خرّج الإمام أحمد بإسناده عن رجل من باهلة، قال: «أتيت رسول الله ﷺ لحاجة مرّة، فقال: من أنت؟ قلت: أما تعرفني؟ قال: ومن أنت؟ قلت: أنا الباهليّ الذي أتيتك عام أوّل. فقال: إنّك أتيتني وجسمك ولونك وهيئتك حسنة، فما بلغ بك ما أرى؟ قلت: والله ما أفطرت بعدك إلاّ ليلا. قال: من أمرك أن تعذّب نفسك؟ من أمرك أن تعذّب نفسك؟ ثلاث مرات، صم شهر الصّبر. قلت: إنّي أجد قوّة، وإنّي أحبّ أن تزيدني. قال: صم يوما من الشهر. قلت: إنّي أجد قوّة، وإنّي أحب أن تزيدني. قال: فيومين من الشهر.
قلت: إنّي أجد قوّة، وإني أحبّ أن تزيدني. قال: فثلاثة أيام من الشهر. قال:
وألحّ عند الرابعة فما كاد. فقلت: إنّي أجد قوّة وإني أحبّ أن تزيدني. قال:
فمن الحرم وأفطر» (^١). وخرّجه أبو داود والنسائي وابن ماجه بمعناه، وفي ألفاظهم زيادة ونقص. وفي بعض الروايات: «صم الحرم وأفطر».
في هذا الحديث دليل على أنّ من تكلّف من العبادة ما يشقّ عليه حتّى تأذّى بذلك جسده؛ فإنّه غير مأمور بذلك، ولذلك قال النبي ﷺ له: «من أمرك أن تعذّب نفسك؟»، وأعادها عليه ثلاث مرار. وهذا كما قال لمن رآه يمشي في الحجّ وقد أجهد نفسه: «إنّ الله لغنيّ عن تعذيب هذا نفسه، فمروه فليركب» (^٢).
وقال لعبد الله بن عمرو بن العاص حيث كان يصوم النّهار، ويقوم الليل،
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٥/ ٢٨)، وأبو داود (٢٤٢٨)، والنسائي في «الكبرى» (٢٧٥٦)، وابن ماجه (١٧٤١).
(٢) أخرجه: البخاري (٨/ ١٧٧) (١٨٦٥)، ومسلم (٥/ ٧٩) (١٦٤٢)، وأبو داود (٣٣٠١)، والنسائي (٧/ ٣٠).
[ ٤٤٢ ]
ويختم القرآن في كلّ ليلة ولا ينام مع أهله، فأمره أن يصوم ويفطر، ويقرأ القرآن في كلّ سبع. وقال له: «إنّ لنفسك عليك حقّا، وإنّ لأهلك عليك حقّا، فآت كلّ ذي حقّ حقّه» (^١).
ولمّا بلغه عن بعض أصحابه أنه قال: أنا أصوم ولا أفطر، وقال آخر منهم:
أنا أقوم ولا أنام، وقال آخر منهم: لا أتزوّج النّساء. فخطب، وقال: «ما بال رجال يقولون كذا وكذا، لكنّي أصوم وأفطر، وأقوم وأنام، وآكل اللّحم، وأتزوّج النساء؛ فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» (^٢).
وسبب هذا أنّ الله تعالى خلق ابن آدم محتاجا إلى ما يقوم به بدنه؛ من مأكل ومشرب ومنكح وملبس، وأباح له من ذلك كلّه ما هو طيّب حلال، تقوى به النفس ويصحّ به الجسد، ويتعاونان على طاعة الله ﷿، وحرّم من ذلك ما هو ضارّ خبيث يوجب للنفس طغيانها وعماها وقسوتها وغفلتها وأشرها وبطرها، فمن أطاع نفسه في تناول ما تشتهيه ممّا حرّمه الله عليه، فقد تعدّى وطغى وظلم نفسه، ومن منعها حقّها من المباح حتى تضرّرت بذلك، فقد ظلمها ومنعها حقّها؛ فإن كان ذلك سببا لضعفها وعجزها عن أداء شيء من فرائض الله عليه، ومن حقوق الله ﷿ أو حقوق عباده، كان بذلك عاصيا، وإن كان ذلك سببا للعجز عن نوافل هي أفضل ممّا فعله، كان بذاك مفرطا مغبونا خاسرا.
وقد كان رجل في زمن التابعين يصوم ويواصل حتى يعجز عن القيام؛ فكان يصلّي الفرض جالسا، فأنكروا ذلك عليه، حتى قال عمرو بن ميمون: لو أدرك
_________________
(١) أخرجه: أحمد (١٩٨، ٢/ ١٨٨)، والبخاري (٨/ ٣٨، ٧/ ٤٠، ٣/ ٥١) (١٩٧٤) (٥١٩٩) (٦١٣٤)، ومسلم (١٦٣، ٣/ ١٦٢) (١١٥٩)، والنسائي (٤/ ٢١٠)، وأبو داود (١٣٨٨) بمعناه.
