في «الصحيحين» عن ابن عمر ﵄: أنّ رجالا من أصحاب النبي ﷺ أروا ليلة القدر في المنام في السّبع الأواخر، فقال رسول الله ﷺ: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السّبع الأواخر، فمن كان متحرّيها فليتحرّها في السّبع الأواخر» (^١). وفي «صحيح مسلم» عنه، عن النبي ﷺ قال: «التمسوها في العشر الأواخر، فإن ضعف أحدكم أو عجز فلا يغلبنّ على السّبع البواقي» (^٢).
قد ذكرنا فيما تقدّم أنّ النبي ﷺ كان يجتهد في شهر رمضان على طلب ليلة القدر، وأنّه اعتكف مرّة العشر الأول منه، ثم طلبها فاعتكف بعد ذلك العشر الأوسط في طلبها وأنّ ذلك تكرّر منه غير مرّة، ثم استقرّ أمره على اعتكاف العشر الأواخر في طلبها، وأمر بطلبها فيه؛ ففي «الصحيحين» عن عائشة ﵂ أنّ النبي ﷺ قال: «تحروا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان» (^٣).
وفي رواية للبخاري: «في الوتر من العشر الأواخر من رمضان». وله من حديث ابن عباس، عن النبي ﷺ، قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان» (^٤). ولمسلم من حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: «التمسوها في العشر الغوابر» (^٥). والأحاديث في المعنى كثيرة.
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٣/ ٦٠) (١١٥٨) (٢٠١٥)، ومسلم (٣/ ١٧٠) (١١٦٥).
(٢) أخرجه: مسلم (٣/ ١٧٠) (١١٦٥).
(٣) أخرجه: البخاري (٣/ ٦٠) (٢٠١٧)، ومسلم (٣/ ١٧٣) (١١٦٩).
(٤) أخرجه: البخاري (٣/ ٦١) (٢٠٢١).
(٥) أخرجه: مسلم (٣/ ١٧٠) (١١٦٥).
[ ٣٤٣ ]
وكان يأمر بالتماسها في أوتار العشر الأواخر. ففي «صحيح البخاري» عن ابن عباس ﵄، عن النبي ﷺ، قال: «التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان؛ في تاسعة تبقى، في سابعة تبقى، في خامسة تبقى» (^١). وفي رواية له: «هي في العشر؛ في سبع يمضين، أو سبع يبقين».
وخرّج الإمام أحمد والنّسائي والترمذيّ من حديث أبي بكرة، قال: ما أنا بملتمسها لشيء سمعته من رسول الله ﷺ إلاّ في العشر الأواخر؛ فإنّي سمعته يقول: «التمسوها في تسع يبقين، أو سبع يبقين، أو خمس يبقين، أو ثلاث يبقين، أو آخر ليلة» (^٢). وكان أبو بكرة يصلّي في العشرين من رمضان كصلاته في سائر السّنة، فإذا دخل العشر اجتهد، ثم بعد ذلك أمر بطلبها في السّبع الأواخر.
وفي «المسند» وكتاب النسائي عن أبي ذرّ، قال: «كنت أسأل الناس عنها - يعني ليلة القدر - فقلت: يا رسول الله، أخبرني عن ليلة القدر، أفي رمضان هي، أو في غيره؟ قال: بل هي في رمضان. قلت: تكون مع الأنبياء ما كانوا، فإذا قبضوا رفعت، أم هي إلى يوم القيامة؟ قال: بل هي إلى يوم القيامة. قلت: في أيّ رمضان هي؟ قال: التمسوها في العشر الأول والعشر الأواخر. قلت: في أي العشرين هي؟ قال: في العشر الأواخر، لا تسألني عن شيء بعدها. ثم حدّث رسول الله ﷺ، ثم اهتبلت غفلته، فقلت: يا رسول الله، أقسمت عليك بحقّي لما أخبرتني، في أيّ العشر هي؟ فغضب عليّ غضبا لم يغضب مثله منذ صحبته، وقال: التمسوها في
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٣/ ٦١) (٢٠٢١).
(٢) أخرجه: أحمد (٥/ ٣٦ - ٣٩)، والترمذي (٧٩٤)، وقال: «حسن صحيح».
[ ٣٤٤ ]
السّبع الأواخر؛ لا تسألني عن شيء بعدها» (^١). وخرّجه ابن حبّان في «صحيحه» والحاكم.
وفي رواية لهما: أنّه قال: «ألم أنهك أن تسألني عنها؟ إن الله لو أذن لي أن أخبركم بها لأخبرتكم، لا آمن أن تكون في السّبع الأواخر» (^٢). ففي هذه الرواية أنّ بيان النبي ﷺ لليلة القدر انتهى إلى أنّها في السّبع الأواخر، ولم يزد على ذلك شيئا، وهذا ممّا يستدلّ به من رجّح ليلة ثلاث وعشرين وخمس وعشرين على ليلة إحدى وعشرين؛ فإنّ ليلة إحدى وعشرين ليست من السّبع الأواخر بلا تردّد.
وقد روي عن النبي ﷺ من وجوه أخر أنّه بيّن أنّها ليلة سبع وعشرين، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
واختلف في أوّل السّبع الأواخر: فمنهم من قال: أوّل السّبع ليلة ثلاث وعشرين، على حساب نقصان الشّهر دون تمامه؛ لأنّه المتيقّن. وروي هذا عن ابن عباس، وسيأتي كلامه فيما بعد إن شاء الله تعالى.
وفي «صحيح البخاري» عن بلال ﵁، قال: إنّها أوّل السّبع من العشر الأواخر (^٣). وخرّجه ابن أبي شيبة (^٤)، وعنده قال: ليلة ثلاث وعشرين.
