في «الصحيحين» (^١) عن عائشة ﵂، قالت: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله». هذا لفظ البخاري. ولفظ مسلم: «أحيا الليل، وأيقظ أهله، وجدّ، وشدّ المئزر». وفي رواية لمسلم عنها، قالت: «كان رسول الله ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره» (^٢).
كان النبي ﷺ يخصّ العشر الأواخر من رمضان بأعمال لا يعملها في بقية الشهر:
فمنها: إحياء الليل؛ فيحتمل أنّ المراد إحياء الليل كلّه.
وقد روي من حديث عائشة من وجه فيه ضعف بلفظ: «وأحيا الليل كلّه».
وفي «المسند» من وجه آخر عنها، قالت: كان النبي ﷺ يخلط العشرين بصلاة ونوم، فإذا كان العشر - يعني الأخير - شمّر وشدّ المئزر (^٣).
وخرّج الحافظ أبو نعيم بإسناد فيه ضعف، عن أنس، قال: «كان النبي ﷺ إذا شهد رمضان قام ونام، فإذا كان أربعا وعشرين لم يذق غمضا» (^٤).
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٣/ ٦١) (٢٠٢٤)، ومسلم (٣/ ١٧٦) (١١٧٤).
(٢) أخرجه: مسلم (٣/ ١٧٦) (١١٧٥).
(٣) أخرجه: أحمد (٦/ ١٤٦).
(٤) أخرجه: أبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٣٠٦).
[ ٣٢٨ ]
ويحتمل أن يريد بإحياء الليل إحياء غالبه. وقد روي عن بعض المتقدّمين من بني هاشم - ظنّه الراوي أبا جعفر محمد بن علي - أنّه فسّر ذلك بإحياء نصف الليل، وقال: من أحيا نصف الليل فقد أحيا الليل. وقد سبق مثل هذا في قول عائشة ﵂: «كان النبي ﷺ يصوم شعبان كلّه، كان يصوم شعبان إلاّ قليلا» (^١). ويؤيّده ما في «صحيح مسلم» عن عائشة، قالت: «ما أعلمه ﷺ قام ليلة حتّى الصباح» (^٢).
وذكر بعض الشافعية في إحياء ليلتي العيدين أنّه تحصل فضيلة الإحياء بمعظم الليل. قال: وقيل: تحصل بساعة. وقد نقل الشافعيّ في «الأم» عن جماعة من خيار أهل المدينة ما يؤيده. ونقل بعض أصحابهم عن ابن عباس أنّ إحياءها يحصل بأن يصلّي العشاء في جماعة، ويعزم على أن يصلّي الصبح في جماعة.
وقال مالك في «الموطإ»: بلغني أنّ ابن المسيب قال: «من شهد العشاء ليلة القدر - يعني في جماعة - فقد أخذ بحظّه منها» (^٣). وكذا قال الشافعي في القديم: من شهد العشاء والصبح ليلة القدر فقد أخذ بحظّه منها.
وقد روي هذا من حديث أبي هريرة مرفوعا: «من صلّى العشاء الآخرة في جماعة في رمضان، فقد أدرك ليلة القدر» (^٤). خرّجه أبو الشيخ الأصبهاني.
ومن طريقه أبو موسى المديني. وذكر أنه روي من وجه آخر عن أبي هريرة نحوه. ويروى من حديث عليّ بن أبي طالب مرفوعا، لكن إسناده ضعيف جدّا.
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٣/ ١٦١) (١١٥٦).
(٢) أخرجه: مسلم (٢/ ١٧٠) (٧٤٦).
(٣) أخرجه: مالك في «الموطإ» (٢١٣) بلاغا.
(٤) رواه أيضا ابن خزيمة في «صحيحه» (٣/ ٣٣٣) (٢١٩٥)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٣/ ٣٤٠) (٣٧٠٦)، والطبراني في «الكبير»، من حديث ابن عمر ﵄، وراجع: «مجمع الزوائد» (٢/ ٢٣١).