(٢) أخرجه: البخاري (٧/ ٢) (٥٠٦٣)، ومسلم (٤/ ١٢٩) (١٤٠١)، والنسائي (٦/ ٦٠).
[ ٤٤٣ ]
هذا أصحاب محمد ﷺ لرجموه. وكان ابن مسعود يقلّ الصّيام، ويقول: إنّه يضعفني عن قراءة القرآن، وقراءة القرآن أحبّ إليّ.
وأحرم رجل من الكوفة، فقدم مكّة وقد أصابه الجهد، فرآه عمر بن الخطاب وهو سيئ الهيئة، فأخذ عمر بيده وجعل يدور به الحلق، ويقول للناس: انظروا إلى ما يصنع هذا بنفسه وقد وسّع الله عليه!
فمن تكلّف من التطوّع ما يتضرّر به في جسمه، كما فعل هذا الباهليّ، أو منع به حقّا واجبا عليه، كما فعل عبد الله بن عمرو بن العاص وغيره ممن عزم على ترك المباحات في عهد النبي ﷺ؛ فإنّه ينهى عن ذلك. ومن احتمل بدنه ذلك ولم يمنعه من حقّ واجب عليه لم ينه عن ذلك إلاّ أن يمنعه عمّا هو أفضل من ذلك من النوافل؛ فإنّه يرشد إلى عمل الأفضل. وأحوال الناس تختلف فيما تحمّل أبدانهم من العمل.
كان سفيان الثوري يصوم ثلاثة أيام من الشهر فيرى أثر ذلك عليه، وكان غيره في زمنه يصوم الدّهر فلا يظهر عليه أثره. وكان كثير من المتقدّمين يحملون على أنفسهم من الأعمال ما يضرّ بأجسادهم ويحتسبون أجر ذلك عند الله، وهؤلاء قوم أهل صدق وجدّ واجتهاد فيحيّون على ذلك، ولكن لا يقتدى بهم، وإنّما يقتدى بسنّة رسول الله ﷺ؛ فإنّ خير الهدي هديه، ومن أطاعه فقد اهتدى، ومن اقتدى به وسلك وراءه وصل إلى الله ﷿.
وقد كان النبي ﷺ ينهى عن التعسير ويأمر بالتيسير، ودينه الذي بعث به يسر. وكان يقول: «خير دينكم أيسره». ورأى رجلا يكثر الصّلاة، فقال:
«إنّكم أمّة أريد بكم اليسر». ولم يكن أكثر تطوّع النبي ﷺ وخواصّ أصحابه بكثرة الصّوم والصّلاة، بل ببرّ القلوب وطهارتها وسلامتها وقوّة
[ ٤٤٤ ]
تعلّقها بالله، خشية له ومحبّة، وإجلالا وتعظيما، ورغبة فيما عنده، وزهدا فيما يفنى.
وفي «المسند» عن عائشة ﵂: أنّ النبي ﷺ، قال: «إنّي أعلمكم بالله وأتقاكم له قلبا» (^١).
قال ابن مسعود ﵁ لأصحابه: أنتم أكثر صلاة وصياما من أصحاب محمّد ﷺ، وهم كانوا خيرا منكم. قالوا: ولم؟ قال: كانوا أزهد منكم في الدّنيا وأرغب في الآخرة. وقال بكر المزنيّ: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بشيء وقر في صدره. قال بعض العلماء المتقدّمين: الذي وقر في صدره هو حبّ الله والنصيحة لخلقه. وسئلت فاطمة بنت عبد الملك زوجة عمر بن عبد العزيز بعد وفاته عن عمله، فقالت: والله، ما كان بأكثر الناس صلاة ولا بأكثرهم صياما، ولكن والله، ما رأيت أحدا أخوف لله من عمر، لقد كان يذكر الله في فراشه فينتفض انتفاض العصفور من شدّة الخوف، حتى نقول: ليصبحنّ الناس ولا خليفة لهم.
قال بعض السلف: ما بلغ من بلغ عندنا بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بسخاوة النفوس، وسلامة الصّدور، والنّصح للأمّة. وزاد بعضهم: واحتقار أنفسهم. وذكر لبعضهم شدّة اجتهاد بني إسرائيل في العبادة، فقال: إنّما يريد الله منكم صدق النّيّة فيما عنده. فمن كان بالله أعرف، وله أخوف، وفيما عنده أرغب؛ فهو أفضل ممّن دونه في ذلك، وإن كثر صومه وصلاته.