وهذا قول مالك، قال: أرى - والله أعلم - أنّ التاسعة ليلة إحدى وعشرين، والسابعة ليلة ثلاث وعشرين، والخامسة ليلة خمس وعشرين.
وتأوّله عبد الملك بن حبيب على أنّه إنما يحسب كذلك إذا كان الشهر ناقصا،
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٥/ ١٧١)، والنسائي في «الكبرى» (٣٤١٣).
(٢) أخرجه: ابن خزيمة (٢١٧٠، ٢١٦٩)، والحاكم (١/ ٤٣٧).
(٣) أخرجه: البخاري (٦/ ١٩ - ٢٠).
(٤) أخرجه: ابن أبي شيبة (٩٥٢٣).
[ ٣٤٥ ]
وليس هذا بشيء؛ فإنّه إنّما أمر بالاجتهاد في هذه الليالي على هذا الحساب، وهذا لا يمكن أن يكون مراعى بنقصان الشهر في آخره.
وكان أيّوب السّختياني يغتسل ليلة ثلاث وعشرين، ويمسّ طيبا، وليلة أربع وعشرين، ويقول: ليلة ثلاث وعشرين ليلة أهل المدينة، وليلة أربع وعشرين ليلتنا - يعني أهل البصرة. وكذلك كان ثابت وحميد يفعلان.
وكانت طائفة تجتهد ليلة أربع وعشرين، روي عن أنس والحسن، وروي عنه، قال: رقبت الشّمس عشرين سنة، ليلة أربع وعشرين، فكانت تطلع لا شعاع لها. وروي عن ابن عباس ذكره البخاري عنه. وقيل: إن المحفوظ عنه أنّها ليلة ثلاث وعشرين، كما سبق. وقد تقدّم حديث «إنزال القرآن في ليلة أربع وعشرين». وكذلك أبو سعيد الخدريّ، وأبو ذرّ، حسبا الشهر تامّا، فيكون عندهما أوّل السّبع الأواخر ليلة أربع وعشرين.
وممّن اختار هذا القول ابن عبد البر، واستدلّ بأنّ الأصل تمام الشهر، ولهذا أمر النبي ﷺ بإكماله إذا غمّ، مع احتمال نقصانه. وكذلك رجّحه بعض أصحابنا. وقد تقدّم من حديث أنس ﵁ أنّ النبي ﷺ كان إذا كان ليلة أربع وعشرين لم يذق غمضا، وإسناده ضعيف.
وقد روي عن النبي ﷺ ما يدلّ على أنّ أول السّبع البواقي ليلة ثلاث وعشرين. ففي مسند الإمام أحمد، عن جابر: أنّ عبد الله بن أنيس سأل رسول الله ﷺ عن ليلة القدر، وقد خلت اثنتان وعشرون ليلة، فقال رسول الله ﷺ: «التمسوها في هذه السّبع الأواخر التي بقين من الشهر» (^١).
وفيه أيضا عن عبد الله بن أنيس أنّهم سألوا النبي ﷺ عن ليلة القدر، وذلك
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٣٣٦)، وفي إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف.
[ ٣٤٦ ]
مساء ليلة ثلاث وعشرين، فقال: «التمسوها هذه الليلة». فقال رجل من القوم: فهي إذن يا رسول الله أولى ثمان؟ فقال رسول الله ﷺ: «إنّها ليست بأولى ثمان، ولكنها أولى سبع؛ إنّ الشّهر لا يتمّ» (^١). وفيه أيضا عن أبي هريرة ﵁ أنّ النبيّ ﷺ، قال: «كم مضى من الشهر؟» قلنا: مضت ثنتان وعشرون، وبقي ثمان. فقال رسول الله ﷺ: «لا، بل مضت ثنتان وعشرون، وبقي سبع، اطلبوها الليلة» (^٢).
وقد يحمل هذا على شهر خاصّ اطّلع النبيّ ﷺ على نقصانه، وهو بعيد.
ويدلّ على خلافه أنّه روي في تمام حديث أبي هريرة ﵁: ثم قال رسول الله ﷺ: «الشهر هكذا وهكذا وهكذا، ثم خنس إبهامه في الثالثة». فهذا يدلّ على أنّه تشريع عامّ، وأنّه حسب الشّهر على تقدير نقصانه أبدا؛ لأنّه المتيقّن. كما ذهب إليه أيّوب ومالك وغيرهما، وعلى قولهما تكون ليلة سابعة تبقى ليلة ثلاث وعشرين، وليلة خامسة تبقى ليلة خمس وعشرين، وليلة تاسعة تبقى ليلة إحدى وعشرين.
وقد روي عن النّعمان بن بشير ﵁ أنّه أنكر أن تحسب ليلة القدر بما مضى من الشهر، وأخبر أنّ الصّحابة يحسبونها بما بقي منه، وهذا الاحتمال إنّما يكون في مثل قول النبي ﷺ: «التمسوها في التاسعة، والسابعة، والخامسة» (^٣). وقد خرّجه «البخاري» من حديث عبادة ﵁، ومسلم من حديث أبي سعيد؛ فإنّه يحتمل أن يراد به التاسعة والسابعة والخامسة، مما يبقى ومما يمضي.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٤٩٥).
(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٥١)، وابن ماجه (١٦٥٦).
(٣) أخرجه: البخاري (٣/ ٦١) (٢٠٢٣)، ومسلم (٣/ ١٧٣) (١١٦٧).
[ ٣٤٧ ]
فأمّا حديث ابن عبّاس وأبي بكرة وما في معناهما؛ فإنّها مقيدة بالباقي من الشهر، فلا يحتمل أن يراد به الماضي، وحينئذ يتوجّه الاختلاف السّابق في أنّه: هل يحسب على تقدير تمام الشهر أو نقصانه؟ وحديث ابن عبّاس قد روي بالشكّ فيما مضى أو يبقى. وقد خرّجه البخاري بالوجهين.
