خرّج الإمام أحمد وأبو داود والترمذيّ والنّسائيّ وابن ماجه وابن حبان في «صحيحه» والحاكم من حديث العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا حتى رمضان» (^١)، وصحّحه الترمذيّ وغيره.
واختلف العلماء في صحة هذا الحديث، ثمّ في العمل به:
فأمّا تصحيحه؛ فصحّحه غير واحد، منهم الترمذيّ وابن حبان والحاكم والطّحاويّ وابن عبد البر، وتكلّم فيه من هو أكبر من هؤلاء وأعلم، وقالوا:
هو حديث منكر؛ منهم عبد الرحمن بن مهدي، والإمام أحمد، وأبو زرعة الرازيّ، والأثرم. وقال الإمام أحمد: لم يرو العلاء حديثا أنكر منه، وردّه بحديث «لا تقدّموا رمضان بصوم يوم أو يومين» (^٢) فإنّ مفهومه جواز التّقدّم بأكثر من يومين. وقال الأثرم: الأحاديث كلها تخالفه؛ يشير إلى أحاديث صيام النبيّ ﷺ شعبان كلّه ووصله برمضان، ونهيه عن التقدّم على رمضان بيومين، فصار الحديث حينئذ شاذّا مخالفا للأحاديث الصّحيحة.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٢/ ٤٤٢)، وأبو داود (٢٣٣٧)، والترمذي (٧٣٨)، وابن ماجه (١٦٥١)، والبيهقي (٤/ ٢٠٩)، وابن عدي (٥/ ٥٠١)، وابن حبان (٣٥٨٩)، (٣٥٩١)، والنسائي في «الكبرى» (٢٩٢٣). وانظر «المحرّر» لابن عبد الهادي (٦٥٤)، وشرح العمدة لابن تيمية «كتاب الصيام» (٢/ ٦٤٨).
(٢) متفق عليه: البخاري (٣/ ٣٥ - ٣٦) (١٩١٤)، ومسلم (٣/ ١٢٥) (١٠٨٢).
[ ٢٤٤ ]
وقال الطّحاويّ: هو منسوخ، وحكى الإجماع على ترك العمل به. وأكثر العلماء على أنّه لا يعمل به، وقد أخذ به آخرون؛ منهم الشافعيّ وأصحابه، ونهوا عن ابتداء التطوّع بالصّيام بعد نصف شعبان لمن ليس له عادة، ووافقهم بعض المتأخرين من أصحابنا.
ثمّ اختلفوا في علّة النّهي:
فمنهم من قال: خشية أن يزاد في شهر رمضان ما ليس منه، وهذا بعيد جدّا فيما بعد النصف، وإنّما يحتمل هذا في التّقدم بيوم أو يومين.
ومنهم من قال: النهي للتّقوّي على صيام رمضان شفقة أن يضعفه ذلك عن صيام رمضان؛ وروي ذلك عن وكيع. ويردّ هذا صيام النبيّ ﷺ شعبان كلّه أو أكثره ووصله برمضان.
هذا كلّه في الصيام بعد نصف شعبان. فأمّا صيام يوم النّصف منه فغير منهيّ عنه، فإنّه من جملة أيّام البيض الغرّ المندوب إلى صيامها من كلّ شهر.
وقد ورد الأمر بصيامه من شعبان بخصوصه، ففي «سنن ابن ماجه» بإسناد ضعيف عن عليّ عن النبي ﷺ: «إذا كان ليلة نصف شعبان فقوموا ليلها، وصوموا نهارها، فإنّ الله تعالى ينزل فيها لغروب الشّمس إلى السماء الدّنيا، فيقول: ألا مستغفر فأغفر له، ألا مسترزق فأرزقه، ألا مبتلى فأعافيه، ألا كذا ألا كذا، حتّى يطلع الفجر» (^١).
وفي فضل ليلة نصف شعبان أحاديث أخر متعدّدة، وقد اختلف فيها، فضعّفها الأكثرون، وصحّح ابن حبّان بعضها وخرّجه في «صحيحه».
ومن أمثلها: حديث عائشة، قالت: «فقدت النبيّ ﷺ، فخرجت فإذا هو
_________________
(١) أخرجه: ابن ماجه (١٣٨٨)، وهو موضوع، وانظر «السلسلة الضعيفة» (٢١٣٢).
