خرّج الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبّان في «صحيحه» من حديث أبي هريرة ﵁، قال: قلنا يا رسول الله، ما لنا إذا كنّا عندك رقّت قلوبنا وزهدنا في الدّنيا، وكنّا من أهل الآخرة، فإذا خرجنا من عندك فآنسنا أهلنا وشممنا أولادنا، أنكرنا أنفسنا؟ فقال رسول الله ﷺ: «لو أنّكم إذا خرجتم من عندي كنتم على حالكم ذلكم لزارتكم الملائكة في بيوتكم، ولو لم تذنبوا لجاء الله بخلق جديد حتى يذنبوا فيغفر لهم». قلت: يا رسول الله، ممّ خلق الخلق؟ قال: «من الماء» قلت: الجنّة ما بناؤها؟ قال: «لبنة من ذهب، ولبنة من فضّة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزعفران، من يدخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم» (^١).
وكانت مجالس النّبيّ ﷺ مع أصحابه عامتها مجالس تذكير بالله وترغيب وترهيب؛ إمّا بتلاوة القرآن، أو بما آتاه الله من الحكمة والموعظة الحسنة، وتعليم ما ينفع في الدّين، كما أمره الله تعالى في كتابه أن يذكّر ويعظ ويقصّ، وأن يدعو إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يبشّر وينذر، وسمّاه مبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٢/ ٣٠٤ - ٣٠٥)، والترمذي (٢٥٢٦)، وابن حبان (٧٣٨٧). والحديث حسنه الألباني في «الصحيحة» (٩٦٩). وراجع: «العلل» للدارقطني (١١/ ٢٣٥ - ٢٣٦).
[ ٣٣ ]
والتبشير والإنذار هو الترغيب والترهيب، فلذلك كانت تلك المجالس توجب لأصحابه - كما ذكر أبو هريرة ﵁ في هذا الحديث - رقّة القلوب، والزّهد في الدّنيا، والرّغبة في الآخرة. فأمّا رقّة القلوب فتنشأ عن الذّكر؛ فإنّ ذكر الله يوجب خشوع القلب وصلاحه ورقّته، ويذهب بالغفلة عنه.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرّعد: ٢٨]. وقال الله ﷿: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا﴾ [الأنفال: ٢]. وقال: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٤ - ٣٥]. وقال: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحديد: ١٦]. وقال: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتابًا مُتَشابِهًا مَثانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلى ذِكْرِ اللهِ﴾ [الزّمر: ٢٣].
وقال العرباض بن سارية: وعظنا رسول الله ﷺ موعظة بليغة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون (^١). وقال ابن مسعود ﵁: نعم المجلس، المجلس الذي تنشر فيه الحكمة، وترجى فيه الرّحمة (^٢)؛ مجالس الذّكر.
وشكا رجل إلى الحسن قساوة قلبه فقال: ادنه من الذّكر (^٣). وقال:
مجالس الذّكر محياة العلم، وتحدث في القلب الخشوع. القلوب الميتة تحيا بالذّكر، كما تحيا الأرض الميتة بالقطر.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٤/ ١٢٦ - ١٢٧)، وأبو داود (٤٦٠٧)، والترمذي (٢٦٧٦)، وابن ماجه (٤٢) والحاكم (١/ ٩٦) وابن أبي عاصم في «السنة» (٥٦)، والطبراني (١٨/ ٦١٧ - ٦٢٤). وقد صححه البزار وأبو نعيم والترمذي والحاكم والألباني. وراجع: «الإرواء» (٢٤٥٥).
(٢) «سنن الدارمي» (٢٨٧)، و«المعجم الكبير» للطبراني (٩/ ٨٩٢٥).
(٣) «الزهد» لابن أبي عاصم (ص ٢٦٦).
[ ٣٤ ]
بذكر الله ترتاح القلوب … ودنيانا بذكراه تطيب
وأمّا الزّهد في الدّنيا والرّغبة في الآخرة، فبما يحصل في مجالس الذّكر من ذكر عيوب الدّنيا وذمّها، والتّرهيب منها (^١)، وذكر فضل الجنّة ومدحها، والترغيب فيها، وذكر النّار وأهوالها، والترهيب منها.
وفي مجالس الذّكر تنزل الرّحمة، وتغشى السّكينة، وتحفّ الملائكة، ويذكر الله أهلها فيمن عنده. وهم القوم لا يشقى بهم جليسهم، فربّما رحم معهم من جلس إليهم وإن كان مذنبا، وربّما بكى فيهم باك من خشية الله فوهب أهل المجلس كلّهم له. وهي رياض الجنّة، قال النّبيّ ﷺ: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا» قالوا: وما رياض الجنة؟ قال: «مجالس الذّكر» (^٢).
فإذا انقضى مجلس الذكر، فأهله بعد ذلك على أقسام:
فمنهم: من يرجع إلى هواه فلا يتعلّق بشيء مما سمعه في مجلس الذّكر، ولا يزداد هدى، ولا يرتدع عن ردى؛ وهؤلاء شرّ الأقسام، ويكون ما سمعوه حجّة عليهم، فتزداد به عقوبتهم؛ وهؤلاء الظالمون لأنفسهم ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ﴾ [النّحل: ١٠٨].
ومنهم: من ينتفع بما سمعه، وهم على أقسام: فمنهم من يردّه ما سمعه عن المحرّمات، ويوجب له التزام الواجبات؛ وهؤلاء المقتصدون أصحاب اليمين. ومنهم من يرتقي عن ذلك إلى التشمير في نوافل الطاعات، والتورّع
_________________
(١) في أ، ب: «التزهيد فيها».
(٢) أخرجه: أحمد (٣/ ١٥٠)، والترمذي (٣٥١٠) من حديث محمد بن ثابت البناني عن أبيه عن أنس، ومحمد هذا متفق على تضعيفه، ولهذا فقد استنكر هذا الحديث عليه ابن عدي في «الكامل» (٦/ ٢١٤٧)، والذهبي في «الميزان» (٤/ ٤٩٥)، وله شاهد عند الحاكم من حديث جابر مرفوعا (١/ ٦٧١). وراجع: «الضعيفة» (١١٥٠)، و«الصحيحة» (٢٥٦٢).
[ ٣٥ ]
عن دقائق المكروهات، ويشتاق إلى اتباع آثار من سلف من السّادات، وهؤلاء السابقون المقرّبون.
وينقسم المنتفعون بسماع مجلس الذكر في استحضار ما سمعوه في المجلس والغفلة عنه إلى أقسام ثلاثة: فقسم يرجعون إلى مصالح دنياهم المباحة فيشتغلون بها، فتذهل بذلك قلوبهم عمّا كانوا يجدونه في مجلس الذكر؛ من استحضار عظمة الله وجلاله وكبريائه، ووعده ووعيده، وثوابه وعقابه، وهذا هو الذي شكاه الصحابة إلى النّبيّ ﷺ وخشوا؛ لكمال معرفتهم، وشدّة خوفهم، أن يكون نفاقا، فأعلمهم النّبيّ ﷺ أنّه ليس بنفاق.
وفي «صحيح مسلم» عن حنظلة ﵁ أنه قال: يا رسول الله، نافق حنظلة. قال: «وما ذاك؟» قال: نكون عندك تذكّرنا الجنّة والنّار كأنها رأي عين، فإذا رجعنا من عندك عافسنا الأزواج والضّيعة، ونسينا كثيرا، فقال: «لو تدومون على الحال التي تقومون بها من عندي لصافحتكم الملائكة في مجالسكم وفي طرقكم، ولكن يا حنظلة، ساعة وساعة» (^١). وفي رواية له أيضا: «لو كانت تكون قلوبكم كما تكون عند الذّكر لصافحتكم الملائكة حتّى تسلّم عليكم في الطّرق» (^٢).
ومعنى هذا أنّ استحضار ذكر الآخرة بالقلب في جميع الأحوال عزيز جدّا، ولا يقدر كثير من النّاس أو أكثرهم عليه، فيكتفى منهم بذكر ذلك أحيانا وإن وقعت الغفلة عنه في حال التّلبّس بمصالح الدّنيا المباحة، ولكنّ المؤمن لا يرضى من نفسه بذلك، بل يلوم نفسه عليه ويحزنه ذلك من نفسه. العارف
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٨/ ٩٤ - ٩٥) (٢٧٥٠)، وأحمد (٤/ ١٧٨)، والترمذي (٢٥١٤)، وابن ماجه (٤٢٣٩).
(٢) مسلم (٨/ ٩٥) (٢٧٥٠).
