أحدهما: أسباب الخير، فالمشروع أنّه يفرح بها، ويستبشر، ولا يسكن إليها، بل إلى خالقها ومسببها، وذلك هو تحقيق التوكّل على الله والإيمان به،
[ ١٢٨ ]
كما قال تعالى في الإمداد بالملائكة: ﴿وَما جَعَلَهُ اللهُ إِلاّ بُشْرى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ [الأنفال: ١٠]. ومن هذا الباب الاستبشار بالفأل، وهو الكلمة الصالحة يسمعها طالب الحاجة.
وأكثر الناس يركن بقلبه إلى الأسباب وينسى المسبّب لها، وقلّ من فعل ذلك إلاّ وكل إليها وخذل، فإنّ جميع النّعم من الله وفضله، كما قال تعالى:
﴿ما أَصابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النساء: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَما بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ [النّحل: ٥٣]:
لا نلت خيرا ما بقي … ت ولا عداني الدّهر شرّ
إن كنت أعلم أنّ غي … ر الله ينفع أو يضرّ
ولا تضاف النّعم إلى الأسباب، بل إلى مسبّبها ومقدّرها، كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه صلّى بهم الصبح في إثر سماء، ثم قال: «أتدرون ما قال ربّكم الليلة؟ قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر؛ فأمّا المؤمن فقال:
مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي، كافر بالكوكب؛ وأما الكافر فقال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب» (^١). وفي «صحيح مسلم»، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: «لا عدوى، ولا هامة، ولا نوء، ولا صفر» (^٢).
وهذا مما يدلّ على أنّ المراد نفي تأثير هذه الأسباب بنفسها من غير اعتقاد أنّها بتقدير الله وقضائه، فمن أضاف شيئا من النّعم إلى غير الله مع اعتقاده أنّه ليس من الله فهو مشرك حقيقة، ومع اعتقاد أنّه من الله فهو نوع شرك خفيّ.
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٢/ ٤١) (٧٤٦)، ومسلم (١/ ٥٩) (٧١).
(٢) أخرجه: مسلم (٧/ ٣٢) (٢٢٢٠).
[ ١٢٩ ]
والنوع الثاني: أسباب الشرّ، فلا تضاف إلاّ إلى الذّنوب؛ لأنّ جميع المصائب إنما هي بسبب الذّنوب، كما قال تعالى: ﴿وَما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النّساء: ٧٩]، وقال تعالى: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشّورى: ٣٠]، ولا تضاف إلى شيء من الأسباب سوى الذنوب، كالعدوى أو غيرها. والمشروع: اجتناب ما ظهر منها واتقاؤه بقدر ما وردت به الشريعة، مثل اتقاء المجذوم والمريض، والقدوم على مكان الطاعون. وأما ما خفي منها فلا يشرع اتقاؤه واجتنابه، فإنّ ذلك من الطيرة المنهيّ عنها؛ والطيرة من أعمال أهل الشرك والكفر، وقد حكاها الله تعالى في كتابه عن قوم فرعون وقوم صالح وأصحاب القرية التي جاءها المرسلون.
وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «لا طيرة». وفي حديث: «من ردّته الطيرة فقد قارف الشرك» (^١). وفي حديث ابن مسعود المرفوع: «الطيرة من الشّرك، وما منّا إلاّ، ولكنّ الله يذهبه بالتّوكّل» (^٢).
والبحث عن أسباب الشرّ من النظر في النّجوم ونحوها هو من الطيرة المنهيّ عنها؛ والباحثون عن ذلك غالبا لا يشتغلون بما يدفع البلاء من الطاعات، بل يأمرون بلزوم المنزل وترك الحركة، وهذا لا يمنع نفوذ القضاء والقدر. ومنهم من يشتغل بالمعاصي، وهذا مما يقوّي وقوع البلاء ونفوذه. والذي جاءت به الشريعة هو ترك البحث عن ذلك، والإعراض عنه، والاشتغال بما يدفع
_________________
(١) أخرجه: البزار (٦/ ٣٠٠) (٢٣١٦). قال الهيثمي (٥/ ١٠٥): «وفيه سعيد بن أسد بن موسى، روى عنه أبو زرعة الرازي ولم يضعفه أحد، وشيخ البزار إبراهيم غير منسوب وبقية رجاله ثقات»، وأحمد (٢/ ٢٢٠) بلفظ «من ردته الطيرة من حاجة فقد أشرك»، وقال أبو حاتم في «العلل» (٢٣٤٧): «هذا حديث منكر».
