما يرحم الله من عباده الرّحماء» (^٢). فمن جاد على عباد الله جاد الله عليه بالعطاء والفضل؛ والجزاء من جنس العمل.
ومنها: أنّ الجمع بين الصّيام والصّدقة من موجبات الجنّة، كما في حديث عليّ، عن النبي ﷺ، قال: «إنّ في الجنّة غرفا يرى ظهورها من بطونها، وبطونها من ظهورها». قالوا: لمن هي يا رسول الله؟ قال: «لمن طيّب الكلام، وأطعم الطّعام، وأدام الصّيام، وصلّى بالليل والنّاس نيام» (^٣).
وهذه الخصال كلّها تكون في رمضان، فيجتمع فيه للمؤمن الصّيام، والقيام؛ والصّدقة، وطيب الكلام؛ فإنّه ينهى فيه الصّائم عن اللّغو والرّفث.
والصّيام والصّلاة والصّدقة توصل صاحبها إلى الله ﷿، قال بعض السّلف: الصّلاة توصل صاحبها إلى نصف الطريق، والصّيام يوصله إلى باب الملك، والصّدقة تأخذ بيده فتدخله على الملك.
وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، أنه قال: «من أصبح منكم اليوم صائما؟ قال أبو بكر: أنا، قال: من تبع منكم اليوم جنازة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: من تصدّق اليوم بصدقة؟ قال أبو بكر: أنا. قال: فمن
_________________
(١) أخرجه: ابن خزيمة (١٨٨٧)، وفيه علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.
(٢) أخرجه: البخاري (٩/ ١٦٤) (١٢٨٤) (٥٦٥٥)، ومسلم (٣/ ٣٩) (٩٢٣).
(٣) أخرجه: الترمذي (١٩٨٤)، وعبد الله بن أحمد في «زوائد المسند» (١/ ١٥٥). وأشار الترمذي في «سننه» إلى ضعفه.
[ ٢٩٨ ]
عاد منكم مريضا؟ قال أبو بكر: أنا. قال: ما اجتمعن في امرئ إلاّ دخل الجنّة» (^١).
ومنها: أنّ الجمع بين الصّيام والصّدقة أبلغ في تكفير الخطايا واتقاء جهنّم والمباعدة عنها، خصوصا إن ضمّ إلى ذلك قيام الليل. فقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «الصّيام جنّة» (^٢). وفي رواية: «جنّة أحدكم من النّار كجنّته من القتال» (^٣). وفي حديث معاذ عن النبيّ ﷺ، قال: «الصّدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النّار. وقيام الرّجل من جوف الليل» (^٤)، يعني أنه يطفئ الخطيئة أيضا. وقد صرّح بذلك في رواية للإمام أحمد. وفي الحديث الصحيح عنه ﷺ أنّه قال: «اتّقوا النّار ولو بشقّ تمرة» (^٥). كان أبو الدّرداء يقول: صلوا في ظلمة الليل ركعتين لظلمة القبور، صوموا يوما شديدا حرّه لحرّ يوم النشور، تصدّقوا بصدقة لشرّ يوم عسير.
ومنها: أنّ الصّيام لا بدّ أن يقع فيه خلل ونقص؛ وتكفير الصّيام للذنوب مشروط بالتحفّظ مما ينبغي التحفظ منه؛ كما ورد ذلك في حديث خرّجه ابن حبّان في صحيحه (^٦).
وعامّة صيام النّاس لا يجتمع في صومه التحفّظ كما ينبغي، ولهذا نهي أن
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٣/ ٩٢) (١٠٢٨).
(٢) أخرجه: البخاري (٣/ ٣١) (١٨٩٤)، ومسلم (٣/ ١٥٧) (١١٥١).
(٣) أخرجه: النسائي (٤/ ١٦٧)، وابن ماجه (١٦٣٩)، وأحمد (٤/ ٢٢)، وابن خزيمة (١٨٩١).
(٤) أخرجه: الترمذي (٢٦١٦)، والنسائي في «السنن الكبرى» (١١٣٩٤)، وابن ماجه (٣٩٧٣)، وأحمد (٥/ ٢٣١). وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح».
(٥) أخرجه: البخاري (٢/ ١٣٦) (١٤١٧)، ومسلم (٣/ ٨٦) (١٠١٦).
