في «الصحيحين» من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه. ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه» (^١). وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة أيضا ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «من قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه» (^٢). وللنسائي في رواية: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر» (^٣).
وقد سبق في قيام ليلة القدر مثل ذلك من رواية عبادة بن الصّامت.
والتكفير بصيامه قد ورد مشروطا بالتحفّظ ممّا ينبغي أن يتحفّظ منه. ففي «المسند» و«صحيح ابن حبّان» عن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﷺ، قال:
«من صام رمضان فعرف حدوده وتحفّظ ممّا ينبغي له أن يتحفّظ منه، كفّر ذلك ما قبله» (^٤).
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٣/ ٣٣) (٢٠١٤)، ومسلم (٢/ ١٧٧) (٧٦٠)، وأبو داود (١٣٧٢)، والترمذي (٦٨٣)، والنسائي (٤/ ١٥٧)، وابن ماجه (١٣٢٦)، وأحمد (٢/ ٥٠٣).
(٢) أخرجه: البخاري (٣/ ٥٨) (٢٠٠٩)، ومسلم (٢/ ١٧٦) (٧٥٩)، وأبو داود (١٣٧١)، والترمذي (٨٠٨)، والنسائي (٣/ ٢٠١)، وأحمد (٢/ ٢٨١).
(٣) الحديث بهذا اللفظ عند أحمد (٢/ ٢٨٥)، وأما الذي عند النسائي في «الكبرى» (٢٥١٢) بلفظ: «من قام رمضان … الحديث»، وحكم ابن حجر على زيادة «وما تأخر» بالشذوذ. انظر: «معرفة الخصال المكفرة للذنوب» (ص ٥٨).
(٤) أخرجه: أحمد (٣/ ٥٥)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٤/ ٣٠٤)، وابن حبان (٣٤٣٣). -
[ ٣٦٤ ]
والجمهور على أن ذلك إنّما يكفّر الصغائر، ويدلّ عليه ما خرّجه مسلم من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ، قال: «الصّلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفّرات لما بينهنّ، ما اجتنبت الكبائر» (^١).
وفي تأويله قولان:
أحدهما: أن تكفير هذه الأعمال مشروط باجتناب الكبائر، فمن لم يجتنب الكبائر لم تكفّر له هذه الأعمال كبيرة ولا صغيرة.
والثاني: أنّ المراد أنّ هذه الفرائض تكفّر الصغائر خاصّة بكلّ حال، وسواء اجتنبت الكبائر أو لم تجتنب، وأنّها لا تكفّر الكبائر بحال (^٢).
وقد قال ابن المنذر في قيام ليلة القدر: إنّه يرجى به مغفرة الذنوب؛ كبائرها وصغائرها. وقال غيره مثل ذلك في الصّوم أيضا. والجمهور على أنّ الكبائر لا بدّ لها من توبة نصوح. وهذه المسائل قد ذكرناها مستوفاة في مواضع أخر.
فدلّ حديث أبي هريرة ﵁ على أنّ هذه الأسباب الثلاثة كلّ واحد منها مكفّر لما سلف من الذّنوب، وهي صيام رمضان، وقيامه، وقيام ليلة القدر.
فقيام ليلة القدر بمجرده يكفّر الذنوب لمن وقعت له، كما في حديث عبادة بن الصّامت، وقد سبق ذكره. وسواء كانت في أوّل العشر أو أوسطه أو آخره، وسواء شعر بها أو لم يشعر. ولا يتأخّر تكفير الذنوب بها إلى انقضاء الشّهر.
وأمّا صيام رمضان وقيامه، فيتوقّف التكفير بهما على تمام الشهر، فإذا تمّ
_________________
(١) - وقال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ١٤٤): «وفيه عبد الله بن قريط، ذكره ابن أبي حاتم، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا».
(٢) أخرجه: مسلم (١/ ١٤٤) (٢٣٣)، وأحمد (٢/ ٤٠٠).
(٣) في ص: «بكل حال».
[ ٣٦٥ ]
الشّهر فقد كمل للمؤمن صيام رمضان وقيامه، فيترتّب له على ذلك مغفرة ما تقدّم من ذنبه بتمام السّببين، وهما صيام رمضان وقيامه.
وقد يقال: إنه يغفر لهم عند استكمال القيام في آخر ليلة من رمضان، بقيام رمضان قبل تمام نهارها، وتتأخّر المغفرة بالصيام إلى إكمال النهار بالصّوم، فيغفر لهم بالصوم في ليلة الفطر.
