في «الصحيحين» عن عمر بن الخطاب ﵁ أنّ رجلا من اليهود قال له:
يا أمير المؤمنين، آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتّخذنا ذلك اليوم عيدا. فقال: أيّ آية؟ قال: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣]. فقال عمر: إنّي لأعلم اليوم الذي نزلت فيه، والمكان الذي نزلت فيه؛ نزلت ورسول الله ﷺ قائم بعرفة يوم جمعة (^١).
وخرّج الترمذي عن ابن عباس نحوه، وقال فيه: نزلت في يوم عيد من يوم جمعة ويوم عرفة (^٢).
العيد هو موسم الفرح والسرور، وأفراح المؤمنين وسرورهم في الدنيا إنما هو بمولاهم، إذا فازوا بإكمال طاعته، وحازوا ثواب أعمالهم بوثوقهم بوعده لهم عليها بفضله ومغفرته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: ٥٨]. قال بعض العارفين: ما فرح أحد بغير الله إلاّ بغفلته عن الله؛ فالغافل يفرح بلهوه وهواه، والعاقل يفرح بمولاه.
وأنشد سمنون في هذا المعنى:
وكان فؤادي خاليا قبل حبّكم … وكان بذكر الخلق يلهو ويمرح
فلمّا دعا قلبي هواك أجابه … فلست أراه عن فنائك يبرح
_________________
(١) أخرجه: البخاري (١/ ١٨) (٤٥)، ومسلم (٨/ ٢٣٨) (٣٠١٧)، والنسائي (٨، ٥/ ٢٥١ / ١١٤).
(٢) أخرجه: الترمذي (٣٠٤٤)، وقال: «حسن غريب من حديث ابن عباس، وهو صحيح».
[ ٤٧٩ ]
رميت ببعد منك إن كنت كاذبا … وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح
وإن كان شيء في البلاد بأسرها … إذا غبت عن عيني لعيني يملح
فإن شئت واصلني وإن شئت لا تصل … فلست أرى قلبي لغيرك يصلح
لمّا قدم النبي ﷺ المدينة كان لهم يومان يلعبون فيهما، فقال: «إنّ الله قد أبدلكم يومين خيرا منهما؛ يوم الفطر، والأضحى» (^١). فأبدل الله هذه الأمة بيومي اللعب واللهو يومي الذّكر والشّكر والمغفرة والعفو.
ففي الدنيا للمؤمنين ثلاثة أعياد: عيد يتكرّر كلّ أسبوع، وعيدان يأتيان في كلّ عام مرّة مرة، من غير تكرر في السنة.
فأمّا العيد المتكرّر، فهو يوم الجمعة، وهو عيد الأسبوع، وهو مترتب على إكمال الصّلوات المكتوبات؛ فإنّ الله ﷿ فرض على المؤمنين في كلّ يوم وليلة خمس صلوات، وأيام الدنيا تدور على سبعة أيام، فكلّما كمل دور أسبوع من أيام الدنيا، واستكمل المسلمون صلواتهم فيه، شرع لهم في يوم استكمالهم - وهو اليوم الذي كمل فيه الخلق، وفيه خلق آدم وأدخل الجنّة وأخرج منها، وفيه ينتهي أمد الدنيا فتزول وتقوم الساعة، وفيه الاجتماع على سماع الذّكر والموعظة وصلاة الجمعة -، وجعل ذلك لهم عيدا؛ ولهذا نهي عن إفراده بالصّيام.
وفي شهود الجمعة شبه من الحجّ، وروي أنّها حجّ المساكين (^٢). وقال سعيد بن المسيّب: شهود الجمعة أحبّ إليّ من حجة نافلة.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٢٥٠، ٢٣٥، ١٧٨، ٣/ ١٠٣)، والنسائي (٣/ ١٧٩).
(٢) تقدم، وأنه حديث موضوع. وراجع: «السلسلة الضعيفة» (١٩١) (١٩٢).
[ ٤٨٠ ]
والتبكير إليها يقوم مقام الهدي على قدر السّبق؛ فأوّلهم كالمهدي بدنة ثم بقرة، ثم كبشا، ثم دجاجة، ثم بيضة.
وشهود الجمعة يوجب تكفير الذنوب إلى الجمعة الأخرى إذا سلم ما بين الجمعتين من الكبائر، كما أنّ الحجّ المبرور يكفّر ذنوب تلك السنة إلى الحجة الأخرى. وقد روي: «إذا سلمت الجمعة سلمت الأيام» (^١). وروي:
«إنّ الله تعالى يغفر يوم الجمعة لكلّ مسلم» (^٢). وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «ما طلعت الشمس ولا غربت على يوم أفضل من يوم الجمعة» (^٣). وفي «المسند» عنه ﷺ أنّه قال في يوم الجمعة: «هو أفضل عند الله من يوم الفطر ويوم الأضحى» (^٤).
فهذا عيد الأسبوع، وهو متعلّق بإكمال الصلوات المكتوبة، وهي أعظم أركان الإسلام ومبانيه بعد الشهادتين.
وأمّا العيدان اللذان لا يتكرران في كلّ عام، وإنما يأتي كلّ واحد منهما في العام مرّة واحدة:
فأحدهما: عيد الفطر من صوم رمضان، وهو مرتب على إكمال صيام رمضان، وهو الرّكن الرابع (^٥) من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا استكمل
_________________
(١) أخرجه: ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٥٠٤)، وابن حبان في «المجروحين» (٢/ ١٢٣)، وأبو نعيم في «الحلية» (٧/ ١٤٠)، وهو ضعيف. وراجع: «الضعيفة» (٢٥٦٥).
(٢) أخرجه: الطبراني في «الأوسط» (٤٨١٧) من حديث أنس ﵁. وأخرجه: الخطيب في «تاريخه» (٦/ ٤٦ - بشار) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٣) أخرجه: الترمذي (٣٣٣٩)، وأشار إلى ضعف إسناده، ولكن معناه ثابت من حديث أبي هريرة عند مسلم (٣/ ٦) (٨٥٤) بلفظ: «خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة …».
(٤) «مسند الإمام أحمد» (٣/ ٤٣٠).
(٥) في أ، ص: «الثالث».
