أحدهما: أنّه يستحبّ إحياؤها جماعة في المساجد، كان خالد بن معدان ولقمان بن عامر وغيرهما يلبسون فيها أحسن ثيابهم ويتبخّرون ويكتحلون ويقومون في المسجد ليلتهم تلك، ووافقهم إسحاق بن راهويه على ذلك، وقال في قيامها في المساجد جماعة: ليس ذلك ببدعة، نقله عنه حرب الكرمانيّ في مسائله.
والثاني: أنّه يكره الاجتماع فيها في المساجد للصّلاة والقصص والدّعاء،
[ ٢٤٧ ]
ولا يكره أن يصلي الرجل فيها بخاصة نفسه، وهذا قول الأزواعيّ إمام أهل الشام وفقيههم وعالمهم، وهذا هو الأقرب إن شاء الله تعالى.
وقد روي عن عمر بن عبد العزيز أنّه كتب إلى عامله بالبصرة: عليك بأربع ليال من السّنة؛ فإنّ الله يفرغ فيهن الرّحمة إفراغا؛ أول ليلة من رجب، وليلة النّصف من شعبان، وليلة الفطر، وليلة الأضحى؛ وفي صحته عنه نظر.
وقال الشافعي: بلغنا أنّ الدّعاء يستجاب في خمس ليال: ليلة الجمعة، والعيدين، وأوّل رجب، ونصف شعبان. قال: وأستحبّ كل ما حكيت في هذه الليالي.
ولا يعرف للإمام أحمد كلام في ليلة نصف شعبان. ويخرّج في استحباب قيامها عنه روايتان، من الروايتين عنه: في قيام ليلة العيد، فإنّه في رواية لم يستحبّ قيامها جماعة؛ لأنّه لم ينقل عن النبي ﷺ وأصحابه. واستحبّها في رواية لفعل عبد الرحمن بن يزيد بن الأسود لذلك، وهو من التابعين. فكذلك قيام ليلة النصف لم يثبت فيها شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، وثبت فيها عن طائفة من التابعين من أعيان فقهاء أهل الشام.
وروي عن كعب، قال: إنّ الله تعالى يبعث ليلة النصف من شعبان جبريل ﵇ إلى الجنّة، فيأمرها أن تتزيّن، ويقول: إنّ الله تعالى قد أعتق في ليلتك هذه عدد نجوم السّماء وعدد أيّام الدّنيا ولياليها، وعدد ورق الشّجر، وزنة الجبال، وعدد الرّمال.
وروى سعيد بن منصور، حدثنا أبو معشر، عن أبي حازم ومحمد بن قيس، عن عطاء بن يسار، قال: ما من ليلة بعد ليلة القدر أفضل من ليلة النصف من شعبان، ينزل الله ﵎ إلى السّماء الدّنيا فيغفر لعباده كلهم، إلاّ لمشرك أو مشاحن أو قاطع رحم.
[ ٢٤٨ ]
فيا من أعتق فيها من النّار، هنيئا لك هذه المنحة الجسيمة، ويا أيّها المردود فيها، جبر الله مصيبتك؛ فإنّها مصيبة عظيمة.
بكيت على نفسي وحقّ أن أبكي … وما أنا من تضييع عمري في شكّ
لئن قلت إني في صنيعي محسن … فإنّي في قولي لذلك ذو إفك
ليالي شعبان وليلة نصفه … بأيّة حال قد تنزّل لي صكّي
وحقّ لعمري أن أديم تضرّعي … لعلّ إله الخلق يسمح بالفكّ
فينبغي للمؤمن أن يتفرّغ في تلك الليلة لذكر الله ودعائه بغفران الذّنوب وستر العيوب وتفريج الكروب، وأن يقدّم على ذلك التّوبة؛ فإنّ الله تعالى يتوب فيها على من يتوب.
