في «الصحيحين» عن ابن عباس ﵄ أنه سئل عن صوم يوم عاشوراء، فقال: «ما رأيت رسول الله ﷺ صام يوما يتحرّى فضله على الأيام إلاّ هذا اليوم - يعني يوم عاشوراء - وهذا الشهر - يعني رمضان» (^١). يوم عاشوراء له فضيلة عظيمة وحرمة قديمة، وصومه لفضله كان معروفا بين الأنبياء ﵈، وقد صامه نوح وموسى ﵉، كما سنذكره إن شاء الله.
وروى إبراهيم الهجريّ، عن أبي عياض، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «يوم عاشوراء كانت تصومه الأنبياء، فصوموه أنتم» (^٢). خرّجه بقيّ بن مخلد في «مسنده».
وقد كان أهل الكتاب يصومونه، وكذلك قريش في الجاهلية كانت تصومه.
قال دلهم بن صالح: قلت لعكرمة: عاشوراء ما أمره؟ قال: أذنبت قريش في الجاهلية ذنبا فتعاظم في صدورهم، فسألوا ما توبتهم، قيل: صوم عاشوراء، يوم العاشر من المحرم.
وكان للنبي ﷺ في صيامه أربع حالات:
الحالة الأولى: أنه كان يصومه بمكة ولا يأمر الناس بالصوم. ففي
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٣/ ٥٧) (٢٠٠٦)، ومسلم (٣/ ١٥٠ - ١٥١) (١١٣٢).
(٢) أخرجه: ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢/ ٣١١)، وذكره الحافظ في «المطالب العالية» (١١٠٥)، وإسناده ضعيف.
[ ٩٢ ]
«الصحيحين» عن عائشة ﵂، قالت: «كان عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهليّة، وكان النبيّ ﷺ يصومه، فلمّا قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما نزلت فريضة شهر رمضان كان رمضان هو الذي يصومه، فترك يوم عاشوراء، فمن شاء صامه، ومن شاء أفطره» (^١). وفي رواية للبخاري: وقال رسول الله ﷺ: «من شاء فليصمه، ومن شاء أفطر» (^٢).
الحالة الثانية: أنّ النبيّ ﷺ لمّا قدم المدينة ورأى صيام أهل الكتاب له وتعظيمهم له، وكان يحبّ موافقتهم فيما لم يؤمر به، صامه، وأمر النّاس بصيامه، وأكّد الأمر بصيامه، والحثّ عليه، حتّى كانوا يصوّمونه أطفالهم.
ففي «الصحيحين» عن ابن عباس، قال: «قدم رسول الله ﷺ المدينة فوجد اليهود صيّاما يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله ﷺ: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا، فنحن نصومه. فقال رسول الله ﷺ: فنحن أحقّ وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله ﷺ، وأمر بصيامه (^٣).
وفي «مسند الإمام أحمد»، عن أبي هريرة ﵁، قال: مرّ النبيّ ﷺ بأناس من اليهود قد صاموا يوم عاشوراء، فقال: ما هذا من الصّوم؟ قالوا: هذا اليوم الذي نجّى الله ﷿ موسى ﵇ وبني إسرائيل من الغرق، وغرّق فيه فرعون. وهذا يوم استوت فيه السفينة على الجودي، فصامه نوح وموسى ﵉ شكرا لله ﷿. فقال النبيّ ﷺ: أنا أحقّ بموسى وأحقّ بصوم هذا اليوم، فأمر أصحابه بالصّوم» (^٤).
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٣/ ٥٧) (٢٠٠٢)، ومسلم (٣/ ١٤٦) (١١٢٥).
(٢) أخرجه: البخاري (٣/ ٥٧) (١٨٩٣).
(٣) أخرجه: البخاري (٣/ ٥٧) (٢٠٠٤)، ومسلم (١٥٠، ٣/ ١٤٩) (١١٣٠).
(٤) أخرجه: أحمد (٢/ ٣٥٩ - ٣٦٠)، وإسناده ضعيف، ويشهد لبعضه حديث ابن عباس المتقدم.