[ ٤٨١ ]
المسلمون صيام شهرهم المفروض عليهم، واستوجبوا من الله المغفرة والعتق من النار؛ فإنّ صيامه يوجب مغفرة ما تقدّم من الذنوب، وآخره عتق من النار، يعتق فيه من النار من استحقّها بذنوبه، فشرع الله تعالى لهم عقيب إكمالهم لصيامهم عيدا يجتمعون فيه على شكر الله وذكره وتكبيره على ما هداهم له.
وشرع لهم في ذلك العيد الصّلاة والصّدقة. وهو يوم الجوائز يستوفي الصائمون فيه أجر صيامهم، ويرجعون من عيدهم بالمغفرة.
والعيد الثاني: عيد النّحر، وهو أكبر العيدين وأفضلهما، وهو مترتب على إكمال الحجّ، وهو الركن الخامس (^١) من أركان الإسلام ومبانيه، فإذا أكمل المسلمون حجّهم غفر لهم. وإنما يكمل الحجّ بيوم عرفة والوقوف فيه بعرفة؛ فإنّه ركن الحجّ الأعظم، كما قال ﷺ: «الحجّ عرفة» (^٢).
ويوم عرفة هو يوم العتق من النار، فيعتق الله فيه من النار من وقف بعرفة ومن لم يقف بها من أهل الأمصار من المسلمين، فلذلك صار اليوم الذي يليه عيدا لجميع المسلمين في جميع أمصارهم؛ من شهد الموسم منهم ومن لم يشهده؛ لاشتراكهم في العتق والمغفرة يوم عرفة.
وإنما لم يشترك المسلمون كلّهم في الحجّ كلّ عام، رحمة من الله وتخفيفا على عباده، فإنّه جعل الحجّ فريضة العمر لا فريضة كلّ عام، وإنما هو في كل عام فرض كفاية، بخلاف الصيام؛ فإنه فريضة كلّ عام على كلّ مسلم. فإذا كمل يوم
_________________
(١) في أ، ص: «الرابع».
(٢) أخرجه: أحمد (٣٣٥، ٣١٠، ٤/ ٣٠٩)، وأبو داود (١٩٤٩)، والترمذي (٨٨٩)، وابن ماجه (٣٠١٥)، والنسائي (٢٦٤، ٥/ ٢٥٦). وقال أبو داود: «هذا الحديث أصل من الأصول». وراجع: «الإرواء» (١٠٦٤)، و«سؤالات الآجري» (٣٤٣).
[ ٤٨٢ ]
عرفة، وأعتق الله عباده المؤمنين من النار، اشترك المسلمون كلّهم في العيد عقب ذلك. وشرع للجميع التقرّب إليه بالنّسك، وهو إراقة دماء القرابين.
فأهل الموسم يرمون الجمرة، فيشرعون في التحلّل من إحرامهم بالحجّ، ويقضون تفثهم، ويوفون نذورهم، ويقرّبون قرابينهم من الهدايا، ثم يطوفون بالبيت العتيق. وأهل الأمصار يجتمعون على ذكر الله وتكبيره والصلاة له.
قال مخنف بن سليم - وهو معدود من الصحابة -: الخروج يوم الفطر يعدل عمرة، والخروج يوم الأضحى يعدل حجة. ثم ينسكون عقيب ذلك نسكهم، ويقرّبون قرابينهم بإراقة دماء ضحاياهم؛ فيكون ذلك شكرا منهم لهذه النعم.
والصلاة والنّحر الذي يجتمع في عيد النّحر أفضل من الصّلاة والصّدقة الذي في عيد الفطر، ولهذا أمر رسول الله ﷺ أن يجعل شكره لربّه على إعطائه الكوثر أن يصلّي لربّه وينحر، وقيل له: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٢]. ولهذا ورد الأمر بتلاوة هذه الآية عند ذبح الأضاحي.
والأضاحي سنّة إبراهيم ومحمد - صلّى الله عليهما وسلم -، فإنّ الله شرعها لإبراهيم حين فدى ولده الذي أمره بذبحه، بذبح عظيم. وفي حديث زيد بن أرقم، «قيل: يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟ قال: سنّة إبراهيم. قيل له: فما لنا بها؟ قال: بكلّ شعرة حسنة. قيل: فالصّوف؟ قال: بكلّ شعرة من الصّوف حسنة». خرّجه ابن ماجه وغيره (^١).
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٤/ ٣٦٨)، وابن ماجه (٣١٢٧). قال البوصيري في «زوائد ابن ماجه»: «في إسناده أبو داود، واسمه نفيع بن الحارث، وهو متروك، واتهم بوضع الحديث».
[ ٤٨٣ ]
فهذه أعياد المسلمين في الدنيا، وكلّها عند إكمال طاعة مولاهم الملك الوهّاب، وحيازتهم لما وعدهم من الأجر والثواب.
مرّ قوم براهب في دير، فقالوا له: متى عيد أهل هذا الدّير؟ قال: يوم يغفر لأهله.
ليس العيد لمن لبس الجديد، إنّما العيد لمن طاعاته تزيد. ليس العيد لمن تجمّل باللباس والركوب، إنّما العيد لمن غفرت له الذنوب. في ليلة العيد تفرّق خلع العتق والمغفرة على العبيد؛ فمن ناله منها شيء فله عيد، وإلاّ فهو مطرود بعيد.
كان بعض العارفين ينوح على نفسه ليلة العيد بهذه الأبيات:
بحرمة غربتي كم ذا الصّدود … ألا تعطف عليّ ألا تجود
سرور العيد قد عمّ النّواحي … وحزني في ازدياد لا يبيد
فإن كنت اقترفت خلال سوء … فعذري في الهوى أن لا أعود
وأنشد غيره:
للناس عشر وعيد … وأنا فقير وحيد
يا غايتي ومناي … قد لذّ لي ما تريد
وأنشد الشّبليّ:
ليس عيد المحبّ قصد المصلّى … وانتظار الأمير والسلطان
إنّما العيد أن تكون لدى الح … بّ كريما مقرّبا في أمان
وأنشد:
إذا ما كنت لي عيدا … فما أصنع بالعيد
[ ٤٨٤ ]
جرى حبّك في قلبي … كجري الماء في العود
وأنشد:
قالوا غدا العيد ماذا أنت لابسه … فقلت خلعة ساق حسنه برعا
صبر وفقرهما ثوبان تحتهما … قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا
أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به … يوم التزاور في الثّوب الّذي خلعا
الدّهر لي مأتم إن غبت يا أملي … والعيد ما كنت لي مرأى ومستمعا
وأمّا أعياد المؤمنين في الجنة فهي أيام زيارتهم لربّهم ﷿، فيزورونه ويكرمهم غاية الكرامة، ويتجلّى لهم فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئا هو أحبّ إليهم من ذلك. وهو الزّيادة التي قال الله تعالى فيها: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦]. ليس للمحبّ عيد سوى قرب محبوبه.
