خرّج الإمام أحمد من حديث جابر، عن النبي ﷺ، قال: «لا تتمنّوا الموت؛ فإنّ هول المطّلع شديد، وإنّ من السّعادة أن يطول عمر العبد ويرزقه الله الإنابة» (^١).
تمني الموت يقع على وجوه:
منها: تمنيه لضرّ دنيوي ينزل بالعبد، فينهى حينئذ عن تمني الموت.
وفي «الصحيحين»: عن أنس، عن النبي ﷺ، قال: «لا يتمنّينّ أحدكم الموت لضرّ نزل به، فإن كان لا بدّ فاعلا، فليقل: اللهمّ، أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفّني إذا كانت الوفاة خيرا لي» (^٢).
ووجه كراهته في هذه الحال أنّ المتمني للموت لضرّ نزل به، إنّما يتمنّاه تعجيلا للاستراحة من ضرّه، وهو لا يدري إلى ما يصير بعد الموت، فلعله يصير إلى ضرّ أعظم من ضرّه، فيكون كالمستجير من الرّمضاء بالنار. وفي الحديث: عن النبي ﷺ، قال: «إنّما يستريح من غفر له» (^٣).
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٣٣٢)، وحسنه المنذري في «الترغيب والترهيب» (٤/ ٢٥٧)، والهيثمي في «المجمع» (٣٣٤، ١٠/ ٢٠٣). وراجع: «التاريخ الكبير» للبخاري (٢/ ٢٨٥).
(٢) أخرجه: البخاري (٧/ ١٥٦) (٦٣٥١)، ومسلم (٨/ ٦٤) (٢٦٨٠)، والترمذي (٩٧١)، وأبو داود (٣١٠٩، ٣١٠٨)، والنسائي (٤/ ٣).
(٣) أخرجه: أحمد (١٠٢، ٦/ ٦٩).
[ ٥١٤ ]
فلهذا لا ينبغي له أن يدعو بالموت إلا أن يشترط أن يكون خيرا له عند الله ﷿، وكذلك كلّ ما لا يعلم العبد فيه الخيرة له، كالغنى والفقر وغيرهما، كما يشرع له استخارة الله تعالى فيما يريد أن يعمله مما لا يعلم وجه الخيرة فيه، وإنما يسأل الله ﷿ على وجه الجزم والقطع مما يعلم أنّه خير محض، كالمغفرة والرّحمة والعفو والعافية والتّقى والهدى ونحو ذلك.
ومنها: تمنيه خوف الفتنة في الدّين، فيجوز حينئذ. وقد تمنّاه ودعا به خشية فتنة الدّين خلق من الصحابة وأئمة الإسلام. وفي حديث المنام: «وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون» (^١).
ومنها: تمني الموت عند حضور أسباب الشهادة اغتناما لحصولها، فيجوز ذلك أيضا. وسؤال الصحابة الشهادة وتعرّضهم لها عند حضور الجهاد كثير مشهور، وكذلك سؤال معاذ لنفسه وأهل بيته الطاعون لمّا وقع بالشام.
ومنها: تمني الموت لمن وثق بعمله شوقا إلى لقاء الله ﷿، فهذا يجوز أيضا، وقد فعله كثير من السّلف. قال أبو الدّرداء: أحبّ الموت اشتياقا إلى ربّي. وقال أبو عنبة الخولاني: كان من قبلكم لقاء الله أحبّ إليه من الشهد. وقال بعض العارفين: طالت عليّ الأيام والليالي بالشوق إلى لقاء الله ﷿.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (١/ ٣٦٨)، والترمذي (٣٢٣٣)، وهو قطعة من حديث «اختصام الملإ الأعلى». وصححه الترمذي، ونقل عن البخاري أنه صححه أيضا. وراجع: «العلل» لابن أبي حاتم (٢٦)، وكذا للدارقطني (٦/ ٥٤ - ٥٧)، و«جامع التحصيل» (ص ٢٢٣)، و«زاد المعاد» (١/ ١٣٦ - ١٣٧)، و«النقد البناء» (ص ١٤٥). وقد أسهب ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (١/ ٣١ - ٣٥) في بيان علله ونقل عن البيهقي أنه قال: «روي من أوجه كلها ضعاف».