فقم ليلة النّصف الشّريف مصلّيا … فأشرف هذا الشّهر ليلة نصفه
فكم من فتى قد بات في النّصف آمنا (^١) … وقد نسخت فيه صحيفة حتفه
فبادر بفعل الخير قبل انقضائه … وحاذر هجوم الموت فيه بصرفه
وصم يومها لله واحسن رجاءه … لتظفر عند الكرب منه بلطفه
ويتعيّن على المسلم أن يجتنب الذنوب التي تمنع من المغفرة وقبول الدعاء في تلك الليلة. وقد روي أنّها: الشرك، وقتل النفس، والزّنا؛ وهذه الثلاثة أعظم الذنوب عند الله، كما في حديث ابن مسعود المتّفق على صحته، «أنّه سأل النبيّ ﷺ: أيّ الذّنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندّا وهو خلقك. قال: ثم أيّ؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك. قال: ثم أيّ؟ قال: أن تزاني حليلة جارك فأنزل الله تصديق ذلك ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللهِ إِلهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ الآية [الفرقان: ٦٨]» (^٢).
_________________
(١) في أ: «غافلا آمنا».
(٢) أخرجه: البخاري (٦/ ١٣٧ - ١٣٨) (٤٧٦١)، ومسلم (١/ ٦٣ - ٦٤) (٨٦).
[ ٢٤٩ ]
ومن الذنوب المانعة من المغفرة أيضا: الشحناء، وهي حقد المسلم على أخيه بغضا له؛ لهوى نفسه، وذلك يمنع أيضا من المغفرة في أكثر أوقات المغفرة والرحمة؛ كما في «صحيح مسلم» عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا:
«تفتح أبواب الجنّة يوم الإثنين والخميس، فيغفر لكلّ عبد لا يشرك بالله شيئا، إلاّ رجلا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: انظروا هذين حتّى يصطلحا» (^١).
وقد فسّر الأوزاعيّ هذه الشّحناء المانعة بالذي في قلبه شحناء لأصحاب النبي ﷺ، ولا ريب أنّ هذه الشّحناء أعظم جرما من مشاحنة الأقران بعضهم بعضا. وعن الأوزاعي أنّه قال: المشاحن كلّ صاحب بدعة فارق عليها الأمّة.
وكذا قال ابن ثوبان: المشاحن هو التارك لسنّة نبيّه ﷺ، الطاعن على أمّته، السّافك دماءهم. وهذه الشّحناء - أعني شحناء البدعة - توجب الطّعن على جماعة المسلمين، واستحلال دمائهم وأموالهم وأعراضهم، كبدع الخوارج والرّوافض ونحوهم.
فأفضل الأعمال: سلامة الصّدر من أنواع الشّحناء كلّها، وأفضلها السّلامة من شحناء أهل الأهواء والبدع التي تقتضي الطّعن على سلف الأمّة، وبغضهم والحقد عليهم، واعتقاد تكفيرهم أو تبديعهم وتضليلهم؛ ثم يلي ذلك سلامة القلب من الشّحناء لعموم المؤمنين، وإرادة الخير لهم، ونصيحتهم، وأن يحبّ لهم ما يحبّ لنفسه وقد وصف الله تعالى المؤمنين عموما بأنهم يقولون:
﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَلِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنا غِلاًّ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنا إِنَّكَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ﴾ [الحشر: ١٠].
وفي «المسند» عن أنس أنّ النبيّ ﷺ قال لأصحابه ثلاثة أيام: «يطلع عليكم
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٨/ ١١) (٢٥٦٥).
[ ٢٥٠ ]
الآن رجل من أهل الجنّة» فيطلع رجل واحد، فاستضافه عبد الله بن عمرو، فنام عنده ثلاثا لينظر عمله، فلم ير له في بيته كبير عمل، فأخبره بالحال، فقال له:
هو ما ترى، إلاّ أني أبيت وليس في قلبي شيء على أحد من المسلمين. فقال عبد الله: بهذا بلغ ما بلغ (^١). وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو، قال:
«قيل: يا رسول الله، أيّ الناس أفضل؟ قال: كلّ مخموم القلب، صدوق اللّسان، قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التّقيّ النّقيّ الذي لا إثم فيه، ولا بغي، ولا غلّ، ولا حسد» (^٢).
قال بعض السّلف: أفضل الأعمال سلامة الصّدور، وسخاوة النّفوس، والنّصيحة للأمّة؛ وبهذه الخصال بلغ من بلغ، لا بكثرة الاجتهاد في الصّوم والصّلاة.