(٢) أخرجه: أبو داود (٣٩١٠)، والترمذي (١٦١٤)، وابن ماجه (٣٥٣٨) وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». وقوله: «وما منا إلا …» الراجح أنه من قول ابن مسعود مدرج.
[ ١٣٠ ]
البلاء؛ من الدّعاء، والذكر، والصدقة، وتحقيق التوكّل على الله ﷿، والإيمان بقضائه وقدره.
وفي «مسند ابن وهب» أنّ عبد الله بن عمرو بن العاص التقى هو وكعب، فقال عبد الله لكعب: علم النّجوم؟ قال كعب: لا خير فيه، قال عبد الله: لم؟ قال: ترى فيه ما تكره، يريد الطيرة. فقال كعب: فإن مضى، وقال: اللهم لا طير إلاّ طيرك، ولا خير إلاّ خيرك، ولا ربّ غيرك؟ فقال عبد الله:
ولا حول ولا قوّة إلاّ بك. فقال كعب: جاء بها عبد الله، والذي نفسي بيده إنّها لرأس التوكّل وكنز العبد في الجنة، ولا يقولهنّ عبد عند ذلك ثم يمضي إلاّ لم يضرّه شيء. قال عبد الله: أرأيت إن لم يمض وقعد؟ قال: طعم قلبه طعم الإشراك (^١).
وفي «مراسيل» أبي داود أنّ النبيّ ﷺ، قال: «ليس عبد إلاّ سيدخل قلبه طيرة، فإذا أحسّ بذلك، فليقل: أنا عبد الله، ما شاء الله، لا قوة إلاّ بالله، لا يأتي بالحسنات إلاّ الله، ولا يذهب بالسّيّئات إلاّ الله، أشهد أنّ الله على كلّ شيء قدير. ثم يمضي لوجهه» (^٢).
وفي «مسند الإمام أحمد» عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: «من رجعته الطيرة من حاجته فقد أشرك. وكفّارة ذلك أن يقول أحدهم: اللهمّ لا طير إلاّ طيرك، ولا خير إلاّ خيرك، ولا إله غيرك» (^٣). وخرّج الإمام أحمد، وأبو داود من حديث عروة بن عامر القرشي، قال: ذكرت الطّيرة عند رسول الله ﷺ فقال: «أحسنها الفأل، ولا تردّ مسلما، فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهمّ
_________________
(١) أورده البيهقي في «الشعب» (٢/ ٦٥) (١١٨٠)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٢١).
(٢) أخرجه: أبو داود في «المراسيل» (٥٣٩).
(٣) أخرجه: أحمد (٢/ ٢٢٠) وصححه الألباني في تعليقه على «إصلاح المساجد» (ص ١١٦).
[ ١٣١ ]
لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلاّ أنت، ولا حول ولا قوّة إلا بك» (^١). وخرّجه أبو القاسم البغويّ، وعنده: «ولا تضرّ مسلما». وفي «صحيح ابن حبّان» عن أنس ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «لا طيرة، والطّيرة على من تطيّر» (^٢).
وقال النّخعيّ: قال عبد الله بن مسعود: لا تضرّ الطّيرة إلاّ من تطيّر (^٣).
ومعنى هذا أنّ من تطيّر تطيّرا منهيّا عنه، وهو أن يعتمد على ما يسمعه أو يراه مما يتطيّر به حتّى يمنعه ممّا يريد من حاجته، فإنّه قد يصيبه ما يكرهه. فأمّا من توكّل على الله، ووثق به، بحيث علّق قلبه بالله خوفا ورجاء، وقطعه عن الالتفات إلى هذه الأسباب المخوفة، وقال ما أمر به من هذه الكلمات، ومضى، فإنّه لا يضرّه ذلك. وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنّه كان إذا سمع نعق الغراب قال: اللهم لا طير إلاّ طيرك، ولا خير إلاّ خيرك (^٤).
وكذلك أمر النبيّ ﷺ عند انعقاد أسباب العذاب السّماوية المخوفة، كالكسوف، بأعمال البرّ؛ من الصّلاة، والدّعاء، والصّدقة، والعتق، حتى يكشف ذلك عن الناس. وهذا كلّه مما يدلّ على أنّ الأسباب المكروهة إذا وجدت فإنّ المشروع الاشتغال بما يرجى به دفع العذاب المخوف منها؛ من أعمال الطّاعات، والدّعاء، وتحقيق التوكّل على الله والثقة به، فإنّ هذه الأسباب كلّها مقتضيات لا موجبات، ولها موانع تمنعها. فأعمال البرّ والتّقوى والدّعاء والتوكّل من أعظم ما يستدفع به.