قال أبو الدّرداء ﵁: يا حبّذا نوم الأكياس وفطرهم، كيف يسبق سهر الجاهلين وصيامهم. ولهذا المعنى كان فضل العلم النافع الدّالّ على معرفة الله
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٦/ ٦١).
[ ٤٤٥ ]
وخشيته ومحبّته ومحبّه ما يحبّه وكراهة ما يكرهه، لا سيما عند غلبة الجهل، والتعبّد به، أفضل من التطوّع بأعمال الجوارح.
قال ابن مسعود ﵁: أنتم في زمان العمل فيه أفضل من العلم، وسيأتي زمان العلم فيه أفضل من العمل. وقال مطرّف: فضل العلم أحبّ إليّ من فضل العبادة؛ وخير دينكم الورع.
وخرّجه الحاكم وغيره مرفوعا (^١). ونصّ كثير من الأئمة على أنّ طلب العلم أفضل من صلاة النّافلة، وكذلك الاشتغال بتطهير القلوب أفضل من الاستكثار من الصّوم والصّلاة مع غشّ القلوب ودغلها. ومثل من يستكثر من الصّوم والصّلاة مع دغل القلب وغشّه، كمثل من بذر بذرا في أرض دغلة كثيرة الشّوك، فلا يزكو ما ينبت فيها من الزرع بل يمحقه دغل الأرض ويفسده، فإذا نظّفت الأرض من دغلها زكا ما ينبت فيها ونما.
قال يحيى بن معاذ: كم من مستغفر ممقوت وساكت مرحوم؛ هذا استغفر وقلبه فاجر، وهذا سكت وقلبه ذاكر. وقال غيره: ليس الشأن فيمن يقوم الليل، إنّما الشأن فيمن ينام على فراشه ثم يصبح وقد سبق الركب. من سار على طريق الرسول ﷺ ومنهاجه وإن اقتصد، فإنّه يسبق من سار على غير طريقه وإن اجتهد.
من لي بمثل سيرك المذلّل … تمشي رويدا وتجي في الأوّل
والمقصود أنّ هذا الباهليّ لمّا رآه النبيّ ﷺ وقد أنهكه الصّوم وغيّر هيئته، وأضرّ
_________________
(١) أخرجه: الحاكم (١/ ٩٢)، عن سعد بن أبي وقاص مرفوعا، وقد روى عن حذيفة بن اليمان مرفوعا. وراجع: «مجمع الزوائد» (١/ ١٢٠)، و«صحيح الجامع» (٤٠٩٠).
[ ٤٤٦ ]
به في جسده، أمره أوّلا أن يقتصر على صيام شهر الصّبر، وهو شهر رمضان؛ فإنّه الشهر الذي افترض الله صيامه على المسلمين، واكتفى منهم بصيامه من السّنة كلّها؛ وصيامه كفّارة لما بين الرّمضانين إذا اجتنبت الكبائر. فطلب منه الباهليّ أن يزيده من الصّيام ويأمره بالتطوّع، وأخبره أنّه يجد قوّة على الصّيام، فقال له: «صم يوما من الشهر»، فاستزاده، وقال: إنّي أجد قوّة، فقال: «صم يومين من الشهر»، فاستزاده، وقال: إني أجد قوّة، فقال: «صم ثلاثة أيّام من الشهر».
قال: وألحّ عند الثالثة، فما كاد، يعني ما كاد يزيده على الثلاثة أيّام من الشهر.
وهكذا قال لعبد الله بن عمرو بن العاص أيضا؛ ففي «صحيح مسلم» عنه «أنّ النبي ﷺ قال له: صم يوما - يعني من الشهر - ولك أجر ما بقي، قال:
إنّي أطيق أكثر من ذلك، قال: صم يومين ولك أجر ما بقي، قال: إنّي أطيق أكثر من ذلك، قال: صم ثلاثة أيام ولك أجر ما بقي» (^١).
ففي هذا أنّ صيام ثلاثة أيام من الشهر يحصل به أجر صيام الشهر كلّه، وكذلك صيام يومين منه. ووجه ذلك أنّ الصّيام يضاعف ما لا يضاعف غيره من الأعمال، وقد سبق ذكر ذلك عند الكلام على حديث «كلّ عمل ابن آدم له الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف. قال الله ﷿: إلاّ الصّيام فإنّه لي وأنا أجزي به».
فالصّيام لا يعلم منتهى مضاعفته إلاّ الله ﷿. وكلّما قوي الإخلاص فيه وإخفاؤه وتنزيهه من المحرّمات والمكروهات كثرت مضاعفته، فلا يستنكر أن يصوم الرجل يوما من الشهر فيضاعف له بثواب ثلاثين يوما، فيكتب له صيام الشهر كلّه وكذلك إذا صام يومين من الشهر. وأمّا إذا صام منه ثلاثة أيام فهو ظاهر؛ لأنّ الحسنة بعشر أمثالها.