وحديث أبي ذرّ في قيام النبي ﷺ بهم أفراد العشر الأواخر قد خرّجه أبو داود الطيالسي بلفظ صريح أنّه قام بهم أشفاع العشر الأواخر، وحسبها أوتارا بالنسبة إلى ما يبقى من الشهر، وقدّره تامّا، وجعل الليلة التي قامها حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح ليلة ثمان وعشرين، وهي الثالثة مما يبقى. وقد قيل:
إن ذلك من تصرّف بعض الرّواة بما فهمه من المعنى، والله أعلم.
وعلى قياس من حسب الليالي الباقية من الشهر - على تقدير نقصان الشهر - ينبغي أن يكون عنده أوّل العشر الأواخر ليلة العشرين؛ لاحتمال أن يكون الشهر ناقصا، فلا يتحقّق كونها عشر ليال، بدون إدخال ليلة العشرين فيها.
وقد يقال: بل العشر الأواخر عبارة عمّا بعد انقضاء العشرين الماضية من الشّهر، وسواء كانت تامّة أو ناقصة، فهي المعبّر عنها بالعشر الأواخر، وقيامها هو قيام العشر الأواخر. وهذا كما يقال: صام عشر ذي الحجة، وإنما يصام منه تسعة أيام؛ ولهذا كان ابن سيرين يكره أن يقال: صام عشر ذي الحجة، وقال: إنّما يقال: صام التسع. ومن لم يكرهه، وهم الجمهور، فقد يقولون:
الصّيام المضاف إلى العشر هو صيام ما يمكن منه، وهو ما عدا يوم النحر.
ويطلق على ذلك: العشر؛ لأنّه أكثر العشر؛ والله أعلم.
وقد اختلف الناس في ليلة القدر اختلافا كثيرا، فحكي عن بعضهم أنّها رفعت؛ وحديث أبي ذرّ يردّ ذلك. وروي عن محمد ابن الحنفيّة أنّها في كلّ
[ ٣٤٨ ]
سبع سنين مرّة، وفي إسناده ضعف. وعن بعضهم أنّها في كلّ السّنة، حكي عن ابن مسعود وطائفة من الكوفيين، وروي عن أبي حنيفة. وقال الجمهور:
هي في رمضان كلّ سنة، ثم منهم من قال: هي في الشّهر كلّه. وحكي عن بعض المتقدّمين أنّها أوّل ليلة منه. وقالت طائفة: هي في النصف الثاني منه.
وقد حكي عن أبي يوسف ومحمّد - وقد تقدّم - قول من قال: إنّها ليلة بدر، على اختلافهم؛ هل هي ليلة سبع عشرة، أو تسع عشرة.
وقال الجمهور: هي منحصرة في العشر الأواخر، واختلفوا في أي ليالي العشر أرجى؛ فحكي عن الحسن ومالك أنّها تطلب في جميع ليالي العشر؛ أشفاعه وأوتاره، ورجّحه بعض أصحابنا، وقال: لأنّ قول النبي ﷺ:
«التمسوها في تاسعة تبقى، أو سابعة تبقى، أو خامسة تبقى» إن حملناه على تقدير كمال الشهر، كانت أشفاعا، وإن حملناه على ما يبقى منه حقيقة كان الأمر موقوفا على كمال الشهر، فلا يعلم قبله. فإن كان تامّا كانت الليالي المأمور بطلبها أشفاعا، وإن كان ناقصا كانت أوتارا. فيوجب ذلك الاجتهاد في القيام في كلا الليلتين؛ الشّفع منها والوتر.
قال الأكثرون: بل بعض لياليه أرجى من بعض، وقالوا: الأوتار أرجى في الجملة. ثم اختلفوا: أيّ أوتاره أرجى؛ فمنهم من قال: ليلة إحدى وعشرين، وهو المشهور عن الشافعي؛ لحديث أبي سعيد الخدريّ، وقد ذكرناه فيما سبق. وحكي عنه أنّها تطلب ليلة إحدى وعشرين، وثلاث وعشرين، قال في «القديم»: كأني رأيت - والله أعلم - أقوى الأحاديث فيه ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين. وقد جاء في ليلة سبع عشرة، وليلة أربع وعشرين، وليلة سبع وعشرين. انتهى. وقد روي عن علي وابن مسعود ﵄ أنّها تطلب ليلة إحدى وعشرين وثلاث وعشرين.
[ ٣٤٩ ]
وحكي للشافعي قول آخر أنّ أرجاها ليلة ثلاث وعشرين. وهذا قول أهل المدينة. وحكاه سفيان الثوريّ عن أهل مكّة والمدينة. وممن روي عنه «أنّه كان يوقظ أهله فيها» ابن عباس وعائشة، وهو قول مكحول. وروى رشدين بن سعد، عن زهرة بن معبد، قال: أصابني احتلام في أرض العدوّ وأنا في البحر ليلة ثلاث وعشرين في رمضان، فذهبت لأغتسل فسقطت في الماء، فإذا الماء عذب، فناديت أصحابي أعلمهم أنّي في ماء عذب. قال ابن عبد البرّ: هذه الليلة تعرف بليلة الجهنيّ بالمدينة، يعني عبد الله بن أنيس؛ وقد روي عنه أن النبي ﷺ أمره بقيامها.
وفي «صحيح مسلم» عنه أنّ النبي ﷺ قال في ليلة القدر: «أريت أنّي أسجد صبيحتها في ماء وطين. فانصرف النبي ﷺ من صلاة الصبح يوم ثلاث وعشرين وعلى جبهته أثر الماء والطّين» (^١).