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (٣٩١٩) وإسناده ضعيف، وراجع: «الضعيفة» (١٦١٩).
(٢) أخرجه: ابن حبان (٦١٢٣)، وقال الحافظ في «الفتح» (٦/ ٦٣): «في صحته نظر».
(٣) مصنف ابن أبي شيبة (٥/ ٣١١) (٢٦٣٩٨).
(٤) مصنف ابن أبي شيبة (٦/ ١١٠) (٢٩٨٧٢).
[ ١٣٢ ]
ومن كلام بعض الحكماء المتقدّمين: ضجيج الأصوات في هياكل العبادات بأفنان اللغات يحلّل ما عقدته الأفلاك الدائرات؛ وهذا على زعمهم واعتقادهم في الأفلاك. وأما اعتقاد المسلمين فإنّ الله وحده هو الفاعل لما يشاء، ولكنّه يعقد أسبابا للعذاب، وأسبابا للرّحمة؛ فأسباب العذاب يخوّف الله بها عباده ليتوبوا إليه ويتضرّعوا إليه، مثل كسوف الشمس والقمر؛ فإنّهما آيتان من آيات الله يخوّف الله بهما عباده؛ لينظر من يحدث له توبة، فدلّ على أنّ كسوفهما سبب يخشى منه وقوع عذاب.
وقد أمر عائشة ﵂ أن تستعيذ من شرّ القمر، وقال: «هو الغاسق إذا وقب». وقد أمر الله تعالى بالاستعاذة من شرّ غاسق إذا وقب، وهو الليل إذا أظلم؛ فإنه ينتشر فيه شياطين الجنّ والإنس. والاستعاذة من القمر؛ لأنه آية الليل، وفيه إشارة إلى أنّ شرّ الليل المخوف لا يندفع بإشراق القمر فيه، ولا يصير بذلك كالنّهار، بل يستعاذ منه وإن كان مقمرا.
وخرّج الطّبراني من حديث جابر مرفوعا: «لا تسبّوا اللّيل، ولا النّهار، ولا الشّمس، ولا القمر، ولا الرّيح؛ فإنّها رحمة لقوم، وعذاب لآخرين» (^١).
ومثل اشتداد الرّياح؛ فإنّ الرّيح كما قال النبيّ ﷺ من روح الله، تأتي بالرّحمة، وتأتي بالعذاب (^٢). وأمر إذا اشتدّت الرّيح أن يسأل الله خيرها وخير ما أرسلت به، ويستعاذ به من شرّها وشرّ ما أرسلت به (^٣).
_________________
(١) أخرجه: أبو يعلى (٢١٩٤). بسند ضعيف، والطبراني في «الأوسط» (٤٦٩٨)، (٦٧٩٥) وقال الهيثمي (٨/ ٧١): «رواه الطبراني في الأوسط وفيه سعيد بن بشير. وثقه جماعة، وضعفه جماعة، وبقية رجاله ثقات. ورواه أبو يعلى بإسناد ضعيف».
(٢) أخرجه: أبو داود (٥٠٩٧)، وصححه الألباني في «تخريج المشكاة» (٥١٦)، و«تخريج الكلم الطيب» (١٥٣).
(٣) أخرجه: مسلم (٣/ ٢٦) (٨٩٩).
[ ١٣٣ ]
وقد كان النبيّ ﷺ إذا رأى ريحا أو غيما تغيّر وجهه، وأقبل وأدبر، فإذا مطرت سري عنه (^١)، ويقول: قد عذب قوم بالرّيح. ورأى قوم السّحاب، فقالوا: ﴿هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ [الأحقاف: ٢٤].
وأسباب الرحمة يرجّي بها عباده، مثل الغيم الرطب والريح الطيبة، ومثل المطر المعتاد عند الحاجة إليه، ولهذا يقال عند نزوله: اللهم سقيا رحمة ولا سقيا عذاب (^٢).
وأمّا من اتّقى أسباب الضّرر بعد انعقادها بالأسباب المنهيّ عنها، فإنه لا ينفعه ذلك غالبا، كمن ردّته الطّيرة عن حاجته خشية أن يصيبه ما تطيّر به، فإنّه كثيرا ما يصاب بما خشي منه، كما قاله ابن مسعود، ودلّ عليه حديث أنس المتقدم.