[ ٣٦ ]
يتأسّف في وقت الكدر على زمن الصّفاء، ويحنّ إلى زمان القرب والوصال في حال الجفاء:
ما أذكر عيشنا الّذي قد سلفا … إلا وجف القلب وكم قد وجفا
واها لزماننا الّذي كان صفا … لو كان يردّ فانيا (^١) وا أسفا
وقسم آخر يستمرّون على استحضار حال مجلس سماع الذّكر، فلا يزال تذكّر ذلك بقلوبهم ملازما لهم، وهؤلاء على قسمين:
أحدهما: من يشغله ذلك عن مصالح دنياه المباحة، فينقطع عن الخلق، فلا يقوى على مخالطتهم، ولا القيام بوفاء حقوقهم. وكان كثير من السّلف على هذه الحال؛ فمنهم من كان لا يضحك، ومنهم من كان يقول: لو فارق ذكر الموت قلبي ساعة لفسد.
والثاني: من يستحضر ذكر الله وعظمته وثوابه وعقابه بقلبه، ويدخل ببدنه في مصالح دنياه من اكتساب الحلال والقيام على العيال، ويخالط الخلق فيما يوصل إليهم به النفع ممّا هو عبادة في نفسه؛ كتعليم العلم، والجهاد، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وهؤلاء أشرف القسمين، وهم خلفاء الرسل، وهم الذين قال فيهم عليّ ﵁: صحبوا الدّنيا بأبدان، أرواحها معلّقة بالمحل الأعلى.
وقد كان حال النّبيّ ﷺ عند الذكر يتغيّر، ثم يرجع بعد انقضائه إلى مخالطة النّاس والقيام بحقوقهم.
ففي «مسند البزار» و«معجم الطبراني» عن جابر ﵁، قال: «كان النّبيّ
_________________
(١) في ب: «فائتا»، وفي أ: «هل يرجع بعد فوته».
[ ٣٧ ]
ﷺ إذا نزل عليه الوحي قلت: نذير قوم، فإذا سري عنه فأكثر النّاس ضحكا، وأحسنهم خلقا (^١).
وفي «مسند الإمام أحمد» عن علي أو الزّبير، قال: «كان النّبيّ ﷺ يخطبنا فيذكّرنا بأيّام الله، حتّى نعرف ذلك في وجهه وكأنّه نذير جيش يصبّحهم الأمر غدوة. وكان إذا كان حديث عهد بجبريل لم يتبسّم ضاحكا حتى يرتفع عنه» (^٢).
وفي «صحيح مسلم» عن جابر ﵁، أنّ «النّبيّ ﷺ كان إذا خطب وذكر الساعة اشتدّ غضبه، وعلا صوته كأنه منذر جيش يقول: «صبّحكم ومسّاكم» (^٣).
وفي «الصحيحين» عن عدي بن حاتم، أنّ النّبيّ ﷺ، قال: «اتقوا النّار» قال: وأشاح، ثم قال: «اتقوا النّار»، ثم أعرض وأشاح - ثلاثا - حتى ظننّا أنّه ينظر إليها. ثم قال: «اتقوا النّار ولو بشقّ تمرة، فمن لم يجد فبكلمة طيبة» (^٤).
وسئلت عائشة ﵂: «كيف كان رسول الله ﷺ إذا خلا مع نسائه؟ قالت:
كان كرجل من رجالكم، إلا أنّه كان أكرم النّاس، وأحسن النّاس خلقا، وكان ضحّاكا بسّاما» (^٥). فهذه الطبقة خلفاء الرسل عاملوا الله تعالى بقلوبهم، وعاشروا الخلق بأبدانهم، كما قالت رابعة:
_________________
(١) أخرجه: البزار (٢٤٧٧ - كشف)، والطبراني (٢٣/ ١٠١) - بنحوه - وقال الذهبي في «سير أعلام النبلاء» (٦/ ٣١٥): «هذا حديث منكر». وحسن الهيثمي (٩/ ١٧) إسناد البزار. وراجع: «الميزان» (٣/ ٦١٥).
(٢) أخرجه: أحمد (١/ ١٦٧)، وأبو يعلى (٦٧٧)، وفيه ضعف.
(٣) أخرجه: مسلم (٣/ ١١) (٨٦٧).
(٤) أخرجه: البخاري (١٣٩، ٨/ ١٤) (١٤١٧)، ومسلم (٣/ ٨٦) (١٠١٦).
(٥) «مسند إسحاق بن راهويه» (١٧٥٠)، و«الطبقات الكبرى» لابن سعد (١/ ٣٦٥).
[ ٣٨ ]
ولقد جعلتك في الفؤاد محدّثي … وأبحت جسمي من أراد جلوسي
فالجسم مني للجليس مؤانس … وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسي
المواعظ سياط تضرب بها القلوب، فتؤثّر في القلوب كتأثير السياط في البدن، والضرب لا يؤثّر بعد انقضائه كتأثيره في حال وجوده، لكن يبقى أثر التألّم بحسب قوته وضعفه، فكلّما قوي الضّرب كانت مدّة بقاء الألم أكثر.
كان كثير من السّلف إذا خرجوا من مجلس سماع الذّكر خرجوا وعليهم السّكينة والوقار؛ فمنهم من كان لا يستطيع أن يأكل طعاما عقيب ذلك، ومنهم من كان يعمل بمقتضى ما سمعه مدّة. أفضل الصّدقة تعليم جاهل، أو إيقاظ غافل. ما وصل المستثقل في نوم الغفلة بأفضل من ضربه بسياط الموعظة ليستيقظ. المواعظ كالسّياط تقع على نياط القلوب، فمن آلمته فصاح فلا جناح، ومن زاد ألمه فمات فدمه مباح.
قضى الله في القتلى قصاص دمائهم … ولكن دماء العاشقين جبار
وعظ عبد الواحد بن زيد يوما، فصاح به رجل: يا أبا عبيدة، كفّ، فقد كشفت بالموعظة قناع قلبي، فأتمّ عبد الواحد موعظته فمات الرجل.
صاح رجل في حلقة الشّبليّ فمات، فاستعدى أهله على الشّبليّ إلى الخليفة، فقال الشّبليّ: نفس رنت فحنت، فدعيت فأجابت، فما ذنب الشبليّ؟
فكّر في أفعاله ثمّ صاح … لا خير في الحبّ بغير افتضاح
قد جئتكم مستأمنا فارحموا … لا تقتلوني قد رميت السّلاح
إنّما يصلح التأديب بالسوط من صحيح البدن، ثابت القلب، قويّ
[ ٣٩ ]
الذراعين، فيؤلم ضربه فيردع، فأمّا من هو سقيم البدن لا قوة له، فماذا ينفع تأديبه بالضّرب.
كان الحسن إذا خرج إلى النّاس فكأنّه رجل عاين الآخرة، ثم جاء يخبر عنها وكانوا إذا خرجوا من عنده خرجوا وهم لا يعدّون الدّنيا شيئا، وكان سفيان الثوري يتعزّى بمجالسه عن الدّنيا. وكان أحمد لا تذكر الدّنيا في مجالسه، ولا تذكر عنده. قال بعضهم: لا تنفع الموعظة إلاّ إذا خرجت من القلب، فإنّها تصل إلى القلب، فأمّا إذا خرجت من اللسان، فإنّها تدخل من الأذن، ثم تخرج من الأخرى. قال بعض السّلف: إنّ العالم إذا لم يرد بموعظته وجه الله زلّت موعظته عن القلوب كما يزلّ القطر عن الصّفا.
كان يحيى بن معاذ ينشد في مجالسه:
مواعظ الواعظ لن تقبلا … حتّى تعيها نفسه أوّلا
يا قوم من أظلم من واعظ … خالف ما قد قاله في الملا
أظهر بين النّاس إحسانه … وبارز الرّحمان لمّا خلا
العالم الذي لا يعمل بعلمه مثله كمثل المصباح، يضيء للنّاس ويحرق نفسه. قال أبو العتاهية:
وبّخت غيرك بالعمى فأفدته … بصرا وأنت محسّن لعماكا
وفتيلة المصباح تحرق نفسها … وتضيء للأعشى وأنت كذاكا
المواعظ درياق الذّنوب، فلا ينبغي أن يسقي الدّرياق إلا طبيب حاذق معافى. فأمّا لديغ الهوى فهو إلى شرب الدرياق أحوج من أن يسقيه لغيره.
في بعض الكتب السالفة: إذا أردت أن تعظ النّاس فعظ نفسك، فإن اتّعظت، وإلاّ فاستحي مني.