[ ٩٣ ]
وفي «الصحيحين» عن سلمة بن الأكوع ﵁: «أن النبيّ ﷺ أمر رجلا من أسلم: أن أذّن في النّاس: من أكل فليصم بقيّة يومه، ومن لم يكن أكل فليصم؛ فإنّ اليوم يوم عاشوراء» (^١).
وفيهما أيضا عن الرّبيّع بنت معوّذ، قالت: «أرسل رسول الله ﷺ غداة عاشوراء إلى قرى الأنصار التي حول المدينة: من كان أصبح صائما فليتمّ صومه، ومن كان أصبح مفطرا فليتمّ بقيّة يومه. فكنّا بعد ذلك نصومه، ونصوّمه صبياننا الصغار منهم، ونذهب بهم إلى المسجد فنجعل لهم اللّعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطّعام أعطيناه إيّاها حتّى يكون عند الإفطار» (^٢). وفي رواية: «فإذا سألونا الطّعام أعطيناهم اللعبة تلهيهم، حتى يتمّوا صومهم» (^٣). وفي الباب أحاديث كثيرة جدّا.
وخرّج الطبرانيّ بإسناد فيه جهالة، أنّ النبيّ ﷺ كان يدعو يوم عاشوراء برضعائه ورضعاء ابنته فاطمة فيتفل في أفواههم، ويقول لأمّهاتهم:
لا ترضعوهم إلى الليل، وكان ريقه ﷺ يجزئهم (^٤).
وقد اختلف العلماء ﵃، هل كان صوم يوم عاشوراء قبل فرض شهر رمضان واجبا أم كان سنة مؤكدة؟ على قولين مشهورين؛ ومذهب أبي حنيفة أنّه كان واجبا حينئذ، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وأبي بكر الأثرم. وقال الشافعيّ ﵀: بل كان متأكّد الاستحباب فقط، وهو قول كثير من أصحابنا وغيرهم.
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٣/ ٥٨) (٢٠٠٧)، ومسلم (٣/ ١٥١ - ١٥٢) (١٧٦١).
(٢) أخرجه: البخاري (٣/ ٤٨) (١٩٦٠)، ومسلم (٣/ ١٥٢) (١١٣٦).
(٣) أخرجه: مسلم (٣/ ١٥٢) (١١٣٦).
(٤) أخرجه: الطبراني (٧٠٤)، وأبو يعلى (٧١٦٢) وهو ضعيف، وقال الهيثمي (٣/ ١٨٦): «وعليلة - أحد رواته - ومن فوقها لم أجد من ترجمهن».
[ ٩٤ ]
الحالة الثالثة: أنّه لما فرض صيام شهر رمضان ترك النبي ﷺ أمر أصحابه بصيام عاشوراء وتأكيده فيه، وقد سبق حديث عائشة في ذلك. وفي «الصحيحين» عن ابن عمر ﵄، قال: «صام النبيّ ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه، فلمّا فرض رمضان ترك ذلك». وكان عبد الله لا يصومه إلاّ أن يوافق صومه (^١). وفي رواية لمسلم: أنّ أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء، وأنّ رسول الله ﷺ صامه، والمسلمون، قبل أن يفرض رمضان، فلمّا افترض رمضان، قال رسول الله ﷺ: «إنّ عاشوراء يوم من أيّام الله؛ فمن شاء صامه، ومن شاء تركه» (^٢). وفي رواية له أيضا: «فمن أحبّ منكم أن يصومه فليصمه، ومن كره فليدعه» (^٣).
وفي «الصحيحين» أيضا عن معاوية، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه، وأنا صائم؛ فمن شاء فليصم، ومن شاء فليفطر» (^٤). وفي رواية لمسلم التّصريح برفع آخره (^٥).
وفي رواية للنسائي (^٦) أنّ آخره مدرج من قول معاوية، وليس بمرفوع.
وفي «صحيح مسلم»، عن ابن مسعود، أنه قال في يوم عاشوراء: «هو يوم كان رسول الله ﷺ يصومه قبل أن ينزل رمضان، فلمّا نزل شهر رمضان ترك». وفي رواية «أنه تركه» (^٧). وفيه أيضا عن جابر بن سمرة، قال: «كان رسول الله ﷺ يأمرنا بصيام يوم عاشوراء، ويحثّنا عليه، ويتعاهدنا عنده، فلمّا فرض رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا عنه، ولم يتعاهدنا عنده» (^٨).