وكمن اتّقى الطّاعون الواقع في بلده بالفرار منه، فإنّه قلّ أن ينجيه ذلك.
وقد فرّ كثير من المتقدّمين والمتأخّرين من الطّاعون فأصابهم، ولم ينفعهم الفرار، وقد قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقالَ لَهُمُ اللهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٣]. وقد ذكر كثير من السّلف أنّهم كانوا قد فرّوا من الطّاعون فأصابهم. وفرّ بعض المتقدّمين من طاعون وقع، فبينا هو يسير باللّيل على حمار له إذ سمع قائلا يقول:
لن يسبق الله على حمار … ولا على ذي ميعة مطار
أو يأتي الحتف على مقدار … قد يصبح الله أمام السّاري
فأصابه الطّاعون، فمات.
وأمّا قوله ﷺ: «لا هامة» فهو نفي لما كانت الجاهلية تعتقده أنّ الميت إذا
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٤/ ١٣٢ - ١٣٣) (٤٨٢٩)، ومسلم (٨٩٩).
(٢) روي مرسلا عن المطلب بن حنطب، «السنن الكبرى» للبيهقي (٣/ ٣٥٦) (٦٢٣٦)، و«مسند الشافعي» (ص: ٨٠).
[ ١٣٤ ]
مات صارت روحه أو عظامه هامة، وهو طائر يطير، وهو شبيه باعتقاد أهل التناسخ؛ أنّ أرواح الموتى تنتقل إلى أجساد حيوانات من غير بعث ولا نشور، وكلّ هذه اعتقادات باطلة جاء الإسلام بإبطالها وتكذيبها، ولكن الذي جاءت به الشريعة: «إنّ أرواح الشّهداء في حواصل طير خضر تأكل من ثمار الجنّة، وترد من أنهار الجنة، إلى أن يردّها الله إلى أجسادها يوم القيامة» (^١). وروي أيضا: «إنّ نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنّة حتى يرجعها الله إلى أجسادها يوم القيامة» (^٢).
وأمّا قوله ﷺ: «ولا صفر» فاختلف في تفسيره؛ فقال كثير من المتقدمين:
الصّفر داء في البطن، يقال: إنه دود فيه، كبار كالحيّات، وكانوا يعتقدون أنّه يعدي، فنفى ذلك النبيّ ﷺ.
وممن قال هذا من العلماء ابن عيينة، والإمام أحمد وغيرهما. ولكن لو كان كذلك لكان هذا داخلا في قوله: «لا عدوى». وقد يقال: هو من باب عطف الخاص على العام، وخصّه بالذكر؛ لاشتهاره عندهم بالعدوى.
وقالت طائفة: بل المراد «بصفر» شهر صفر، ثم اختلفوا في تفسيره، على قولين:
أحدهما: أنّ المراد نفي ما كان أهل الجاهلية يفعلونه في النّسيء، فكانوا يحلّون المحرّم ويحرّمون صفر مكانه؛ وهذا قول مالك.
والثاني: أنّ المراد أنّ أهل الجاهلية كانوا يستشئمون بصفر ويقولون: إنه
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٦/ ٣٩) (١٨٨٧)، والترمذي (١٦٤١) وأحمد (٦/ ٣٨٦).
(٢) أخرجه: أحمد (٣/ ٤٥٥)، والنسائي (٤/ ١٠٨)، وابن ماجه (٤٢٧١.١٤٤٩) من حديث كعب بن مالك وإسناده صحيح، وصححه الألباني في «الصحيحة» (٩٩٥).
[ ١٣٥ ]
شهر مشئوم، فأبطل النّبيّ ﷺ ذلك؛ وهذا حكاه أبو داود عن محمد بن راشد المكحولي، عمّن سمعه يقول ذلك.
ولعلّ هذا القول أشبه الأقوال. وكثير من الجهّال يتشاءم بصفر، وربّما ينهى عن السّفر فيه. والتشاؤم بصفر هو من جنس الطيرة المنهيّ عنها، وكذلك التشاؤم بيوم من الأيام كيوم الأربعاء.
وقد روي أنّه يوم نحس مستمرّ؛ في حديث لا يصحّ، بل في «المسند» عن جابر ﵁ أنّ النبيّ ﷺ دعا على الأحزاب يوم الإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، فاستجيب له يوم الأربعاء بين الظهر والعصر؛ قال جابر: فما نزل بي أمر مهمّ غائظ إلاّ توخّيت ذلك الوقت، فدعوت الله فيه، فرأيت الإجابة (^١)، أو كما قال. وكذلك تشاؤم أهل الجاهلية بشوّال في النّكاح فيه خاصّة.