إنّ يوما جامعا شملي بهم … ذاك عيد ليس لي عيد سواه
كلّ يوم كان للمسلمين عيدا في الدنيا، فإنّه عيد لهم في الجنّة، يجتمعون فيه على زيارة ربّهم، ويتجلّى لهم فيه. ويوم الجمعة يدعى في الجنّة يوم المزيد، ويوما الفطر والأضحى يجتمع أهل الجنة فيهما للزيارة. وروي أنه يشارك النساء الرجال فيهما، كما كن يشهدن العيدين مع الرجال دون الجمعة.
فهذا لعموم أهل الجنة، فأمّا خواصّهم فكلّ يوم لهم عيد يزورون ربّهم كلّ يوم مرتين؛ بكرة وعشيّا.
الخواصّ كانت أيام الدّنيا كلّها لهم أعيادا، فصارت أيامهم في الآخرة كلّها أعيادا.
قال الحسن: كلّ يوم لا يعصى الله فيه فهو عيد، كلّ يوم يقطعه المؤمن في طاعة مولاه وذكره وشكره فهو له عيد.
[ ٤٨٥ ]
أركان الإسلام التي بني الإسلام عليها خمسة: الشهادتان، والصّلاة، والزّكاة، وصيام رمضان، والحجّ. فأعياد عموم المسلمين في الدنيا عند إكمال دور الصلاة، وإكمال الصيام، والحج، يجتمعون عند ذلك اجتماعا عامّا. فأمّا الزّكاة فليس لها وقت معين ليتّخذ عيدا، بل كلّ من ملك نصابا فحوله بحسب ملكه. وأمّا الشهادتان فإكمالهما يحصل بتحقيقهما والقيام بحقوقهما؛ وخواصّ المؤمنين يجتهدون على ذلك في كلّ وقت، فلذلك كانت أوقاتهم كلّها أعيادا لهم في الدنيا والآخرة، كما أنشد الشّبليّ:
عيدي مقيم وعيد الناس منصرف … والقلب منّي عن اللذّات منحرف
ولي قرينان مالي منهما خلف … طول الحنين وعين دمعها يكف
ولمّا كان عيد النّحر أكبر العيدين وأفضلهما، ويجتمع فيه شرف المكان والزمان لأهل الموسم، كانت لهم فيه معه أعياد قبله وبعده؛ فقبله يوم عرفة، وبعده أيّام التشريق. وكلّ هذه الأيّام أعياد لأهل الموسم، كما في حديث عقبة بن عامر عن النبي ﷺ، قال: «يوم عرفة، يوم النّحر، وأيام التشريق عيدنا أهل الإسلام، وهي أيام أكل وشرب» (^١) خرّجه أهل السنن وصححه الترمذي.
ولهذا لا يشرع لأهل الموسم صوم يوم عرفة؛ لأنّه أوّل أعيادهم وأكبر مجامعهم، وقد أفطره النبي ﷺ بعرفة والناس ينظرون إليه. وروي عنه أنّه نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة.
وروي عن سفيان بن عيينة أنه سئل عن النهي عن صيام يوم عرفة بعرفة، فقال: لأنهم زوّار الله وأضيافه، ولا ينبغي للكريم أن يجوّع أضيافه. وهذا
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٤/ ١٥٢)، وأبو داود (٢٤١٩)، والترمذي (٧٧٣)، والنسائي (٥/ ٢٥٢).
[ ٤٨٦ ]
المعنى يوجد في العيدين وأيام التشريق أيضا؛ فإنّ الناس كلّهم فيها في ضيافة الله ﷿، لا سيما عيد النّحر؛ فإنّ الناس يأكلون من لحوم نسكهم؛ أهل الموقف وغيرهم.
وأيام التشريق الثلاثة هي أيام عيد أيضا، ولهذا بعث النبي ﷺ من ينادي بمكّة: «إنها أيام أكل وشرب وذكر الله ﷿، فلا يصومنّ أحد». وقد يجتمع في يوم واحد عيدان، كما إذا اجتمع يوم الجمعة مع يوم عرفة أو يوم النّحر، فيزداد ذلك اليوم حرمة وفضلا؛ لاجتماع عيدين فيه. وقد كان ذلك؛ اجتمع للنبي ﷺ في حجته يوم عرفة، فكان يوم جمعة، وفيه نزلت هذه الآية ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣].
وإكمال الدين في ذلك اليوم حصل من وجوه:
منها: أنّ المسلمين لم يكونوا حجّوا حجّة الإسلام بعد فرض الحجّ قبل ذلك، ولا أحد منهم؛ هذا قول أكثر العلماء أو كثير منهم؛ فكمل بذلك دينهم لاستكمالهم عمل أركان الإسلام كلّها.
ومنها: أنّ الله تعالى أعاد الحجّ على قواعد إبراهيم ﵇، ونفى الشرك وأهله، فلم يختلط بالمسلمين في ذلك الموقف منهم أحد. قال الشعبي:
نزلت هذه الآية على النبي ﷺ وهو واقف بعرفة حين وقف موقف إبراهيم، واضمحلّ الشّرك، وهدّمت منار الجاهلية، ولم يطف بالبيت عريان. وكذا قال قتادة وغيره. وقد قيل: إنه لم ينزل بعدها تحليل ولا تحريم؛ قاله أبو بكر بن عياش.