(٦) أخرجه: ابن حبان (٣٤٣٩).
[ ٢٩٩ ]
يقول الرجل: صمت رمضان كلّه، أو قمته كلّه. فالصّدقة تجبر ما فيه من النّقص والخلل، ولهذا وجب في آخر شهر رمضان زكاة الفطر طهرة للصّائم من اللغو والرّفث.
والصّيام والصّدقة لهما مدخل في كفّارات الأيمان، ومحظورات الإحرام، وكفّارة الوطء في رمضان. ولهذا كان الله تعالى قد خيّر المسلمين في ابتداء الأمر بين الصّيام وإطعام المسكين، ثم نسخ ذلك، وبقي الإطعام لمن يعجز عن الصّيام؛ لكبره. ومن أخّر قضاء رمضان حتى أدركه رمضان آخر، فإنّه يقضيه ويضمّ إليه إطعام مسكين لكل يوم، تقوية له عند أكثر العلماء، كما أفتى به الصّحابة. وكذلك من أفطر لأجل غيره، كالحامل والمرضع؛ على قول طائفة من العلماء.
ومنها: أنّ الصّائم يدع طعامه وشرابه لله، فإذا أعان الصّائمين على التقوّي على طعامهم وشرابهم كان بمنزلة من ترك شهوة لله، وآثر بها، أو واسى منها.
ولهذا يشرع له تفطير الصّوّام معه إذا أفطر؛ لأنّ الطّعام يكون محبوبا له حينئذ، فيواسي منه، حتى يكون ممن أطعم الطّعام على حبّه، ويكون في ذلك شكر لله على نعمة إباحة الطّعام والشّراب له، وردّه عليه بعد منعه إيّاه؛ فإنّ هذه النعمة إنما عرف قدرها عند المنع منها.
وسئل بعض السّلف: لم شرع الصّيام؟ قال: ليذوق الغنيّ طعم الجوع فلا ينسى الجائع. وهذا من بعض حكم الصوم وفوائده. وقد ذكرنا فيما تقدّم حديث سلمان، وفيه: «وهو شهر المواساة» (^١) فمن لم يقدر فيه على درجة الإيثار على نفسه فلا يعجز عن درجة أهل المواساة.
_________________
(١) أخرجه: ابن خزيمة (١٨٨٧)، وهو ضعيف كما تقدم.
[ ٣٠٠ ]
كان كثير من السّلف يواسون من إفطارهم أو يؤثرون به ويطوون (^١)، وكان ابن عمر يصوم، ولا يفطر إلاّ مع المساكين، فإذا منعه أهله عنهم (^٢)، لم يتعشّ تلك الليلة. وكان إذا جاءه سائل وهو على طعامه، أخذ نصيبه من الطعام وقام، فأعطاه السائل، فيرجع وقد أكل أهله ما بقي في الجفنة، فيصبح صائما ولم يأكل شيئا.
واشتهى بعض الصالحين من السّلف طعاما، وكان صائما، فوضع بين يديه عند فطوره، فسمع سائلا يقول: من يقرض المليّ الوفيّ الغني (^٣)؟ فقال: عبده المعدم من الحسنات. فقام فأخذ الصّحفة فخرج بها إليه، وبات طاويا. وجاء سائل إلى الإمام أحمد، فدفع إليه رغيفين كان يعدّهما لفطره، ثم طوى وأصبح صائما. وكان الحسن يطعم إخوانه وهو صائم تطوّعا، ويجلس يروّحهم وهم يأكلون. وكان ابن المبارك يطعم إخوانه في السّفر الألوان من الحلواء وغيرها وهو صائم.
سلام الله على تلك الأرواح. رحمة الله على تلك الأشباح؛ لم يبق منهم إلاّ أخبار وآثار. كم بين من يمنع الحقّ الواجب عليه وبين أهل الإيثار.
لا تعرضنّ لذكرنا في ذكرهم … ليس الصّحيح إذا مشى كالمقعد
وله فوائد أخر.
قال الشافعي ﵁: أحبّ للرجل الزّيادة بالجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله ﷺ، ولحاجة النّاس فيه إلى مصالحهم، ولتشاغل كثير منهم بالصّوم والصّلاة عن مكاسبهم. وكذا قال القاضي أبو يعلى وغيره من أصحابنا أيضا.