ويدلّ على ذلك ما خرّجه الإمام أحمد من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «أعطيت أمتي خمس خصال في رمضان لم تعطها أمّة غيرهم: خلوف فم الصّائم أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة حتّى يفطروا، ويزيّن الله كلّ يوم جنّته، ويقول: يوشك عبادي أن يلقوا عنهم المؤنة والأذى ويصيروا إليك، وتصفّد فيه مردة الشّياطين؛ فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره، ويغفر لهم في آخر ليلة، فقيل له: يا رسول الله، أهي ليلة القدر؟ قال: لا، ولكنّ العامل إنما يوفّى أجره إذا قضى عمله» (^١).
وقد روي أنّ الصّائمين يرجعون يوم الفطر مغفورا لهم، وأنّ يوم الفطر يسمّى يوم الجوائز (^٢)؛ وفيه أحاديث ضعيفة. وقال الزّهريّ: إذا كان يوم الفطر خرج النّاس إلى الجبّان اطّلع الله عليهم، فقال: عبادي، لي صمتم، ولي قمتم، ارجعوا مغفورا لكم. قال مورّق العجليّ لبعض إخوانه في المصلّى يوم الفطر: يرجع هذا اليوم قوم كما ولدتهم أمّهاتهم.
وفي حديث أبي جعفر الباقر المرسل: «من أتى عليه رمضان فصام نهاره،
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٩٢)، وقال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ١٤٠): «رواه أحمد والبزار، وفيه هشام بن زياد أبو المقدام، وهو ضعيف». وراجع: «مشكل الآثار» (٤/ ١٤٢)، و«المطالب العالية» (٩٣٢).
(٢) وساقه مسلم في مقدمة «صحيحه» على سبيل الإنكار.
[ ٣٦٦ ]
وصلّى وردا من ليله، وغضّ بصره، وحفظ فرجه ولسانه ويده، وحافظ على صلاته في الجماعة، وبكّر إلى جمعة، فقد صام الشّهر واستكمل الأجر، وأدرك ليلة القدر، وفاز بجائزة الرّبّ». قال أبو جعفر: جائزة لا تشبه جوائز الأمراء.
إذا كمّل الصائمون صيام رمضان وقيامه، فقد وفّوا ما عليهم من العمل، وبقي ما لهم من الأجر وهو المغفرة؛ فإذا خرجوا يوم عيد الفطر إلى الصّلاة قسّمت عليهم أجورهم، فرجعوا إلى منازلهم وقد استوفوا الأجر واستكملوه، كما في حديث ابن عباس ﵄ المرفوع: «إذا كان يوم الفطر هبطت الملائكة إلى الأرض، فيقومون على أفواه السّكك ينادون بصوت يسمعه جميع من خلق الله، إلاّ الجنّ والإنس، يقولون: يا أمّة محمد، اخرجوا إلى ربّ كريم يعطي الجزيل، ويغفر الذّنب العظيم، فإذا برزوا إلى مصلاّهم، يقول الله ﷿ لملائكته: يا ملائكتي، ما جزاء الأجير إذا عمل عمله؟ فيقولون: إلهنا وسيّدنا، أن توفّيه أجره، فيقول: إنّي أشهدكم أنّي قد جعلت ثوابهم من صيامهم وقيامهم رضائي ومغفرتي، انصرفوا مغفورا لكم» (^١). خرّجه سلمة بن شبيب في كتاب «فضائل رمضان» وغيره. وفي إسناده مقال. وقد روي من وجه آخر عن عكرمة، عن ابن عبّاس ﵄ موقوفا بعضه. وقد روي معناه مرفوعا من وجوه أخر فيها ضعف؛
من وفّى ما عليه من العمل كاملا وفّي له الأجر كاملا، ومن سلّم ما عليه موفّرا تسلّم ماله نقدا لا مؤخّرا.
ما بعتكم مهجتي إلا بوصلكم … ولا أسلّمها إلاّ يدا بيد
ومن نقص من العمل الذي عليه نقّص من الأجر بحسب نقصه، فلا يلم إلاّ
_________________
(١) أخرجه: الطبراني في «الكبير» - كما في «مجمع الزوائد» (٢/ ٢٠١)، والشجري في «أماليه» (٢/ ٤٧)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٤١ - ٤٣)، وقال: «لا يصح».
[ ٣٦٧ ]
نفسه. قال سلمان: الصّلاة مكيال، فمن وفى وفّي له، ومن طفّف فقد علمتم ما قيل في المطفّفين. فالصّيام وسائر الأعمال على هذا المنوال؛ من وفّاها فهو من خيار عباد الله الموفّين، ومن طفّف فيها فويل للمطفّفين. أما يستحيي من يستوفي مكيال شهواته. ويطفّف في مكيال صيامه وصلاته، ألا بعدا لمدين.
في الحديث: «أسوأ الناس سرقة الذي يسرق صلاته» (^١). إذا كان الويل لمن طفّف مكيال الدّنيا، فكيف حال من طفّف مكيال الدّين! ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥].