[ ٥١٥ ]
وقال بعضهم: طال شوقي إليك فعجّل قدومي عليك. وقال بعضهم:
لا تطيب نفسي بالموت إلاّ إذا ذكرت لقاء الله ﷿؛ فإنني أشتاق حينئذ إلى الموت؛ كشوق الظمآن الشديد ظمؤه في اليوم الحارّ الشديد حرّه إلى الماء البارد الشديد برده، وفي هذا يقول بعضهم:
أشتاق إليك يا قريبا نائي … شوق ظام إلى زلال الماء
وقد دلّ على جواز ذلك قول الله ﷿: ﴿قُلْ إِنْ كانَتْ لَكُمُ الدّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللهِ خالِصَةً مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] وقوله تعالى: ﴿قُلْ يا أَيُّهَا الَّذِينَ هادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِياءُ لِلّهِ مِنْ دُونِ النّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ﴾ [الجمعة: ٦]، فدلّ ذلك على أنّ أولياء الله لا يكرهون الموت بل يتمنونه، ثم أخبر أنهم ﴿وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [الجمعة: ٧]، فدلّ على أنّه إنما يكره الموت من له ذنوب يخاف القدوم عليها، كما قال بعض السلف: ما يكره الموت إلا مريب. وفي حديث عمّار بن ياسر، عن النبي ﷺ: «أسألك لذّة النّظر إلى وجهك وشوقا إلى لقائك، في غير ضرّاء مضرّة، ولا فتنة مضلّة» (^١).
فالشوق إلى لقاء الله تعالى إنما يكون بمحبة الموت، وذلك لا يقع غالبا إلاّ عند خوف ضرّاء مضرّة في الدنيا، أو فتنة مضلّة في الدين. فأمّا إذا خلا عن ذلك، كان شوقا إلى لقاء الله ﷿، وهو المسئول في هذا الحديث. وفي «المسند» عن أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: «لا يتمنين الموت إلاّ من وثق بعمله» (^٢).
فالمطيع لله مستأنس بربّه، فهو يحبّ لقاء الله، والله يحبّ لقاءه. والعاصي
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٤/ ٢٦٤)، والنسائي (٣/ ٥٤ - ٥٥). وصححه الألباني في «صفة الصلاة»، وفي «تخريج الكلم الطيب» (١٠٥).
(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ٣٥٠)، وراجع: التعليق على «المسند» طبعة الرسالة.
[ ٥١٦ ]
مستوحش، بينه وبين مولاه وحشة الذّنوب، فهو يكره لقاء ربّه ولا بدّ له منه.
قال ذو النون: كلّ مطيع مستأنس، وكلّ عاص مستوحش. وفي هذا يقول بعضهم:
أمستوحش أنت مما جنيت … فأحسن إذا شئت واستأنس
قال أبو بكر الصديق لعمر ﵄ في وصيته له عند الموت: إن حفظت وصيتي لم يكن غائب أحبّ إليك من الموت ولا بدّ لك منه، وإن ضيعتها لم يكن غائب أكره إليك من الموت ولن تعجزه. قال أبو حازم: كلّ عمل تكره الموت من أجله فاتركه، ثم لا يضرّك متى متّ. العاصي يفرّ من الموت لكراهية لقاء الله، وأين يفرّ من هو في قبضة من يطلبه.
أين المفرّ والإله الطّالب … والمجرم المغلوب ليس الغالب
سئل أبو حازم: كيف القدوم على الله؟ قال: أمّا المطيع فكقدوم الغائب على أهله المشتاقين إليه، أمّا العاصي فكقدوم الآبق على سيّده الغضبان. رئي بعض الصالحين في النوم، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: خيرا، لم تر مثل الكريم إذا حلّ به المطيع. الدنيا كلّها شهر صيام المتقين، وعيد فطرهم يوم لقاء ربهم، كما قيل:
وقد صمت عن لذّات دهري كلّها … ويوم لقاكم ذاك فطر صيامي
ومنها: تمني الموت على غير الوجوه المتقدّمة، فقد اختلف العلماء في كراهته واستحبابه، وقد رخص فيه جماعة من السلف، وكرهه آخرون، وحكى بعض أصحابنا عن أحمد في ذلك روايتين ولا يصحّ؛ فإنّ أحمد إنما نصّ على كراهة تمني الموت؛ لضرر الدنيا، وعلى جواز تمنيه خشية الفتنة في الدّين.