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٣/ ٣١) (١٨٩٢)، ومسلم (٣/ ١٤٨) (١١٢٦).
(٢) أخرجه: مسلم (٣/ ١٤٨) (١١٢٦).
(٣) أخرجه: مسلم (٣/ ١٤٧) (١١٢٦).
(٤) أخرجه: البخاري (٣/ ٥٧) (٢٠٠٣) ومسلم (٣/ ١٤٩) (١١٢٥).
(٥) أخرجه: مسلم (١٤٧).
(٦) «السنن الكبرى» (٢٨٦٨، ٢٨٦٦).
(٧) أخرجه: مسلم (٣/ ١٤٨) (١١٢٧).
(٨) أخرجه: مسلم (٣/ ١٤٩) (١١٢٨).
[ ٩٥ ]
وخرّج الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، من حديث قيس بن سعد قال:
«أمرنا رسول الله ﷺ بصيام عاشوراء قبل أن ينزل رمضان، فلمّا نزل رمضان لم يأمرنا ولم ينهنا» (^١). وفي رواية: «ونحن نفعله».
فهذه الأحاديث كلّها تدلّ على أنّ النّبيّ ﷺ لم يجدّد أمر الناس بصيامه بعد فرض صيام شهر رمضان، بل تركهم على ما كانوا عليه من غير نهي عن صيامه، فإن كان أمره ﷺ بصيامه قبل فرض صيام شهر رمضان للوجوب، فإنّه ينبني على أنّ الوجوب إذا نسخ فهل يبقى الاستحباب أم لا، وفيه اختلاف مشهور بين العلماء. وإن كان أمره للاستحباب المؤكّد فقد قيل: إنّه زال التّأكيد وبقي أصل الاستحباب، ولهذا قال قيس بن سعد: ونحن نفعله.
وقد روي عن ابن مسعود وابن عمر ﵄ ما يدلّ على أنّ أصل استحباب صيامه زال. وقال سعيد بن المسيّب: لم يصم رسول الله ﷺ عاشوراء؛ وروي عنه عن سعد بن أبي وقّاص. والمرسل أصحّ؛ قاله الدّارقطني. وأكثر العلماء على استحباب صيامه من غير تأكيد.
وممن روي عنه صيامه من الصّحابة عمر، وعليّ، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو موسى، وقيس بن سعد، وابن عباس، وغيرهم. ويدلّ على بقاء استحبابه قول ابن عباس ﵁: «لم أر رسول الله ﷺ يصوم يوما يتحرّى فضله على الأيام إلا يوم عاشوراء وشهر رمضان» (^٢). وابن عباس إنما صحب النبيّ ﷺ بآخره، وإنما عقل منه ﷺ ما كان من آخر أمره.
وفي «صحيح مسلم»، عن أبي قتادة: أن رجلا سأل النبيّ ﷺ عن صيام
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٤٢١ - ٤٢٢)، (٦/ ٦) والنسائي (٥/ ٤٩)، وما في «الصحيح» شاهد له.
(٢) متفق عليه: البخاري (٣/ ٥٧) (٢٠٠٦)، ومسلم (٣/ ١٥٠ - ١٥١) (١١٣٢).
[ ٩٦ ]
عاشوراء، فقال: «أحتسب على الله أن يكفّر السنة التي قبله» (^١). وإنّما سأله عن التّطوّع بصيامه، فإنّه سأله أيضا عن صيام يوم عرفة، وصيام الدّهر، وصيام يوم وفطر يوم، وصيام يوم وفطر يومين. فعلم أنّه إنّما سأله عن صيام التطوّع.
وخرّج الإمام أحمد، والنسائي من حديث حفصة بنت عمر أمّ المؤمنين ﵂: أنّ النبيّ ﷺ لم يكن يدع صيام يوم عاشوراء، والعشر، وثلاثة أيّام من كلّ شهر (^٢). وخرّجه أبو داود (^٣) إلاّ أن عنده: «عن بعض أزواج النبي ﷺ»، غير مسمّاة.