[ ٤٠ ]
وغير تقيّ يأمر النّاس بالتّقى … طبيب يداوي النّاس وهو سقيم
يا أيّها الرّجل المقوّم غيره … هلاّ لنفسك كان ذا التّقويم
فابدأ بنفسك فانهها عن غيها … فإن انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما تقول ويقتدى … بالقول منك وينفع التّعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم
لمّا جلس عبد الواحد بن زيد للوعظ أتته امرأة من الصالحات فأنشدته:
يا واعظا قام لاحتساب … يزجر قوما عن الذّنوب
تنهى وأنت المريب حقّا … هذا من المنكر العجيب
لو كنت أصلحت قبل هذا … عيبك أو تبت من قريب
كان لما قلت يا حبيبي … موقع صدق من القلوب
تنهى عن الغيّ والتّمادي … وأنت في النّهي كالمريب
لمّا حاسب المتّقون أنفسهم خافوا من عاقبة الوعظ والتّذكير.
قال رجل لابن عبّاس: أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، فقال له:
إن لم تخش أن تفضحك هذه الآيات الثلاث فافعل، إلا فابدأ بنفسك، ثم تلا:
﴿أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ [البقرة: ٤٤] وقوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٢ - ٣] وقوله حكاية عن شعيب ﵇: ﴿وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ﴾ [هود: ٨٨].
قال النّخعيّ: كانوا يكرهون القصص؛ لهذه الآيات الثلاث. قيل لمورّق (^١)
_________________
(١) في الأصول: «لمطرف»؛ خطأ.
[ ٤١ ]
العجلي: ألا تعظ أصحابك؟ قال: أكره أن أقول ما لا أفعل. تقدّم بعض التابعين ليصلّي بالنّاس إماما، فالتفت إلى المأمومين يعدل الصّفوف، وقال:
استووا، فغشي عليه، فسئل عن سبب ذلك، فقال: لمّا قلت لهم: استقيموا، فكّرت في نفسي، فقلت لها: فأنت، هل استقمت مع الله طرفة عين؟
ما كلّ من وصف الدّواء يستعمله … ولا كلّ من وصف التّقى ذو تقى
وصفت التّقى حتّى كأنّي ذو تقى … وريح الخطايا من ثيابي تعبق
ومع هذا كلّه فلا بدّ للناس من الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، والوعظ والتذكير، ولو لم يعظ النّاس إلا معصوم من الزّلل، لم يعظ الناس بعد الرسول ﷺ أحد، لأنّه لا عصمة لأحد بعده.
لئن لم يعظ العاصين من هو مذنب … فمن يعظ العاصين بعد محمد؟
وروى ابن أبي الدّنيا بإسناد فيه ضعف، عن أبي هريرة، عن النّبيّ ﷺ، قال: «مروا بالمعروف وإن لم تعملوا به كلّه، وانهوا عن المنكر وإن لم تنتهوا عنه كلّه» (^١).
وقيل للحسن: إنّ فلانا لا يعظ، ويقول: أخاف أن أقول ما لا أفعل. فقال الحسن: وأيّنا يفعل ما يقول؟! ودّ الشيطان أنّه قد ظفر بهذا، فلم يأمر أحد بمعروف، ولم ينه عن منكر. وقال مالك، عن ربيعة: قال سعيد ابن جبير: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء،
_________________
(١) أخرجه: البيهقي في «شعب الإيمان» (٧٥٧٠)، وفي إسناده طلحة بن عمرو المكي وهو ضعيف، وقال في «مجمع الزوائد» (٧/ ٢٧٧): رواه الطبراني في «الصغير» (٩٨١)، و«الأوسط» (٦٦٢٨) من طريق عبد السّلام بن عبد القدوس بن حبيب عن أبيه وهما ضعيفان.
[ ٤٢ ]
ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدق، ومن ذا الذي ليس فيه شيء؟!
من ذا الّذي ما ساء قط … ومن له الحسنى فقط
خطب عمر بن عبد العزيز ﵀ يوما، فقال في موعظته: إنّي لأقول هذه المقالة وما أعلم عند أحد من الذّنوب أكثر ممّا أعلم عندي، فأستغفر الله وأتوب إليه، وكتب إلى بعض نوّابه على بعض الأمصار كتابا يعظه فيه، فقال في آخره: وإني لأعظك بهذا، وإنّي لكثير الإسراف على نفسي، غير محكم لكثير من أمري، ولو أنّ المرء لا يعظ أخاه حتى يحكم نفسه إذا لتواكل الناس الخير، وإذا لرفع الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، وإذا لاستحلّت المحارم، وقلّ الواعظون والسّاعون لله بالنّصيحة في الأرض؛ فإنّ الشيطان وأعوانه يودّون أن لا يأمر أحد بمعروف ولا ينهى عن منكر، وإذا أمرهم أحد أو نهاهم، عابوه بما فيه وبما ليس فيه، كما قيل:
وأعلنت الفواحش في البوادي … وصار النّاس أعوان المريب
إذا ما عبتهم عابوا مقالي … لما في القوم من تلك العيوب
وودّوا لو كففنا فاستوينا … فصار النّاس كالشيء المشوب
وكنّا نستطبّ إذا مرضنا … فصار هلاكنا بيد الطّبيب
كان بعض العلماء المشهورين له مجلس للوعظ، فجلس يوما فنظر إلى من حوله وهم خلق كثير، وما منهم إلاّ من قد رقّ قلبه أو دمعت عينه، فقال لنفسه فيما بينه وبينها: كيف بك إن نجا هؤلاء وهلكت أنت؟ ثم قال في نفسه:
اللهمّ، إن قضيت عليّ غدا بالعذاب فلا تعلم هؤلاء بعذابي، صيانة لكرمك لا لأجلي؛ لئلاّ يقال: عذّب من كان في الدّنيا، يدلّ عليه.
[ ٤٣ ]
إلهي؛ قد قيل لنبيّك ﷺ: اقتل ابن أبيّ المنافق، فقال: لا يتحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه، فامتنع من عقابه؛ لمّا كان في الظّاهر ينسب إليه. وأنا على كلّ حال فإليك أنسب.
زوّر رجل شفاعة إلى بعض الملوك على لسان بعض أكابر الدولة، فاطلع المزوّر عليه على الحال، فسعى عند الملك في قضاء تلك الحاجة، واجتهد حتى قضيت، ثمّ قال للمزور عليه: ما كنّا نخيّب من علّق أمله بنا، ورجا النّفع من جهتنا.
إلهي؛ فأنت أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، فلا تخيّب من علّق أمله ورجاءه بك، وانتسب إليك، ودعا عبادك إلى بابك، وإن كان متطفّلا على كرمك، ولم يكن أهلا للسّمسرة بينك وبين عبادك، لكنّه طمع في سعة جودك وكرمك، فأنت أهل الجود والكرم، وربّما استحيا الكريم من ردّ من تطفّل على سماط كرمه.
إن كنت لا أصلح للقرب … فشأنكم صفح عن الذّنب
وقوله ﷺ: «لو لم تذنبوا لجاء الله بخلق جديد حتى يذنبوا فيغفر لهم».
وخرّجه مسلم من وجه آخر، عن أبي هريرة ﵁، عن النّبيّ ﷺ: «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ثم جاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم» (^١). ومن حديث أبي أيّوب، عن النّبيّ ﷺ، قال: «لولا أنّكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون، ثم يغفر لهم» (^٢). وفي رواية له أيضا: «لو لم تكن لكم ذنوب يغفرها الله لجاء الله بقوم لهم ذنوب، فيغفرها لهم» (^٣).
_________________
(١) (¬١ و٢ و٣) أخرجهم: مسلم (٨/ ٩٤) (٢٧٤٨) (٢٧٤٩).
[ ٤٤ ]
والمراد بهذا أنّ لله تعالى حكمة في إلقاء الغفلة على قلوب عباده أحيانا، حتى يقع منهم بعض الذّنوب، فإنّه لو استمرّت لهم اليقظة التي يكونون عليها في حال سماع الذّكر، لما وقع منهم ذنب.
وفي إيقاعهم في الذّنوب أحيانا فائدتان عظيمتان:
إحداهما: اعتراف المذنبين بذنوبهم وتقصيرهم في حقّ مولاهم، وتنكيس رءوس عجبهم، وهذا أحبّ إلى الله من فعل كثير من الطاعات، فإنّ دوام الطاعات قد توجب لصاحبها العجب. وفي الحديث: «لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أشدّ من ذلك؛ العجب» (^١).
قال الحسن: لو أن ابن آدم كلّما قال أصاب، وكلما عمل أحسن، أوشك أن يجنّ من العجب. قال بعضهم: ذنب أفتقر به إليه أحبّ إليّ من طاعة أدلّ بها عليه. أنين المذنبين أحبّ إليه من زجل المسبّحين؛ لأنّ زجل المسبّحين ربّما شابه الافتخار، وأنين المذنبين يزينه الانكسار والافتقار.