وقال سعيد بن المسيّب: كان النبي ﷺ في نفر من أصحابه، فقال: ألا أخبركم بليلة القدر؟ قالوا: بلى، يا رسول الله، فسكت ساعة، قال: لقد قلت لكم ما قلت آنفا، وأنا أعلمها، ثم أنسيتها، أرأيتم يوما كنّا بموضع كذا وكذا، أيّ ليلة هي؟ في غزوة غزاها، فقالوا: سرنا فقفلنا حتى استقام ملأ القوم على أنّها ليلة ثلاث وعشرين. خرّجه عبد الرزاق في كتابه (^٢).
ورجّحت طائفة ليلة أربع وعشرين، وهم الحسن وأهل البصرة؛ وقد روي عن أنس. وكان حميد وأيّوب وثابت يحتاطون فيجمعون بين الليلتين، أعني ليلة ثلاث وأربع.
ورجّحت طائفة ليلة سبع وعشرين، وحكاه الثوريّ عن أهل الكوفة، وقال:
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٣/ ١٧٣) (١١٦٧).
(٢) أخرجه: عبد الرزاق في «مصنفه» (٧٦٨٧)، وهو مرسل.
[ ٣٥٠ ]
نحن نقول: هي ليلة سبع وعشرين؛ لما جاءنا عن أبيّ بن كعب. وممّن قال بهذا أبيّ بن كعب - وكان يحلف عليه ولا يستثني - وزرّ بن حبيش، وعبدة بن أبي لبابة.
وروي عن قنان بن عبد الله النهمي، قال: سألت زرّا عن ليلة القدر، فقال:
كان عمر وحذيفة وأناس من أصحاب النبي ﷺ لا يشكّون أنّها ليلة سبع وعشرين. خرّجه ابن أبي شيبة (^١)، وهو قول أحمد وإسحاق.
وذهب أبو قلابة وطائفة إلى أنّها تنتقل في ليالي العشر. وروي عنه أنّها تنتقل في أوتاره خاصّة. وممن قال بانتقالها في ليالي العشر: المزنيّ، وابن خزيمة.
وحكاه ابن عبد البرّ عن مالك والثوريّ والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور؛ وفي صحّة ذلك عنهم بعد؛ وإنّما قول هؤلاء أنّها في العشر، وتطلب في لياليه كلّه.
واختلفوا في أرجى لياليه كما سبق، واستدلّ من رجّح ليلة سبع وعشرين بأنّ أبيّ بن كعب كان يحلف على ذلك، ويقول: بالآية أو بالعلامة التي أخبرنا بها رسول الله ﷺ أنّ الشمس تطلع في صبيحتها لا شعاع لها. خرّجه مسلم (^٢).
وخرّجه أيضا بلفظ آخر عن أبيّ بن كعب ﵁، قال: والله، إنّي لأعلم أيّ ليلة هي، هي الليلة التي أمرنا بها رسول الله ﷺ بقيامها، هي ليلة سبع وعشرين.
وفي «مسند الإمام أحمد» عن ابن عبّاس ﵄ أنّ رجلا قال: يا رسول الله، إنّي شيخ كبير عليل يشقّ عليّ القيام، فمرني بليلة توفّقني فيها لليلة القدر.
قال: «عليك بالسابعة» (^٣). وإسناده على شرط البخاري.
_________________
(١) أخرجه: ابن أبي شيبة في «مصنفه» (٩٥١٤).
(٢) أخرجه: مسلم (٢/ ١٧٨) (٧٦٢).
(٣) أخرجه: أحمد (١/ ٢٤٠)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٣١٢ - ٣١٣) من طريق الإمام أحمد.
[ ٣٥١ ]
وروى الإمام أحمد أيضا، قال: حدّثنا يزيد بن هارون، أنبأنا شعبة، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: «من كان منكم متحرّيها فليتحرّها ليلة سبع وعشرين»، أو قال: «تحرّوها ليلة سبع وعشرين»، يعني ليلة القدر (^١). ورواه شبابة ووهب بن جرير، عن شعبة مثله. ورواه أسود بن عامر عن شعبة مثله، وزاد «في السبع البواقي».
قال شعبة: وأخبرني رجل ثقة عن سفيان أنّه إنّما قال: «في السّبع البواقي»، يعني لم يقل «ليلة سبع وعشرين». قال أحمد في رواية ابنه صالح: الثقة هو يحيى بن سعيد. قال شعبة: فلا أدري أيّهما. قال: ورواه عمرو، عن شعبة، وقال في حديثه: «ليلة سبع وعشرين»، أو قال: «في السّبع الأواخر» بالشّكّ، فرجع الأمر إلى أنّ شعبة شكّ في لفظه.
ورواه حمّاد بن زيد، عن أيّوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: كانوا لا يزالون يقصّون على النبي ﷺ أنّها الليلة السابعة من العشر الأواخر. فقال رسول الله ﷺ: «أرى رؤياكم قد تواطأت أنّها ليلة السابعة في العشر الأواخر، فمن كان متحرّيها فليتحرّها ليلة السابعة من العشر الأواخر». كذا رواه حنبل بن إسحاق، عن عارم، عن حمّاد، وكذا خرّجه الطحاويّ (^٢)، عن إبراهيم بن مرزوق، عن عارم.
ورواه البخاري في «صحيحه» عن عارم، إلاّ أنّه لم يذكر لفظة: «ليلة السابعة»، بل قال: من كان متحرّيها فليتحرّها في العشر الأواخر (^٣).
ورواه عبد الرزّاق في كتابه عن معمر، عن أيّوب، عن نافع، عن ابن
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٧)، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (٣/ ٩١).
(٢) أخرجه: الطحاوي في «شرح المعاني» (٣/ ٩١).
(٣) أخرجه: البخاري (٣/ ٦٠) (٢٠١٥).