وربما أدخل بعضهم في هذا الاختلاف القسم الذي قبله، وفي ذلك نظر.
[ ٥١٧ ]
واستدلّ من كرهه بعموم النّهي عنه، كما في حديث جابر الذي ذكرناه، وفي معناه أحاديث أخر يأتي بعضها إن شاء الله تعالى.
وقد علّل النهي عن تمني الموت في حديث جابر بعلتين:
إحداهما: أنّ هول المطّلع شديد، وهول المطّلع هو ما يكشف للميت عند حضور الموت من الأهوال التي لا عهد له بشيء منها في الدنيا؛ من رؤية الملائكة، ورؤية أعماله من خير أو شرّ، وما يبشّر به عند ذلك من الجنّة والنار، هذا مع ما يلقاه من شدّة الموت وكربه وغصصه.
وفي الحديث الصحيح: «إذا حملت الجنازة وكانت صالحة، قالت:
قدّموني قدّموني، وإن كانت غير ذلك، قالت: يا ويلها! أين تذهبون بها؟ يسمع صوتها كلّ شيء إلاّ الإنسان، ولو سمعها الإنسان لصعق» (^١).
قال الحسن: لو علم ابن آدم أنّ له في الموت راحة وفرحا لشقّ عليه أن يأتيه الموت؛ لما يعلم من فظاعته وشدّته وهوله، فكيف وهو لا يعلم ما له في الموت نعيم دائم أو عذاب مقيم.
بكى النّخعي عند احتضاره، وقال: أنتظر ملك الموت لا أدري يبشرني بالجنة أو النار. فالمتمني للموت كأنّه يستعجل حلول البلاء، وإنما أمرنا بسؤال العافية. وسمع ابن عمر رجلا يتمنى الموت، فقال: لا تتمنّ الموت؛ فإنّك ميت، ولكن سل الله العافية. قال إبراهيم بن أدهم: إن للموت كأسا لا يقوى عليها إلا خائف وجل مطيع لله كان يتوقّعها.
وقال أبو العتاهية:
ألا للموت كاس أيّ كاس … وأنت لكأسه لا بدّ حاسي
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٢/ ١٠٨) (١٣١٤)، والنسائي (١/ ٤١).
[ ٥١٨ ]
إلى كم والممات إلى قريب … تذكّر بالممات (^١) وأنت ناسي
جزع الحسن بن عليّ ﵄ عند موته، وقال: إني أريد أن أشرف على ما لم أشرف عليه قطّ. وبكى الحسن البصريّ عند موته، وقال: نفيسة ضعيفة وأمر مهول عظيم، وإنا لله وإنا إليه راجعون. وكان حبيب العجمي عند موته يبكي ويقول: إنّي أريد أن أسافر سفرا ما سافرته قطّ، وأسلك طريقا ما سلكته قطّ، وأزور سيدي ومولاي وما رأيته قطّ، وأشرف على أهوال ما شاهدتها قطّ.
فهذا كلّه من هول المطّلع الذي قطع قلوب الخائفين (^٢)، حتى قال عمر عند موته: لو أنّ لي ما في الأرض لافتديت به من هول المطّلع. ومن هول المطّلع ما يكشف للميت عند نزوله قبره من فتنة القبر؛ فإنّ الموتى يفتنون بالمسألة في قبورهم مثل أو قريبا من فتنة المسيح الدّجّال، وما يكشف لهم في قبورهم عن منازلهم من الجنة والنار، وما يلقون من ضمّة القبر وضيقته وهوله وعذابه إن لم يعاف الله من ذلك.
[ولأبي العتاهية:
لأبكينّ على نفسي وحقّ ليه … يا عين لا تبخلي عنّي بعبرتيه
يا هول مطّلعي، يا ضيق مضطجعي … يا نأي منتجعي، يا بعد شقّتيه] (^٣)
رئي بعض الصّالحين في المنام بعد موته فسئل عن حاله، فأنشد:
وليس يعلم ما في القبر داخله … إلاّ الإله وساكن الأجداث
_________________
(١) في ب: «بالمعاد».
(٢) في أ: «الذي لقلوب الخائفين قطع».
(٣) ليس في أ، ب.