في حديث: «إنّ الله لينفع العبد بالذّنب يذنبه» (^٢). قال الحسن: إنّ العبد ليعمل الذّنب فلا ينساه، ولا يزال متخوّفا منه حتى يدخل الجنّة. المقصود من زلل
_________________
(١) أخرجه: البزار (٣٦٣٣. كشف). وقال البزار: «لا نعلم رواه عن ثابت عن أنس إلا سلام، وهو مشهور، روى عنه عفان والمتقدمون». قلت: ولكن ضعفه غير واحد من الحفاظ. لكن جود إسناده الهيثمي (١٠/ ٢٦٩). وراجع: «كشف الخفاء» (٢/ ٢٣١).
(٢) أخرجه: القضاعي في «مسند الشهاب» (٢/ ١٥٩)، والعقيلي في «الضعفاء» (٤/ ٢٥٨)، وابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٧٨٧). وقال العقيلي: «حديث غير محفوظ». وقال ابن الجوزي: «هذا حديث لا يصح عن رسول الله ﷺ». وراجع: «الميزان» (٤/ ١٢٣).
[ ٤٥ ]
المؤمن ندمه، ومن تفريطه أسفه، ومن اعوجاجه تقويمه، ومن تأخّره تقديمه، ومن زلقه في هوّة الهوى أن يؤخذ بيده فينجّى إلى نجوة النجاة، كما قيل:
قرّة عيني لا بدّ منك وإن … أوحش بيني وبينك الزّلل
قرّة عيني أنا الغريق فخذ … كفّ غريق عليك يتّكل
الفائدة الثانية: حصول المغفرة والعفو من الله تعالى لعبده؛ فإنّ الله يحبّ أن يعفو ويغفر، ومن أسمائه الغفّار، والعفوّ (^١)، والتّوّاب، فلو عصم الخلق فلمن كان العفو والمغفرة؟
قال بعض السّلف: أوّل ما خلق الله القلم كتب: إنّي أنا التوّاب أتوب على من تاب. قال أبو الجلد: قال رجل من العاملين لله بالطاعة: اللهم، أصلحني صلاحا لا فساد عليّ بعده. فأوحى الله تعالى إليه: إنّ عبادي المؤمنين كلّهم يسألوني مثل ما سألت، فإذا أصلحت عبادي كلّهم فعلى من أتفضّل وعلى من أجود بمغفرتي؟.
كان بعض السلف يقول: لو أعلم أحبّ الأعمال إلى الله لأجهدت نفسي فيها، فرأى في منامه قائلا يقول له: إنّك تريد ما لا يكون، إنّ الله يحبّ أن يغفر. قال يحيى بن معاذ: لو لم يكن العفو أحبّ الأشياء إليه لم يبتل بالذّنب أكرم الخلق عليه.
يا ربّ أنت رجائي … وفيك حسّنت ظنّي
يا ربّ فاغفر ذنوبي … وعافني واعف عني
العفو منك إلهي … والذّنب قد جاء منّي
والظنّ فيك جميل … حقّق بحقّك ظنّي
_________________
(١) في أ، ب: «الغفور».
[ ٤٦ ]
وقوله ﷺ لأبي هريرة لمّا سأله: ممّ خلق الخلق؟ فقال له: «من الماء» يدلّ على أنّ الماء أصل جميع المخلوقات ومادّتها، وجميع المخلوقات خلقت منه.
وفي «المسند» من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁، قال: «قلت:
يا رسول الله، إذا رأيتك طابت نفسي وقرّت عيني، فأنبئني عن كلّ شيء.
فقال: كلّ شيء خلق من ماء» (^١).
وقد حكى ابن جرير وغيره، عن ابن مسعود ﵁ وطائفة من السّلف: أنّ أوّل المخلوقات الماء.
وروى الجوزجاني بإسناده عن عبد الله بن عمرو أنّه سئل عن بدء الخلق، فقال: من تراب وماء وطين، ومن نار وظلمة، فقيل له: فما بدء الخلق الذي ذكرت؟ قال: من ماء ينبوع.
وقد أخبر الله في كتابه أنّ الماء كان موجودا قبل خلق السماوات والأرض، فقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيّامٍ وَكانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ [هود: ٧].
وفي «صحيح البخاري» عن عمران بن حصين، عن النّبيّ ﷺ، قال:
«كان الله ولم يكن شيء قبله» - وفي رواية: «معه - وكان عرشه على الماء، وكتب في الذكر كل شيء ثم خلق السماوات والأرض» (^٢).
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٤٩٣، ٣٢٤، ٣٢٣، ٢/ ٢٩٥)، وهو ضعيف. وراجع: «الضعيفة» (٣/ ٤٩٢).
(٢) أخرجه: البخاري (٤/ ١٢٨ - ١٢٩)، (٢١٩، ٥/ ٢١٢)، (٩/ ١٥٢) (٧٤١٨).
[ ٤٧ ]
وفي «صحيح مسلم» عن عبد الله بن عمرو، عن النّبيّ ﷺ، قال:
«إنّ الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السّماوات والأرض بخمسين ألف سنة وكان عرشه على الماء» (^١).
وروى ابن جرير وغيره، عن ابن عبّاس ﵄: إنّ الله ﷿ كان عرشه على الماء ولم يخلق شيئا غير ما خلق قبل الماء، فلمّا أراد أن يخلق الخلق أخرج من الماء دخانا فارتفع فوق الماء، فسما عليه فسمي سماء، ثمّ أيبس الماء فجعله أرضا واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين، ثم استوى إلى السّماء وهي دخان، وكان ذلك الدّخان من نفس الماء حين تنفّس، ثم جعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سماوات (^٢).
وعن وهب: إنّ العرش كان قبل أن تخلق السماوات والأرض على الماء، فلمّا أراد الله أن يخلق السّماوات والأرض قبض من صفاة الماء قبضة، ثم فتح القبضة فارتفعت دخانا، ثم قضاهنّ سبع سماوات في يومين، ثم أخذ طينة من الماء فوضعها في مكان البيت، ثم دحا الأرض منها (^٣).
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٨/ ٥١) (٢٦٥٣)، وأحمد (٢/ ١٦٩)، والترمذي (٢١٥٦).
(٢) أخرجه: ابن جرير في «تفسيره» (١/ ١٩٤)، وفي «تاريخه» (١/ ٤٠).
(٣) هذه زيادة من المطبوع، ولعلها من زيادات النساخ: «وقال بعضهم: خلق الله الأرض أولا، ثم خلق السماء، ثم دحا الأرض بعد أن خلق السّماء. وقيل: خلق الله تعالى زمردة خضراء كغلظ السماوات والأرض، ثم نظر إليها نظر العظمة، فانماعت، يعني ذابت فصارت ماء، فمن ثمّ يرى الماء دائما يتحرّك من تلك الهيبة. ثم إنّ الله تعالى رفع من البحر بخارا وهو الدّخان الذي ذكره في قوله: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ [فصّلت: ١١] فخلق السّماء من الدّخان، وخلق الأرض من الماء، والجبال من موج الماء. وقال وهب: أوّل ما خلق الله تعالى مكانا مظلما، ثم خلق جوهرة فأضاءت ذلك المكان، ثم نظر إلى الجوهرة نظرة الهيبة فصارت ماء، فارتفع بخارها وزبدها، فخلق من البخار السماوات، ومن الزّبد الأرضين. وروى عبد الله بن عمرو، عن النبي ﷺ أنه قال: -
[ ٤٨ ]
والآثار في هذا الباب كثيرة، وهذا كلّه يبيّن أنّ السماوات والأرض خلقت من الماء، والخلاف في أنّ الماء هل هو أول المخلوقات أم لا؟ مشهور، وحديث أبي هريرة يدلّ على أنّ الماء مادّة جميع المخلوقات، وقد دلّ القرآن على أنّ الماء مادة جميع الحيوانات، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنا مِنَ الْماءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. وقال: ﴿وَاللهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ ماءٍ﴾ [النّور: ٤٥].
وقول من قال: إنّ المراد بالماء النّطفة التي يخلق منها الحيوانات بعيد؛ لوجهين:
أحدهما: أنّ النّطفة لا تسمّى ماء مطلقا بل مقيّدا؛ لقوله: ﴿خُلِقَ مِنْ ماءٍ دافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرائِبِ﴾ [الطارق: ٦ - ٧]، وقوله: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ﴾ [المرسلات: ٢٠].
والثاني: أنّ من الحيوانات ما يتولّد من غير نطفة، كدود الخلّ، والفاكهة
(*) أخرجه: أحمد (١٩٧، ٢/ ١٧٦)، والترمذي (٢٦٤٢)، وقد صححه الألباني في «الصحيحة» (١٠٧٦).