غدا توفّى النفوس ما كسبت … ويحصد الزّارعون ما زرعوا
إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم … وإن أساءوا فبئس ما صنعوا
كان السّلف الصّالح يجتهدون في إتمام العمل وإكماله وإتقانه، ثم يهتمّون بعد ذلك بقبوله، ويخافون من ردّه، وهؤلاء الذين ﴿يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]. روي عن علي ﵁، قال: كونوا لقبول العمل أشدّ اهتماما منكم بالعمل، ألم تسمعوا الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. وعن فضالة بن عبيد، قال: لأن أكون أعلم أنّ الله قد تقبّل منّي مثقال حبّة من خردل أحبّ إليّ من الدنيا وما فيها؛ لأنّ الله يقول:
﴿إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
وقال مالك بن دينار: الخوف على العمل أن لا يتقبّل أشدّ من العمل. وقال
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٥٦)، وأبو يعلى (١٣١١)، وابن أبي شيبة (١/ ٢٥٧) من حديث أبي سعيد الخدري، وأحمد (٥/ ٣١٠)، والطبراني في «الأوسط» (٨١٧٩)، وابن خزيمة (٦٦٣) من حديث أبي قتادة. وقال الهيثمي في «المجمع» (٢/ ١٢٠) عن حديث أبي قتادة: «رجاله رجال الصحيح». وراجع: «علل ابن أبي حاتم» (٤٨٧)، و«علل الدارقطني» (٨/ ١٥، ٦/ ١٤١).
[ ٣٦٨ ]
عطاء السّليمي (^١): الحذر: الاتقاء على العمل أن لا يكون لله. وقال عبد العزيز بن أبي روّاد: أدركتهم يجتهدون في العمل الصالح، فإذا فعلوه وقع عليهم الهمّ، أيقبل منهم أم لا.
قال بعض السّلف: كانوا يدعون الله ستّة أشهر أن يبلّغهم شهر رمضان، ثم يدعون الله ستّة أشهر أن يتقبّله منهم.
خرج عمر بن عبد العزيز ﵀ في يوم عيد فطر، فقال في خطبته: أيّها الناس، إنّكم صمتم لله ثلاثين يوما، وقمتم ثلاثين ليلة، وخرجتم اليوم تطلبون من الله أن يتقبّل منكم. كان بعض السّلف يظهر عليه الحزن يوم عيد الفطر، فيقال له: إنّه يوم فرح وسرور، فيقول: صدقتم، ولكنّي عبد أمرني مولاي أن أعمل له عملا، فلا أدري أيقبله منّي أم لا؟
رأى وهيب بن الورد قوما يضحكون في يوم عيد، فقال: إن كان هؤلاء تقبّل منهم صيامهم فما هذا فعل الشاكرين، وإن كانوا لم يتقبّل منهم صيامهم فما هذا فعل الخائفين. وعن الحسن، قال: إنّ الله جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته إلى مرضاته، فسبق قوم ففازوا، وتخلّف آخرون فخابوا. فالعجب من اللاعب الضّاحك في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخسر فيه المبطلون.
لعلك غضبان وقلبي غافل … سلام على الدّارين إن كنت راضيا
روي عن عليّ ﵁ أنّه كان ينادي في آخر ليلة من شهر رمضان: يا ليت شعري! من هذا المقبول فنهنّيه؟ ومن هذا المحروم فنعزّيه؟. وعن ابن مسعود أنّه كان يقول: من هذا المقبول منّا فنهنّيه؟ ومن هذا المحروم منّا فنعزّيه؟ أيّها المقبول هنيئا لك، أيّها المردود جبر الله مصيبتك.
_________________
(١) في الأصول: «السلمي»، وترجمته في «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٨٦).
[ ٣٦٩ ]
ليت شعري من فيه يقبل منّا … فيهنّا يا خيبة المردود
من تولّى عنه بغير قبول … أرغم الله أنفه بخزي شديد
ماذا فات من فاته خير رمضان؟ وأي شيء أدرك من أدركه فيه الحرمان؟ كم بين من حظّه فيه القبول والغفران، ومن كان حظّه فيه الخيبة والخسران. ربّ قائم حظّه من قيامه السّهر، وصائم حظّه من صيامه الجوع والعطش.