[ ٣٢٩ ]
ويروى من حديث أبي جعفر محمد بن علي مرسلا: أنّ النبي ﷺ قال:
«من أتى عليه رمضان صحيحا مسلما؛ صام نهاره، وصلّى وردا من ليله، وغضّ بصره، وحفظ فرجه، ولسانه، ويده، وحافظ على صلاته في الجماعة؛ وبكّر إلى جمعة؛ فقد صام الشهر، واستكمل الأجر، وأدرك ليلة القدر، وفاز بجائزة الرّبّ ﷿». قال أبو جعفر: جائزة لا تشبه جوائز الأمراء. خرّجه ابن أبي الدنيا.
ولو نذر قيام ليلة القدر لزمه أن يقوم من ليالي شهر رمضان ما يتيقّن به قيامها. فمن قال من العلماء: إنّها في جميع الشهر، يقول: يلزمه قيام جميع ليالي الشهر. ومن قال: هي في النصف الآخر من الشهر، قال: يلزمه قيام ليالي النصف الأخير منه. ومن قال: هي في العشر الأواخر من الشهر، قال: يلزمه قيام ليالي العشر كلها، وهو قول أصحابنا.
وإن كان نذره كذلك، وقد مضى بعض ليالي العشر؛ فإن قلنا: إنّها لا تنتقل في العشر، أجزأه من نذره أن يقوم ما بقي من ليالي العشر، ويقوم من عام قابل من أوّل العشر إلى وقت نذره. وإن قلنا: إنّها تنتقل في العشر لم يخرج من نذره بدون قيام ليالي العشر كلّها بعد عام نذره.
ولو نذر قيام ليلة غير معينة، لزمه قيام ليلة تامّة؛ فإن قام نصف ليلة ثم نام أجزأه أن يقوم من ليلة أخرى نصفها؛ قاله الأوزاعيّ، نقله عنه الوليد بن مسلم في كتاب «النذور»، وهو شبيه بقول من قال من أصحابنا وغيرهم: إنّ الكفّارة يجزئ فيها أن يعتق نصفي رقبتين.
ومنها: أنّ النبي ﷺ كان يوقظ أهله للصّلاة في ليالي العشر دون غيره من الليالي. وفي حديث أبي ذرّ أنّ النبي ﷺ لما قام بهم ليلة ثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، ذكر أنّه دعا أهله ونساءه ليلة سبع وعشرين
[ ٣٣٠ ]
خاصّة. وهذا يدلّ على أنّه يتأكد إيقاظهم في آكد الأوتار التي ترجى فيها ليلة القدر، وخرّج الطبراني من حديث علي «أنّ النبي ﷺ كان يوقظ أهله في العشر الأواخر من رمضان وكلّ صغير وكبير يطيق الصلاة» (^١).
قال سفيان الثوري: أحبّ إليّ إذا دخل العشر الأواخر أن يتهجّد بالليل، ويجتهد فيه، وينهض أهله وولده إلى الصلاة إن أطاقوا ذلك. وقد صحّ عن النبي ﷺ أنه كان يطرق فاطمة وعليّا ليلا فيقول لهما: «ألا تقومان فتصلّيان» (^٢).
وكان يوقظ عائشة بالليل إذا قضى تهجّده وأراد أن يوتر. وورد الترغيب في إيقاظ أحد الزوجين صاحبه للصّلاة، ونضح الماء في وجهه. وفي «الموطإ» أن عمر بن الخطاب كان يصلّي من الليل ما شاء الله أن يصلّي، حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصّلاة، يقول لهم: الصّلاة الصّلاة، ويتلو هذه الآية:
﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها﴾ الآية [طه: ١٣٢] (^٣).
كانت امرأة حبيب أبي محمد تقول له بالليل: قد ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد وزادنا قليل، وقوافل الصالحين قد سارت قدامنا، ونحن قد بقينا:
يا نائما باللّيل كم ترقد … قم يا حبيبي قد دنا الموعد
وخذ من اللّيل وأوقاته … وردا إذا ما هجع الرّقّد
_________________
(١) أخرجه: الترمذي (٧٩٥)، وأبو يعلى (٣٧٢) إلى قوله: «من رمضان». وأخرجه بتمامه الطبراني في «الأوسط» (٧٤٢٥)، وقال الهيثمي في «المجمع»: «وفي إسناد الطبراني عبد الغفار بن القاسم، وهو ضعيف». قلت: بل هو وضّاع كما قال أبو داود وغيره، وراجع: ترجمته في «الميزان»، و«اللسان».