_________________
(١) - «إنّ الله ﷿ خلق خلقه من ظلمة، ثم ألقى عليهم من نوره، فمن أصابه يومئذ من ذلك النّور اهتدى، ومن أخطأه ضلّ» (*). وقال عمر بن الخطاب ﵁ لكعب الأحبار: ما أوّل شيء ابتدأ الله تعالى من خلقه؟ قال كعب: كتب الله كتابا لم يكتبه قلم ولا دواة، أي مداد؛ كتابه الزّبرجد واللؤلؤ والياقوت: إنني أنا الله لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، وأنّ محمّدا عبدي ورسولي، سبقت رحمتي غضبي. قال كعب: فإذا كان يوم القيامة أخرج الله ذلك الكتاب، فيخرج من النار مثلي عدد أهل الجنّة فيدخلهم الجنة. وقال سلمان وعبد الله بن عمرو: إنّ لله تعالى مائة رحمة كما بين السماء والأرض، فأنزل منها رحمة واحدة إلى أهل الدنيا، فبها يتراحم الجنّ والإنس، وطير السّماء، وحيتان الماء، وما بين الهواء ودوابّ الأرض وهوامها. وادخر عنده تسعا وتسعين رحمة، فإذا كان يوم القيامة أنزل تلك الرحمة إلى ما عنده فيرحم بها عباده».
[ ٤٩ ]
ونحو ذلك؛ فليس كلّ حيوان مخلوقا من نطفة. والقرآن دلّ على خلق جميع ما يدبّ وما فيه حياة من ماء، فعلم بذلك أنّ أصل جميعها الماء المطلق؛
ولا ينافي هذا قوله تعالى: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْناهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نارِ السَّمُومِ﴾ [الحجر: ٢٧] وقول النّبيّ ﷺ: «خلقت الملائكة من نور» (^١)، فإنّ حديث أبي هريرة ﵁ دلّ على أنّ أصل النّور والنّار الماء، كما أن أصل التّراب الذي خلق منه آدم الماء، فإنّ آدم خلق من طين، والطين تراب مختلط بماء، والتّراب مخلوق من الماء كما تقدّم عن ابن عبّاس وغيره. وزعم مقاتل: أنّ الماء مخلوق من النّور، وهو مردود بحديث أبي هريرة هذا وغيره.
ولا يستنكر خلق النّار من الماء، فإنّ الله ﷿ جمع بقدرته بين الماء والنّار في الشّجر الأخضر، وجعل ذلك من أدلة القدرة على البعث، وذكر الطبائعيون: أنّ الماء بانحداره يصير بخارا، والبخار ينقلب هواء، والهواء ينقلب نارا، والله أعلم.
وقوله ﷺ لأبي هريرة حين سأله عن بناء الجنّة، فقال: «لبنة من ذهب، ولبنة من فضة، وملاطها المسك الأذفر، وحصباؤها اللؤلؤ والياقوت، وتربتها الزّعفران» (^٢). وقد روي أيضا هذا عن النّبيّ ﷺ من حديث ابن عمر مرفوعا، خرجه الطبرانيّ.
فهذه أربعة أشياء:
أحدها: بناء الجنّة، ويحتمل أنّ المراد بنيان قصورها ودورها، ويحتمل أن
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٨/ ٢٢٦) (٢٩٩٦)، وأحمد (١٦٨، ٦/ ١٥٣).
(٢) أخرجه: أحمد (٣٠٥، ٢/ ٣٠٤)، والترمذي (٢٥٢٦). والحديث حسنه الألباني في «الصحيحة» (٩٦٩)، وراجع: «العلل» للدارقطني (٢٣٥/ ١١ - ٢٣٦).
[ ٥٠ ]
يراد بناء حائطها وسورها المحيط بها وهو أشبه. وقد روي من وجه آخر عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا وموقوفا وهو أشبه: «حائط الجنّة لبنة من فضة، ولبنة من ذهب، ودرجها الياقوت واللؤلؤ» (^١). قال: وكنّا نتحدّث (^٢) أنّ رضراض (^٣) أنهارها اللؤلؤ وترابها الزّعفران. وفي «مسند البزار» عن أبي سعيد مرفوعا: «خلق الله الجنّة لبنة من فضة ولبنة من ذهب، وملاطها المسك، فقال لها تكلّمي، فقالت: قد أفلح المؤمنون، فقالت الملائكة: طوبى لك منزل الملوك» (^٤).
وممّا يبيّن أن المراد ببناء الجنّة في هذه الأحاديث بناء سورها المحيط بها ما في «الصحيحين» عن أبي موسى، عن النّبيّ ﷺ، قال: «جنّتان من ذهب، آنيتهما وما فيهما، وجنّتان من فضّة آنيتهما وما فيهما» (^٥).
وقد روي عن أبي موسى مرفوعا وموقوفا: «جنّتان من ذهب للمقرّبين، وجنّتان من فضّة لأصحاب اليمين» (^٦). وفي الصحيح أيضا عن النّبيّ ﷺ، أنّه قال: «إنّها جنان كثيرة» (^٧) وقد روي أنّ بناء بعضها من درّ وياقوت.
وخرّج ابن أبي الدّنيا من حديث أنس مرفوعا: «خلق الله جنّة عدن بيده لبنة
_________________
(١) أخرجه: البغوي في «شرح السنة» (١٥/ ٢٢٨) موقوفا. ورواه أبو نعيم في «الحلية» (٢/ ٢٤٩).
(٢) في «البغوي»: «نحدّث».
(٣) في ص، ب: «رضاض»، و«الرضراض» الحصى الصغار.
(٤) أخرجه: البزار (٣٥٠٨ - كشف)، وضعفه مرفوعا. والمنذري في «الترغيب» (٤/ ٢٨٣) (٥٦٥٠). وأخرجه باللفظ المذكور ابن جرير في «تفسيره» (٢٧/ ١٤٦)، وقال ابن حجر في «الفتح» (١٣/ ٤٣١): «رجاله ثقات».
(٥) أخرجه: البخاري (٩/ ١٦٢) (٤٨٧٨) (٤٨٨٠)، ومسلم (١/ ١١٢) (١٨٠).
(٦) أخرجه: الحاكم (٤٧٥، ٢/ ٤٧٤، ١/ ٨٤) عن أبي موسى بلفظ: «جنتان من ذهب للسابقين، وجنتان من فضة للتابعين».
(٧) أخرجه: البخاري (٤/ ٢٤) (٣٩٨٢)، (٦٥٥٠)، (٦٥٦٧).
[ ٥١ ]
من درّة بيضاء، ولبنة من ياقوتة حمراء، ولبنة من زبرجدة خضراء، ملاطها المسك، وحصباؤها اللؤلؤ، وحشيشها الزّعفران، ثم قال لها: انطقي، قالت:
قد أفلح المؤمنون، قال: وعزّتي وجلالي لا يجاورني فيك بخيل» (^١).
وروى عطية، عن أبي سعيد، قال: إنّ الله خلق جنّة عدن من ياقوتة حمراء، ثم قال لها: تزيني فتزيّنت، ثم قال لها: تكلّمي فقالت: طوبى لمن رضيت عنه؛ ثم أطبقها وعلّقها بالعرش، فهي تفتح في كلّ سحر، فذلك برد السّحر. وعن ابن عبّاس، قال: كان عرش الله على الماء، ثم اتخذ لنفسه جنّة، ثم اتخذ دونها أخرى، وطبّقهما بلؤلؤة واحدة لا يعلم الخلائق ما فيهما وهما اللتان لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين.
وذكر صفوان بن عمرو، عن بعض مشايخه، قال: الجنة مائة درجة:
أولها: درجة فضة، وأرضها فضة، ومساكنها فضّة، وترابها المسك. والثانية:
ذهب، وأرضها ذهب، وآنيتها ذهب، وترابها المسك. وثالثها: لؤلؤ، وأرضها لؤلؤ، وآنيتها لؤلؤ، وترابها المسك، وسبع وتسعون بعد ذلك ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ثم تلا، ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السّجدة: ١٧].
وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «يقول الله ﷿: أعددت لعبادي الصّالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السّجدة: ١٧] (^٢).
_________________
(١) عزاه المنذري (٦/ ٢٨٦) إلى ابن أبي الدنيا، وضعفه الألباني في «الضعيفة» (١٢٨٥).
(٢) أخرجه: البخاري (٤/ ١٤٣)، (٦/ ١٤٥)، (٩/ ١٧٦) (٤٧٨٠، ٤٧٧٩، ٣٢٤٤، ٧٤٩٨)، ومسلم (٨/ ١٤٣) (٢٨٣٤).