_________________
(١) الطّوى: الجوع.
(٢) في أ، ص: «منعهم أهله عنه».
(٣) «الوفي» لي في «ص»، و«الغني» ليس في أ، ب.
[ ٣٠١ ]
ودلّ الحديث أيضا على استحباب دراسة القرآن في رمضان، والاجتماع على ذلك، وعرض القرآن على من هو أحفظ له. وفيه دليل على استحباب الإكثار من تلاوة القرآن في شهر رمضان.
وفي حديث فاطمة ﵂ عن أبيها ﷺ: «أنّه أخبرها: أنّ جبريل ﵇ كان يعارضه القرآن كلّ عام مرّة، وأنّه عارضه في عام وفاته مرّتين» (^١). وفي حديث ابن عباس: «أنّ المدارسة بينه وبين جبريل كانت ليلا» (^٢)، فدلّ على استحباب الإكثار من التّلاوة في رمضان ليلا؛ فإن الليل تنقطع فيه الشواغل، وتجتمع فيه الهمم، ويتواطأ فيه القلب واللسان على التدبّر، كما قال تعالى:
﴿إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمّل: ٦].
وشهر رمضان له خصوصية بالقرآن، كما قال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وقد قال ابن عباس ﵄: إنّه أنزل جملة واحدة من اللوح المحفوظ إلى بيت العزّة في ليلة القدر. ويشهد لذلك قوله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١]، وقوله: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةٍ مُبارَكَةٍ﴾ [الدّخان: ٣].
وقد سبق عن عبيد بن عمير أنّ النبيّ ﷺ بدئ بالوحي ونزول القرآن عليه في شهر رمضان. وفي «المسند» عن واثلة بن الأسقع، عن النبي ﷺ أنّه قال:
«نزلت صحف إبراهيم في أوّل ليلة من شهر رمضان، وأنزلت التّوراة لستّ مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة من رمضان، وأنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان» (^٣).
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٤/ ٢٤٧) (٦٢٨٥)، ومسلم (٧/ ١٤٢) (٢٤٥٠).
(٢) أخرجه: البخاري (٦) (١/ ٤)، ومسلم (٧/ ٧٣) (٢٣٠٨) وليس فيه ذكر الليلة.
(٣) أخرجه: أحمد (٤/ ١٠٧)، وحسنه الألباني. راجع: «الصحيحة» (١٥٧٥).
[ ٣٠٢ ]
وقد كان النبي ﷺ يطيل القراءة في قيام رمضان بالليل أكثر من غيره، وقد صلّى معه حذيفة ليلة في رمضان، قال: فقرأ بالبقرة، ثم النّساء، ثم آل عمران، لا يمرّ بآية تخويف إلاّ وقف وسأل. قال: فما صلّى الرّكعتين حتى جاءه بلال فآذنه بالصّلاة (^١). خرّجه الإمام أحمد، وخرّجه النسائي، وعنده:
أنه ما صلّى إلا أربع ركعات.
وكان عمر قد أمر أبيّ بن كعب وتميما الداريّ أن يقوما بالنّاس في شهر رمضان، فكان القارئ يقرأ بالمائتين في ركعة، حتى كانوا يعتمدون على العصيّ من طول القيام، وما كانوا ينصرفون إلا عند الفجر. وفي رواية: أنّهم كانوا يربطون الحبال بين السّواري، ثم يتعلّقون بها. وروي أنّ عمر جمع ثلاثة قرّاء، فأمر أسرعهم قراءة أن يقرأ بالنّاس ثلاثين، وأوسطهم بخمس وعشرين، وأبطأهم بعشرين.
ثم كان في زمن التابعين يقرءون بالبقرة في قيام رمضان في ثمان ركعات، فإن قرأ بها في اثنتي عشرة ركعة رأوا أنّه قد خفّف.
قال ابن منصور: سئل إسحاق بن راهويه: كم يقرأ في قيام شهر رمضان؟ فلم يرخّص في دون عشر آيات. فقيل له: إنهم لا يرضون. فقال لا رضوا، فلا تؤمّهم إذا لم يرضوا بعشر آيات من البقرة، ثم إذا صرت إلى الآيات الخفاف فبقدر عشر آيات من البقرة، يعني في كلّ ركعة، وكذلك كره مالك أن يقرأ دون عشر آيات.