(٢) أخرجه: البخاري (٢/ ٦٢) (١١٢٧) (٧٣٤٧)، ومسلم (٢/ ١٨٧) (٧٧٥)، وأحمد (١/ ٧٧)، والنسائي (٣/ ٢٠٥ - ٢٠٦).
(٣) أخرجه: مالك في «الموطإ» (ص ٩٤).
[ ٣٣١ ]
من نام حتّى ينقضي ليله … لم يبلغ المنزل أو يجهد
ومنها: أن النبيّ ﷺ كان يشدّ المئزر. واختلفوا في تفسيره؛ فمنهم من قال:
هو كناية عن شدّة جدّه واجتهاده في العبادة، كما يقال: فلان يشدّ وسطه ويسعى في كذا. وهذا فيه نظر؛ فإنّها قالت: «جدّ وشدّ المئزر»، فعطفت «شدّ المئزر» على جدّه، والصحيح أنّ المراد اعتزاله للنساء، وبذلك فسّره السّلف والأئمة المتقدّمون؛ منهم سفيان الثوري. وقد ورد ذلك صريحا من حديث عائشة وأنس، وورد تفسيره بأنّه لم يأو إلى فراشه حتّى ينسلخ رمضان.
وفي حديث أنس: «وطوى فراشه، واعتزل النساء» (^١).
وقد كان النبي ﷺ غالبا يعتكف العشر الأواخر، والمعتكف ممنوع من قربان النّساء بالنّصّ والإجماع، وقد قال طائفة من السّلف في تفسير قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا ما كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧]: إنه طلب ليلة القدر.
والمعنى في ذلك أنّ الله تعالى لما أباح مباشرة النّساء في ليالي الصيام، إلى أن يتبيّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أمر مع ذلك بطلب ليلة القدر؛ لئلاّ يشتغل المسلمون في طول ليالي الشهر بالاستمتاع المباح، فيفوتهم طلب ليلة القدر، فأمر مع ذلك بطلب ليلة القدر بالتهجّد من الليل، خصوصا في الليالي المرجوّ فيها ليلة القدر، فمن هاهنا كان النبيّ ﷺ يصيب من أهله في العشرين من رمضان، ثم يعتزل نساءه ويتفرّغ لطلب ليلة القدر في العشر الأواخر.
ومنها: تأخيره للفطور إلى السّحر. روي عنه من حديث عائشة وأنس أنّه ﷺ كان في ليالي العشر يجعل عشاءه سحورا. ولفظ حديث عائشة: «كان
_________________
(١) سيأتي تخريجه قريبا.
[ ٣٣٢ ]
رسول الله ﷺ إذا كان رمضان قام ونام، فإذا دخل العشر شدّ المئزر، واجتنب النساء، واغتسل بين الأذانين، وجعل العشاء سحورا» (^١). أخرجه ابن أبي عاصم، وإسناده مقارب.
وحديث أنس خرّجه الطبراني، ولفظه: «كان رسول الله ﷺ إذا دخل العشر الأواخر من رمضان طوى فراشه واعتزل النساء، وجعل عشاءه سحورا» (^١). وفي إسناده حفص بن واقد، قال ابن عديّ: هذا الحديث من أنكر ما رأيت له. وروي أيضا نحوه من حديث جابر، خرّجه أبو بكر الخطيب، وفي إسناده من لا يعرف حاله.
وفي «الصحيحين» ما يشهد لهذه الروايات، ففيهما عن أبي هريرة، قال:
«نهى رسول الله ﷺ عن الوصال في الصّوم، فقال له رجل من المسلمين:
إنك تواصل يا رسول الله؟ فقال: وأيّكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربّي ويسقيني. فلمّا أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما، ثم يوما، ثم رأوا الهلال. فقال: لو تأخّر لزدتكم، كالتّنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا» (^٢). فهذا يدلّ على أنّه واصل بالناس في آخر الشهر.