[ ٥٢ ]
وفي «صحيح مسلم» عن المغيرة بن شعبة يرفعه: «سأل موسى ربّه، قال:
يا ربّ، ما أدنى أهل الجنة منزلة؟ قال: هو رجل يجيء بعد ما أدخل أهل الجنّة الجنّة، فيقال له: ادخل الجنّة، فيقول: يا ربّ، كيف وقد أخذ النّاس منازلهم، وأخذوا أخذاتهم؟ فيقال له: أترضى أن يكون لك مثل ملك من ملوك الدّنيا؟ فيقول: رضيت يا ربّ، فيقول: ذلك لك ومثله ومثله ومثله ومثله، فقال في الخامسة: رضيت ربّ، فيقال: هذا لك وعشرة أمثاله، ولك ما اشتهت نفسك ولذّت عينك، فيقول: رضيت ربّ. قال: فأعلاهم منزلة؟ قال: أولئك الّذين أردت، غرست كرامتهم بيدي، وختمت عليها، فلم تر عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على قلب بشر. قال: ومصداقه في كتاب الله: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السّجدة: ١٧]» (^١).
الثاني: ملاط الجنة وأنّه المسك الأذفر، وقد تقدّم مثل ذلك في غير حديث والملاط: هو الطّين، ويقال: الطّين الذي يبنى منه البنيان. والأذفر:
الخالص.
ففي «الصحيحين» عن أنس، عن النّبيّ ﷺ، قال: «دخلت الجنّة فإذا فيها جنابذ اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك» (^٢). والجنابذ: مثل القباب. وقد قيل: إنّه أراد بترابها ما خالطه الماء، وهو طينها، كما في «صحيح البخاري»، عن أنس، عن النّبيّ ﷺ أنّه قال في الكوثر: «طينه المسك الأذفر» (^٣).
وقد قيل في تأويل قوله ﷿: ﴿خِتامُهُ مِسْكٌ﴾ [المطفّفين: ٢٦] أنّ المراد بالختام ما يبقى في سفل الشراب من الثّفل، وهذا يدلّ على أنّ أنهارها تجري
_________________
(١) أخرجه: مسلم (١٢١، ١/ ١٢٠) (١٨٩)، والترمذي (٣١٩٨).
(٢) أخرجه: البخاري (٤/ ١٦٦) (٣٣٤٢)، ومسلم (١٦٣).
(٣) أخرجه: البخاري (٨/ ١٤٩) (٦٥٨١).
[ ٥٣ ]
على المسك، ولذلك يرسب منه في الإناء في آخر الشراب، كما يرسب الطين في آنية الماء في الدّنيا.
الثالث: حصباء الجنّة وأنّه اللؤلؤ والياقوت، والحصباء: الحصى الصغار، وهو الرّضراض. وفي «المسند» عن أنس، عن النّبيّ ﷺ في ذكر الكوثر أن رضراضه اللؤلؤ (^١). وفي رواية: حصباؤه اللؤلؤ (^٢). وفي الترمذي من حديث ابن عمر عن النّبيّ ﷺ: «أنّ مجراه على الدّرّ والياقوت» (^٣).
وفي الطّبرانيّ من حديث عبد الله بن عمرو، عن النّبيّ ﷺ، قال: «حاله المسك الأبيض، ورضراضه الجوهر، وحصباؤه اللؤلؤ» (^٤). وفي «المسند» من حديث ابن مسعود، عن النّبيّ ﷺ، قال: «حاله المسك، ورضراضه التّوم» (^٥)، والتّوم: الجوهر، والحال: الطين.
قال أبو العالية: قرأت في بعض الكتب: يا معشر الرّبّانيين من أمّة محمد ﷺ، انتدبوا لدار أرضها زبرجد أخضر، تجري عليها أنهار الجنّة، فيها الدّرّ واللؤلؤ والياقوت، وسورها زبرجد أخضر متدلّيا عليها أغصان (^٦) الجنّة بثمارها (^٧).
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٢٣٢).
(٢) أخرجه: ابن حبان (٦٤٧١)، وأحمد (٣/ ١٥٢) و(٣/ ٢٤٧) بلفظ «وحصاه اللؤلؤ».
(٣) أخرجه: الترمذي (٣٣٦١)، وقال: «حديث حسن صحيح»، وفي الأصل: «اللؤلؤ والياقوت»، والمثبت في الترمذي.
(٤) أخرجه: الطبراني في «مسند الشاميين» (رقم ٩٥) وفي إسناده الوليد بن الوليد، وهو منكر الحديث.
(٥) أخرجه: أحمد (١/ ٣٩٨ - ٣٩٩)، والبزار (٣٤٧٨ - كشف)، والطبراني (١٠٠١٧). وقال الهيثمي (١٠/ ٣٦٢): «وفي أسانيدهم كلهم عثمان بن عمير، وهو ضعيف».
(٦) في أ: «أشجار» وفي ب: «أغصان الأشجار».
(٧) «حلية الأولياء» (٨/ ٢٨٨) و(١٠/ ١٢).
[ ٥٤ ]
الرابع: تراب الجنّة، وأنّه الزّعفران، وقد سبق في رواية أخرى: الزّعفران والورس. وقد قيل: إن المراد بالتراب ها هنا تربة الأرض التي لا ماء عليها.
فأمّا ما كان عليه ماء فإنّه مسك، كما سبق. وسبق أيضا في بعض الروايات:
حشيشها الزّعفران، وهو نبات أرضها وترابها.
فأمّا حديث «ترابها المسك» فقد قيل: إنه محمول على تراب يخالطه الماء، كما تقدم. وقيل: إنّ المراد أنّ ريح ترابها ريح المسك، ولونه لون الزّعفران. ويشهد لهذا حديث الكوثر: أنّ حاله المسك الأبيض، فريحه ريح المسك، ولونه مشرق لا يشبه لون مسك الدّنيا، بل هو أبيض. وقد يكون منه أبيض، ومنه أصفر، والله أعلم.
وفي «صحيح مسلم» من حديث أبي سعيد أنّ النّبيّ ﷺ سأل ابن صيّاد (^١) عن تربة الجنّة، فقال: درمكة بيضاء مسك خالص، فصدّقه النّبي ﷺ. وفي رواية أن ابن صيّاد سأل النّبيّ ﷺ وصدّقه (^٢).
وفي «المسند» والترمذي عن البراء بن عازب أنّ النّبيّ ﷺ قال: «تربة الجنّة درمكة. ثم سأل اليهود فقالوا: خبزة، فقال: الخبز من الدّرمك» (^٣).
والذي تجتمع به هذه الأحاديث كلّها أنّ تربة الجنّة في لونها بيضاء، ومنها ما يشبه لون الزّعفران في بهجته وإشراقه، وريحها ريح المسك الأذفر
_________________
(١) في الأصول: «سأل صيادا»، وهو خطأ بيّن.
(٢) أخرجه: مسلم (٨/ ١٩١ - ١٩٢) (٢٩٢٨).
(٣) أخرجه: أحمد (٣/ ٣٦١)، والترمذي (٣٣٢٧)، وفي إسناده مجالد بن سعيد وهو ضعيف. وقال الترمذي والبزار: «لا يعرف إلا من حديث مجالد». وراجع: «الضعيفة» (٣٣٤٨). تنبيه: الحديث من مسند «جابر بن عبد الله» عند أحمد والترمذي فقول المؤلف: عن «البراء ابن عازب» وهم، والله أعلم.
[ ٥٥ ]
الخالص، وطعمها طعم الخبز الحوّاري الخالص. وقد يختصّ هذا بالأبيض منها، فقد اجتمعت لها الفضائل كلّها، لا حرمنا الله ذلك برحمته وكرمه.
وقوله ﷺ: «من يدخلها ينعم لا يبأس، ويخلد لا يموت، لا تبلى ثيابهم، ولا يفنى شبابهم» إشارة إلى بقاء الجنّة وبقاء جميع ما فيها من النّعيم، وأنّ صفات أهلها الكاملة من الشباب لا تتغيّر أبدا، وملابسهم التي عليهم من الثياب لا تبلى أبدا، وقد دلّ القرآن على مثل هذا في مواضع كثيرة، كقوله:
﴿وَجَنّاتٍ لَهُمْ فِيها نَعِيمٌ مُقِيمٌ﴾ [التّوبة: ٢١].
وقوله: ﴿أُكُلُها دائِمٌ وَظِلُّها﴾ [الرّعد: ٣٥]. وقوله: ﴿خالِدِينَ فِيها أَبَدًا﴾ [النّساء: ٥٧]، في مواضع كثيرة. وفي «صحيح مسلم» عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ، قال: «من يدخل الجنّة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه، ولا يفنى شبابه» (^١).
وفيه أيضا عن النّبيّ ﷺ، قال: «إذا دخل أهل الجنّة الجنة نادى مناد: إنّ لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، وإنّ لكم أن تصحّوا فلا تسقموا أبدا، وإنّ لكم أن تشبّوا فلا تهرموا أبدا» ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوها بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ٤٣] (^٢). وفي رواية لغيره زيادة «و[إنّ لكم] أن تحيوا فلا تموتوا أبدا» (^٣).