وأمّا إتمام النّعمة فإنّما حصل بالمغفرة، فلا تتم النّعمة بدونها، كما قال لنبيه ﷺ: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا﴾
[ ٤٨٧ ]
﴿مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢]، وقال تعالى في آية الوضوء: ﴿وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٦]. ومن هنا استنبط محمد بن كعب القرظيّ أنّ الوضوء يكفّر الذنوب، كما وردت السّنّة بذلك صريحا. ويشهد له أيضا «أنّ النبيّ ﷺ سمع رجلا يدعو ويقول: اللهم إني أسألك تمام النّعمة. فقال له: تمام النّعمة النّجاة من النّار، ودخول الجنة» (^١). فهذه الآية تشهد لما روي في يوم عرفة أنّه يوم المغفرة والعتق من النار.
فيوم عرفة له فضائل متعددة:
منها: أنه يوم إكمال الدّين وإتمام النّعمة.
ومنها: أنّه عيد لأهل الإسلام، كما قاله عمر بن الخطاب وابن عباس؛ فإنّ ابن عباس قال: نزلت في يوم عيدين؛ يوم جمعة ويوم عرفة (^٢). وروي عن عمر أنه قال: وكلاهما بحمد الله لنا عيد. خرّجه ابن جرير في «تفسيره» (^٣). ويشهد له حديث عقبة بن عامر المتقدّم، لكنّه عيد لأهل الموقف خاصّة. ويشرع صيامه لأهل الأمصار عند جمهور العلماء، وإن خالف فيه بعض السلف.
ومنها: أنّه قد قيل: إنه الشّفع الذي أقسم الله به في كتابه، وأنّ الوتر يوم النّحر. وقد روي هذا عن النبي ﷺ من حديث جابر. خرّجه الإمام أحمد والنسائي في تفسيره (^٤). وقيل: إنّه الشاهد الذي أقسم الله به في كتابه، فقال تعالى: ﴿وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ﴾ [البروج: ٣].
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٥/ ٢٣١)، والترمذي (٣٥٢٧)، وهو ضعيف. وراجع: «الضعيفة» (٤٥٢٠).
(٢) أخرجه: ابن جرير في «تفسيره» (٦/ ٨٢).
(٣) أخرجه: ابن جرير في «تفسيره» (٦/ ٨٣).
(٤) أخرجه: أحمد (٣/ ٣٢٧)، والنسائي في «الكبرى» (١١٦٠٨، ٤٠٨٦).
[ ٤٨٨ ]
وفي «المسند» عن أبي هريرة مرفوعا وموقوفا: «الشاهد يوم عرفة، والمشهود يوم الجمعة» (^١). وخرّجه الترمذي مرفوعا. وروي ذلك عن علي من قوله. وخرّج الطبراني من حديث أبي مالك الأشعريّ مرفوعا: «الشاهد يوم الجمعة، والمشهود يوم عرفة» (^٢). وعلى هذا فإذا وقع يوم عرفة في يوم جمعة فقد اجتمع في ذلك اليوم شاهد ومشهود.
ومنها: أنّه روي أنه أفضل الأيام؛ خرّجه ابن حبّان في صحيحه، من حديث جابر عن النبي ﷺ، قال: «أفضل الأيام يوم عرفة». وذهب إلى ذلك طائفة من العلماء. ومنهم من قال: يوم النّحر أفضل الأيام؛ لحديث عبد الله بن قرط، عن النبي ﷺ، قال: «أعظم الأيام عند الله يوم النّحر، ثم يوم القرّ» (^٣). خرّجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه، ولفظه: أفضل الأيّام.
ومنها: أنّه روي عن أنس بن مالك أنّه قال: كان يقال: يوم عرفة بعشرة آلاف يوم، يعني في الفضل. وقد ذكرناه في فضل العشر. وروي عن عطاء، قال: من صام يوم عرفة كان له كأجر ألفي يوم.
ومنها: أنّه يوم الحجّ الأكبر (^٤) عند جماعة من السلف، منهم عمر وغيره.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٩٨)، والترمذي (٣٣٣٩)، وأشار إلى ضعفه. وقد تقدم.
(٢) أخرجه: الطبراني في «الكبير» (٣٤٥٨). وقال الهيثمي في «المجمع» (٢/ ١٧٣ - ١٧٤): «وفيه محمد بن إسماعيل بن عياش عن أبيه، قال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه شيئا».
(٣) أخرجه: أحمد (٤/ ٣٥٠)، وأبو داود (١٧٦٥) وصححه الألباني في «الإرواء» (٢٠١٨) وقد تقدم.
(٤) روى ذلك مرفوعا، ذكره ابن عبد البر في «التمهيد» (١/ ١٢٦) بدون إسناد.
[ ٤٨٩ ]
وخالفهم آخرون، وقالوا: يوم الحجّ الأكبر يوم النّحر. وروي ذلك عن النبي (^١) ﷺ.
ومنها: أنّ صيامه كفّارة سنتين، وسنذكر الحديث في ذلك فيما بعد إن شاء الله تعالى.
ومنها: أنه يوم مغفرة الذنوب والتجاوز عنها، والعتق من النار، والمباهاة بأهل الموقف؛ كما في «صحيح مسلم» عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ، قال: «ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبيدا من النّار من يوم عرفة، وإنّه ليدنو، ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء؟» (^٢).
وفي «المسند» عن عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ، قال: «إن الله تعالى يباهي ملائكته عشيّة عرفة، فيقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا» (^٣).
وفيه عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: «إنّ الله يباهي بأهل عرفات، يقول:
انظروا إلى عبادي شعثا غبرا». وخرّجه ابن حبان في «صحيحه» (^٤). وخرّج فيه أيضا من حديث جابر عن النبي ﷺ، قال: «ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة، ينزل الله ﵎ إلى السّماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء، فيقول: انظروا إلى عبادي شعثا غبرا ضاحين، جاءوا من كلّ فجّ عميق، يرجون رحمتي ولم يروا عذابي، فلم ير أكثر عتيقا من النّار من يوم عرفة» (^٥).
_________________
(١) أخرجه: الترمذي (٩٥٧ - ٩٥٨)، ورجّح وقفه على عليّ ﵁. وراجع: «التمهيد» لابن عبد البر (١/ ١٢٥)، و«صحيح مسلم» (٤/ ١٠٧).
(٢) أخرجه: مسلم (٤/ ١٠٧) (١٣٤٨)، والنسائي (٥/ ٢٥١ - ٢٥٢).