وروى عاصم بن كليب، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: ما واصل النبيّ ﷺ وصالكم قطّ، غير أنّه قد أخّر الفطر إلى السّحور. وإسناده لا بأس به. وخرّج الإمام أحمد من حديث علي أنّ النبي ﷺ كان يواصل إلى السّحر (^٣)، وخرّجه الطبرانيّ من حديث جابر أيضا (^٤).
_________________
(١) أخرجه: الطبراني في «الأوسط» (٥٦٥٣).
(٢) أخرجه: البخاري (٣/ ٤٩) (١٩٦٥)، ومسلم (٣/ ١٣٣) (١١٠٣).
(٣) أخرجه: أحمد (١/ ١٤١).
(٤) أخرجه: الطبراني في «الأوسط» (٣٧٥٦).
[ ٣٣٣ ]
وخرّج ابن جرير الطبري من حديث أبي هريرة ﵁: أنّ النبي ﷺ كان يواصل إلى السّحر، ففعل ذلك بعض أصحابه، فنهاه، فقال: أنت تفعل ذلك.
فقال: «إنكم لستم مثلي، إنّي أظلّ عند ربّي يطعمني ويسقيني».
وزعم ابن جرير أنّ النبي ﷺ لم يكن يواصل في صيامه إلاّ إلى السّحر خاصّة، وأن ذلك يجوز لمن قوي عليه، ويكره لغيره. وأنكر أن يكون استدامة الصّيام في الليل كلّه طاعة عند أحد من العلماء؛ قال: وإنما كان يمسك بعضهم لمعنى آخر غير الصّيام؛ إمّا ليكون أنشط له على العبادة، أو إيثارا بطعامه على نفسه، أو لخوف مقلق منعه طعامه، أو نحو ذلك. فمقتضى كلامه أنّ من واصل ولم يفطر؛ ليكون أنشط له على العبادة من غير أن يعتقد أنّ إمساك الليل قربة، أنه جائز وإن أمسك تعبّدا بالمواصلة. فإن كان إلى السّحر وقوي عليه، لم يكره، وإلاّ كره. ولذلك قال أحمد وإسحاق: لا يكره الوصال إلى السّحر.
وفي «صحيح البخاري» عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، قال: «لا تواصلوا، فأيّكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السّحر. قالوا: فإنّك تواصل يا رسول الله؟ قال: إنّي لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني وساق يسقيني» (^١).
وظاهر هذا يدلّ على أنّه ﷺ كان يواصل الليل كلّه، وقد يكون ﷺ إنّما فعل ذلك لأنّه رآه أنشط له على الاجتهاد في ليالي العشر، ولم يكن ذلك مضعفا له عن العمل؛ فإنّ الله كان يطعمه ويسقيه.
واختلف في معنى إطعامه؛ فقيل: إنه كان يؤتى بطعام من الجنّة يأكله؛ وفي
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٣/ ٤٨ - ٤٩) (١٩٦٣)، وأبو داود (٢٣٦١).
[ ٣٣٤ ]
هذا نظر؛ فإنّه لو كان كذلك لم يكن مواصلا، وقد أقرّهم على قولهم له: إنّك تواصل. لكن روى عبد الرّزّاق في كتابه عن ابن جريج، أخبرني عمرو بن دينار: أنّ النبي ﷺ نهى عن الوصال، قالوا: فإنّك تواصل؟ قال: وما يدريكم لعلّ ربّي يطعمني ويسقيني (^١). وهذا مرسل.