[ ٣٥٢ ]
عمر ﵄، قال: «جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله، إني رأيت في النوم ليلة القدر كأنّها ليلة سابعة، فقال رسول الله ﷺ: إني أرى رؤياكم قد تواطأت أنّها ليلة سابعة، فمن كان متحرّيها منكم فليتحرّها في ليلة سابعة». قال معمر: فكان أيّوب يغتسل في ليلة ثلاث وعشرين (^١)، يشير إلى أنّه حملها على سابعة تبقى.
وخرّجه الثعلبيّ في «تفسيره» من طريق الحسن بن عبد الأعلى، عن عبد الرزّاق بهذا الإسناد، وقال في حديثه: «ليلة سابعة تبقى»، فقال رسول الله ﷺ: «إنّي أرى رؤياكم قد تواطأت على ثلاث وعشرين، فمن كان منكم يريد أن يقوم من الشهر شيئا فليقم ليلة ثلاث وعشرين». وهذه الألفاظ غير محفوظة في الحديث، والله أعلم.
وفي «سنن أبي داود» بإسناد رجاله كلّهم رجال الصحيح، عن معاوية، عن النبي ﷺ في ليلة القدر ليلة سبع وعشرين. وخرّجه ابن حبّان في صحيحه (^٢)، وصحّحه ابن عبد البرّ؛ وله علّة، وهي وقفه على معاوية. وهو أصحّ عند الإمام أحمد والدّارقطني. وقد اختلف أيضا عليه في لفظه.
وفي «المسند» عن ابن مسعود ﷺ «أنّ رجلا أتى النبيّ ﷺ فقال: متى ليلة القدر؟ فقال: من يذكر منكم ليلة الصّهباوات؟ قال عبد الله: أنا، بأبي أنت وأمّي، وإنّ في يدي لتمرات أتسحّر بهنّ مستترا بمؤخرة رحلي من الفجر، وذلك حين طلع القمر» (^٣). وخرّجه يعقوب بن شيبة في مسنده، وزاد:
«وذلك ليلة سبع وعشرين». وقال: صالح الإسناد.
_________________
(١) أخرجه: «عبد الرزاق» (٧٦٨٨)، ورجاله ثقات.
(٢) أخرجه: أبو داود (١٣٨٦)، وابن حبان (٣٦٨٠).
(٣) أخرجه: أحمد (٤٥٣، ٣٩٦، ١/ ٣٧٦)، وفيه انقطاع، قال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٣/ ٤٠٦): «وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه».
[ ٣٥٣ ]
والصّهباوات: موضع بقرب خيبر.
وفي «المسند» أيضا من وجه آخر عن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «إنّ ليلة القدر في النصف من السّبع الأواخر من رمضان» (^١).
وإذا حسبنا أوّل السّبع الأواخر ليلة أربع وعشرين، كانت ليلة سبع وعشرين نصف السبع؛ لأنّ قبلها ثلاث ليال، وبعدها ثلاث.
وممّا يرجّح أنّ ليلة القدر ليلة سبع وعشرين أنّها من السّبع الأواخر التي أمر النّبي ﷺ بالتماسها فيها، بالاتفاق. وفي دخول الثالثة والعشرين في السّبع اختلاف سبق ذكره. ولا خلاف أنّها آكد من الخامسة والعشرين.
ومما يدلّ على ذلك أيضا حديث أبي ذرّ في قيام النبي ﷺ بهم في أفراد السّبع الأواخر، وأنّه قام بهم في الثالثة والعشرين إلى ثلث الليل، وفي الخامسة إلى نصف الليل، وفي السابعة إلى آخر الليل؛ حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح.
وجمع أهله ليلتئذ، وجمع النّاس.
وهذا كلّه يدلّ على تأكّدها على سائر أفراد السبع والعشر. ومما يدلّ على ذلك ما استشهد به ابن عبّاس بحضرة عمر ﵁ والصحابة معه، واستحسنه عمر ﵁. وقد روي من وجوه متعددة:
فروى عبد الرزّاق في كتابه (^٢) عن معمر، عن قتادة وعاصم، أنّهما سمعا عكرمة يقول: قال ابن عبّاس ﵄: دعا عمر بن الخطاب أصحاب محمد ﷺ، فسألهم عن ليلة القدر، فأجمعوا أنّها في العشر الأواخر. قال ابن عبّاس:
فقلت لعمر ﵁: إنّي لأعلم - أو إنّي لأظنّ - أي ليلة هي. قال عمر: وأي
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٤٥٧، ١/ ٤٠٦).
(٢) أخرجه: عبد الرزاق في «مصنفه» (٧٦٧٩).
[ ٣٥٤ ]
ليلة هي؟ قلت: سابعة تمضي، أو سابعة تبقى من العشر الأواخر. فقال عمر ﵁: ومن أين علمت ذلك؟ قال: فقلت: إنّ الله خلق سبع سموات، وسبع أرضين، وسبعة أيام، وأنّ الدّهر يدور على سبع، وخلق الله الإنسان من سبع، ويأكل من سبع، ويسجد على سبع، والطّواف بالبيت سبع، ورمي الجمار سبع، لأشياء ذكرها. فقال عمر ﵁: لقد فطنت لأمر ما فطنّا له.
وكان قتادة يزيد على ابن عباس في قوله: «يأكل من سبع»، قال: هو قول الله ﷿: ﴿فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾ [عبس: ٢٧ - ٣١]. ولكن في هذه الرواية أنها في سبع تمضي أو تبقى، بالترديد في ذلك.
وخرّجه ابن شاهين من رواية عبد الواحد بن زياد، عن عاصم الأحول، حدثني لاحق بن حميد وعكرمة، قالا: قال عمر ﵁: من يعلم ليلة القدر؟ فذكر الحديث بنحوه. وزاد أنّ ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ: «هي في العشر؛ سبع تمضي أو سبع تبقى». فخالف في إسناده وجعله مرسلا، ورفع آخره.