(٣) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٢٤).
(٤) أخرجه: أحمد (٢/ ٣٠٥)، وابن خزيمة (٢٨٣٩)، وابن حبان (٣٨٥٢)، والحاكم (٤٦٥/ ١)، والبيهقي (٥/ ٥٨).
(٥) أخرجه: ابن حبان (٣٨٥٣)، وأبو يعلى الموصلي في «مسنده» (٢٠٩٠). وراجع: «مجمع الزوائد» (٣/ ٢٥٣).
[ ٤٩٠ ]
وخرّجه ابن منده في «كتاب التوحيد» ولفظه: «إذا كان يوم عرفة ينزل الله إلى السماء الدنيا فيباهي بهم الملائكة، فيقول: انظروا إلى عبادي، أتوني شعثا غبرا من كل فجّ عميق، أشهدكم أنّي قد غفرت لهم. فتقول الملائكة: يا ربّ، فلان مرهّق، فيقول: قد غفرت لهم. فما من يوم أكثر عتيقا من النار من يوم عرفة» (^١). وقال: إسناد حسن متصل، انتهى. ورويناه من وجه آخر بزيادة فيه، وهي: «أشهدكم يا عبادي أنّي قد غفرت لمحسنهم، وتجاوزت عن مسيئهم».
ورويناه من رواية إسماعيل بن رافع - وفيه مقال - عن أنس، عن النبي ﷺ، قال: «يهبط الله إلى السماء الدنيا عشيّة عرفة، ثم يباهي بكم الملائكة، فيقول: هؤلاء عبادي جاءوني شعثا من كلّ فجّ عميق، يرجون رحمتي ومغفرتي، فلو كانت ذنوبهم كعدد الرّمل لغفرتها؛ أفيضوا عبادي مغفورا لكم ولمن شفعتم فيه» (^٢).
وخرّجه البزار في «مسنده» بمعناه، من حديث مجاهد عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال: لا نعلم له طريقا أحسن من هذا الطريق. وخرجه الطبراني وغيره من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، عن النبي ﷺ مختصرا.
ورويناه من طريق الوليد بن مسلم، قال: أخبرني أبو بكر بن أبي مريم، عن الأشياخ: أنّ النبي ﷺ قال: «إن الله ﷿ يدنو إلى السّماء الدنيا عشيّة عرفة، فيقبل على ملائكته، فيقول: ألا إنّ لكلّ وفد جائزة، وهؤلاء وفدي شعثا غبرا، أعطوهم ما سألوا، وأخلفوا لهم ما أنفقوا. حتى إذا كان عند غروب
_________________
(١) أخرجه: ابن خزيمة (٢٨٤٠) من طريق مرزوق أبي بكر مولى طلحة الباهلي عن أبي الزبير عن جابر. ثم قال: «أنا أبرأ من عهدة مرزوق». وراجع: «الضعيفة» (٦٧٩).
(٢) عزاه في «كنز العمال» (١٢١٠٣) إلى ابن عساكر عن أنس ﵁.
[ ٤٩١ ]
الشمس أقبل عليهم، فقال: ألا إنّي قد وهبت مسيئكم لمحسنكم، وأعطيت محسنكم ما سأل، أفيضوا بسم الله».
وروى إبراهيم بن الحكم بن أبان، حدثنا أبي، حدثنا فرقد، قال: إنّ أبواب السماء تفتح كلّ ليلة ثلاث مرات، وفي ليلة الجمعة سبع مرات، وفي ليلة عرفة تسع مرات. وروينا من طريق نفيع أبي داود، عن ابن عمر مرفوعا وموقوفا: «إذا كان عشية يوم عرفة لم يبق أحد في قلبه مثقال ذرّة من إيمان إلاّ غفر له. قيل له: أللمعرّف خاصّة أم للناس عامّة؟ قال: بل للناس عامّة».
وخرّجه مالك في «الموطإ» من مراسيل طلحة بن عبيد الله بن كريز أنّ النبي ﷺ، قال: «ما رئي الشيطان يوما هو فيه أصغر، ولا أدحر ولا أحقر، ولا أغيظ منه يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من تنزّل الرحمة، وتجاوز الله عن الذّنوب العظام، إلاّ ما رئي يوم بدر. قيل: وما رأى يوم بدر؟ قال: رأى جبريل ﵇ وهو يزع الملائكة» (^١).
وروى أبو عثمان الصّابوني بإسناد له عن رجل كان أسيرا ببلاد الروم، فهرب من بعض الحصون، قال: فكنت أسير بالليل وأكمن بالنّهار، فبينا أنا ذات ليلة أمشي بين جبال وأشجار إذا أنا بحسّ، فراعني ذلك، فنظرت فإذا راكب بعير، فازددت رعبا، وذلك أنّه لا يكون ببلاد الروم بعير، فقلت:
سبحان الله! في بلاد الروم راكب بعير، إنّ هذا لعجب. فلمّا انتهى إليّ قلت:
يا عبد الله، من أنت؟ قال: لا تسأل. قلت: إنّي أرى عجبا، فأخبرني. فقال:
لا تسأل. فأبيت عليه، فقال: أنا إبليس، وهذا وجهي من عرفات، وافقتهم عشيّة اليوم أطلع عليهم، فنزلت عليهم الرحمة والمغفرة، ووهب بعضهم
_________________
(١) أخرجه: مالك في «الموطأ» (٢٧٢) مرسلا.
[ ٤٩٢ ]
لبعض، فداخلني الهمّ والحزن والكآبة؛ وهذا وجهي إلى قسطنطينيّة أنفرج بما أسمع من الشرك بالله وادّعاء أنّ له ولدا. فقلت: أعوذ بالله منك. فلمّا قلت هذه الكلمات لم أر أحدا.
ويشهد لهذه الحكاية حديث عبّاس بن مرداس الذي خرّجه أحمد وابن ماجه في دعاء النبي ﷺ لأمّته عشيّة عرفة، ثم بالمزدلفة، فأجيب فضحك ﷺ، وقال: «إنّ إبليس حين علم أنّ الله قد غفر لأمتي واستجاب دعائي أهوى يحثي التراب على رأسه، ويدعو بالويل والثّبور؛ فضحكت من الخبيث من جزعه» (^١).