وفي الترمذي عن أبي هريرة مرفوعا: «أهل الجنّة جرد مرد كحل، لا يفنى شبابهم، ولا تبلى ثيابهم» (^٤). وعن أبي سعيد مرفوعا: «يدخل أهل الجنّة
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٨/ ١٤٨) (٢٨٣٦).
(٢) أخرجه: مسلم (٨/ ١٤٨) (٢٨٣٧).
(٣) هي في مسلم أيضا (٨/ ١٤٨) (٢٨٣٧).
(٤) «السنن»: (٢٥٣٩). وقال الترمذي: «حسن غريب». قلت: وفي إسناده شهر بن حوشب، وهو ضعيف، ولكن لمعناه شواهد.
[ ٥٦ ]
الجنّة أبناء ثلاثين، لا يزيدون عليها أبدا» (^١). ومن حديث عليّ مرفوعا: «إنّ في الجنّة مجتمعا للحور العين يرفعن بأصوات لم يسمع الخلائق مثلها؛ يقلن:
نحن الخالدات فلا نبيد، ونحن الناعمات فلا نبأس، ونحن الراضيات فلا نسخط، طوبى لمن كان لنا وكنّا له» (^٢).
وخرّج الطبراني من حديث ابن عمر مرفوعا: «إن مما يتغنين به - يعني الحور العين -: نحن الخالدات فلا نمتنه، نحن الآمنات فلا نخفنه، نحن المقيمات فلا نظعنّه» (^٣).
ومن حديث أمّ سلمة مرفوعا: «إن نساء أهل الجنّة يقلن: نحن الخالدات فلا نموت أبدا، ونحن النّاعمات فلا نبأس أبدا، ونحن المقيمات فلا نظعن أبدا، ونحن الراضيات فلا نسخط أبدا، طوبى لمن كنّا له وكان لنا» (^٤).
وفيما ذكره ﷺ في صفة من يدخل الجنّة تعريض بذّمّ الدّنيا الفانية، فإنّه من يدخلها وإن نعم فيها فإنّه يبأس، ومن أقام فيها فإنّه يموت ولا يخلّد، ويفنى شبابهم، وتبلى ثيابهم، بل (^٥) تبلى أجسامهم.
_________________
(١) أخرجه: الترمذي (٢٥٦٢). وقال الترمذي: «هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث رشدين». قلت: ورشدين بن سعد ضعيف، والله أعلم.
(٢) أخرجه: الترمذي (٢٥٦٤). وقال الترمذي: «حديث غريب». قلت: وفي إسناده عبد الرحمن بن إسحاق وهو متروك وقال ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٩٣٢): «هذا حديث لا يصح».
(٣) أخرجه: الطبراني في «الأوسط» (٤٩١٧)، وفي «الصغير» (٢/ ٣٥). وقال في «المجمع» (١٠/ ٤١٩): «رجاله رجال الصحيح».
(٤) أخرجه: الطبراني في «الكبير» (٨٧٠)، و«الأوسط» (٣١٤١)، والبزار (٧٠٣)، وراجع ضعيف «الترغيب والترهيب» (٢٢٣٠).
(٥) في ص: «و» بدل «بل».
[ ٥٧ ]
وفي «القرآن» نظير هذا، وهو التعريض بذمّ الدّنيا وفنائها، مع مدح الآخرة وذكر كمالها وبقائها، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوانٌ مِنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾ [آل عمران: ١٤ - ١٥].
وقال تعالى: ﴿إِنَّما مَثَلُ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ مِمّا يَأْكُلُ النّاسُ وَالْأَنْعامُ حَتّى إِذا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَها وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُها أَنَّهُمْ قادِرُونَ عَلَيْها﴾ الآية [يونس: ٢٤]. ثم قال: ﴿وَاللهُ يَدْعُوا إِلى دارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ وَلا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلا ذِلَّةٌ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيها خالِدُونَ﴾ [يونس: ٢٥ - ٢٦].
وقال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَياةِ الدُّنْيا كَماءٍ أَنْزَلْناهُ مِنَ السَّماءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَباتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكانَ اللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥) الْمالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَالْباقِياتُ الصّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا﴾ [الكهف: ٤٥ - ٤٦].
وقال: ﴿وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٦٤].
وقال: ﴿اِعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطامًا﴾ [الحديد: ٢٠] إلى قوله: ﴿سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرُسُلِهِ﴾ [الحديد: ٢١].
وقال: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى﴾ [الأعلى: ١٦ - ١٧].
وقال: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا
[ ٥٨ ]
فِي الْآخِرَةِ إِلاّ قَلِيلٌ﴾ [التّوبة: ٣٨]. وقال عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه: ﴿يا قَوْمِ إِنَّما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا مَتاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دارُ الْقَرارِ﴾ [غافر: ٣٩].
والمتاع: هو ما يتمتّع به صاحبه برهة ثم ينقطع ويفنى. فما عيبت الدّنيا بأبلغ من ذكر فنائها وتقلّب أحوالها، وهو أدلّ دليل على انقضائها وزوالها، فتتبدّل صحتها بالسّقم، ووجودها بالعدم، وشبيبتها بالهرم، ونعيمها بالبؤس، وحياتها بالموت، فتفارق الأجسام النفوس، وعمارتها بالخراب، واجتماعها بفرقة الأحباب، وكلّ ما فوق التّراب تراب.
قال بعض السّلف في يوم عيد، وقد نظر إلى كثرة النّاس وزينة لباسهم: هل ترون إلاّ خرقا تبلى، أو لحما يأكله الدّود غدا؟ كان الإمام أحمد ﵁ يقول:
يا دار، تخربين ويموت سكانك. وفي الحديث: «عجبا لمن رأى الدّنيا وسرعة تقلّبها بأهلها كيف يطمئنّ إليها» (^١). قال الحسن: إنّ الموت قد فضح الدّنيا فلم يدع لذي لبّ بها فرحا. وقال مطرّف: إنّ هذا الموت قد أفسد على أهل النّعيم نعيمهم، فالتمسوا نعيما لا موت فيه.
وقال بعضهم: ذهب ذكر الموت بلذة كل عيش وسرور كلّ نعيم، ثم بكى وقال: واها لدار لا موت فيها. وقال يونس بن عبيد: ما ترك ذكر الموت لنا قرّة عين؛ في أهل ولا مال. وقال يزيد الرّقاشي: أمن أهل الجنّة الموت فطاب لهم العيش، وأمنوا من الأسقام، فهنيئا لهم في جوار الله طول المقام.
عيوب الدّنيا بادية، وهي بعبرها ومواعظها منادية، لكنّ حبّها يعمي ويصمّ، فلا يسمع محبّها نداءها، ولا يرى كشفها للغير وإيذاءها.
قد نادت الدّنيا على نفسها … لو كان في العالم من يسمع
_________________
(١) أخرجه: البيهقي في «الزهد الكبير» (٢/ ٢١٥) موقوفا على عليّ ﵁، ولا يصح مرفوعا.
[ ٥٩ ]
كم واثق بالعمر أفنيته … وجامع بدّدت ما يجمع
كم قد تبدّل نعيمها بالضرّ والبؤس، كم أصبح من هو واثق بملكها، وأمسى وهو منها قنوط يئوس. قالت بعض بنات ملوك العرب الذين نكبوا: أصبحنا وما في العرب أحد إلاّ وهو يحسدنا، وأمسينا وما في العرب أحد إلا وهو يرحمنا، ثم قالت:
وبينا نسوس النّاس والأمر أمرنا … إذا نحن فيهم سوقة ليس نعرف
فأفّ لدار لا يدوم نعيمها … تقلّب تارات بنا وتصرّف
دخلت أمّ جعفر بن يحيى البرمكي على قوم في عيد أضحى تطلب جلد كبش تلبسه، وقالت: هجم عليّ مثل هذا العيد وعلى رأسي أربعمائة وصيفة قائمة، وأنا أزعم أنّ ابني جعفرا عاقّ لي.
كانت أخت أحمد بن طولون صاحب مصر كثيرة السّرف في إنفاق المال، حتّى إنّها زوّجت بعض لعبها فأنفقت على وليمة عرسها مائة ألف دينار، فما مضى إلا قليل حتى رئيت في سوق من أسواق بغداد وهي تسأل النّاس.
خلع بعض خلفاء بني العبّاس وكحل وحبس ثم أطلق، فاحتاج إلى أن وقف يوم جمعة في الجامع وقال للناس: تصدّقوا عليّ فأنا من قد عرفتم.