روى ابن عبد البر بإسناد صحيح من طريق سعيد بن جبير، قال: كان ناس من المهاجرين وجدوا على عمر في إدنائه ابن عباس، فجمعهم ثم سألهم عن ليلة القدر، فأكثروا فيها، فقال بعضهم: كنّا نراها في العشر الأوسط، ثم بلغنا أنّها في العشر الأواخر، فأكثروا فيها؛ فقال بعضهم: ليلة إحدى وعشرين.
وقال بعضهم: ليلة ثلاث وعشرين. وقال بعضهم: ليلة سبع وعشرين. فقال عمر ﵁: يا ابن عبّاس، تكلّم، فقال: الله أعلم. قال عمر: قد نعلم أنّ الله يعلم، وإنّما نسألك عن علمك. فقال ابن عباس ﵄: إنّ الله وتر يحبّ الوتر، خلق من خلقه سبع سماوات فاستوى عليهن، وخلق الأرض سبعا، وجعل عدّة الأيّام سبعا، ورمي الجمار سبعا، وخلق الإنسان من سبع، وجعل رزقه من سبع. فقال عمر: خلق الإنسان من سبع، وجعل رزقه من
[ ٣٥٥ ]
سبع، هذا أمر ما فهمته. فقال: إنّ الله تعالى يقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] حتى بلغ آخر الآيات، وقرأ ﴿أَنّا صَبَبْنَا الْماءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا﴾ إلى قوله: ﴿وَلِأَنْعامِكُمْ﴾ [عبس: ٢٥ - ٣٢]، ثم قال: والأبّ للدوابّ.
وخرجه ابن سعد في «طبقاته» عن إسحاق الأزرق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، عن سعيد بن جبير، فذكره بمعناه، وزاد في آخره: «قال: وأمّا ليلة القدر فما نراها إن شاء الله، إلا ليلة ثلاث وعشرين يمضين، أو سبع يبقين». والظاهر أنّ هذا سمعه سعيد بن جبير من ابن عبّاس، فيكون متّصلا.
وروى عاصم بن كليب، عن أبيه، عن ابن عبّاس ﵄، قال: دعا عمر الأشياخ من أصحاب محمّد ﷺ ذات يوم، فقال لهم: إنّ رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر ما قد علمتم: «التمسوها في العشر الأواخر وترا»، ففي أي الوتر ترونها؟ فقال رجل برأيه: إنها تاسعة، سابعة، خامسة، ثالثة. ثم قال:
يا ابن عبّاس، تكلّم. فقلت: أقول برأيي؟ قال: عن رأيك أسألك. فقلت:
إنّي سمعت الله أكثر من ذكر السّبع، وذكر باقيه بمعنى ما تقدّم. وفي آخره:
قال عمر ﵁: أعجزتم أن تقولوا مثل ما قال هذا الغلام الذي لم تستو شئون رأسه؟! خرّجه الإسماعيلي في مسند عمر، والحاكم (^١)، وقال: صحيح الإسناد. وخرّجه الثعلبي في «تفسيره» وزاد: «قال ابن عباس: فما أراها إلا ليلة ثلاث وعشرين لسبع يبقين». وخرّج علي بن المديني في «كتاب العلل» المرفوع منه، وقال: هو صالح، وليس مما يحتج به.
وروى مسلم الملائي - وهو ضعيف - عن مجاهد، عن ابن عبّاس ﵄، أنّ
_________________
(١) أخرجه: الحاكم في «المستدرك» (١/ ٤٣٧ - ٤٣٨).
[ ٣٥٦ ]
عمر قال له: أخبرني برأيك عن ليلة القدر، فذكر معنى ما تقدّم وفيه أنّ ابن عباس قال: لا أراها إلا في سبع يبقين من رمضان، فقال عمر: وافق رأيي رأيك.
وروي بإسناد فيه ضعف، عن محمد بن كعب، عن ابن عبّاس: أنّ عمر ﵁ جلس في رهط من أصحاب النبي ﷺ، فتذاكروا ليلة القدر، فذكر معنى ما تقدّم، وزاد فيه: عن ابن عباس أنه قال: وأعطي من المثاني سبعا، ونهى في كتابه عن نكاح الأقربين عن سبع، وقسم الميراث في كتابه على سبع، ونقع في السّجود من أجسادنا على سبع؛ وقال: فأراها في السبع الأواخر من رمضان.
وليس في شيء من هذه الروايات أنّها ليلة سبع وعشرين جزما، بل في بعضها الترديد بين ثلاث وسبع، وفي بعضها أنّها ليلة ثلاث وعشرين؛ لأنّها أوّل السّبع الأواخر على رأيه.
وقد صحّ عن ابن عبّاس أنّه كان ينضح على أهله الماء ليلة ثلاث وعشرين (^١). خرّجه عبد الرزّاق، وخرّجه ابن أبي عاصم مرفوعا، والموقوف أصحّ.
وقد استنبط طائفة من المتأخرين من القرآن أنّها ليلة سبع وعشرين من موضعين:
أحدهما: أنّ الله تعالى ذكر ليلة القدر في سورة القدر في ثلاثة مواضع منها، وليلة القدر حروفها تسع حروف، والتسع إذا ضربت في ثلاثة فهي سبع وعشرون.
والثاني: أنّه قال: «سلام هي» فكلمة «هي» هي الكلمة السابعة والعشرون من السورة؛ فإنّ كلماتها كلّها ثلاثون كلمة.
_________________
(١) أخرجه: عبد الرزاق في «مصنفه» (٧٦٨٦).
[ ٣٥٧ ]
قال ابن عطية: هذا من ملح التفسير لا من متين العلم، وهو كما قال.