ما أصنع؟ هكذا جرى المقدور … الجبر لغيري وأنا المكسور
أسير ذنب مقيّد مهجور … هل يمكن أن يغيّر المقدور
غيره:
سار القوم والشّقا يقعدني … حازوا القرب والجفا يبعدني
حسبي حسبي إلى متى تطردني … أعداي دائي وكلّهم يقصدني
غيره:
أسباب هواك أوهنت أسبابي … من بعد جفاك فالضّنى أولى بي
ضاقت حيلي وأنت تدري ما بي … فارحم، فالعبد واقف بالباب
شهر رمضان تكثر فيه أسباب الغفران؛ فمن أسباب المغفرة فيه: صيامه، وقيامه، وقيام ليلة القدر فيه، كما سبق. ومنها: تفطير الصّوّام، والتخفيف عن المملوك، وهما مذكوران في حديث سلمان المرفوع. ومنها: الذكر. وفي حديث مرفوع: «ذاكر الله في رمضان مغفور له» (^١). ومنها: الاستغفار،
_________________
(١) أخرجه: الطبراني في «الأوسط» (٦١٧٠)، وقال في «المجمع» (٣/ ١٤٣): «وفيه هلال بن عبد الرحمن وهو ضعيف». وراجع: «الضعيفة» (٣٦٢١).
[ ٣٧٠ ]
والاستغفار طلب المغفرة. ودعاء الصّائم يستجاب في صيامه وعند فطره؛ ولهذا كان ابن عمر إذا أفطر يقول: اللهم، يا واسع المغفرة اغفر لي. وفي حديث أبي هريرة ﵁ المرفوع في فضل شهر رمضان: «ويغفر فيه إلاّ لمن أبى»، قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى؟ قال: يأبى أن يستغفر الله». ومنها:
استغفار الملائكة للصّائمين حتى يفطروا، وقد تقدّم ذكره.
فلما كثرت أسباب المغفرة في رمضان كان الذي تفوته المغفرة فيه محروما غاية الحرمان.
في «صحيح ابن حبّان» عن أبي هريرة ﵁، «أنّ النبي ﷺ صعد المنبر فقال: آمين، آمين، آمين. قيل: يا رسول الله، إنّك صعدت المنبر فقلت:
آمين آمين آمين؟ قال: إنّ جبريل أتاني، فقال: من أدرك شهر رمضان فلم يغفر له فدخل النار، فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين. ومن أدرك أبويه أو أحدهما فلم يبرّهما، فمات، فدخل النار، فأبعده الله، قل: آمين، فقلت:
آمين. ومن ذكرت عنده فلم يصلّ عليك، فمات، فدخل النار فأبعده الله، قل: آمين، فقلت: آمين» (^١). وخرّجه الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبّان أيضا من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا بلفظ: «رغم أنفه» (^٢).
وحسّنه الترمذيّ. وقال سعيد عن قتادة: كان يقال: من لم يغفر له في رمضان فلن يغفر له فيما سواه. وفي حديث آخر: «إذا لم يغفر له في رمضان فمتى يغفر لمن لا يغفر له في هذا الشهر؟»
متى يقبل من ردّ في ليلة القدر؟ متى يصلح من لا يصلح في رمضان؟ متى يصح من كان به فيه من داء الجهالة والغفلة مرضان؟ كلّ ما لا يثمر من
_________________
(١) أخرجه: ابن حبان (٩٠٧).
(٢) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٥٤)، والترمذي (٣٥٤٥)، وابن حبان (٩٠٨).
[ ٣٧١ ]
الأشجار في أوان الثمار؛ فإنّه يقطع ثمّ يوقد في النار. من فرّط في الزّرع في وقت البذار، لم يحصد يوم الحصاد غير النّدم والخسار.
ترحّل الشّهر (^١) … وا لهفاه وانصرما
واختصّ بالفوز في الجنّات من خدما
وأصبح الغافل المسكين منكسرا … مثلي فيا ويحه يا عظم ما حرما
من فاته الزّرع في وقت البذار فما … تراه يحصد إلاّ الهمّ والنّدما
«شهر رمضان شهر أوّله رحمة، وأوسطه مغفرة، وآخره عتق من النّار».
روي هذا عن النبيّ ﷺ، من حديث سلمان الفارسي. خرّجه ابن خزيمة في «صحيحه» (^٢).
وروي عنه أيضا من حديث أبي هريرة ﵁، خرّجه ابن أبي الدنيا وغيره.
والشهر كلّه شهر رحمة ومغفرة وعتق، ولهذا في الحديث الصحيح: «أنّه تفتح فيه أبواب الرّحمة».
وفي الترمذي وغيره: «إنّ لله عتقاء من النّار، وذلك كلّ ليلة» (^٣). ولكنّ الأغلب على أوّله الرحمة، وهي للمحسنين المتقين. قال الله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦]. وقال الله تعالى: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٦]. فيفاض على المتّقين في أوّل الشّهر خلع الرّحمة والرّضوان، ويعامل أهل الإحسان بالفضل والإحسان.
_________________
(١) في ص، ب: «شهر الصبر».
(٢) أخرجه: ابن خزيمة (١٨٨٧)، وهو ضعيف، وأشار ابن خزيمة إلى ضعفه بقوله: «إن صح الخبر».