[ ٥١٩ ]
[كان سفيان الثوري ينشد:
إنّ امرأ يصفو له عيشه … لغافل عمّا تجنّ القبور
نحن بنو الأرض وسكانها … منها خلقنا وإليها نصير] (^١)
والعلة الثانية: أنّ المؤمن لا يزيده عمره إلاّ خيرا، فمن سعادته أن يطول عمره ويرزقه الله الإنابة إليه، والتوبة من ذنوبه السالفة، والاجتهاد في العمل الصالح؛ فإذا تمنى الموت، فقد تمنى انقطاع عمله الصالح، فلا ينبغي له ذلك. وروى إبراهيم الحربيّ من رواية ابن لهيعة، عن ابن الهاد، عن ابن المطلب، عن أبيه أنّ النبي ﷺ، قال: «السّعادة كلّ السّعادة طول العمر في طاعة الله ﷿» (^٢).
وقد روي هذا المعنى عن النبي ﷺ من وجوه متعددة، ففي «صحيح البخاري» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «لا يتمنّينّ أحدكم الموت؛ إمّا محسنا، فلعلّه يزداد خيرا، وإمّا مسيئا فلعلّه أن يستعتب» (^٣).
وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا يتمنّينّ أحدكم الموت، ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إنّه إذا مات أحدكم انقطع عمله، وإنّه لا يزيد المؤمن عمره إلاّ خيرا» (^٤).
وفي «مسند الإمام أحمد» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال:
«لا يتمنين أحدكم الموت، ولا يدع به من قبل أن يأتيه، إلا أن يكون قد وثق
_________________
(١) ليس في أ، ب.
(٢) أخرجه: الخطيب في «تاريخ بغداد» (٦/ ١٦ - ١٧)، وفي إسناده ضعف. وراجع: «الضعيفة» (٢٤٠٧).
(٣) أخرجه: البخاري (٧/ ١٥٧) (٥٦٧٣)، والنسائي (٤/ ٢).
(٤) أخرجه: مسلم (٨/ ٦٥) (٢٦٨٢).
[ ٥٢٠ ]
بعمله؛ فإنّه إن مات أحدكم انقطع عنه عمله، وإنّه لا يزيد المؤمن عمره إلاّ خيرا» (^١). وفيه عن أمّ الفضل ﵂ أن النبي ﷺ سمع العباس وهو يشتكي يتمنى الموت، فقال: «لا تتمنّ الموت؛ فإنّك إن كنت محسنا تزداد إحسانا إلى إحسانك، وإن كنت مسيئا فأن تؤخّر تستعتب من إساءتك خير لك» (^٢).
وفيه أيضا: عن أبي أمامة ﵁، قال: جلسنا إلى رسول الله ﷺ فذكّرنا ورقّقنا، فبكى سعد بن أبي وقاص، فأكثر البكاء، وقال: يا ليتني متّ. فقال النبي ﷺ: «يا سعد، إن كنت خلقت للجنّة فما طال من عمرك وحسن من عملك، فهو خير لك» (^٣).
وفي المعنى أحاديث أخر كثيرة، وكلّها تدلّ على النّهي عن تمني الموت بكل حال، وأنّ طول عمر المؤمن خير له، فإنّه يزداد فيه خيرا. وهذا قد قيل:
إنه يدخل فيه تمنيه للشوق إلى لقاء الله، وفيه نظر، فإنّ النبي ﷺ قد تمنّاه في تلك الحال.
واختلف السالكون: أيما أفضل؛ من تمنّى الموت شوقا إلى لقاء الله، أو من تمنى الحياة رغبة في طاعة الله، أو من فوّض الأمر إلى الله ورضي باختياره له ولم يختر لنفسه شيئا.
واستدلّ طائفة من الصحابة على تفضيل الموت على الحياة بقول الله ﷿: ﴿وَما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرارِ﴾ [آل عمران: ١٩٨]. ولكن الأحاديث الصحيحة تدلّ على أنّ عمر المؤمن كلما طال ازداد بذلك ما له عند الله من الخير، فلا ينبغي له أن يتمنّى انقطاع ذلك، اللهم إلا أن يخشى الفتنة على
_________________
(١) تقدم.
(٢) أخرجه: أحمد (٦/ ٣٣٩).