ومما استدلّ به من رجّح ليلة سبع وعشرين بالآيات والعلامات التي رئيت فيها قديما وحديثا؛ وبما وقع فيها من إجابة الدعوات، فقد تقدّم عن أبي بن كعب أنّه استدلّ على ذلك بطلوع الشّمس في صبيحتها لا شعاع لها.
وكان عبدة بن أبي لبابة يقول: هي ليلة سبع وعشرين، ويستدلّ على ذلك بأنّه قد جرّب ذلك بأشياء وبالنجوم (^١). خرّجه عبد الرزّاق. وروي عن عبدة أنه ذاق ماء البحر ليلة سبع وعشرين، فإذا هو عذب؛ ذكره الإمام أحمد بإسناده.
وطاف بعض السّلف ليلة سبع وعشرين بالبيت الحرام، فرأى الملائكة في الهواء طائفين فوق رءوس الناس. وروى أبو موسى المديني من طريق أبي الشيخ الأصبهاني بإسناد له عن حمّاد بن شعيب، عن رجل منهم، قال:
كنت بالسّواد، فلمّا كان في العشر الأواخر جعلت أنظر بالليل، فقال لي رجل منهم: إلى أيّ شيء تنظر؟ قلت: إلى ليلة القدر. قال: فنم، فإنّي سأخبرك.
فلما كان ليلة سبع وعشرين جاء وأخذ بيدي، فذهب بي إلى النخل، فإذا النّخل واضع سعفه في الأرض، فقال: لسنا نرى هذا في السّنة كلّها إلاّ في هذه الليلة. وذكر أبو موسى بأسانيد له أنّ رجلا مقعدا دعا الله ليلة سبع وعشرين فأطلقه. وعن امرأة مقعدة كذلك. وعن رجل بالبصرة كان أخرس ثلاثين سنة، فدعا الله ليلة سبع وعشرين، فأطلق لسانه فتكلّم.
وذكر الوزير أبو المظفّر بن هبيرة أنّه رأى ليلة سبع وعشرين - وكانت ليلة جمعة - بابا في السّماء مفتوحا، شاميّ الكعبة، قال: فظننته حيال الحجرة النّبويّة المقدّسة، قال: ولم يزل كذلك إلى أن التفتّ إلى المشرق لأنظر طلوع
_________________
(١) أخرجه: عبد الرزاق في (٧٦٩٣).
[ ٣٥٨ ]
الفجر، ثم التفتّ إليه فوجدته قد غاب. قال: وإن وقع في ليلة من أوتار العشر ليلة جمعة، فهي أرجى من غيرها.
واعلم؛ أنّ جميع هذه العلامات لا توجب القطع بليلة القدر.
وقد روى سلمة بن شبيب في كتاب «فضائل رمضان»: حدثنا إبراهيم ابن الحكم، حدثني أبي، قال: حدثني فرقد: أنّ ناسا من الصحابة كانوا في المسجد فسمعوا كلاما من السّماء، ورأوا نورا من السّماء، وبابا من السّماء، وذلك في شهر رمضان، فأخبروا رسول الله ﷺ بما رأوا، فزعم أنّ رسول الله ﷺ قال: «أمّا النّور فنور ربّ العزّة تعالى، وأمّا الباب فباب السّماء، والكلام كلام الأنبياء، فكلّ شهر رمضان على هذه الحال، ولكن هذه ليلة كشف غطاؤها». وهذا مرسل ضعيف.
وأما العمل في ليلة القدر؛ فقد ثبت عن النبي ﷺ أنّه قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه». وقيامها إنّما هو إحياؤها بالتهجّد فيها والصّلاة، وقد أمر عائشة بالدّعاء فيها أيضا.
قال سفيان الثوريّ: الدّعاء في تلك الليلة أحبّ إليّ من الصّلاة. قال: وإذا كان يقرأ وهو يدعو ويرغب إلى الله في الدّعاء والمسألة لعله يوافق. انتهى.
ومراده أنّ كثرة الدّعاء أفضل من الصّلاة التي لا يكثر فيها الدّعاء، وإن قرأ ودعا كان حسنا.
وقد كان النبي ﷺ يتهجّد في ليالي رمضان، ويقرأ قراءة مرتّلة، لا يمرّ بآية فيها رحمة إلا سأل، ولا بآية فيها عذاب إلاّ تعوّذ، فيجمع بين الصّلاة والقراءة والدّعاء والتفكّر. وهذا أفضل الأعمال وأكملها في ليالي العشر وغيرها، والله أعلم.
[ ٣٥٩ ]
وقد قال الشعبيّ في ليلة القدر: ليلها كنهارها. وقال الشافعي في «القديم»: أستحبّ أن يكون اجتهاده في نهارها كاجتهاده في ليلها. وهذا يقتضي استحباب الاجتهاد في جميع زمان العشر الأواخر، ليله ونهاره، والله أعلم.
المحبّون تطول عليهم الليالي فيعدّونها عدّا لانتظار ليالي العشر في كلّ عام، فإذا ظفروا بها نالوا مطلوبهم وخدموا محبوبهم.
قد مزّق الحبّ قميص الصّبر … وقد غدوت حائرا في أمري
آه على تلك الليالي الغرّ … ما كنّ إلاّ كليالي القدر
إن عدن لي من بعد هذا الهجر … وفّيت لله بكلّ نذر
وقام بالحمد خطيب شكري
رياح هذه الأسحار تحمل أنين المذنبين، وأنفاس المحبّين، وقصص التائبين، ثم تعود بردّ الجواب بلا كتاب.