(٣) أخرجه: الترمذي (٦٨٢)، وابن ماجه (١٦٤٣)، وابن خزيمة (١٨٨٣)، وابن حبان (٣٤٣٥). ورجّح البخاري أنه موقوف على مجاهد، وذلك فيما ذكره عنه الترمذي في «سننه».
[ ٣٧٢ ]
وأمّا أوسط الشهر، فالأغلب عليه المغفرة، فيغفر فيه للصّائمين وإن ارتكبوا بعض الذنوب الصغائر فلا يمنعهم ذلك من المغفرة، كما قال الله تعالى:
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنّاسِ عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ [الرّعد: ٦].
وأمّا آخر الشهر فيعتق فيه من النار من أوبقته الأوزار، واستوجب النار بالذنوب الكبار.
وفي حديث ابن عباس المرفوع: «لله في كلّ ليلة في شهر رمضان عند الإفطار ألف ألف عتيق من النار، فإذا كان ليلة الجمعة أو يوم الجمعة، أعتق في كل ساعة منها ألف ألف عتيق من النار، كلّهم قد استوجبوا العذاب، فإذا كان آخر ليلة من شهر رمضان أعتق الله في ذلك اليوم بعدد ما أعتق من أول الشهر إلى آخره». خرّجه سلمة بن شبيب وغيره (^١).
وإنما كان يوم الفطر من رمضان عيدا لجميع الأمة؛ لأنّه يعتق فيه أهل الكبائر من الصّائمين من النار، فيلتحق فيه المذنبون بالأبرار. كما أنّ يوم النّحر هو العيد الأكبر؛ لأنّ قبله يوم عرفة، وهو اليوم الذي لا يرى في يوم من الدنيا أكثر عتقا من النار منه، فمن أعتق من النّار في اليومين فله يوم عيد، ومن فاته العتق في اليومين فله يوم وعيد. أنشد الشبلي:
ليس عيد المحبّ قصد المصلّى … وانتظار الأمير والسّلطان
إنّما العيد أن تكون لدى ال … لّه كريما مقرّبا في أمان
ورئي بعض العارفين ليلة عيد في فلاة يبكي على نفسه وينشد:
بحرمة غربتي كم ذا الصّدود … ألا تعطف عليّ ألا تجود
_________________
(١) أخرجه: الديلمي في «مسند الفردوس» (٤٩٦٠). وقال ابن الجوزي في «الموضوعات» (٢/ ٥٥١): «إسناد هذا الحديث لا يثبت». وراجع: «العلل المتناهية» (رقم ٨٨٠).
[ ٣٧٣ ]
سرور العيد قد عمّ النّواحي … وحزني في ازدياد لا يبيد
فإن كنت اقترفت خلال سوء … فعذري في الهوى أن لا أعود
لمّا كانت المغفرة والعتق من النار كل منهما مرتّبا على صيام رمضان وقيامه، أمر الله ﷾ عند إكمال العدّة بتكبيره وشكره، فقال:
﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة:
١٨٥]، فشكر من أنعم على عباده بتوفيقهم للصّيام، وإعانتهم عليه، ومغفرته لهم به، وعتقهم من النّار، أن يذكروه ويشكروه ويتّقوه حقّ تقاته. وقد فسّر ابن مسعود ﵁ تقواه حقّ تقاته بأن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر (^١).
فيا أرباب الذّنوب العظيمة، الغنيمة الغنيمة في هذه الأيام الكريمة؛ فما منها عوض ولا لها قيمة، فكم يعتق فيها من النّار من ذي جريرة وجريمة، فمن أعتق فيها من النّار فقد فاز بالجائزة العميمة والمنحة الجسيمة.
يا من أعتقه مولاه من النّار، إيّاك أن تعود بعد أن صرت حرّا إلى رقّ الأوزار، أيبعدك مولاك عن النار وأنت تتقرّب منها؟ وينقذك منها وأنت توقع نفسك فيها ولا تحيد عنها؟!
وإنّ امرأ ينجو من النّار بعد ما … تزوّد من أعمالها لسعيد
إن كانت الرّحمة للمحسنين فالمسيء لا ييأس منها، وإن تكن المغفرة مكتوبة للمتقين فالظّالم لنفسه غير محجوب عنها.
إن كان عفوك لا يرجوه ذو خطإ … فمن يجود على العاصين بالكرم
إن كان لا يرجوك إلاّ محسن … فمن الذي يرجو ويدعو المذنب
_________________
(١) أخرجه: ابن أبي شيبة (٦/ ٣٢٦).
[ ٣٧٤ ]
إن كان لا يرجوك إلا محسن … فمن يلوذ ويستجير الجاني
وعلى من يعتمد المقصّر في غد … مع ما تقدّم منه من عصيان (^١)
لم لا يرجى العفو من ربّنا … وكيف لا يطمع في حلمه
وفي «الصحيحين» أتى أنه … بعبده أرحم من أمّه
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزّمر: ٥٣].