(٣) أخرجه: أحمد (٥/ ٢٦٧)، وقال الحافظ في «الفتح» (١٠/ ١٣٠): «سنده ليّن».
[ ٥٢١ ]
دينه؛ فإنه إذا خشي الفتنة على دينه، فقد خشي أن يفوته ما عند الله من الخير ويتبدّل ذلك بالشر، عياذا بالله من ذلك، والموت خير من الحياة على هذه الحال.
قال ميمون بن مهران: لا خير في الحياة إلا لتائب أو رجل يعمل في الدّرجات. يعني أنّ التائب يمحو بالتوبة ما سلف من السيئات، والعامل يجتهد في علو الدّرجات، ومن عداهما فهو خاسر، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ﴾ [العصر: ١ - ٣]. فأقسم الله تعالى أنّ كلّ إنسان خاسر إلاّ من اتّصف بهذه الأوصاف الأربعة: الإيمان، والعمل الصالح، والتواصي بالحق، والتواصي بالصبر على الحق. فهذه السورة ميزان للأعمال يزن المؤمن بها نفسه فيبين له بها ربحه من خسرانه، ولهذا قال الشافعي ﵁: لو فكّر النّاس كلّهم فيها لكفتهم.
رأى بعض المتقدمين النبي ﷺ في منامه، فقال له: أوصني. فقال له:
«من استوى يوماه فهو مغبون، ومن كان يومه شرّا من أمسه فهو ملعون، ومن لم يتفقّد الزّيادة في عمله فهو في نقصان، ومن كان في نقصان فالموت خير له».
قال بعضهم: كان الصّدّيقون يستحيون من الله أن يكونوا اليوم على مثل حالهم بالأمس. يشير إلى أنّهم كانوا لا يرضون كل يوم إلا بالزّيادة من عمل الخير، ويستحيون من فقد ذلك ويعدّونه خسرانا، كما قيل:
أليس من الخسران أنّ لياليا … تمرّ بلا نفع وتحسب من عمري
فالمؤمن القائم بشروط الإيمان لا يزداد بطول عمره إلاّ خيرا، ومن كان كذلك فالحياة خير له من الموت. وفي دعاء النبي ﷺ: «اللهم اجعل الحياة
[ ٥٢٢ ]
زيادة لي في كلّ خير، والموت راحة لي من كلّ شرّ» (^١). خرّجه مسلم. وفي «الترمذي» عنه ﷺ «أنّه سئل: أيّ النّاس خير؟ قال: من طال عمره وحسن عمله». قيل: فأيّ النّاس شرّ؟ قال: من طال عمره وساء عمله» (^٢).
وفي «المسند» وغيره: «أنّ نفرا ثلاثة قدموا على النبي ﷺ فأسلموا، فكانوا عند طلحة، فبعث النبي ﷺ بعثا، فخرج فيه أحدهم فاستشهد، ثم بعث بعثا آخر، فخرج آخر منهم فاستشهد، ثم مات الثالث على فراشه. قال طلحة:
فرأيتهم في الجنّة، فرأيت الميّت على فراشه أمامهم، ورأيت الذي استشهد آخرا يليه، ورأيت الذي استشهد أوّلهم آخرهم. فأتيت النبيّ ﷺ فذكرت ذلك له، فقال: وما أنكرت من ذلك؟ ليس أفضل عند الله ﷿ من مؤمن يعمّر في الإسلام لتسبيحه وتكبيره وتهليله» (^٣). وفي رواية، قال: «أليس قد مكث هذا بعده سنة؟ قالوا: بلى، قال: وأدرك رمضان فصامه؟ قالوا: بلى. قال:
وصلّى كذا وكذا سجدة في السّنة؟ قالوا: بلى. قال: فلما بينهما أبعد ما بين السّماء والأرض».
قيل لبعض السّلف: طاب الموت. قال: لا تفعل، لساعة تعيش فيها تستغفر الله خير لك من موت الدّهر. وقيل لشيخ كبير منهم: تحبّ الموت؟ قال:
لا. قيل: ولم؟ قال: ذهب الشباب وشرّه، وجاء الكبر وخيره؛ فإذا قمت قلت:
بسم الله، وإذا قعدت قلت: الحمد لله، فأنا أحبّ أن يبقى لي هذا. وقيل لشيخ آخر منهم: ما بقي ممّا تحبّ له الحياة؟ قال: البكاء على الذنوب. ولهذا كان السّلف الصالح يتأسّفون عند موتهم على انقطاع أعمالهم عنهم بالموت.