الحالة الرابعة: أنّ النبيّ ﷺ عزم في آخر عمره على ألاّ يصومه مفردا، بل يضمّ إليه يوما آخر مخالفة لأهل الكتاب في صيامه؛ ففي «صحيح مسلم»، عن ابن عباس ﵁ أنه قال: حين صام رسول الله ﷺ عاشوراء وأمر بصيامه، قالوا: يا رسول الله، إنّه يوم تعظّمه اليهود والنّصارى. فقال رسول الله ﷺ:
«فإذا كان العام المقبل - إن شاء الله - صمنا اليوم التاسع» (^٤). قال: فلم يأت العام المقبل حتّى توفي رسول الله ﷺ. وفي رواية له أيضا، عن ابن عباس ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التّاسع» (^٥).
يعني مع عاشوراء. وخرّجه الطبراني، ولفظه: إن عشت - إن شاء الله - إلى قابل صمت التّاسع، مخافة أن يفوتني عاشوراء (^٦).
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٣/ ١٦٧) (١١٦٢).
(٢) أخرجه: أحمد (٦/ ٢٨٧)، والنسائي (٤/ ٢٢٠) وأبو يعلى (٧٠٤٩، ٧٠٤٨، ٧٠٤١)، وابن حبان (٦٤٢٢) والطبراني (٣٦٩، ٢٣/ ٣٥٤). وقال الزيلعي في «نصب الراية» (٢/ ١٥٦): «وهو ضعيف».
(٣) «السنن»: (٢٤٣٧) وفيه حكاية الفعل وليس بلفظ «لم يكن يدع».
(٤) أخرجه: مسلم (٣/ ١٥١٠) (١١٣٤).
(٥) المصدر السابق.
(٦) أخرجه: الطبراني (١٠/ ١٠٨١٧).
[ ٩٧ ]
وفي «مسند الإمام أحمد»، عن ابن عباس ﵁، عن النبيّ ﷺ، قال:
«صوموا يوم عاشوراء، وخالفوا اليهود، صوموا قبله يوما وبعده يوما». وجاء في رواية «أو بعده» (^١).
فإمّا أن يكون «أو» للتخيير أو يكون شكّا من الراوي؛ هل قال «قبله» أو «بعده» وروي هذا الحديث بلفظ آخر وهو: «لئن بقيت لآمرنّ بصيام يوم قبله ويوم (^٢) بعده». يعني عاشوراء. وفي رواية أخرى: «لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التاسع ولآمرنّ بصيام يوم قبله ويوم بعده»، يعني عاشوراء. أخرجهما الحافظ أبو موسى المديني.
وقد صحّ هذا عن ابن عباس ﵄ من قوله من رواية ابن جريج، قال:
أخبرني عطاء أنّه سمع ابن عبّاس يقول في يوم عاشوراء: خالفوا اليهود، وصوموا التّاسع والعاشر (^٣). قال الإمام أحمد: أنا أذهب إليه.
وروي عن ابن عباس أنّه صام التّاسع والعاشر، وعلّل بخشية فوات عاشوراء. وروى ابن أبي ذئب، عن شعبة مولى ابن عباس، عن ابن عباس:
أنه كان يصوم عاشوراء في السّفر، ويوالي بين اليومين؛ خشية فواته. وكذلك روي عن أبي إسحاق أنّه صام يوم عاشوراء ويوما قبله، ويوما بعده، وقال:
إنّما فعلت ذلك خشية أن يفوتني. وروي عن ابن سيرين أنّه كان يصوم ثلاثة أيام عند الاختلاف في هلال الشهر احتياطا. وروي عن ابن عباس، والضحّاك، أنّ يوم عاشوراء هو تاسع المحرّم.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (١/ ٢٤١)، وابن خزيمة (٢٠٩٥) والبزار (١٠٥٢ - كشف)، والبيهقي (٤/ ٢٨٧)، وإسناده ضعيف، وروي موقوفا على ابن عباس بإسناد صحيح وهو ما سيأتي ذكره قريبا.
(٢) في ص: «أو يوم».