فيا أيّها العاصي - وكلّنا ذلك -، لا تقنط من رحمة الله لسوء أعمالك، فكم يعتق من النار في هذه الأيام من أمثالك. فأحسن الظّنّ بمولاك وتب إليه؛ فإنّه لا يهلك على الله إلاّ هالك.
إذا أوجعتك الذّنوب فداوها … برفع يد في اللّيل واللّيل مظلم
ولا تقنطن من رحمة الله إنّما … قنوطك منها من ذنوبك أعظم
فرحمته للمحسنين كرامة … ورحمته للمذنبين تكرّم
ينبغي لمن يرجو العتق في شهر رمضان من النار أن يأتي بأسباب توجب العتق من النّار، وهي متيسرة في هذا الشهر. وكان أبو قلابة يعتق في آخر الشهر جارية حسناء مزينة يرجو بعتقها العتق من النار.
وفي حديث سلمان المرفوع الذي في «صحيح ابن خزيمة»: «من فطّر فيه صائما كان عتقا له من النار. ومن خفّف فيه عن مملوكه كان له عتقا من النار». وفيه أيضا: «فاستكثروا فيه من [أربع خصال]: خصلتين ترضون بهما ربّكم، وخصلتين لا غناء بكم عنهما. فأمّا الخصلتان اللتان ترضون بهما ربّكم
_________________
(١) هذان البيتان زيادة من (أ).
[ ٣٧٥ ]
فشهادة أن لا إله إلاّ الله، والاستغفار. وأمّا اللتان لا غناء لكم عنهما، فتسألون الله الجنّة، وتعوذون به من النار» (^١).
فهذه الخصال الأربع المذكورة في هذا الحديث كلّ منها سبب للعتق والمغفرة.
فأمّا كلمة التوحيد؛ فإنّها تهدم الذّنوب وتمحوها محوا، ولا تبقي ذنبا، ولا يسبقها عمل. وهي تعدل عتق الرّقاب الذي يوجب العتق من النّار. ومن أتى بها أربع مرار: حين يصبح وحين يمسي، أعتقه الله من النار، ومن قالها خالصا من قلبه حرّمه الله على النار.
وأمّا كلمة الاستغفار؛ فمن أعظم أسباب المغفرة، فإنّ الاستغفار دعاء بالمغفرة، ودعاء الصّائم مستجاب في حال صيامه، وعند فطره. وقد سبق حديث أبي هريرة المرفوع: «ويغفر فيه - يعني شهر رمضان - إلاّ لمن أبى».
قالوا: يا أبا هريرة، ومن يأبى؟ قال: من أبى أن يستغفر الله ﷿.
قال الحسن: أكثروا من الاستغفار، فإنّكم لا تدرون متى تنزل الرّحمة.
وقال لقمان لابنه: يا بني، عوّد لسانك الاستغفار؛ فإنّ لله ساعات لا يردّ فيهنّ سائلا.
وقد جمع الله بين التوحيد والاستغفار في قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ اللهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ﴾ [محمّد: ١٩]. وفي بعض الآثار: أنّ إبليس قال: أهلكت النّاس بالذّنوب، وأهلكوني بلا إله إلا الله والاستغفار.
والاستغفار ختام الأعمال الصّالحة كلّها؛ فتختم به الصّلاة والحجّ وقيام
_________________
(١) أخرجه: ابن خزيمة (١٨٨٧)، والزيادة منه، وتقدم أنه ضعيف.
[ ٣٧٦ ]
الليل، ويختم به المجالس؛ فإن كانت ذكرا كان كالطابع عليها، وإن كانت لغوا كان كفّارة لها، فلذلك ينبغي أن يختم صيام رمضان بالاستغفار.
كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار يأمرهم بختم شهر رمضان بالاستغفار والصّدقة، صدقة الفطر؛ فإنّ صدقة الفطر طهرة للصّائم من اللغو والرّفث.
والاستغفار يرقع ما تخرّق من الصّيام باللغو والرّفث؛ ولهذا قال بعض العلماء المتقدمين: إنّ صدقة الفطر للصائم كسجدتي السّهو للصّلاة.
وقال عمر بن عبد العزيز في كتابه: قولوا كما قال أبوكم آدم: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]، وقولوا كما قال نوح ﵇: ﴿وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]، وقولوا كما قال إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]، وقولوا كما قال موسى ﵇ ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: الآية ١٦]، وقولوا كما قال ذو النون ﵇: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
ويروى عن أبي هريرة ﵁، قال: الغيبة تخرّق الصّيام، والاستغفار يرقّعه؛ فمن استطاع منكم أن يجيء بصوم مرقّع فليفعل. وعن ابن المنكدر: معنى ذلك: الصيام جنّة من النّار ما لم يخرقها، والكلام السيئ يخرق هذه الجنّة، والاستغفار يرقّع ما تخرق منها.