إخواني، اجتنبوا الذّنوب التي تحرم العبد مغفرة مولاه الغفّار في مواسم الرّحمة والتوبة والاستغفار:
أمّا الشّرك: فإنّه ﴿مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْواهُ النّارُ وَما لِلظّالِمِينَ مِنْ أَنْصارٍ﴾ [المائدة: ٧٢].
وأما القتل: فلو اجتمع أهل السّماوات وأهل الأرض على قتل رجل مسلم بغير حقّ لأكبّهم الله جميعا في النار.
وأمّا الزّنا: فحذار حذار من التعرّض لسخط الجبّار.
الخلق كلّهم عبيده وإماؤه، والله تعالى يغار، لا أحد أغير من الله أن يزني عبده أو تزني أمته، فمن أجل ذلك حرّم الفواحش وأمر بغضّ الأبصار.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٣/ ١٦٦)، وعبد الرزاق (٢٠٥٥٩)، والبزار (١٩٨١ - كشف)، والبيهقي في «شعب الإيمان» (٦٦٠٥)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة» (٨٦٣)، ورجاله ثقات.
(٢) أخرجه: ابن ماجه (٤٢١٦)، وصحّحه الألبانيّ في «صحيح السنن».
[ ٢٥١ ]
وأمّا الشّحناء: فيا من أضمر لأخيه السّوء وقصد له الإضرار ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ اللهَ غافِلًا عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ إِنَّما يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصارُ﴾ [إبراهيم: ٤٢]، يكفيك حرمان المغفرة في أوقات مغفرة الأوزار.
خاب عبد بارز المو … لى بأسباب المعاصي
ويحه ممّا جناه … لم يخف يوم القصاص
يوم فيه ترعد الأقدا … م من شيب النّواصي
لي ذنوب في ازدياد … وحياة في انتقاص
فمتى أعمل ما أع … لم لي فيه خلاصي
وقد روي عن عكرمة وغيره من المفسّرين في قوله تعالى: ﴿فِيها يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدّخان: ٤]. أنّها ليلة النّصف من شعبان. والجمهور على أنّها ليلة القدر، وهو الصحيح.
وقال عطاء بن يسار: إذا كان ليلة النّصف من شعبان دفع إلى ملك الموت صحيفة، فيقال: اقبض من في هذه الصحيفة، فإنّ العبد ليغرس الغراس، وينكح الأزواج، ويبني البنيان، وإنّ اسمه قد نسخ في الموتى ما ينتظر به ملك الموت إلاّ أن يؤمر به فيقبضه.
يا مغرورا بطول الأمل، يا مسرورا بسوء العمل، كن من الموت على وجل، فما تدري متى يهجم الأجل.
كلّ امرئ مصبّح في أهله … والموت أدنى من شراك نعله
قال بعض السّلف: كم من مستقبل يوما لا يستكمله، ومن مؤمل غدا لا يدركه، إنّكم لو رأيتم الأجل ومسيره لأبغضتم الأمل وغروره.
أؤمّل أن أخلّد والمنايا … تدور عليّ من كلّ النّواحي
[ ٢٥٢ ]
وما أدري وإن أمسيت يوما … لعلّي لا أعيش إلى الصّباح
كم ممّن راح في طلب الدنيا أو غدا، أصبح من سكان القبور غدا.
كأنّك بالمضيّ إلى سبيلك … وقد جدّ المجهّز في رحيلك
وجيء بغاسل فاستعجلوه … بقولهم له افرغ من غسيلك
ولم تحمل سوى كفن وقطن … إليهم من كثيرك أو قليلك
وقد مدّ الرّجال إليك نعشا … فأنت عليه ممدود بطولك
وصلّوا ثمّ إنّهم تداعوا … لحملك من بكورك أو أصيلك
فلمّا أسلموك نزلت قبرا … ومن لك بالسّلامة في نزولك
أعانك يوم تدخله رحيم … رءوف بالعباد على دخولك
فسوف تجاور الموتى طويلا … فذرني من قصيرك أو طويلك
أخيّ لقد نصحتك فاستمع لي … وبالله استعنت على قبولك
ألست ترى المنايا كلّ حين … تصيبك في أخيك وفي خليلك
***
[ ٢٥٣ ]