ويروى عن علي بن الموفق أنّه وقف بعرفة في بعض حجّاته، فرأى كثرة الناس، فقال: اللهم، إن كنت لم تتقبّل منهم أحدا فقد وهبته حجّي. فرأى ربّ العزّة في منامه، وقال له: يا ابن الموفق! أتتسخّى عليّ؟ قد غفرت لأهل الموقف ولأمثالهم، وشفّعت كلّ واحد منهم في أهل بيته وذريته وعشيرته، وأنا أهل التقوى وأهل المغفرة. ويروى نحوه عن غيره أيضا من الشيوخ.
فمن طمع في العتق من النار ومغفرة ذنوبه في يوم عرفة، فليحافظ على الأسباب التي يرجى بها العتق والمغفرة:
فمنها: صيام ذلك اليوم؛ ففي «صحيح مسلم» عن أبي قتادة، عن النبي ﷺ، قال: «صيام يوم عرفة؛ أحتسب على الله أن يكفّر السّنة التي قبله والتي بعده» (^٢).
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٤/ ١٤)، وابن ماجه (٣٠١٣)، وأبو داود (٥٢٣٤) مختصرا. قال البوصيري في «مصباح الزجاجة»: «في إسناده عبد الله بن كنانة، قال البخاري: لم يصح حديثه، ولم أر من تكلم فيه بجرح ولا توثيق».
(٢) أخرجه: مسلم (٣/ ١٦٧) (١١٦٢)، وأبو داود (٢٤٢٥).
[ ٤٩٣ ]
ومنها: حفظ جوارحه عن المحرّمات في ذلك اليوم؛ ففي مسند الإمام أحمد عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنّه قال: «يوم عرفة، هذا يوم من ملك فيه سمعه وبصره ولسانه غفر له» (^١).
ومنها: الإكثار من شهادة التوحيد بإخلاص وصدق؛ فإنّها أصل دين الإسلام الذي أكمله الله تعالى في ذلك اليوم، وأساسه. وفي «المسند» عن عبد الله بن عمرو، قال: كان أكثر دعاء النبي ﷺ يوم عرفة: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، بيده الخير، وهو على كلّ شيء قدير». وخرّجه الترمذي، ولفظه: «خير الدّعاء دعاء يوم عرفة، وخير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كلّ شيء قدير» (^٢). وخرّجه الطبراني من حديث عليّ وابن عمر مرفوعا أيضا (^٣).
وخرّج الإمام أحمد من حديث الزّبير بن العوام، قال: سمعت رسول الله ﷺ وهو بعرفة يقرأ هذه الآية ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ﴾ الآية [آل عمران: ١٨]، ويقول: «وأنا على ذلك من الشاهدين، يا رب» (^٤). ويروى من حديث عبادة بن الصامت، قال: شهدت النبي ﷺ يوم عرفة، فكان أكثر قوله: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ هُوَ﴾ الآية [آل عمران: ١٨].
_________________
(١) أخرجه: أحمد (١/ ٣٢٩)، وابن خزيمة (٢٨٣٢)، وأشار إلى ضعفه.
(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ٢١٠)، والترمذي (٣٥٨٥)، وقال: «غريب». وراجع: «الصحيحة» (١٥٠٣).
(٣) أخرجه: الطبراني في «الدعاء» (٨٧٤) عن علي، وعن ابن عمر (برقم ٨٧٥).
(٤) أخرجه: أحمد (١/ ١٦٦)، وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٦/ ٣٢٥): «رواه أحمد والطبراني، وفي أسانيدهما مجاهيل».
[ ٤٩٤ ]
ثم قال: أي رب، وأنا أشهد. فتحقيق كلمة التوحيد يوجب العتق من النار، فإنّها تعدل عتق الرّقاب، وعتق الرقاب يوجب العتق من النار.
كما ثبت في الصحيح أنّ من قالها مائة مرّة كانت له عدل عشر رقاب. وثبت أيضا أنّ من قالها عشر مرات كان كمن أعتق أربعة من ولد إسماعيل (^١).
وفي «سنن أبي داود» وغيره عن أنس عن النبي ﷺ، قال: «من قال حين يصبح أو يمسي: اللهمّ إنّي أصبحت أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك وجميع خلقك أنّك أنت الله لا إله إلاّ أنت وأنّ محمدا عبدك ورسولك، أعتق الله ربعه من النّار، ومن قالها مرّتين أعتق الله نصفه من النّار، ومن قالها ثلاث مرات أعتق الله ثلاثة أرباعه من النّار، ومن قالها أربع مرار أعتقه الله من النار» (^٢). ويروى من مراسيل الزّهري: «من قال في يوم عشرة آلاف مرّة لا إله إلا الله وحده لا شريك له أعتقه الله من النار». كما أنه لو جاء بدية من قتله عشرة آلاف قبلت منه.
ومنها: أن يعتق رقبة إن أمكنه؛ فإنّ من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكلّ عضو منها عضوا منه من النار. كان حكيم بن حزام ﵁ يقف بعرفة ومعه مائة بدنة مقلّدة، ومائة رقيق، فيعتق رقيقه، فيضجّ الناس بالبكاء والدّعاء، ويقولون: ربّنا، هذا عبدك قد أعتق عبيده، ونحن عبيدك فأعتقنا. وجرى للناس مرّة مع الرشيد نحو هذا. وكان أبو قلابة يعتق جارية في عيد الفطر يرجو أن يعتق بذلك من النار.
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٨/ ١٠٧) (٦٤٠٤)، ومسلم (٢٦٩٣)، وأحمد (٥/ ٤١٨)، والترمذي (٣٥٥٣).
(٢) أخرجه: أبو داود (٥٠٦٩)، وإسناده ضعيف. وراجع: «الضعيفة» (١٠٤١).
[ ٤٩٥ ]
ومنها: كثرة الدّعاء بالمغفرة، والعتق؛ فإنّه يرجى إجابة الدّعاء فيه. روى ابن أبي الدنيا بإسناده عن علي، قال: ليس في الأرض يوم إلاّ لله فيه عتقاء من النّار، وليس يوم أكثر فيه عتقا للرقاب من يوم عرفة. فأكثر فيه أن تقول: اللهم أعتق رقبتي من النار، وأوسع لي من الرزق الحلال، واصرف عنّي فسقة الجنّ والإنس، فإنّه عامّة دعائي اليوم.