فصيامنا هذا يحتاج إلى استغفار نافع، وعمل صالح له شافع. كم نخرق صيامنا بسهام الكلام، ثم نرقّعه وقد اتّسع الخرق على الرّاقع. كم نرفو خروقه بمخيط الحسنات، ثم نقطعه بحسام السيئات القاطع.
كان بعض السّلف إذا صلّى صلاة استغفر من تقصيره فيها، كما يستغفر المذنب من ذنبه. إذا كان هذا حال المحسنين في عباداتهم، فكيف حال
[ ٣٧٧ ]
المسيئين مثلنا في عاداتهم (^١)؟ ارحموا من حسناته سيئات، وطاعاته كلّها غفلات.
أستغفر الله من صيامي … طول زماني ومن صلاتي
صيامنا كلّه خروق … وصلاته (^٢) أيّما صلاتي
مستيقظ في الدّجى ولكن … أحسن من يقظتي سباتي
وقريب من هذا أمر النبي ﷺ لعائشة في ليلة القدر بسؤال العفو؛ فإنّ المؤمن يجتهد في شهر رمضان في صيامه وقيامه، فإذا قرب فراغه وصادف ليلة القدر، لم يسأل الله تعالى إلاّ العفو، كالمسيء المقصّر. كان صلة بن أشيم يحيي الليل، ثم يقول في دعائه في السّحر: اللهم، إنّي أسألك أن تجيرني من النار، ومثلي يجترئ أن يسألك الجنّة. كان مطرّف يقول في دعائه: اللهم، ارض عنّا، فإن لم ترض عنّا فاعف عنّا. قال يحيى بن معاذ: ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو.
إن كنت لا أصلح للقرب … فشأنكم عفو عن الذّنب
أنفع الاستغفار ما قارنته التّوبة، وهي حلّ عقدة الإصرار، فمن استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود، وعزمه أن يرجع إلى المعاصي بعد الشهر ويعود، فصومه عليه مردود، وباب القبول عنه مسدود. قال كعب: من صام رمضان وهو يحدّث نفسه أنّه إذا أفطر بعد رمضان أن لا يعصي الله، دخل الجنّة بغير مسألة ولا حساب. ومن صام رمضان وهو يحدّث نفسه أنّه إذا أفطر عصى ربّه، فصيامه عليه مردود. وخرّجه سلمة بن شبيب.
_________________
(١) الأشبه - كما في المطبوع -: «عباداتهم».
(٢) في (أ): «وصلاتنا».
[ ٣٧٨ ]
ولولا التّقى ثمّ النّهى خشية الرّدى … لعاصيت في حبّ الصّبا كلّ زاجر
قضى ما قضى فيما مضى ثم لا يرى … له عودة أخرى اللّيالي الغوابر
في «سنن أبي داود» وغيره عن أبي بكرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال:
«لا يقولنّ أحدكم: صمت رمضان كلّه، ولا قمت رمضان كلّه». قال أبو بكرة: فلا أدري، أكره التّزكية أم لا بدّ من غفلة (^١).
أين من كان إذا صام صان الصّيام، وإذا قام استقام في القيام؟ أحسنوا الإسلام ثم رحلوا بسلام، ما بقي إلاّ من إذا صام افتخر بصيامه وصال، وإذا قام أعجب بقيامه وقال: كم بين خليّ وشجيّ، وواجد وفاقد، وكاتم ومبدي.
وأمّا سؤال الجنّة والاستعاذة من النار؛ فمن أهم الدعاء، وقد قال النبي ﷺ:
«حولهما ندندن» (^٢)، فالصّائم يرجى استجابة دعائه، فينبغي ألاّ يدعو إلاّ بأهم الأمور. قال أبو مسلم: ما عرضت لي دعوة إلاّ صرفتها إلى الاستعاذة من النار، وقال: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠].
في الحديث: «تعرّضوا لنفحات رحمة ربّكم؛ فإنّ لله نفحات من رحمته يصيب بها من يشاء من عباده» (^٣)، فمن أصابته سعد سعادة لا يشقى بعدها أبدا، فمن أعظم نفحاته مصادفة ساعة إجابة يسأل فيها العبد الجنّة والنّجاة من النّار، فيجاب سؤاله، فيفوز بسعادة الأبد. قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فازَ﴾ [آل عمران: ١٨٥]، وقال: ﴿لا يَسْتَوِي أَصْحابُ﴾
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (٢٤١٥)، والنسائي (٤/ ١٣٠)، وأحمد (٥/ ٤٠)، وابن حبان (٣٤٣٩). وإسناده ضعيف، وراجع: «الضعيفة» (٤٨١٩).