وقد قيل: إنّ أصله أنّ طاعونا وقع في شوال في سنة من السنين، مات فيه كثير من العرائس، فتشاءم بذلك أهل الجاهلية. وقد ورد الشّرع بإبطاله، قالت عائشة ﵂: «تزوّجني رسول الله ﷺ في شوّال، وبنى بي في شوّال، فأيّ نسائه كان أحظى عنده منّي! وكانت عائشة تستحبّ أن تدخل نساءها في شوّال» (^٢). وتزوّج النبيّ ﷺ أمّ سلمة في شوّال أيضا (^٣).
فأمّا قول النبيّ ﷺ: «لا عدوى ولا طيرة، والشؤم في ثلاث: في المرأة، والدّار، والدّابّة» (^٤)، خرّجاه في «الصحيحين» من حديث ابن عمر، عن النبيّ ﷺ، فقد اختلف الناس في معناه أيضا؛ روي عن عائشة ﵂ أنّها
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٣٣٢)، وفي إسناده ضعف.
(٢) أخرجه: مسلم (٤/ ١٤٢) (١٤٢٣)، والترمذي (١٠٩٣)، وابن ماجه (١٩٩٠).
(٣) أخرجه: ابن ماجه (١٩٩١)، وإسناده ضعيف، وراجع: «الضعيفة» (٤٣٥٠).
(٤) أخرجه: البخاري (٧/ ١٧٤) (٥٧٥٣)، ومسلم (٧/ ٣٤) (٢٢٢٥).
[ ١٣٦ ]
أنكرت هذا الحديث، أن يكون من كلام النبيّ ﷺ، وقالت: إنّما قال: كان أهل الجاهلية يقولون ذلك، خرّجه الإمام أحمد.
وقال معمر: سمعت من يفسّر هذا الحديث، يقول: شؤم المرأة إذا كانت غير ولود، وشؤم الفرس إذا لم يكن يغزى عليه في سبيل الله، وشؤم الدّار جار السوء. وروي هذا المعنى مرفوعا من وجوه لا تصحّ.
ومنهم من قال: قد روي عن النبي ﷺ أنّه قال: «لا شؤم، وإن يكن اليمن في شيء ففي ثلاثة» (^١)، فذكر هذه الثلاثة. وقال: هذه الرواية أشبه بأصول الشرع؛ كذا قاله ابن عبد البر، ولكن إسناد هذه الرواية لا يقاوم ذلك الإسناد.
والتحقيق؛ أن يقال: في إثبات الشؤم في هذه الثلاث، ما ذكرناه في النّهي عن إيراد المريض على الصحيح، والفرار من المجذوم، ومن أرض الطاعون؛ إنّ هذه الثلاث أسباب يقدّر الله تعالى بها الشؤم واليمن ويقرنه بها، ولهذا يشرع لمن استفاد زوجة، أو أمة، أو دابّة أن يسأل الله تعالى من خيرها وخير ما جبلت عليه، ويستعيذ به من شرّها وشرّ ما جبلت عليه، كما في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدّه، عن النبيّ ﷺ الذي خرّجه أبو داود وغيره (^٢).
وكذا ينبغي لمن سكن دارا أن يفعل. وقد أمر النبي ﷺ قوما سكنوا دارا فقلّ عددهم، وقلّ ما لهم أن يتركوها ذميمة (^٣).
فترك ما لا يجد الإنسان فيه بركة من دار أو زوجة أو دابة غير منهيّ عنه.
_________________
(١) أخرجه: الترمذي (٢٨٢٦)، وابن ماجه (١٩٩٣). وراجع: «الصحيحة» (١٨٩٧، ٧٩٩، ٤٤٣).
(٢) أخرجه: أبو داود (٢١٦٠)، وابن ماجه (١٩١٨)، (٢٢٥٢)، والنسائي في «عمل اليوم والليلة (٢٤)»، وقواه الألباني في «آداب الزفاف» (ص ٩٢).
(٣) أخرجه: أبو داود (٣٩٢٤).
[ ١٣٧ ]
وكذلك من اتّجر في شيء فلم يربح فيه ثلاث مرات، فإنّه يتحوّل عنه.
روي ذلك عن عمر بن الخطاب ﵁، فإن بورك له في شيء فلا يتغير عنه.