وليحذر من الذّنوب التي تمنع المغفرة فيه والعتق:
فمنها: الاختيال؛ روينا من حديث جابر عن النبي ﷺ، قال: «ما يرى يوم أكثر عتيقا ولا عتيقة من يوم عرفة، لا يغفر الله فيه لمختال». وخرّجه البزار والطبراني وغيرهما. والمختال: هو المتعاظم في نفسه المتكبّر، قال الله تعالى: ﴿وَاللهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ﴾ [الحديد: ٢٣]. وقال النبيّ ﷺ:
«إنّ الله لا ينظر إلى من جرّ ثوبه خيلاء» (^١).
ومنها: الإصرار على الكبائر، روى جعفر السراج بإسناده، عن يونس بن عبد الأعلى، أنّه حجّ سنة فرأى أمير الحاج في منامه أنّ الله قد غفر لأهل الموسم سوى رجل فسق بغلام، فأمر بالنداء بذلك في الموسم. وروى ابن أبي الدنيا وغيره أنّ رجلا رأى في منامه أنّ الله قد غفر لأهل الموقف كلّهم، إلاّ رجلا من أهل بلخ، فسأل عنه حتى وقع عليه، فسأله عن حاله، فذكر أنه كان مدمنا لشرب الخمر، فجاء ليلة وهو سكران، فعاتبته أمّه وهي تسجر تنّورا، فاحتملها فألقاها فيه حتى احترقت.
يا من يطمع في العتق من النار ثم يمنع نفسه الرحمة بالإصرار على كبائر الإثم والأوزار، تالله ما نصحت نفسك، ولا وقف في طريقك غيرك، توبق
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٧/ ١٨٣) (٥٧٨٣).
[ ٤٩٦ ]
نفسك بالمعاصي، فإذا حرمت المغفرة قلت أنّى هذا؟ قل هو من عند أنفسكم.
فنفسك لم ولا تلم المطايا … ومت كمدا فليس لك اعتذار
إن كنت تطمع في العتق فاشتر نفسك من الله، ف ﴿إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التّوبة: ١١١]، من كرمت عليه نفسه هان عليه كلّ ما يبذل في افتكاكها من النار.
اشترى بعض السّلف نفسه من الله ثلاث مرار أو أربعا؛ يتصدّق كلّ مرّة بوزن نفسه فضة.
واشترى عامر بن عبد الله بن الزبير نفسه من الله بديته ستّ مرات تصدّق بها. واشترى حبيب العجمي نفسه من الله بأربعين ألف درهم تصدّق بها. وكان أبو هريرة يسبّح كلّ يوم اثنتي عشر ألف تسبيحة بقدر ديته يفتكّ بذلك نفسه.
بدم المحبّ يباع وصلهم … فمن الذي يبتاع بالثمن
من عرف ما يطلب هان عليه كلّ ما يبذل. ويحك! قد رضينا منك في فكاك نفسك بالنّدم، وقنعنا منك في ثمنها بالتوبة والحزن. وفي هذا الموسم قد رخص السّعر، من ملك سمعه وبصره ولسانه غفر له. مدّ إليه يد الاعتذار، وقم على بابه بالذّلّ والانكسار، ارفع قصّة ندمك مرقومة على صحيفة خدّك بمداد الدّموع الغزار، وقل: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. قال يحيى بن معاذ: العبد يوحش فيما بينه وبين سيده بالمخالفات، ولا يفارق بابه بحال؛ لعلمه بأنّ عزّ العبيد في ظلّ مواليهم. وأنشأ يقول:
قرّة عيني لا بدّ لي منك وإن … أوحش بيني وبينك الزّلل
[ ٤٩٧ ]
قرة عيني أنا الغريق فخذ … كفّ غريق عليك يتّكل
كانت أحوال الصّادقين في الموقف بعرفة تتنوّع؛ فمنهم من كان يغلب عليه الخوف أو الحياء. وقف مطرّف بن عبد الله بن الشّخّير، وبكر المزني، بعرفة، فقال أحدهما: اللهم، لا تردّ أهل الموقف من أجلي. وقال الآخر: ما أشرفه من موقف وأرجاه لأهله، لولا أنّي فيهم!
وقف الفضيل بعرفة والناس يدعون وهو يبكي بكاء الثّكلى المحترقة، قد حال البكاء بينه وبين الدعاء، فلمّا كادت الشمس أن تغرب رفع رأسه إلى السماء، وقال: وا سوءتاه منك وإن عفوت! وقال الفضيل أيضا لشعيب بن حرب بالموسم: إن كنت تظنّ أنّه شهد الموقف أحد شرّا منّي ومنك فبئس ما ظننت.
دعا بعض العارفين بعرفة، فقال: اللهم، إن كنت لم تقبل حجّي وتعبي ونصبي فلا تحرمني أجر المصيبة على تركك القبول منّي. وقف بعض الخائفين بعرفة إلى أن قرب غروب الشمس، فنادى: الأمان الأمان، قد دنا الانصراف، فليت شعري ما صنعت في حاجة المساكين!
وإنّي من خوفكم والرّجا … أرى الموت والعيش فيكم عيانا
فمنّوا على تائب خائف … أتاكم ينادي الأمان الأمانا
إذا طلب الأسير الأمان من الملك الكريم أمّنه.
الأمان الأمان وزري ثقيل … وذنوبي إذا عددن تطول
أوبقتني وأوثقتني ذنوبي … فترى لي إلى الخلاص سبيل؟
وقف بعض العارفين الخائفين بعرفة، فمنعه الحياء من الدّعاء، فقيل له: لم
[ ٤٩٨ ]
لا تدعو؟ فقال: ثمّ وحشة. فقيل له: هذا يوم العفو عن الذّنوب، فبسط يديه ووقع ميتا.
حدا بها الحادي إلى نعمان … فاستذكرت عهدا لها بالبان
فسالت الرّوح من الأجفان … تشوّقا إلى الزّمان الفاني
غيره:
قد لجّ بي الغرام حتّى قالوا … قد جنّ بهم وهكذا البلبال
الموت إذا رضيته سلسال … في مثل هواك ترخص الآجال
وقف بعض الخائفين بعرفات، وقال: إلهي، النّاس يتقرّبون إليك بالبدن، وأنا أتقرّب إليك بنفسي، ثم خرّ ميتا.