اجتاز بعض الصالحين بدار فيها فرح وقائلة تقول في غنائها:
ألا يا دار لا يدخلك حزن … ولا يزري بصاحبك الزّمان
ثم اجتاز بها عن قريب وإذا الباب مسودّ، وفي الدّار بكاء وصراخ، فسأل عنهم، فقيل: مات ربّ الدّار، فطرق الباب وقال: سمعت من هذه الدّار قائلة تقول كذا وكذا، فبكت امرأة وقالت: يا عبد الله، إنّ الله يغيّر ولا يتغيّر، والموت غاية كلّ مخلوق، فانصرف من عندهم باكيا.
[ ٦٠ ]
بعث أبو بكر الصّدّيق ﵁ في خلافته وفدا إلى اليمن، فاجتازوا في طريقهم بماء من مياه العرب، عنده قصور مشيدة، وهناك مواش عظيمة، ورقيق كثير، ورأوا نسوة كثيرة مجتمعات في عرس لهنّ، وجارية بيدها دفّ، وهي تقول:
معشر الحسّاد موتوا كمدا … كذا نكون ما بقينا أبدا
فنزلوا بقربهم فأكرمهم سيّد الماء، واعتذر إليهم باشتغاله بالعرس، فدعوا له وارتحلوا.
ثم إنّ بعض أولئك الوفد أرسلهم معاوية إلى اليمن، فمرّوا بالقرب من ذلك الماء، فعدلوا إليه لينزلوا فيه، فإذا القصور المشيدة قد خربت كلّها وليس هناك ماء ولا أنيس، ولم يبق من تلك الآثار إلاّ تلّ خراب، فذهبوا إليه، فإذا عجوز عمياء تأوي إلى نقب في ذلك التّلّ، فسألوها عن أهل ذلك الماء، فقالت:
هلكوا كلّهم، فسألوها عن ذلك العرس المتقدم، فقالت: كانت العروس أختي، وأنا كنت صاحبة الدّفّ، فطلبوا أن يحملوها معهم فأبت، وقالت:
عزيز عليّ أن أفارق هذه العظام البالية حتّى أصير إلى ما صارت إليه. فبينما هي تحدّثهم إذ مالت فنزعت نزعا يسيرا ثم ماتت، فدفنوها وانطلقوا.
حمل إلى سليمان بن عبد الملك في خلافته من خراسان ستة أحمال مسك إلى الشام، فأدخلت على ابنه أيوب، وهو وليّ عهده، فدخل عليه الرسول بها في داره، فدخل إلى دار بيضاء وفيها غلمان عليهم ثياب بياض وحليتهم فضّة، ثم دخل إلى دار صفراء فيها غلمان عليهم ثياب صفر وحليتهم الذّهب؛ ثم دخل إلى دار خضراء فيها غلمان عليهم ثياب خضر وحليتهم الزمرّد، ثم دخل على أيوب وهو وجاريته على سرير، فلم يعرف أحدهما من الآخر لقرب شبههما، فوضع المسك بين يديه فانتهبه كلّه الغلمان، ثم خرج الرسول فغاب
[ ٦١ ]
بضعة عشر يوما، ثم رجع فمرّ بدار أيوب وهي بلاقع، فسأل عنهم، فقيل له:
أصابهم الطاعون فماتوا.
كان يزيد بن عبد الملك، وهو الذي انتهت إليه الخلافة بعد عمر بن عبد العزيز، له جارية تسمّى حبّابة، وكان شديد الشّغف بها، ولم يقدر على تحصيلها إلاّ بعد جهد شديد، فلمّا وصلت إليه خلا بها يوما في بستان وقد طار عقله فرحا بها، فبينما هو يلاعبها ويضاحكها إذ رماها بحبّة رمّان أو حبّة عنب وهي تضحك، فدخلت في فيها فشرقت بها فماتت، فما سمحت نفسه بدفنها حتّى أراحت، فعوتب على ذلك فدفنها. ويقال: إنّه نبشها بعد دفنها. ويروى أنه دخل بعد موتها إلى خزائنها ومقاصيرها ومعه جارية لها، فتمثلت الجارية فقالت:
كفى حزنا بالواله الصّبّ أن يرى … منازل من يهوى معطّلة قفرا
فصاح وخرّ مغشيّا عليه، فلم يفق إلى أن مضى هويّ من الليل، ثم أفاق فبكى بقيّة ليلته ومن الغد، فدخلوا عليه فوجدوه ميتا. قال بعض السّلف:
ما من حبرة إلاّ تتبعها عبرة، وما كان ضحك في الدّنيا إلاّ كان بعده بكاء.
من عرف الدّنيا حقّ معرفتها حقرها وأبغضها، كما قيل:
أما لو بيعت الدّنيا بفلس … أنفت لعاقل أن يشتريها
ومن عرف الآخرة وعظمتها رغب فيها.
عباد الله، هلمّوا إلى دار لا يموت سكانها، ولا يخرب بنيانها، ولا يهرم شبّانها، ولا يتغيّر حسنها وإحسانها، هواؤها النّسيم، وماؤها التّسنيم، يتقلّب أهلها في رحمة أرحم الرّاحمين، وينعمون بالنظر إلى وجهه كلّ حين، ﴿دَعْواهُمْ فِيها سُبْحانَكَ اللهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيها سَلامٌ وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠].
[ ٦٢ ]
قال عون بن عبد الله بن عتبة: بنى ملك ممن كان قبلنا مدينة، فتنوّق في بنائها، ثم صنع طعاما ودعا الناس إليه، وأقعد على أبوابها ناسا يسألون كلّ من خرج: هل رأيتم عيبا؟ فيقولون: لا، حتّى جاء في آخر النّاس قوم عليهم أكسية، فسألوهم: هل رأيتم عيبا؟ فقالوا: عيبين. فأدخلوهم على الملك، فقال: هل رأيتم عيبا؟ فقالوا: عيبين، قال: وما هما؟ قالوا: تخرب، ويموت صاحبها. قال: فتعلمون دارا لا تخرب ولا يموت صاحبها؟ قالوا: نعم. قال:
وما هي؟ قالوا: الجنة، فدعوه فاستجاب لهم وانخلع من ملكه وتعبّد معهم.
فحدّث عون بهذا الحديث عمر ابن عبد العزيز، فوقع منه موقعا، حتّى همّ أن يخلع نفسه من الملك، فأتاه ابن عمّه مسلمة، فقال: اتّق الله يا أمير المؤمنين في أمّة محمد ﷺ، فو الله لئن فعلت ليقتتلنّ بأسيافهم. قال: ويحك يا مسلمة، حمّلت ما لا أطيق، وجعل يردّدها، ومسلمة يناشده حتّى سكن.
بنى بعض ملوك العرب الخورنق والسّدير، فنظر إلى ملكه يوما فقال: هل علمتم أحدا أوتي مثل ما أوتيت؟ فقالوا: لا، ورجل منهم ساكت، فقال: أيّها الملك، إن أذنت لي تكلّمت، فقال: تكلّم، قال: أرأيت ما جمعت، أشيء هو لك لم يزل ولا يزول، أم هو شيء كان لمن قبلك وزال عنه، وصار إليك، وكذلك يزول عنك؟ قال: بل كان لمن قبلي، وصار إليّ، ويزول عنّي. قال:
فسررت بشيء تزول عنك لذّته وتبقى تبعته عليك، تكون فيه قليلا وترتهن به طويلا؟ فبكى وقال: أين المهرب؟ قال: إما أن تقيم وتعمل بطاعة ربّك، وإما أن تنخلع من ملكك وتقيم وحدك وتعبد ربّك حتى يأتيك أجلك، قال: فإذا فعلت ذلك فما لي؟ قال: حياة لا تموت، وشباب لا يهرم، وصحة لا تسقم، وملك جديد لا يبلى. فقال: فأيّ خير فيما يفنى؟ والله لأطلبنّ عيشا لا يزول أبدا، فانخلع من ملكه، وسار في الأرض. وفيه يقول عديّ بن زيد أبياته المشهورة السائرة:
[ ٦٣ ]
أيّها الشّامت المعيّر بالدّه … ر أأنت المبرّأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من … الأيّام بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون أخلدن أم من … ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى، كسرى الملوك أنو شر … وان أم أين قبله سابور
وبنو الأصفر الكرام ملوك … الرّوم لم يبق منهم مذكور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج … لة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وجلّله كل … سا فللطّير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد ال … ملك عنه فبابه مهجور
وتذكّر ربّ الخورنق إذ أش … رف يوما وللهدى تفكير
سرّه ماله وكثرة ما يم … لك والبحر معرضا والسّدير
فارعوى قلبه وقال وما غب … طة حيّ إلى الممات يصير
ثمّ أضحوا كأنّهم ورق جفّ … فألوت به الصّبا والدّبور
ثمّ بعد الفلاح والملك … والإمّة وارتهم هناك القبور
***
[ ٦٤ ]