وفي رواية لمسلم، من حديث أنس: «إنّي أظلّ يطعمني ربّي ويسقيني» (^٢) وإنما يقال: ظلّ يفعل كذا، إذا كان نهارا، ولو كان أكلا حقيقيّا كان منافيا للصّيام، والصحيح أنّه إشارة إلى ما كان الله يفتحه عليه في صيامه وخلوته بربّه، لمناجاته وذكره من موادّ أنسه ونفحات قدسه، فكان يرد بذلك على قلبه من المعارف الإلهية والمنح الربانية ما يغذّيه ويغنيه عن الطّعام والشراب. كما قيل:
لها أحاديث من ذكراك تشغلها … عن الطعام وتلهيها عن الزّاد
لها بوجهك نور تستضيء به … وقت المسير وفي أعقابها حادي
إذا شكت من كلال السّير أوعدها … روح القدوم فتحيا عند ميعاد
الذّكر قوت قلوب العارفين، يغنيهم عن الطعام والشراب، كما قيل:
أنت ريّي إذا ظمئت إلى الماء … وقوتي إذا أردت الطّعاما
لمّا جاع المجتهدون شبعوا من طعام المناجاة. فأفّ لمن باع لذّة المناجاة بفضل لقمة.
يا من لحشا المحبّ بالشّوق حشا … ذا سرّ سراك في الدّجا كيف فشا
هذا المولى إلى المماليك مشا … لا كان عيشا أورث القلب غشا
ويتأكّد تأخير الفطر في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر. قال زرّ بن حبيش
_________________
(١) أخرجه: عبد الرزاق في «مصنفه» (٧٧٥٦).
(٢) أخرجه: مسلم (٣/ ١٣٤) (١١٠٤)، والبخاري أيضا (٧٢٤١).
[ ٣٣٥ ]
في ليلة سبع وعشرين: من استطاع منكم أن يؤخّر فطره فليفعل وليفطر على ضياح لبن. ورواه بعضهم عن زرّ، عن أبيّ بن كعب مرفوعا، ولا يصح.
وضياح اللبن، وروي «ضيح» بالضاد المعجمة والياء آخر الحروف، هو اللبن الخاثر الممزوج بالماء.
وروى أبو الشيخ الأصبهاني بإسناده عن علي، قال: إن وافق ليلة القدر وهو يأكل، أورثه داء لا يفارقه حتّى يموت. وخرّجه من طريقه أبو موسى المديني.
وكأنّه يريد: إذا وافق دخولها أكله، والله أعلم.
ومنها: اغتساله بين العشاءين، وقد تقدّم من حديث عائشة: «واغتسل بين الأذانين». والمراد: أذان المغرب والعشاء.
وروي من حديث علي أنّ النبيّ ﷺ كان يغتسل بين العشاءين كلّ ليلة، يعني من العشر الأواخر. وفي إسناده ضعف. وروي عن حذيفة أنّه قام مع النبي ﷺ ليلة من رمضان، فاغتسل النبيّ ﷺ وستره حذيفة، وبقيت فضلة فاغتسل بها حذيفة وستره النبيّ ﷺ. خرّجه ابن أبي عاصم. وفي رواية أخرى عن حذيفة، قال: قام النبيّ ﷺ ذات ليلة من رمضان في حجرة من جريد النّخل، فصبّ عليه دلوا من ماء.
وقال ابن جرير: كانوا يستحبون أن يغتسلوا كلّ ليلة من ليالي العشر الأواخر. وكان النّخعيّ يغتسل في العشر كلّ ليلة، ومنهم من كان يغتسل ويتطيّب في الليالي التي تكون أرجى لليلة القدر، فأمر زر بن حبيش بالاغتسال ليلة سبع وعشرين من رمضان. وروي عن أنس بن مالك ﵁ أنه إذا كان ليلة أربع وعشرين اغتسل وتطيّب ولبس حلّة إزارا ورداء، فإذا أصبح طواهما فلم يلبسهما إلى مثلها من قابل.
وكان أيوب السّختياني يغتسل ليلة ثلاث وعشرين وأربع وعشرين، ويلبس ثوبين جديدين، ويستجمر ويقول: ليلة ثلاث وعشرين هي ليلة أهل المدينة،
[ ٣٣٦ ]
والتي تليها ليلتنا، يعني البصريين. وقال حمّاد بن سلمة: كان ثابت البناني، وحميد الطويل يلبسان أحسن ثيابهما ويتطيّبان، ويطيّبون المسجد بالنّضوح والدّخنة في الليلة التي يرجى فيها ليلة القدر. وقال ثابت: كان لتميم الداريّ حلّة اشتراها بألف درهم، كان يلبسها في الليلة التي يرجى فيها ليلة القدر.