وسئل الإمام أحمد عمّا روي عن عمر - كما تقدّم ذكره - في السّريع القراءة
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٥/ ٤٠٠)، والنسائي (٣/ ٢٢٦). وقال النسائي عقبه: «هذا الحديث عندي مرسل».
[ ٣٠٣ ]
والبطيء؟ فقال: في هذا مشقة على الناس ولا سيما في هذه الليالي القصار.
وإنّما الأمر على ما يحتمله الناس. وقال أحمد لبعض أصحابه، وكان يصلّي بهم في رمضان: هؤلاء قوم ضعفى، اقرأ خمسا، ستّا، سبعا. قال: فقرأت فختمت ليلة سبع وعشرين. وقد روي عن الحسن: أنّ الذي أمره عمر أن يصلّي بالناس كان يقرأ خمس آيات، ستّ آيات. وكلام الإمام أحمد يدلّ على أنه يراعى في القراءة حال المأمومين، فلا يشقّ عليهم. وقاله أيضا غيره من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة وغيرهم.
وقد روي عن أبي ذرّ «أنّ النبيّ ﷺ قام بهم ليلة ثلاث وعشرين إلى ثلث الليل، وليلة خمس وعشرين إلى نصف الليل. فقالوا له: لو نفّلتنا بقيّة ليلتنا؟ فقال: إنّ الرجل إذا صلّى مع الإمام حتّى ينصرف كتب له بقيّة ليلته» (^١).
خرّجه أهل السّنن، وحسّنه الترمذيّ.
وهذا يدلّ على أنّ قيام ثلث الليل ونصفه يكتب به قيام ليلة، لكن مع الإمام.
وكان الإمام أحمد يأخذ بهذا الحديث ويصلّي مع الإمام حتى ينصرف، ولا ينصرف حتى ينصرف الإمام. وقال بعض السّلف: من قام نصف الليل فقد قام اللّيل.
وفي «سنن أبي داود»، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ، قال: «من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين، ومن قام بمائة آية كتب من القانتين، ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين» (^٢). يعني أنه يكتب له قنطار من الأجر.
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (١٣٧٥)، والترمذي (٨٠٦)، والنسائي (٣/ ٢٠٢)، وابن ماجه (١٣٢٧)، وابن حبان (٢٥٤٧). وصححه الألباني في «تخريج المشكاة» (١٢٩٨).
(٢) أخرجه: أبو داود (١٣٩٨)، وابن خزيمة (١١٤٤)، وابن حبان (٢٥٧٢). وصححه الألباني في «الصحيحة» (٦٤٢).
[ ٣٠٤ ]
ويروى من حديث تميم وأنس مرفوعا: «من قرأ بمائة آية في ليلة كتب له قيام ليلة» (^١). وفي إسنادهما ضعف. وروي حديث تميم موقوفا عليه، وهو أصحّ.
وعن ابن مسعود، قال: «من قرأ في ليلة خمسين آية لم يكتب من الغافلين، ومن قرأ مائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ ثلاثمائة آية كتب له قنطار» (^٢).
ومن أراد أن يزيد في القراءة ويطيل، وكان يصلّي لنفسه فليطوّل ما شاء، كما قاله النبي ﷺ. وكذلك من صلى بجماعة يرضون بصلاته.
وكان بعض السّلف يختم في قيام رمضان في كلّ ثلاث ليال، وبعضهم في كلّ سبع؛ منهم قتادة. وبعضهم في كلّ عشر؛ منهم أبو رجاء العطارديّ. وكان السّلف يتلون القرآن في شهر رمضان في الصلاة وغيرها؛ كان الأسود يقرأ القرآن في كلّ ليلتين في رمضان، وكان النّخعيّ يفعل ذلك في العشر الأواخر منه خاصّة، وفي بقيّة الشّهر في ثلاث. وكان قتادة يختم في كلّ سبع دائما، وفي رمضان في كلّ ثلاث، وفي العشر الأواخر كلّ ليلة. وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يقرؤها في غير الصّلاة. وعن أبي حنيفة نحوه. وكان قتادة يدرس القرآن في شهر رمضان. وكان الزّهريّ إذا دخل رمضان قال: فإنما هو تلاوة القرآن، وإطعام الطعام.