(٢) أخرجه: ابن خزيمة (٧٢٥) من حديث أبي هريرة.
(٣) أخرجه: البيهقي في «شعب الإيمان» (١١٢١)، وأشار إلى أنه ليس بمحفوظ.
[ ٣٧٩ ]
﴿النّارِ وَأَصْحابُ الْجَنَّةِ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفائِزُونَ﴾ [الحشر: ٢٠] (^١) وقال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ﴾ [هود: ١٠٨، ١٠٦].
ليس السّعيد الذي دنياه تسعده … إنّ السّعيد الّذي ينجو من النّار
عباد الله، إنّ شهر رمضان قد عزم على الرّحيل، ولم يبق منه إلاّ القليل.
فمن كان منكم أحسن فيه فعليه التمام، ومن كان فرّط فليختمه بالحسنى؛ فالعمل بالختام، فاستمتعوا منه فيما بقي من الليالي اليسيرة والأيام، واستودعوه عملا صالحا يشهد لكم به عند الملك العلاّم، وودّعوه عند فراقه بأزكى تحيّة وسلام.
سلام من الرّحمن كلّ أوان … على خير شهر قد مضى وزمان
سلام على شهر الصّيام فإنّه … أمان من الرحمن أيّ أمان
لئن فنيت أيّامك الغرّ بغتة … فما الحزن من قلبي عليك بفان
لقد ذهبت أيّامه وما أطعتم، وكتبت عليكم فيه آثامه وما أضعتم، وكأنّكم بالمشمّرين فيه وقد وصلوا وانقطعتم، أترى ما هذا التوبيخ لكم أو ما سمعتم؟!
ما ضاع من أيّامنا هل يغرم … هيهات والأزمان كيف تقوّم
يوم بأرواح يباع ويشترى … وأخوه ليس يسام فيه درهم
قلوب المتّقين إلى هذا الشهر تحنّ، ومن ألم فراقه تئنّ.
دهاك الفراق فما تصنع … أتصبر للبين أم تجزع
إذا كنت تبكي وهم جيرة … فكيف تكون إذا ودّعوا
_________________
(١) هذه الآية زيادة في (أ).
[ ٣٨٠ ]
كيف لا يجري للمؤمن على فراقه دموع، وهو لا يدري هل بقي له في عمره إليه رجوع.
تذكّرت أيّاما مضت ولياليا … خلت فجرت من ذكرهنّ دموع
ألا هل لها يوما من الدّهر عودة … وهل لي إلى وقت الوصال رجوع
وهل بعد إعراض الحبيب تواصل … وهل لبدور قد أفلن طلوع
أين حرق المجتهدين في نهاره؟ أين قلق المتهجّدين في أسحاره؟
اسمع أنين العاشقي … ن إن استطعت له سماعا
راح الحبيب فشيّعته … مدامعي تهمي سراعا
لو كلّف الجبل الأصمّ … فراق إلف ما استطاعا
إذا كان هذا جزع من ربح فيه، فكيف حال من خسر في أيّامه ولياليه؟ ماذا ينفع المفرط فيه بكاؤه، وقد عظمت فيه مصيبته وجلّ عزاؤه؟ كم نصح المسكين فما قبل النّصح! كم دعي إلى المصالحة فما أجاب إلى الصّلح! كم شاهد الواصلين فيه وهو متباعد! كم مرّت به زمر السّائرين وهو قاعد، حتى إذا ضاق به الوقت وحاق به المقت، ندم على التفريط حين لا ينفع النّدم، وطلب الاستدراك في وقت العدم.
أتترك من تحبّ وأنت جار … وتطلبهم وقد بعد المزار
وتبكي بعد نأيهم اشتياقا … وتسأل في المنازل أين ساروا
تركت سؤالهم وهم حضور … وترجو أن تخبّرك الدّيار
فنفسك لم ولا تلم المطايا … ومت كمدا فليس لك اعتذار
يا شهر رمضان ترفّق، دموع المحبّين تدفّق، قلوبهم من ألم الفراق تشقّق، عسى وقفة للوداع تطفئ من نار الشوق ما أحرق، عسى ساعة توبة وإقلاع ترفو
[ ٣٨١ ]
من الصّيام كلّ ما تخرّق، عسى منقطع عن ركب المقبولين يلحق، عسى أسير الأوزار يطلق، عسى من استوجب النار يعتق، عسى رحمة المولى لها العاصي يوفّق.
عسى وعسى من قبل وقت التّفرّق … إلى كلّ ما ترجو من الخير ترتقي
فيجبر مكسور ويقبل تائب … ويعتق خطّاء ويسعد من شقي
***
[ ٣٨٢ ]