[ ٢٤٥ ]
بالبقيع رافع رأسه إلى السّماء، فقال: أكنت تخافين أن يحيف الله عليك ورسوله؟ فقلت: يا رسول الله، ظننت أنّك أتيت بعض نسائك. فقال:
«إنّ الله ﵎ ينزل ليلة النّصف من شعبان إلى سماء الدّنيا فيغفر لأكثر من عدد شعر غنم كلب» (^١) خرّجه الإمام أحمد والترمذيّ وابن ماجه، وذكر الترمذيّ عن البخاريّ أنّه ضعّفه.
وخرّج ابن ماجه من حديث أبي موسى، عن النبي ﷺ، قال: «إنّ الله ليطّلع ليلة النّصف من شعبان فيغفر لجميع خلقه، إلاّ لمشرك أو مشاحن» (^٢).
وخرّج الإمام أحمد من حديث عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ، قال:
«إنّ الله ليطّلع إلى خلقه ليلة النّصف من شعبان فيغفر لعباده إلاّ اثنين:
مشاحن، وقاتل نفس» (^٣).
وخرّجه ابن حبّان في «صحيحه» من حديث معاذ مرفوعا (^٤).
ويروى من حديث عثمان بن أبي العاص مرفوعا: «إذا كان ليلة النّصف من شعبان نادى مناد: هل من مستغفر فأغفر له؟ هل من سائل فأعطيه؟ فلا يسأل أحد شيئا إلاّ أعطيه، إلاّ زانية بفرجها أو مشركا» (^٥). وفي الباب أحاديث أخر فيها ضعف.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٦/ ٢٣٨)، والترمذي (٧٣٩)، وابن ماجه (١٣٨٩)، وانظر: المشكاة (١٢٩٩)، و«الصحيحة» (١١٤٤)، و«شعب الإيمان» (٣/ ٣٧٩) فقد رجح البيهقي فيه الإرسال.
(٢) أخرجه: ابن ماجه (١٣٩٠)، وابن أبي عاصم (٥١٠). وقد صحّحه الألبانيّ كما في «صحيح السنن».
(٣) أخرجه: أحمد (٢/ ١٧٦)، وقال الهيثمي في «المجمع» (٨/ ٦٥) «رواه أحمد، وفيه ابن لهيعة، وهو لين الحديث وبقية رجاله وثقوا».
(٤) «صحيح ابن حبان» (٥٦٦٥).
(٥) أخرجه: البيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٣٨٣).
[ ٢٤٦ ]
ويروى عن نوف البكالي أنّ عليّا ﵁ خرج ليلة النّصف من شعبان فأكثر الخروج فيها، ينظر إلى السّماء، فقال: إنّ داود ﵇ خرج ذات ليلة في مثل هذه السّاعة فنظر إلى السّماء، فقال: إنّ هذه السّاعة ما دعا الله أحد إلاّ أجابه، ولا استغفره أحد في هذه الليلة إلاّ غفر له، ما لم يكن عشّارا أو ساحرا أو شاعرا أو كاهنا أو عريفا أو شرطيّا أو جابيا أو صاحب كوبة أو عرطبة.
قال نوف: الكوبة: الطبل، والعرطبة: الطّنبور.
اللهم ربّ داود، اغفر لمن دعاك في هذه الليلة ولمن استغفرك فيها.
وليلة النّصف من شعبان كان التابعون من أهل الشام - كخالد بن معدان ومكحول ولقمان بن عامر وغيرهم - يعظّمونها ويجتهدون فيها في العبادة، وعنهم أخذ الناس فضلها وتعظيمها، وقد قيل: إنّه بلغهم في ذلك آثار إسرائيلية، فلمّا اشتهر ذلك عنهم في البلدان اختلف النّاس في ذلك؛ فمنهم من قبله منهم ووافقهم على تعظيمها؛ منهم طائفة من عباد أهل البصرة وغيرهم. وأنكر ذلك أكثر العلماء من أهل الحجاز؛ منهم عطاء وابن أبي مليكة، ونقله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن فقهاء أهل المدينة، وهو قول أصحاب مالك وغيرهم، وقالوا: ذلك كلّه بدعة.