ففي «المسند» و«سنن ابن ماجه» عن عائشة ﵂ مرفوعا: «إذا كان لأحدكم رزق في شيء فلا يدعه حتّى يتغيّر له، أو يتنكّر له» (^١).
وأمّا تخصيص الشؤم بزمان دون زمان، كشهر صفر أو غيره، فغير صحيح، وإنّما الزّمان كلّه خلق الله تعالى، وفيه تقع أفعال بني آدم. فكلّ زمان شغله المؤمن بطاعة الله، فهو زمان مبارك عليه، وكلّ زمان شغله العبد بمعصية الله فهو مشئوم عليه. فالشؤم في الحقيقة هو معصية الله تعالى، كما قال ابن مسعود ﵁: إن كان الشؤم في شيء ففيما بين اللحيين، يعني اللسان.
وقال: ما من شيء أحوج إلى طول سجن من لسان. وقال عديّ بن حاتم:
أيمن أمر وأشأمه بين لحييه، يعني لسانه.
وفي «سنن أبي داود» عن النبي ﷺ، قال: «حسن الملكة نماء، وسوء الملكة شؤم، والبرّ زيادة في العمر، والصدقة تمنع ميتة السوء» (^٢). فجعل سوء الملكة شؤما.
وفي حديث آخر: «لا يدخل الجنّة سيئ الملكة» (^٣) وهو من يسيء إلى مماليكه ويظلمهم.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٦/ ٢٤٦)، وابن ماجه (٢١٤٨)، وإسناده ضعيف.
(٢) أخرجه: أحمد (٣/ ٥٠٢)، وأبو داود (٥١٦٣، ٥١٦٢)، وهو ضعيف، وراجع: «الضعيفة» (٧٩٦).
(٣) أخرجه: أحمد (٧، ١/ ٤)، والترمذي (١٩٤٦)، وابن ماجه (٣٦٩١)، وهو ضعيف، وقال الترمذي: «هذا حديث غريب، وقد تكلم أيوب السختياني وغير واحد في فرقد السبخي من قبل حفظه».
[ ١٣٨ ]
وفي الحديث: «إنّ الصّدقة تدفع ميتة السّوء» (^١).
ويروى من حديث علي مرفوعا: «باكروا بالصّدقة فإنّ البلاء لا يتخطّاها» (^٢) خرّجه الطّبراني. وفي حديث آخر: «إنّ لكلّ يوم نحسا، فادفعوا نحس ذلك اليوم بالصّدقة» (^٣). فالصّدقة تمنع وقوع البلاء بعد انعقاد أسبابه، وكذلك الدّعاء.
وفي الحديث: «إنّ البلاء والدّعاء يلتقيان بين السّماء والأرض، فيعتلجان إلى يوم القيامة» (^٤). خرّجه البزار والحاكم.
وخرّج الترمذي من حديث سلمان مرفوعا: «لا يردّ القضاء إلاّ الدّعاء» (^٥).
وقال ابن عباس: لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله يمحو بالدّعاء ما يشاء من القدر. وعنه قال: «الدّعاء يدفع القدر، وهو إذا دفع القدر فهو من القدر». وهذا كقول النبيّ ﷺ لما سئل عن الأدوية والرّقى: هل تردّ من قدر الله شيئا؟ فقال: «هي من قدر الله» (^٦). وكذلك قال عمر ﵁ لمّا رجع من الطاعون، فقال له أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: نفرّ من قدر الله إلى قدر الله (^٧)؛ فإنّ الله تعالى يقدّر المقادير ويقدّر ما يدفع بعضها قبل وقوعه. وكذلك الأذكار المشروعة تدفع البلاء.
_________________
(١) أخرجه: الترمذي (٦٦٤)، وهو ضعيف، وراجع: «الإرواء» (٨٨٥)، و«الضعيفة» (٦٦٤).
(٢) أخرجه: الطبراني في «الأوسط» (٥٦٤٣)، والبيهقي (٤/ ١٨٩)، وهو ضعيف جدّا، وراجع: «تخريج المشكاة» للألباني (١٨٨٧)، و«مجمع الزوائد» (٣/ ١١٠).
(٣) ذكره في «كنز العمال» (٤٥٥٩)، وعزاه لابن مردويه.
(٤) أخرجه: الحاكم (١/ ٤٩٢)، والخطيب في «تاريخ بغداد» (٨/ ٤٥٣).