فتبيّن بهذا أنّه يستحبّ في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر التنظّف والتزيّن، والتطيب بالغسل والطّيب واللباس الحسن، كما يشرع ذلك في الجمع والأعياد، وكذلك يشرع أخذ الزّينة بالثياب في سائر الصّلوات، كما قال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: ٣١]. وقال ابن عمر:
«الله أحقّ أن يتزيّن له». وروي عنه مرفوعا.
ولا يكمل التزيّن الظاهر إلا بتزين الباطن؛ بالتّوبة والإنابة إلى الله تعالى، وتطهيره من أدناس الذنوب وأوضارها؛ فإنّ زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تغني شيئا. قال الله تعالى: ﴿يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباسًا يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦].
إذا المرء لم يلبس ثيابا من التّقى … تقلّب عريانا وإن كان كاسيا
لا يصلح لمناجاة الملوك في الخلوات إلاّ من زيّن ظاهره وباطنه، وطهّرهما خصوصا لملك الملوك الذي يعلم السّرّ وأخفى، وهو لا ينظر إلى صوركم وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم، فمن وقف بين يديه فليزيّن له ظاهره باللباس، وباطنه بلباس التّقوى. أنشد الشّبليّ:
قالوا غدا العيد ماذا أنت لابسه … فقلت خلعة ساق حبّه جرعا
فقر وصبر هما ثوبان تحتهما … قلب يرى إلفه الأعياد والجمعا
أحرى الملابس أن تلقى الحبيب به … يوم التّزاور في الثّوب الذي خلعا
الدّهر لي مأثم إن غبت يا أملي … والعيد ما كنت لي مرأى ومستمعا
[ ٣٣٧ ]
ومنها: الاعتكاف: ففي «الصحيحين» عن عائشة ﵂، «أنّ النبي ﷺ كان يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتّى توفّاه الله» (^١). وفي «صحيح البخاري» عن أبي هريرة ﵁، قال: «كان رسول الله ﷺ يعتكف في كلّ رمضان عشرة أيام. فلمّا كان العام الذي قبض فيه اعتكف عشرين» (^٢).
وإنما كان يعتكف النبي ﷺ في هذه العشر التي يطلب فيها ليلة القدر، قطعا لأشغاله، وتفريغا لباله، وتخلّيا لمناجاة ربّه وذكره ودعائه. وكان يحتجر حصيرا يتخلى فيها عن الناس، فلا يخالطهم، ولا يشتغل بهم؛
ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يستحبّ له مخالطة النّاس، حتّى ولا لتعليم علم، وإقراء قرآن، بل الأفضل له الانفراد بنفسه والتخلّي بمناجاة ربّه وذكره ودعائه. وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشّرعية، وإنما يكون في المساجد؛ لئلاّ يترك به الجمع والجماعات؛ فإنّ الخلوة القاطعة عن الجمع والجماعات منهيّ عنها.
سئل ابن عبّاس عن رجل يصوم النّهار ويقوم الليل، ولا يشهد الجمعة والجماعة؟ قال: هو في النار.
فالخلوة المشروعة لهذه الأمة هي الاعتكاف في المساجد، خصوصا في شهر رمضان، خصوصا في العشر الأواخر منه، كما كان النبي ﷺ يفعله.
فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كلّ شاغل يشغله عنه، وعكف بقلبه وقالبه على ربّه وما يقرّبه منه، فما بقي له همّ سوى الله، وما يرضيه عنه. كما كان داود الطّائيّ يقول في ليله: همّك عطّل عليّ
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٣/ ٦٢) (٢٠٢٦)، ومسلم (٣/ ١٧٥) (١١٧٢)، وأحمد (٦/ ٩٢، ٦/ ٢٧٩، ٢٣٢)، وأبو داود (٢٤٦٢).
(٢) أخرجه: البخاري (٣/ ٦٧)، وأبو داود (٢٤٦٦)، وابن ماجه (١٧٦٩).