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٨/ ٨١) (٢٧٢٠).
(٢) أخرجه: أحمد (٤٣، ٥/ ٤٠ - ٥٠، ٤٩، ٤٨، ٤٧، ٤٤)، والترمذي (٢٣٣٠)، وقال: «هذا حديث حسن صحيح».
(٣) أخرجه: أحمد (١/ ١٦٣)، وأبو يعلى (٦٣٤)، وابن ماجه (٣٩٢٥) بمعناه.
[ ٥٢٣ ]
وبكى معاذ عند موته وقال: إنما أبكي على ظمأ الهواجر، وقيام ليل الشتاء، ومزاحمة العلماء بالرّكب عند حلق الذّكر. وبكى عبد الرحمن بن الأسود عند موته، وقال: وا أسفاه على الصوم والصلاة، ولم يزل يتلو القرآن حتى مات. وبكى يزيد الرقاشي عند موته، وقال: أبكي على ما يفوتني من قيام الليل وصيام النّهار، ثم بكى وقال: من يصلي لك يا يزيد بعدك؟ ومن يصوم ومن يتقرّب لك بالأعمال الصالحة؟ ومن يتوب لك من الذنوب السّالفة؟ وجزع بعضهم عند موته، وقال: إنما أبكي على أن يصوم الصائمون لله ولست فيهم، ويصلّي المصلّون ولست فيهم، ويذكر الذّاكرون ولست فيهم، فذلك الذي أبكاني.
تحمّل أصحابي ولم يجدوا وجدي … وللنّاس أشجان ولي شجن وحدي
أحبّكم ما دمت حيّا فإن أمت … فوا أسفي ممّن يحبّكم بعدي
في «الترمذي» عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «ما من ميت مات إلا ندم؛ إن كان محسنا ندم أن لا يكون ازداد، وإن كان مسيئا ندم أن لا يكون استعتب» (^١). إذا كان المحسن يندم على ترك الزّيادة، فكيف يكون حال المسيء؟ رأى بعض المتقدمين في المنام قائلا يقول له:
يا خدّ إنّك إن توسّد ليّنا … وسّدت بعد الموت صمّ الجندل
فاعمل لنفسك في حياتك صالحا … فلتندمنّ غدا إذا لم تفعل
ورأى آخر في المنام قائلا يقول له:
إن كنت لا ترتاب أنّك ميّت … ولست لبعد الموت ما أنت تعمل
فعمرك ما يغني وأنت مفرّط … واسمك في الموتى معدّ محصّل
_________________
(١) أخرجه: الترمذي (٢٤٠٣)، وأشار إلى ضعفه.
[ ٥٢٤ ]
رئي بعض الموتى في المنام، فقال: ما عندنا أكثر من الندامة، ولا عندكم أكثر من الغفلة. وجد على قبر مكتوب:
ندمت على ما كان منّي ندامة … ومن يتّبع ما تشتهي النّفس يندم
ألم تعلموا أنّ الحساب أمامكم … وأنّ وراكم طالبا ليس يسأم
فخافوا لكيما تأمنوا بعد موتكم … ستلقون ربّا عادلا ليس يظلم
فليس لمغرور بدنياه راحة … سيندم إن زلّت به النّعل فاعلموا
الموتى في قبورهم يتحسّرون على زيادة في أعمالهم بتسبيحة أو بركعة، ومنهم من يسأل الرجعة إلى الدنيا لذلك، فلا يقدرون على ذلك، قد حيل بينهم وبين العمل، وغلقت منهم الرهون. ورئي بعضهم في المنام فقال: قدمنا على أمر عظيم، نعلم ولا نعمل، وأنتم تعملون ولا تعلمون، والله لتسبيحة أو تسبيحتان، أو ركعة أو ركعتان في صحيفة أحدنا أحبّ إليه من الدنيا وما فيها.