(٣) أخرجه: عبد الرزاق (٧٨٣٩) بسند صحيح.
[ ٩٨ ]
قال ابن سيرين: كانوا لا يختلفون أنّه اليوم العاشر، إلاّ ابن عباس، فإنّه قال: إنّه التاسع. وقال الإمام أحمد في رواية الميموني: لا أدري، هو التّاسع أو العاشر، ولكن نصومهما. فإن اختلف في الهلال صام ثلاثة أيام احتياطا.
وابن سيرين يقول ذلك.
وممّن رأى صيام التاسع والعاشر الشافعيّ وأحمد وإسحاق. وكره أبو حنيفة إفراد العاشر وحده بالصّوم. وروى الطبرانيّ من حديث ابن أبي الزّناد، عن أبيه، عن خارجة بن زيد، عن أبيه، قال: ليس يوم عاشوراء باليوم الذي يقول النّاس، إنّما كان يوما تستر فيه الكعبة وتقلس فيه الحبشة عند النبي ﷺ. وكان يدور في السنة، فكان الناس يأتون فلانا اليهوديّ يسألونه، فلمّا مات اليهوديّ أتوا زيد بن ثابت فسألوه (^١).
وهذا فيه إشارة إلى أن عاشوراء ليس هو في المحرّم، بل يحسب بحساب السّنة الشمسية، كحساب أهل الكتاب. وهذا خلاف ما عليه عمل المسلمين قديما وحديثا.
وفي «صحيح مسلم» عن ابن عباس، أنّ النبي ﷺ كان يعدّ من هلال المحرّم، ثم يصبح يوم التاسع صائما (^٢). وابن أبي الزّناد لا يعتمد على ما ينفرد به، وقد جعل الحديث كلّه عن زيد بن ثابت، وآخره لا يصلح أن يكون من قول زيد، فلعلّه من قول من دونه، والله أعلم. وكان طائفة من السّلف يصومون عاشوراء في السّفر؛ منهم ابن عبّاس، وأبو إسحاق السّبيعيّ، والزّهريّ. وقال: رمضان له عدّة من أيّام أخر، وعاشوراء يفوت. ونصّ أحمد على أنّه يصام عاشوراء في السّفر.
_________________
(١) أخرجه: الطبراني في «الكبير» (٥/ ١٣٨)، وقال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ١٨٧): «وفيه عبد الرحمن بن أبي الزناد، وفيه كلام كثير، وقد وثق».
(٢) أخرجه: مسلم (٣/ ١٥١) (١١٣٣).
[ ٩٩ ]
وروى عبد الرزاق في كتابه، عن إسرائيل، عن سماك بن حرب، عن معبد القرشي، قال: كان النبيّ ﷺ بقديد، فأتاه رجل، فقال له النبيّ ﷺ: أطعمت اليوم شيئا؟ - ليوم عاشوراء - قال: لا، إلا أنّي شربت ماء، قال: فلا تطعم شيئا حتى تغرب الشّمس، وأمر من وراءك أن يصوموا هذا اليوم (^١). ولعلّ المأمور كان من أهل قديد. وروى بإسناده عن طاوس أنه كان يصوم عاشوراء في الحضر، ولا يصومه في السّفر.
ومن أعجب ما ورد في عاشوراء أنّه كان يصومه الوحش والهوامّ.
وقد روي مرفوعا أنّ الصّرد أوّل طير صام عاشوراء (^٢). خرّجه الخطيب في «تاريخه»، وإسناده غريب. وقد روي ذلك عن أبي هريرة (^٣).
وروي عن فتح بن شخرف، قال: كنت أفتّ للنّمل الخبز كلّ يوم، فلمّا كان يوم عاشوراء لم يأكلوه.