[ ٣٣٨ ]
الهموم، وحالف بيني وبين السّهاد، وشوقي إلى النّظر إليك أوبق منيّ اللّذات، وحال بيني وبين الشّهوات.
ما لي شغل سواه ما لي شغل … ما يصرف عن قلبي هواه عذل
ما أصنع إن جفا وخاب الأمل … منّي بدل ومنه ما لي بدل
فمعنى الاعتكاف وحقيقته: قطع العلائق عن الخلائق للاتصال بخدمة الخالق، وكلّما قويت المعرفة بالله والمحبّة له، والأنس به، أورثت صاحبها الانقطاع إلى الله تعالى بالكلية على كلّ حال.
كان بعضهم لا يزال منفردا في بيته، خاليا بربّه، فقيل له: أما تستوحش؟ قال: كيف أستوحش وهو يقول: «أنا جليس من ذكرني»! (^١).
أوحشتني خلواتي … بك من كلّ أنيسي
وتفرّدت فعاينتك … بالغيب جليسي
يا ليلة القدر للعابدين اشهدي، يا أقدام القانتين اركعي لربّك واسجدي، يا ألسنة السّائلين جدّي في المسألة واجتهدي.
يا رجال اللّيل جدّوا … ربّ داع لا يردّ
ما يقوم اللّيل إلاّ … من له عزم وجدّ
ليلة القدر عند المحبّين ليلة الحظوة بأنس مولاهم وقربه، وإنما يفرّون من ليالي البعد والهجر. كان ببغداد موضعان يقال لأحدهما دار الملك، والأخرى القطيعة، فجاز بعض العارفين بملاّح في سفينة، فقال له: احملني معك إلى
_________________
(١) روي عن كعب قال: قال موسى ﵇: يا رب أقريب أنت فأناجيك أم بعيد فأناديك؟ فقيل له: يا موسى؛ أنا جليس من ذكرني …» رواه البيهقي في «الشعب» (١/ ٤٥١) (٦٨٠)، وابن أبي شيبة (١/ ١٠٨) (١٢٢٤)، و(٧/ ٧٣) (٣٤٢٨٧).
[ ٣٣٩ ]
دار الملك، فقال له الملاح: ما أقصد إلاّ القطيعة، فصاح العارف: لا بالله، لا بالله، منها أفرّ.
وليلة بتّ بأكنافها … تعدل عندي ليلة القدر
كانت سلاما لسروري بها … بالوصل حتّى مطلع الفجر
يا من ضاع عمره في لا شيء، استدرك ما فاتك في ليلة القدر؛ فإنّها تحسب بالعمر.
وليلة وصل بات منجز وعده … سميري فيها بعد طول مطال
شفيت بها قلبا أطيل عليله … زمانا فكانت ليلة بليالي
قال الله تعالى: ﴿إِنّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١) وَما أَدْراكَ ما لَيْلَةُ الْقَدْرِ (٢) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ [القدر: ١ - ٣] (^١).
قال مالك: بلغني أنّ رسول الله ﷺ أري أعمار النّاس قبله، أو ما شاء الله من ذلك، فكأنّه تقاصر أعمار أمّته ألاّ يبلغوا من العمل الذي بلغ غيرهم في طول العمر، فأعطاه الله ليلة القدر خيرا من ألف شهر (^٢). وروي عن مجاهد،
_________________
(١) في المطبوع هنا زيادة الظاهر أنها من النساخ، ونصها: «واختلف في ليلة القدر والحكمة في نزول الملائكة في هذه الليلة، أن الملوك والسادات لا يحبون أن يدخل دارهم أحد حتى يزينون دارهم بالفرش والبسط ويزينوا عبيدهم بالثياب والأسلحة، فإذا كان ليلة القدر أمر الربّ ﵎ الملائكة بالنزول إلى الأرض؛ لأنّ العباد زيّنوا أنفسهم بالطاعات؛ بالصّوم والصّلاة في ليالي رمضان، ومساجدهم بالقناديل والمصابيح، فيقول الربّ تعالى: أنتم طعنتم في بني آدم وقلتم أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها [البقرة: ٣٠]، الآية، فقلت لكم: إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ [البقرة: ٣٠]، اذهبوا إليهم في هذه الليلة حتى تروهم قائمين ساجدين راكعين لتعلموا أنّي اخترتهم على علم على العالمين».