(٥) أخرجه: الترمذي (٢١٣٩)، وحسنه الألباني في «الصحيحة» (١٥٤).
(٦) أخرجه: الترمذي (٢٠٦٥)، وابن ماجه (٣٤٣٧). وقال الترمذي: «حسن صحيح».
(٧) أخرجه: البخاري (٧/ ١٦٨) (٥٧٢٩)، ومسلم (٣٠، ٧/ ٢٩) (٢٢١٩)، وأحمد (١٩٤/ ١) من حديث عبد الرحمن بن عوف.
[ ١٣٩ ]
وفي حديث عثمان ﵁ عن النبي ﷺ: «من قال حين يصبح ويمسي:
بسم الله الذي لا يضرّ مع اسمه شيء في الأرض ولا في السّماء، وهو السّميع العليم، لم يصبه بلاء» (^١). وفي «المسند» عن عائشة ﵂، عن النبيّ ﷺ، قال: «الشؤم سوء الخلق» (^٢). وخرّجه الخرائطي، ولفظه: «اليمن حسن الخلق» (^٣).
وفي الجملة: فلا شؤم إلاّ المعاصي والذنوب؛ فإنّها تسخط الله ﷿، فإذا سخط على عبده شقي في الدنيا والآخرة، كما أنه إذا رضي عن عبده سعد في الدنيا والآخرة.
قال بعض الصالحين، وقد شكي إليه بلاء وقع في الناس، فقال: ما أرى ما أنتم فيه إلاّ بشؤم الذّنوب. وقال أبو حازم: كلّ ما شغلك عن الله من أهل أو ولد أو مال فهو عليك مشئوم.
وقد قيل:
فلا كان ما يلهي عن الله إنّه … يضرّ ويؤذي إنّه لمشئوم
فالشؤم في الحقيقة هو المعصية، واليمن هو طاعة الله وتقواه، كما قيل:
إنّ رأيا دعا إلى طاعة … الله لرأي مبارك ميمون
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (٥٠٨٨)، والترمذي (٣٣٨٨)، وابن ماجه: (٣٨٦٩)، وصححه الألباني في «تخريج الترغيب» (١/ ٢٢٧).
(٢) أخرجه: أحمد (٦/ ٨٥)، والطبراني في «مسند الشاميين» (١٤٦٢)، وابن عدي (٤٧٢/ ٢)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ١٠٣)، والخطيب (٤/ ٢٧٦)، وإسناده ضعيف، وراجع: «الضعيفة» (٥٩٧).
(٣) أخرجه: الخرائطي في «مكارم الأخلاق» (٨)، وإسناده ضعيف. وراجع: «الضعيفة» (٢٢٦٧).
[ ١٤٠ ]
والعدوى التي تهلك من قاربها هي المعاصي؛ فمن قاربها وخالطها وأصرّ عليها هلك، وكذلك مخالطة أهل المعاصي، ومن يحسّن المعصية ويزيّنها ويدعو إليها من شياطين الإنس، وهم أضرّ من شياطين الجنّ. قال بعض السّلف: شيطان الجنّ تستعيذ بالله منه، فينصرف؛ وشيطان الإنس لا يبرح حتّى يوقعك في المعصية. وفي الحديث: «يحشر المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يخالل» (^١). وفي حديث آخر: «لا تصحب إلاّ مؤمنا ولا يأكل طعامك إلاّ تقيّ» (^٢). ومما يروى لعلي ﵁.
فلا تصحب أخا الجهل … وإياك وإياه
فكم من جاهل أردى … حكيما حين آخاه
يقاس المرء بالمرء … إذا ما المرء ما شاه
وللشيء على الشيء … مقاييس وأشباه
وللقلب على القلب … دليل حين يلقاه
فالعاصي مشئوم على نفسه وعلى غيره؛ فإنّه لا يؤمن أن ينزل عليه عذاب فيعمّ النّاس، خصوصا من لم ينكر عليه عمله، فالبعد عنه متعين، فإذا كثر الخبث هلك النّاس عموما.
وكذلك أماكن المعاصي وعقوباتها يتعيّن البعد عنها، والهرب منها، خشية نزول العذاب، كما قال النبيّ ﷺ لأصحابه لمّا مرّ على ديار ثمود بالحجر:
«لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين، إلاّ أن تكونوا باكين؛ خشية أن يصيبكم
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (٤٨٣٣)، والترمذي (٢٣٧٨). وقال الترمذي: «حديث حسن صحيح» والذي في «تحفة الأشراف»: «حسن غريب».