وروي عن القادر بالله الخليفة العباسيّ أنّه جرى له مثل ذلك وأنّه عجب منه، فسأل أبا الحسن القزويني الزّاهد، فذكر له أنّ يوم عاشوراء يصومه النّمل. وروى أبو موسى المديني بإسناده، عن قيس بن عباد، قال: بلغني أنّ الوحش كانت تصوم يوم عاشوراء. وبإسناد له، عن رجل أتى البادية يوم عاشوراء، فرأى قوما يذبحون ذبائح، فسألهم عن ذلك، فأخبروه أنّ الوحوش صائمة، وقالوا: اذهب بنا نرك، فذهبوا به إلى روضة فأوقفوه. قال: فلمّا كان بعد العصر جاءت الوحوش من كلّ وجه، فأحاطت بالرّوضة رافعة رءوسها
_________________
(١) أخرجه: عبد الرزاق (٧٨٣٥)، وقال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ١٨٧): «رجاله ثقات».
(٢) «تاريخ بغداد» (٦/ ٢٩٦)، وهو موضوع، قال الحاكم: «وهو من الأحاديث التي وضعها قتلة الحسين». وراجع: «الفوائد المجموعة» (ص ٩٧ - ٩٨)، وتعليق العلامة المعلمي.
(٣) أورده القرطبي في «تفسيره» (٧/ ٢٧٠)، والحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» (٢/ ١٤).
[ ١٠٠ ]
ليس شيء منها يأكل، حتى إذا غابت الشمس أسرعت جميعا فأكلت. وبإسناده عن عبد الله بن عمرو، قال: بين الهند والصين أرض كان بها بطّة من نحاس، على عمود من نحاس، فإذا كان يوم عاشوراء مدّت منقارها، فيفيض من منقارها ماء يكفيهم لزروعهم ومواشيهم إلى العام المقبل.
ورئي بعض العلماء المتقدّمين في المنام فسئل عن حاله، فقال: غفر لي بصيام عاشوراء ستين سنة. وفي رواية: «ويوم قبله ويوم بعده». وذكر عبد الوهاب الخفاف في «كتاب الصيام»، قال سعيد: قال قتادة: كان يقال:
صوم عاشوراء كفّارة لما ضيّع الرّجل من زكاة ماله. وقد روي أنّ يوم عاشوراء كان يوم الزّينة الذي كان فيه ميعاد موسى لفرعون، وأنه كان عيدا لهم.
ويروى أنّ موسى ﵇ كان يلبس فيه الكتّان ويكتحل فيه بالإثمد، وكان اليهود من أهل المدينة وخيبر في عهد النبي ﷺ يتّخذونه عيدا، وكان أهل الجاهلية يقتدون بهم في ذلك، وكانوا يسترون فيه الكعبة. ولكن شرعنا ورد بخلاف ذلك. ففي «الصحيحين» عن أبي موسى، قال: كان يوم عاشوراء يوما تعظّمه اليهود وتتّخذه عيدا، فقال رسول الله ﷺ: «صوموه أنتم» (^١).
وفي رواية لمسلم: كان أهل خيبر يصومون يوم عاشوراء، يتخذونه عيدا، ويلبسون نساءهم فيه حليّهم وشارتهم، فقال رسول الله ﷺ: «فصوموه أنتم» (^٢).
وخرّجه النسائي وابن حبّان، وعندهما: «فقال النبي ﷺ: خالفوهم فصوموه» (^٣). وهذا يدلّ على النّهي عن اتخاذه عيدا وعلى استحباب صيام
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٣/ ٥٧) (٢٠٠٥)، ومسلم (٣/ ١٥٠) (١١٣١).
(٢) «الصحيح»: (٣/ ١٥٠) (١١٣١).
(٣) أخرجه: أحمد (٤/ ٤٠٩)، والنسائي في «الكبرى» (٢٨٦١)، وابن حبان (٣٦٢٧).
[ ١٠١ ]
أعياد الكفار؛ فإن الصّوم ينافي اتخاذه عيدا فيوافقون في صيامه مع صيام يوم آخر معه، كما تقدم. فإن في ذلك مخالفة لهم في كيفيّة صيامه أيضا، فلا يبقى فيه موافقة لهم في شيء بالكليّة. وعلى مثل هذا يحمل ما خرّجه الإمام أحمد، والنسائي، وابن حبّان من حديث أمّ سلمة: أن النبيّ ﷺ كان يصوم يوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول: «إنّهما يوما عيد للمشركين، فأنا أحبّ أن أخالفهم» (^١). فإنّه إذا صام اليومين معا خرج بذلك عن مشابهة اليهود والنصارى في تعظيم كلّ طائفة ليومها منفردا، وصيامه فيه مخالفة لهم في اتخاذه عيدا، ويجمع بذلك بين هذا الحديث وبين حديث النّهي عن صيام يوم السبت (^٢).