قال ابن عبد الحكم: كان مالك إذا دخل رمضان نفر من قراءة الحديث ومجالسة أهل العلم، وأقبل على تلاوة القرآن من المصحف. وقال عبد الرزاق: كان سفيان الثوري إذا دخل رمضان ترك جميع العبادة وأقبل على
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٤/ ١٠٣).
(٢) أخرجه: الدارمي (٢/ ٤٦٣) مختصرا، وابن أبي شيبة (٦/ ١٣٤).
[ ٣٠٥ ]
تلاوة القرآن. وكانت عائشة ﵂ تقرأ في المصحف أوّل النهار في شهر رمضان، فإذا طلعت الشمس نامت. وقال سفيان: كان زبيد الياميّ إذا حضر رمضان أحضر المصاحف، وجمع إليه أصحابه.
وإنما ورد النّهي عن قراءة القرآن في أقل من ثلاث على المداومة على ذلك. فأمّا في الأوقات المفضّلة، كشهر رمضان، خصوصا الليالي التي يطلب فيها ليلة القدر، أو في الأماكن المفضلة، كمكّة، لمن دخلها من غير أهلها، فيستحبّ الإكثار فيها من تلاوة القرآن، اغتناما للزمان والمكان. وهذا قول أحمد وإسحاق وغيرهما من الأئمة، وعليه يدلّ عمل غيرهم، كما سبق ذكره.
واعلم أنّ المؤمن يجتمع له في شهر رمضان جهادان لنفسه؛ جهاد بالنهار على الصّيام، وجهاد بالليل على القيام. فمن جمع بين هذين الجهادين، ووفّى بحقوقهما، وصبر عليهما، وفّي أجره بغير حساب. قال كعب: ينادي يوم القيامة مناد: إنّ كلّ حارث يعطى بحرثه ويزاد غير أهل القرآن والصّيام، يعطون أجورهم بغير حساب.
ويشفعان له أيضا عند الله ﷿، كما في «المسند» عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ، قال: «الصّيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة؛ يقول الصّيام: أي ربّ، منعته الطّعام والشهوات بالنّهار. ويقول القرآن: منعته النّوم باللّيل فشفّعني فيه، فيشفعّان» (^١).
فالصيام يشفع لمن منعه الطعام والشهوات المحرّمة كلّها، سواء كان تحريمها يختصّ بالصّيام، كشهوة الطعام، والشّراب، والنّكاح، ومقدماتها، أو
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٢/ ١٧٤)، والحاكم (١/ ٥٥٤). وصححه الألباني، وراجع: «تخريج المشكاة» (١٩٦٣)، و«تخريج الترغيب» (٢٠٩، ٢/ ٦٠).
[ ٣٠٦ ]
لا يختص به، كشهوة فضول الكلام المحرّم، والنظر المحرّم، والسّماع المحرّم، والكسب المحرّم؛ فإذا منعه الصّيام من هذه المحرّمات كلّها، فإنه يشفع له عند الله يوم القيامة، ويقول: يا ربّ، منعته شهواته، فشفّعني فيه.
فهذا لمن حفظ صيامه، ومنعه من شهواته.
فأمّا من ضيّع صيامه ولم يمنعه ممّا حرّمه الله عليه، فإنّه جدير أن يضرب به وجه صاحبه؛ ويقول له: ضيّعك الله كما ضيعتني. كما ورد مثل ذلك في الصّلاة. قال بعض السّلف: إذا احتضر المؤمن، يقال للملك: شمّ رأسه.
قال: أجد في رأسه القرآن. فيقال: شمّ قلبه. فيقول: أجد في قلبه الصّيام، فيقال: شمّ قدميه، فيقول: أجد في قدميه القيام. فيقال: حفظ نفسه حفظه الله ﷿.
وكذلك القرآن إنما يشفع لمن منعه من النوم بالليل، فإن من قرأ القرآن وقام به، فقد قام بحقّه فيشفع له. وقد ذكر النبي ﷺ رجلا، فقال: «ذاك لا يتوسّد القرآن» (^١). يعني لا ينام عليه فيصير له كالوسادة.