أعلمتم أنّ النّسيم إذا سرى … حمل الحديث إلى الحبيب كما جرى
جهل العذول بأنّني في حبّهم … سهر الدّجي عندي ألذّ من الكرى
فإذا ورد بريد برد السّحر يحمل ملطفات الألطاف، لم يفهمها غير من كتبت إليه.
نسيم صبا نجد متى جئت حاملا … تحيتهم فاطو الحديث عن الرّكب
ولا تذع السّرّ المصون فإنّني … أغار على ذكر الأحبّة من صحبي
يا يعقوب الهجر، قد هبّت ريح يوسف الوصل، فلو استنشقت لعدت بعد العمى بصيرا، ولوجدت ما كنت لفقده فقيرا.
[ ٣٦٠ ]
كان لي قلب أعيش به … ضاع منّي في تقلّبه
ربّ! فاردده عليّ فقد … عيل صبري في تطلّبه
وأغثني ما دام بي رمق … يا غياث المستغيث به
لو قام المذنبون في هذه الأسحار على أقدام الانكسار، ورفعوا قصص الاعتذار مضمونها: ﴿يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنا بِبِضاعَةٍ مُزْجاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنا﴾ [يوسف: ٨٨] لبرز لهم التوقيع عليها ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢].
أشكو إلى الله كما قد شكى … أولاد يعقوب إلى يوسف
قد مسّني الضّرّ وأنت الّذي … تعلم حالي وترى موقفي
بضاعتي المزجاة محتاجة … إلى سماح من كريم وفي
فقد أتى المسكين مستمطرا … جودك فارحم ذلّه واعطف
فأوف كيلي وتصدّق على … هذا المقلّ البائس الأضعف
قالت عائشة ﵂ للنبيّ ﷺ: أرأيت إن وافقت ليلة القدر، ما أقول فيها؟ قال: «قولي: اللهم، إنّك عفوّ تحبّ العفو فاعف عنّي» (^١).
العفوّ من أسماء الله تعالى، وهو المتجاوز عن سيّئات عباده، الماحي لآثارها عنهم. وهو يحبّ العفو؛ فيحبّ أن يعفو عن عباده، ويحبّ من عباده أن يعفو بعضهم عن بعض؛ فإذا عفا بعضهم عن بعض عاملهم بعفوه، وعفوه أحبّ إليه من عقوبته.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (١٨٢، ٦/ ١٧١)، والترمذي (٣٥١٣)، وقال: «حسن صحيح»، وابن ماجه (٣٨٥٠).
[ ٣٦١ ]
وكان النبي ﷺ يقول: «أعوذ برضاك من سخطك، وعفوك من عقوبتك» (^١) قال يحيى بن معاذ: لو لم يكن العفو أحبّ الأشياء إليه لم يبتل بالذّنب أكرم النّاس عليه. يشير إلى أنّه ابتلى كثيرا من أوليائه وأحبابه بشيء من الذنوب؛ ليعاملهم بالعفو؛ فإنه يحبّ العفو. قال بعض السّلف الصالح:
لو علمت أحبّ الأعمال إلى الله تعالى لأجهدت نفسي فيه. فرأى قائلا يقول له في منامه: إنّك تريد ما لا يكون، إنّ الله يحبّ أن يعفو ويغفر؛ وإنما أحبّ أن يعفو؛ ليكون العباد كلّهم تحت عفوه، ولا يدلّ عليه أحد منهم بعمل.
وقد جاء في حديث ابن عبّاس مرفوعا: «إن الله ينظر ليلة القدر إلى المؤمنين من أمة محمّد ﷺ فيعفو عنهم ويرحمهم، إلا أربعة: مدمن خمر، وعاقّا، ومشاحنا، وقاطع رحم».
لمّا عرف العارفون جلاله خضعوا، ولمّا سمع المذنبون بعفوه طمعوا، ما ثم إلاّ عفو الله أو النار. لولا طمع المذنبين في العفو لاحترقت قلوبهم باليأس من الرّحمة، ولكن إذا ذكرت عفو الله استروحت إلى برد عفوه. كان بعض المتقدّمين يقول في دعائه: اللهم، إنّ ذنوبي قد عظمت فجلّت عن الصّفة، وإنها صغيرة في جنب عفوك؛ فاعف عنّي. وقال آخر منهم: جرمي عظيم، وعفوك كبير؛ فاجمع بين جرمي وعفوك يا كريم.
يا كبير الذّنب عفو اللّ … هـ من ذنبك أكبر
أكبر الأوزار في جن … ب عفو الله يصغر
وإنما أمر بسؤال العفو في ليلة القدر بعد الاجتهاد في الأعمال فيها وفي
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٢/ ٥١) (٤٨٦)، وأبو داود (٨٧٩)، وابن ماجه (٣٨٤١)، والترمذي (٣٤٩٣) وحسنه.
[ ٣٦٢ ]
ليالي العشر؛ لأنّ العارفين يجتهدون في الأعمال، ثم لا يرون لأنفسهم عملا صالحا، ولا حالا، ولا مقالا، فيرجعون إلى سؤال العفو، كحال المذنب المقصّر. قال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو.
إن كنت لا أصلح للقرب … فشأنكم عفو عن الذّنب
كان مطرّف يقول في دعائه: اللهم، ارض عنّا، فإن لم ترض عنّا فاعف عنّا. من عظمت ذنوبه في نفسه لم يطمع في الرّضا، وكان غاية أمله أن يطمع في العفو. ومن كملت معرفته لم ير نفسه إلاّ في هذه المنزلة.
يا ربّ عبدك قد أتا … ك وقد أساء وقد هفا
يكفيه منك حياؤه … من سوء ما قد أسلفا
حمل الذّنوب على الذّنو … ب الموبقات وأسرفا
وقد استجار بذيل عف … وك من عقابك ملحفا
يا ربّ فاعف وعافه … فلأنت أولى من عفا
***
[ ٣٦٣ ]