وكلّ ما روي في فضل الاكتحال في يوم عاشوراء والاختضاب والاغتسال فيه، فموضوع لا يصحّ.
وأمّا الصّدقة فيه؛ فقد روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: من
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٦/ ٣٢٣ - ٣٢٤). والنسائي في «الكبرى» (٢٧٨٩)، وابن حبان (٣٦١٦)، (٣٦٤٦) وابن خزيمة (٢١٦٧) والطبراني (٢٣/ ٦١٦)، والحاكم (١/ ٤٣٦)، والبيهقي (٤/ ٣٠٣). وقال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ١٩٨): «رجاله ثقات». وذكر أبو داود أن هذا الحديث ناسخ لحديث النهي عن صيام السبت، والحديث صححه الحاكم أيضا. وراجع: «الفتح» (١٠/ ٣٦٢)، و«التلخيص» (٢/ ٤١٣ - ٤١٤).
(٢) أخرجه: أحمد (٤/ ١٨٩)، (٦/ ٣٦٨)، وأبو داود (٢٤٢١)، والترمذي (٧٤٤) وابن ماجه (١٧٢٩)، والنسائي في «الكبرى» (٢٧٧٢ - ٢٧٨٤)، وابن حبان (٣٦١٥). وابن خزيمة (٢١٦٣)، والطبراني (٢٤/ ٨١٨ - ٨٢١)، والحاكم (١/ ٤٣٥) والبيهقي (٤/ ٣٠٢). والحديث أنكره غير واحد من الحفاظ؛ فقال الإمام مالك: «هذا الحديث كذب»، وقال النسائي: «هذا حديث مضطرب». وراجع: «التلخيص الحبير» (٢/ ٤١٣ - ٤١٤).
[ ١٠٢ ]
صام عاشوراء فكأنما صام السّنة، ومن تصدّق فيه كان كصدقة السّنة. أخرجه أبو موسى المديني.
وأمّا التوسعة فيه على العيال؛ فقال حرب: سألت أحمد عن الحديث الذي جاء: «من وسّع على أهله يوم عاشوراء» (^١) فلم يره شيئا. وقال ابن منصور:
قلت لأحمد: هل سمعت في الحديث «من وسّع على أهله يوم عاشوراء وسّع الله عليه سائر السّنة»؟ فقال: نعم. رواه سفيان بن عيينة، عن جعفر الأحمر، عن إبراهيم بن محمد بن المنتشر، وكان من أفضل أهل زمانه، أنّه بلغه أنّه من وسّع على عياله يوم عاشوراء وسّع الله عليه سائر سنته. قال ابن عيينة: جرّبناه منذ خمسين سنة أو ستين سنة فما رأينا إلا خيرا.
وقول حرب: «إنّ أحمد لم يره شيئا» إنّما أراد به الحديث الذي يروى مرفوعا إلى النبي ﷺ، فإنّه لا يصحّ إسناده. وقد روي من وجوه متعددة لا يصحّ منها شيء. وممّن قال ذلك محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. وقال العقيليّ: هو غير محفوظ. وقد روي عن عمر من قوله، وفي إسناده مجهول لا يعرف.
وأما اتخاذه مأتما؛ كما تفعله الرافضة لأجل قتل الحسين بن علي ﵄ فيه، فهو من عمل من ضلّ سعيه في الحياة الدنيا وهو يحسب أنّه يحسن صنعا، ولم يأمر الله ولا رسوله باتخاذ أيّام مصائب الأنبياء وموتهم مأتما، فكيف بمن دونهم.
_________________
(١) أخرجه: الطبراني في الأوسط (٩٣٠٢)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ١٨٩): «رواه الطبراني في (الأوسط) وفيه محمد بن إسماعيل الجعفري، قال أبو حاتم: منكر الحديث». والحديث ذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» (١١٤٢).
[ ١٠٣ ]