للناس حجّ ولي حجّ إلى سكني … تهدى الأضاحي وأهدي مهجتي ودمي
ما يرضى المحبّون لمحبوبهم بإراقة دماء الهدايا، وإنما يهدون له الأرواح.
أرى موسم الأعياد أنس الأجانب … وما العيد عندي غير قرب الحبائب
إذا قرّبوا بدنا فقرباني الهوى … فإن قبلوا قلبي وإلاّ فقالبي
وما بدم الأنعام أقضي حقوقهم … ولكن بما بين الحشا والتّرائب
كان أبو عبيدة الخوّاص قد غلب عليه الشوق والقلق حتى يضرب على صدره في الطريق، ويقول: وا شوقاه إلى من يراني ولا أراه. وكان بعد ما كبر يأخذ بلحيته ويقول: يا ربّ، قد كبرت فأعتقني. ورئي بعرفة وقد ولع به الوله وهو يقول:
سبحان من لو سجدنا بالعيون له … على حمى الشّوك والمحمى من الإبر
لم نبلغ العشر من معشار نعمته … ولا العشير ولا عشرا من العشر
هو الرفيع فلا الأبصار تدركه … سبحانه من مليك نافذ القدر
[ ٤٩٩ ]
سبحان من هو أنسي إذ خلوت به … في جوف ليلي وفي الظّلمات والسّحر
أنت الحبيب وأنت الحبّ يا أملي … من لي سواك ومن أرجوه يا ذخري
ومن العارفين من كان في الموقف يتعلّق بأذيال الرجاء؛ قال ابن المبارك:
جئت إلى سفيان الثوري عشيّة عرفة، وهو جاث على ركبتيه، وعيناه تهملان، فالتفت إليّ، فقلت له: من أسوأ هذا الجمع حالا؟ قال: الذي يظنّ أنّ الله لا يغفر لهم. وروي عن الفضيل أنّه نظر إلى نشيج الناس وبكائهم عشيّة عرفة، فقال: أرأيتم لو أنّ هؤلاء صاروا إلى رجل فسألوه دانقا، يعني سدس درهم، أكان يردّهم؟ قالوا: لا. قال: والله، للمغفرة عند الله أهون من إجابة رجل لهم بدانق.
وإنّي لأدعو الله أسأل عفوه … وأعلم أنّ الله يعفو ويغفر
لئن أعظم النّاس الذّنوب فإنّها … وإن عظمت في رحمة الله تصغر
وعمّا قليل يقف إخوانكم بعرفة في ذلك الموقف، فهنيئا لمن رزقه، يجأرون إلى الله بقلوب محترقة، ودموع مستبقة؛ فكم فيهم من خائف أزعجه الخوف وأقلقه، ومحبّ ألهبه الشّوق وأحرقه، وراج أحسن الظّنّ بوعد الله وصدّقه، وتائب نصح لله في التّوبة وصدقه، وهارب لجأ إلى باب الله وطرقه؛ فكم هنالك من مستوجب للنار أنقذه الله وأعتقه، ومن أسير للأوزار فكّه وأطلقه. وحينئذ يطّلع عليهم أرحم الرّحماء، ويباهي بجمعهم أهل السّماء، ويدنو ثم يقول: ما أراد هؤلاء؟ لقد قطعنا عند وصولهم الحرمان، وأعطاهم نهاية سؤلهم الرحمن، هو الذي أعطى ومنع، ووصل وقطع.
ما أصنع هكذا جرى المقدور … الجبر لغيري وأنا المكسور
أسير ذنب مقيد ما سور … هل يمكن أن يبدل المسطور
من فاته في هذا العام القيام بعرفة فليقم لله بحقّه الذي عرفه. من عجز عن
[ ٥٠٠ ]
المبيت بمزدلفة فليبت عزمه على طاعة الله، وقد قرّبه وأزلفه. من لم يمكنه القيام بأرجاء الخيف، فليقم لله بحقّ الرجاء والخوف. من لم يقدر على نحر هديه بمنى فليذبح هواه هنا وقد بلغ المنى. من لم يصل إلى البيت لأنه منه بعيد فليقصد ربّ البيت؛ فإنّه أقرب إلى من دعاه ورجاه من حبل الوريد.
نفحت في هذه الأيام نفحة من نفحات الأنس من رياض القدس على كلّ قلب أجاب إلى ما دعي، يا همم العارفين، بغير الله لا تقنعي. يا عزائم الناسكين، لجميع أنساك السالكين اجمعي، لحبّ مولاك أفردي، وبين خوفه ورجائه أقرني، وبذكره تمتعي.
يا أسرار المحبين، بكعبة الحبّ طوفي واركعي، وبين صفاء الصفا ومروة المروة اسعي وأسرعي، وفي عرفات العرفان قفي وتضرّعي، ثم إلى مزدلفة الزّلفى فادفعي، ثم إلى منى نيل المنى فارجعي. فإذا قرّب القرابين فقرّبي الأرواح ولا تمنعي؛ لقد وضح اليوم الطريق، ولكن قلّ السّالك على التحقيق وكثر المدّعي.
لئن لم أحجّ البيت إذ شطّ ربعه … حججت إلى من لا يغيب عن الذّكر
فأحرمت من وقتي بخلع نقائصي (^١) … أطوف وأسعى في اللطائف والبرّ
صفاي صفائي عن صفاتي ومروتي … مروءة قلب عن سوى حبّه قفر (^٢)
وفي عرفات الأنس بالله موقفي … ومزدلفي الزّلفى لديه إلى الحشر
وبتّ المنى منّي (^٣) … مبيتي في منى
ورمي جماري جمر شوقي في صدري
وإشعار هديي ذبح نفسي بقهرها … وحلقي بمحق الكائنات عن السّرّ
ومن رام نفرا بعد نسك فإنّني … مقيم على نسكي حياتي بلا نفر
***
_________________
(١) في أ: «شمائلي».
(٢) في ب: «فقر».
(٣) في أ: «ونيل المنى بمنى».
[ ٥٠١ ]