قال بعض السّلف: كلّ يوم يعيش فيه المؤمن غنيمة. وقال بعضهم: بقيّة عمر المؤمن لا قيمة له، يعني أنه يمكنه أن يمحو فيه ما سلف منه من الذنوب بالتوبة، وأن يجتهد فيه في بلوغ الدّرجات العالية بالعمل الصالح. فأمّا من فرط في بقية عمره فإنّه خاسر، فإن ازداد فيه من الذنوب فذلك هو الخسران المبين.
الأعمال بالخواتيم؛ من أصلح فيما بقي غفر له ما مضى، ومن أساء فيما بقي أخذ بما بقي وما مضى.
يا بائع عمره مطيعا أمله … في معصية الله كفعل الجهله
إن ساومك الجهل بباقيه فقل … باقي عمر المؤمن لا قيمة له
ما مضى من العمر وإن طالت أوقاته ذهبت لذّاته وبقيت تبعاته، وكأنّه لم يكن إذا جاء الموت وميقاته؛ قال الله ﷿: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْناهُمْ﴾
[ ٥٢٥ ]
﴿سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جاءَهُمْ ما كانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) ما أَغْنى عَنْهُمْ ما كانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧]. تلا بعض السّلف هذه الآية وبكى، وقال: إذا جاء الموت لم يغن عن المرء ما كان فيه من اللذّة والنعيم. وفي هذا المعنى ما أنشده أبو العتاهية للرشيد حين بنى قصره واستدعى إليه ندماءه:
عش ما بدا لك سالما … في ظلّ شاهقة القصور
يسعى عليك بما اشتهيت … لدى الرّواح وفي البكور
فإذا النّفوس تقعقعت … في ضيق حشرجة الصّدور
فهناك تعلم موقنا … ما كنت إلاّ في غرور
في «صحيح البخاري» عن النبي ﷺ، قال: «أعذر الله إلى من بلّغه ستين من عمره» (^١). وفي الترمذي: «أعمار أمّتي ما بين السّتين إلى السّبعين، وأقلّهم من يجوز ذلك» (^٢). وفي رواية: «حصاد أمّتي من بلغ الخمسين، فقد تنصّف المائة فماذا ينتظر».
لهفي على خمسين عاما مضت … كانت أمامي ثمّ خلفتها
لو كان عمري مائة هدّني … تذكّري أنّي تنصّفتها
في بعض الكتب السّالفة: إنّ لله مناديا ينادي كلّ يوم: أبناء الخمسين، زرع دنا حصاده، أبناء الستين، هلموا إلى الحساب. أبناء السّبعين، ماذا قدّمتم وماذا أخرتم؟ أبناء الثمانين: لا عذر لكم. ليت الخلق لم يخلقوا، وليتهم إذ خلقوا علموا لماذا خلقوا، وتجالسوا بينهم فتذاكروا ما عملوا، ألا أتتكم السّاعة
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٨/ ١١١) (٦٤١٩).
(٢) أخرجه: الترمذي (٣٥٥٠، ٢٣٣١)، وحسنه ابن ماجه (٤٢٣٦). وصححه الألباني في «الصحيحة» (٧٥٧).
[ ٥٢٦ ]
فخذوا حذركم. وقال وهب: إن لله مناديا ينادي في السّماء الرابعة كلّ صباح:
أبناء الأربعين، زرع دنا حصاده. أبناء الخمسين: ماذا قدّمتم وماذا أخّرتم؟ أبناء الستين: لا عذر لكم.
وفي حديث: «إنّ الله تعالى يقول للحفظة: ارفقوا بالعبد ما دامت حداثته، فإذا بلغ الأربعين حقّقا وتحفّظا». فكان بعض رواته يبكي عند روايته، ويقول:
حين كبرت السّنّ، ورقّ العظم، وقع التحفّظ.
قال مسروق: إذا أتتك الأربعون فخذ حذرك. وقال النّخعي: كان يقال لصاحب الأربعين: احتفظ بنفسك.
وكان كثير من السّلف إذا بلغ الأربعين تفرّغ للعبادة. وقال عمر بن عبد العزيز: تمّت حجّة الله على ابن الأربعين، فمات لها. ورأى في منامه قائلا يقول له:
إذا ما أتتك الأربعون فعندها … فاخش الإله وكن للموت حذّارا
يا أبناء العشرين، كم مات من أقرانكم وتخلفتم. يا أبناء الثلاثين، أصبتم بالشباب على قرب من العهد، فما تأسفتم. يا أبناء الأربعين، ذهب الصّبا وأنتم على اللهو قد عكفتم. يا أبناء الخمسين، تنصفتم المائة وما أنصفتم.