(٢) أخرجه: أحمد (٣/ ٣٨)، وأبو داود (٤٨٣٢)، والترمذي (٢٣٩٥)، وأبو يعلى (١٣١٥)، والحاكم (٤/ ١٢٨)، وابن حبان (٥٦٠)، والبغوي في «شرح السنة» (٣٤٨٤). وحسّنه الألباني في «تخريج المشكاة» (٥٠١٨).
[ ١٤١ ]
ما أصابهم» (^١). ولما تاب الذي قتل مائة نفس من بني إسرائيل، وسأل العالم:
هل له من توبة؟ قال له: نعم، فأمره أن ينتقل من قرية السّوء إلى القرية الصالحة، فأدركه الموت بينهما، فاختصم فيه ملائكة الرّحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إليهم: أن قيسوا بينهما فإلى أيّهما كان أقرب فألحقوه بها، فوجدوه إلى القرية الصالحة أقرب برمية حجر، فغفر له (^٢).
هجران أماكن المعصية وإخوانها من جملة الهجرة المأمور بها، فإنّ المهاجر من هجر ما نهى الله عنه. قال إبراهيم بن أدهم: من أراد التّوبة فليخرج من المظالم، وليدع مخالطة من كان يخالط، وإلاّ لم ينل ما يريد.
احذروا الذّنوب، فإنّها مشئومة، عواقبها ذميمة، وعقوباتها أليمة، والقلوب المحبّة لها سقيمة، والنفوس المائلة إليها غير مستقيمة، السّلامة منها غنيمة، والعافية منها ليس لها قيمة، والبليّة بها، لا سيما بعد نزول الشّيب داهية عظيمة.
طاعة الله خير ما اكتسب العب … د فكن طائعا لله لا تعصينه
ما هلاك النّفوس إلاّ المعاصي … فاجتنب ما نهاك لا تقربنه
إنّ شيئا هلاك نفسك فيه … ينبغي أن تصون نفسك عنه
يا من ضاع قلبه انشده في مجلس الذّكر، عسى أن تجده. يا من مرض قلبه احمله إلى مجلس الذكر، لعلّه أن يعافى. مجالس الذّكر مارستان الذنوب تداوى فيها أمراض القلوب، كما تداوى أمراض الأبدان في مارستان الدّنيا، ونزهة لقلوب المؤمنين تتنزه فيه بسماع كلام الحكمة، كما تتنزه أبصار أهل الدّنيا في رياضها وبساتينها.
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٤/ ١٨١) (٣٣٨٠)، ومسلم (٨/ ٢٢٠ - ٢٢١) (٢٩٨٠).
(٢) أخرجه: البخاري (٤/ ٢١١ - ٢١٢) (٣٤٧٠)، ومسلم (٨/ ١٠٣ - ١٠٤) (٢٧٦٦).
[ ١٤٢ ]
مجلسنا هذا حضرة في روضة الخشوع؛ طعامنا فيه الجوع، وشرابنا فيه الدّموع، ونقلنا هذا الكلام المسموع، نداوي فيه أمراضا أعيت جالينوس وبختيشوع، نسقى فيه درياق الذنوب وفاروق المعاصي، فمن شرب لم يكن له إلى المعصية رجوع. كم أفاق فيه من المعصية مصروع، وبرئ فيه من الهوى ملسوع، ووصل فيه إلى الله مقطوع، ما عيبه إلاّ أنّ الطبيب الذي له لو كان يستعمل ما يصف للنّاس لكان إلى قوله المرجوع.
يا ضيعة العمر إن نجا السّامع وهلك المسموع! يا خيبة المسعى إن وصل التّابع وانقطع المتبوع!
وغير تقيّ يأمر النّاس بالتّقى … طبيب يداوي النّاس وهو سقيم
يا أيّها الرّجل المقوّم غيره … هلاّ لنفسك كان ذا التّقويم
ابدأ بنفسك فانهها عن غيّها … فإن انتهت عنه فأنت حكيم
فهناك يقبل ما تقول ويقتدى … بالقول منك وينفع التّعليم
لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم
وقال غيره:
كم ذا التّمادي فها قد جاءنا صفر … شهر به الفوز والتّوفيق والظّفر
فابدأ بما شئت من فعل تسرّ به … يوم المعاد ففيه الخير ينتظر
توبوا إلى الله فيه من ذنوبكم … من قبل يبلغ فيكم حدّه العمر
***
[ ١٤٣ ]