(٢) «الموطأ» (ص ٢١٣)، وقال ابن عبد البر: «هذا أحد الأحاديث الأربعة التي لا توجد في غير الموطإ، لا مسندا ولا مرسلا، وليس منها حديث منكر ولا ما يدفعه أصل».
[ ٣٤٠ ]
أنّ النبيّ ﷺ ذكر رجلا من بني إسرائيل لبس السّلاح ألف شهر، فعجب المسلمون من ذلك؛ فأنزل الله تعالى هذه السورة ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ الذي لبس فيها ذلك الرجل السّلاح في سبيل الله ألف شهر. وقال النّخعيّ: العمل فيها خير من العمل في ألف شهر.
وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «من قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه» (^١). وفي «المسند» عن عبادة بن الصّامت، عن النبي ﷺ، قال: «من قامها ابتغاءها، ثم وقعت له غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخر» (^٢). وفي «المسند» و«النسائي» عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ، أنه قال في شهر رمضان: «فيه ليلة خير من ألف شهر، من حرم خيرها فقد حرم» (^٣).
قال جويبر: قلت للضحّاك: أرأيت النفساء والحائض والمسافر والنّائم لهم في ليلة القدر نصيب؟ قال: نعم، كل من تقبّل الله عمله سيعطيه نصيبه من ليلة القدر.
إخواني، المعوّل على القبول لا على الاجتهاد، والاعتبار ببرّ القلوب لا بعمل الأبدان. ربّ قائم حظّه من قيامه السّهر؛ كم من قائم محروم، ومن نائم مرحوم؛ هذا نام وقلبه ذاكر، وهذا قام وقلبه فاجر.
إنّ المقادير إذا ساعدت … ألحقت النّائم بالقائم
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٣/ ٥٩) (١٩٠١) (٢٠١٤)، ومسلم (٢/ ١٧٧) (٧٦٠).
(٢) أخرجه: أحمد (٥/ ٣١٨).
(٣) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٣٠)، وابن ماجه (١٦٤٤)، والنسائي (٤/ ١٢٩). وهو منقطع، لكن له شواهد كثيرة يحسّن بها الحديث.
[ ٣٤١ ]
لكنّ العبد مأمور بالسّعي في اكتساب الخيرات والاجتهاد في الأعمال الصالحات؛ وكلّ ميسّر لما خلق له. أمّا أهل السعادة فييسّرون لعمل أهل السعادة، وأمّا أهل الشّقاوة فييسّرون لعمل أهل الشقاوة، ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطى وَاتَّقى (٥) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنى (٦) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرى (٧) وَأَمّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنى (٨) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنى (٩) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرى﴾ [الليل: ٥ - ١٠]. فالمبادرة المبادرة إلى اغتنام العمل فيما بقي من الشهر، فعسى أن يستدرك به ما فات من ضياع العمر.
تولّى العمر في سهو … وفي لهو وفي خسر
فيا ضيعة ما أنفق … ت في الأيّام من عمري
وما لي في الّذي ضيّغ … ت من عمري من عذر
فما أغفلنا عن وا … جبات الحمد والشكر
أما قد خصّنا الله … بشهر أيّما شهر
بشهر أنزل الرّحما … ن فيه أشرف الذّكر
وهل يشبهه شهر … وفيه ليلة القدر
فكم من خبر صحّ … بما فيها من الخير
روينا عن ثقات أنّ … ها تطلب في الوتر
فطوبى لامرئ يطلب … ها في هذه العشر
ففيها تنزل الأملا … ك بالأنوار والبرّ
وقد قال: سلام هـ … ي حتّى مطلع الفجر
ألا فادّخروها إنّ … ها من أنفس الذّخر
فكم من معتق فيها … من النّار ولا يدري
***
[ ٣٤٢ ]