يا أبناء الستين، أنتم على معترك المنايا قد أشرفتم، أتلهون وتلعبون، لقد أسرفتم!!
وإذا تكامل للفتى من عمره … خمسون وهو إلى التّقى لا يجنح
عكفت عليه المخزيات فما له … متأخّر عنها ولا متزحزح
وإذا رأى الشيطان غرّة وجهه … حيّا وقال فديت من لا يفلح
[ ٥٢٧ ]
قال الفضيل لرجل: كم أتى عليك؟ قال: ستون سنة. قال له: أنت منذ ستين سنة تسير إلى ربّك يوشك أن تصل.
وإنّ امرأ قد سار ستين حجّة … إلى منهل من ورده لقريب
يا من يفرح بكثرة مرور السنين عليه، إنما تفرح بنقص عمرك. قال أبو الدّرداء والحسن ﵄: إنما أنت أيام، كلّما مضى منك يوم مضى بعضك.
وأنشد بعضهم:
إنّا لنفرح بالأيّام نقطعها … وكلّ يوم مضى يدني من الأجل
فاعمل لنفسك قبل الموت مجتهدا … فإنّما الرّبح والخسران في العمل
قال بعض الحكماء: كيف يفرح بالدنيا من يومه يهدم شهره، وشهره يهدم سنته، وسنته تهدم عمره؟! كيف يفرح من يقوده عمره إلى أجله، وحياته إلى موته؟!
نجد سرورا بالهلال إذا بدا … وما هو إلاّ السّيف للحتف ينتضى
إذا قيل تمّ الشّهر فهو كناية … وترجمة عن شطر عمر قد انقضى
قال الحسن: الموت معقود بنواصيكم، والدنيا تطوى من ورائكم.
نسير إلى الآجال في كلّ لحظة … وأعمارنا تطوى وهنّ مراحل
ترحّل من الدنيا بزاد من التّقى … فعمرك أيّام وهنّ قلائل (^١)
قال بعض الحكماء: من كانت الليالي مطاياه سارتا به وإن لم يسر.
وما هذه الأيام إلاّ مراحل … يحثّ بها حاد إلى الموت قاصد
وأعجب شيء لو تأمّلت أنّها … منازل تطوى والمسافر قاعد
_________________
(١) هذان البيتان من (ص، ب).
[ ٥٢٨ ]
[قال بعض الحكماء: قد اعتورك الليل والنّهار، يدفعك الليل إلى النهار، ويدفعك النهار إلى الليل، حتى يأتيك الموت:
أيا ويح نفسي من نهار يقودها … إلى عسكر الموتى وليل يذودها] (^١)
يا من كلّما طال عمره ازداد ذنبه، يا من كلّما ابيضّ شعره بمرور الأيام اسودّ بالآثام قلبه.
شيخ كبير له ذنوب … تعجز عن حملها المطايا
قد بيّضت شعره الليالي … وسوّدت قلبه الخطايا
يا من تمرّ عليه سنة بعد سنة وهو مستثقل في نوم الغفلة والسّنة. يا من يأتي عليه عام بعد عام وقد غرق في بحار الخطايا فعام (^٢). يا من يشاهد الآيات والعبر كلّما توالت عليه الأعوام والشهور، ويسمع الآيات والسور، ولا ينتفع بما يسمع ولا بما يرى من عظائم الأمور، ما الحيلة فيمن سبق عليه الشقاء في الكتاب المسطور ﴿فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَلكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحجّ: ٤٦]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَما لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النّور: ٤٠].
خليليّ كم من ميت قد حضرته … ولكنّني لم أنتفع بحضوري
وكم من ليالي قد أرتني عجائبا … لهنّ وأيام خلت وشهور
وكم من سنين قد طوتني كثيرة … وكم من أمور قد جرت وأمور
ومن لم يزده السّنّ (^٣) … ما عاش عبرة
فذاك الّذي لا يستنير بنور
***
_________________
(١) ليس في (ب).
(٢) في (أ): «في بحر الخطايا فهام».
(٣) في (أ): «العمر».
[ ٥٢٩ ]