وخرّج الإمام أحمد من حديث بريدة مرفوعا: «إنّ القرآن يلقى صاحبه يوم القيامة حين ينشقّ عنه قبره، كالرّجل الشاحب، فيقول: هل تعرفني؟ أنا صاحبك الذي أظمأتك في الهواجر، وأسهرت ليلك، وكلّ تاجر من وراء تجارته؛ فيعطى الملك بيمينه، والخلد بشماله، ويوضع على رأسه تاج الوقار، ثم يقال له: اقرأ واصعد في درج الجنّة وغرفها، فهو في صعود ما دام يقرأ؛ هذّا كان أو ترتيلا» (^٢).
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٤٤٩)، والنسائي (٣/ ٢٥٦ - ٢٥٧) عن السائب بن يزيد ﵁. وصححه الحافظ ابن حجر في «الإصابة» (٣/ ٣٣٩).
(٢) أخرجه: أحمد (٥/ ٣٤٨) وفي إسناده ضعف. وراجع: «تفسير ابن كثير» (١/ ٥٣).
[ ٣٠٧ ]
وفي حديث عبادة بن الصّامت الطويل: «إن القرآن يأتي صاحبه في القبر، فيقول له: أنا الذي كنت أسهر ليلك، وأظمئ نهارك، وأمنعك شهواتك، وسمعك وبصرك؛ فستجدني من الأخلاّء خليل صدق. ثم يصعد فيسأل له فراشا ودثارا، فيؤمر له بفراش من الجنّة، وقنديل من الجنّة، وياسمين من الجنّة، ثم يدفع القرآن في قبلة القبر، فيوسع عليه ما شاء الله من ذلك» (^١).
قال ابن مسعود: ينبغي لقارئ القرآن أن يعرف بليله إذا الناس ينامون، وبنهاره إذا الناس يفطرون، وببكائه إذا الناس يضحكون، وبورعه إذا الناس يخلطون، وبصمته إذا الناس يخوضون، وبخشوعه إذا الناس يختالون، وبحزنه إذا الناس يفرحون.
قال محمد بن كعب: كنّا نعرف قارئ القرآن بصفرة لونه. يشير إلى سهره وطول تهجّده. قال وهيب بن الورد: قيل لرجل: ألا تنام؟ قال: إنّ عجائب القرآن أطرن نومي. وصحب رجل رجلا شهرين، فلم يره نائما، فقال: ما لي لا أراك نائما؟ قال: إنّ عجائب القرآن أطرن نومي؛ ما أخرج من أعجوبة إلاّ وقعت في أخرى.
قال أحمد بن أبي الحواري: إنّي لأقرأ القرآن وأنظر في آية آية، فيحير عقلي بها، وأعجب من حفّاظ القرآن كيف يهنيهم النوم، ويسعهم أن يشتغلوا بشيء من الدنيا، وهم يتلون كلام الله؟ أما إنّهم لو فهموا ما يتلون وعرفوا حقّه، وتلذّذوا به، واستحلوا المناجاة به، لذهب عنهم النوم فرحا بما قد رزقوا.
وأنشد ذو النون المصري:
_________________
(١) أخرجه: الحارث (٧٢٩ - زوائد الهيثمي)، والعقيلي في «الضعفاء» (٢/ ٣٩)، وقال: «هذا حديث باطل».
[ ٣٠٨ ]
منع القرآن بوعده ووعيده … مقل العيون بليلها لا تهجع
فهموا عن الملك العظيم كلامه … فهما تذلّ له الرّقاب وتخضع
فأمّا من كان معه القرآن فنام عنه بالليل ولم يعمل به بالنهار، فإنّه ينتصب القرآن خصما له، يطالبه بحقوقه التي ضيّعها. وخرّج الإمام أحمد من حديث سمرة: أنّ النبيّ ﷺ رأى في منامه رجلا مستلقيا على قفاه، ورجل قائم بيده فهر أو صخرة، فيشدخ به رأسه، فيتدهده الحجر، فإذا ذهب ليأخذه عاد رأسه كما كان، فيصنع به مثل ذلك، فسأل عنه، فقيل له: هذا رجل آتاه الله القرآن فنام عنه باللّيل، ولم يعمل به بالنّهار، فهو يفعل به ذلك إلى يوم القيامة» (^١).
وقد خرّجه البخاريّ بغير هذا اللفظ (^٢).
وفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النّبيّ ﷺ: «يمثّل القرآن يوم القيامة رجلا، فيؤتى بالرجل قد حمله فخالف أمره، فيتمثّل له خصما، فيقول: يا ربّ، حمّلته إياي؛ فبئس حامل تعدّى حدودي، وضيّع فرائضي، وركب معصيتي، وترك طاعتي. فما يزال يقذف عليه بالحجج حتى يقال: شأنك به، فيأخذه بيده، فما يرسله حتّى يكبّه على منخره في النار.
ويؤتى بالرّجل الصّالح كان قد حمله وحفظ أمره، فيتمثّل خصما دونه، فيقول: يا ربّ، حمّلته إيّاي، فخير حامل؛ حفظ حدودي، وعمل بفرائضي، واجتنب معصيتي، واتّبع طاعتي، فلا يزال يقذف له بالحجج حتّى يقال: شأنك به، فيأخذه بيده، فما يرسله حتّى يلبسه حلّة الإستبرق، ويعقد عليه تاج الملك، ويسقيه كأس الخمر» (^٣).
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٥/ ١٤).
(٢) أخرجه: البخاري (١/ ١٢٥ - ١٢٧) (١٣٨٦).
(٣) أخرجه: ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٣٠٠٤٤).
[ ٣٠٩ ]
يا من ضيّع عمره في غير الطاعة، يا من فرّط في شهره، بل في دهره وأضاعه، يا من بضاعته التسويف والتفريط، وبئست البضاعة، يا من جعل خصمه القرآن وشهر رمضان، كيف ترجو ممّن جعلته خصمك الشّفاعة؟!
ويل لمن شفعاؤه خصماؤه … والصّور في يوم القيامة ينفخ
ربّ صائم حظّه من صيامه الجوع والعطش، وقائم حظّه من قيامه السّهر.
كلّ قيام لا ينهى عن الفحشاء والمنكر لا يزيد صاحبه إلا بعدا، وكلّ صيام لا يصان عن قول الزّور والعمل به لا يورث صاحبه إلاّ مقتا وردّا.
يا قوم، أين آثار الصيام؟ أين أنوار القيام؟
إن كنت تنوح يا حمام البان … للبين فأين شاهد الأحزان
أجفانك للدّموع أم أجفاني … لا يقبل مدّع بلا برهان
هذا - عباد الله - شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن وفي بقيته للعابدين مستمتع، وهذا كتاب الله يتلى فيه بين أظهركم ويسمع، وهو القرآن الذي لو أنزل على جبل لرأيته خاشعا يتصدّع. ومع هذا فلا قلب يخشع، ولا عين تدمع، ولا صيام يصان عن الحرام فينفع! ولا قيام استقام فيرجى في صاحبه أن يشفع! قلوب خلت من التّقوى فهي خراب بلقع، وتراكمت عليها ظلمة الذّنوب فهي لا تبصر ولا تسمع.
كم تتلى علينا آيات القرآن وقلوبنا كالحجارة أو أشدّ قسوة. وكم يتوالى علينا شهر رمضان وحالنا فيه كحال أهل الشّقوة. لا الشّابّ منّا ينتهي عن الصّبوة، ولا الشيخ ينزجر عن القبيح فيلتحق بالصفوة.
أين نحن من قوم إذا سمعوا داعي الله أجابوا الدّعوة، وإذا تليت عليهم آيات الله جلت قلوبهم جلوة، وإذا صاموا صامت منهم الألسنة والأسماع
[ ٣١٠ ]
والأبصار؟ أفما لنا فيهم أسوة؟! كم بيننا وبين حال أهل الصّفا أبعد مما بيننا وبين الصّفا والمروة. كلما حسنت منّا الأقوال ساءت الأعمال. فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العلي العظيم، وحسبنا الله.
يا نفس فاز الصالحون بالتّقى … وأبصروا الحقّ وقلبي قد عمي
يا حسنهم واللّيل قد جنّهم … ونورهم يفوق نور الأنجم
ترنّموا بالذّكر في ليلهم … فعيشهم قد طاب بالتّرنّم
قلوبهم للذّكر قد تفرّغت … دموعهم كلؤلؤ منتظم
أسحارهم بهم لهم قد أشرقت … وخلع الغفران خير القسم
ويحك يا نفس ألا تيقّظ … ينفع قبل أن تزلّ قدمي
مضى الزّمان في توان وهوى … فاستدركي ما قد بقي واغتنمي
***
[ ٣١١ ]