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٣/ ١٦٦) (١١٥٩).
[ ٤٤٧ ]
وخرّج الترمذي والنسائي عن أبي ذرّ ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «من صام من كل شهر ثلاثة أيام كان كمن صام الدهر، فأنزل الله ﷿ تصديق ذلك: ﴿مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها﴾ [الأنعام: ١٦٠]، اليوم بعشرة أيام» (^١).
وفي «الصحيحين» عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ:
«صم من الشّهر ثلاثة أيّام؛ فإنّ الحسنة بعشر أمثالها، وذلك مثل صيام الدّهر». وفي رواية فيهما أيضا: «إنّ بحسبك أن تصوم من كلّ شهر ثلاثة أيام؛ فإنّ لك بكلّ حسنة عشر أمثالها، فإذن ذلك صيام الدّهر كلّه» (^٢).
وفي «المسند» عن قرّة المزني، عن النبي ﷺ، قال: «صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر صيام الدّهر وإفطاره» (^٣). يعني صيامه في مضاعفة الله، وإفطاره في رخصة الله، كما كان أبو هريرة وأبو ذرّ ﵄ يقولان ذلك، وكانا يصومان ثلاثة أيام من كلّ شهر، ويقولان في سائر أيام الشهر: نحن صيام، ويتأوّلان أنّهما صيام في مضاعفة الله، وهما مفطران في رخصة الله. وقد وصّى النبي ﷺ جماعة من أصحابه بصيام ثلاثة أيام من كل شهر؛ منهم أبو هريرة وأبو الدّرداء وأبو ذرّ وغيرهم.
وفي «المسند» أنّ النبي ﷺ قال في صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر: «هو صوم حسن» (^٤). وفيه أيضا عن أبي ذرّ، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
_________________
(١) أخرجه: النسائي (٤/ ٢١٩)، والترمذي (٧٦١)، وقال: «حسن صحيح». وقد رواه بعضهم عن أبي هريرة ولكن حديث أبي ذر أشبه بالصواب وراجع: «العلل» لابن أبي حاتم (٦٩٠)، و«العلل» للدارقطني (٦/ ٢٨٤).
(٢) أخرجه: البخاري (٤/ ١٩٥، ٣/ ٥١، ٢/ ٦٨) (١٩٧٥) (١٩٧٦) (٣٤١٨) (٥٠٥٢)، ومسلم (١٦٥، ٣/ ١٦٢) (١١٥٩) بألفاظ مختلفة.
(٣) أخرجه: أحمد (٥/ ٣٤، ٤/ ١٩)، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب» (١٠٢١).
(٤) أخرجه: أحمد (٢١٧، ٤/ ٢٢)، والنسائي (٤/ ٢١٩)، وابن خزيمة (٢١٢٥) عن عثمان بن أبي العاص ﵁، وصححه الألباني.
[ ٤٤٨ ]
«صوم شهر الصّبر وثلاثة أيام من كلّ شهر صوم الدّهر، ويذهب مغلة الصّدر.
قلت: وما مغلة الصدر؟ قال: رجس الشيطان» (^١). وفيه أيضا: عن رجل، عن النبي ﷺ، قال: «صيام شهر الصّبر وثلاثة أيام من كلّ شهر يذهبن كثيرا من وحر الصّدر» (^٢). وفي غير هذه الرواية: «وغر الصّدر»، وهما بمعنى واحد، يقال: وحر صدره ووغر، إذا كان فيه غلّ وغشّ. وقيل: الوحر:
الغلّ، والوغر: الغيظ.
وقد كان النبي ﷺ يتحرّى صيام ثلاثة أيام من كلّ شهر، وكذلك كان إبراهيم ﵇. كما خرّجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا، قال: «صيام إبراهيم ثلاثة أيام من كلّ شهر، صام الدّهر وأفطر الدّهر».
وفي «السنن» عن حفصة ﵂: «أنّ النبي ﷺ كان يصوم العشر وعاشوراء وثلاثة أيّام من كلّ شهر» وفي إسناده اختلاف (^٣).
وفي «صحيح مسلم» عن عائشة ﵂ «أنّ النبي ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كلّ شهر. قيل لها: من أيّه كان يصوم؟ قالت: كان لا يبالي من أيّه صام» (^٤) ففي هذا الحديث أنّه ﷺ لم يكن يبالي من أيّ الشهر صام الأيام الثلاثة.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٥/ ١٥٤).
(٢) أخرجه: أحمد (٥/ ٣٦٣). وقد روى عن عليّ مرفوعا كما في «مسند البزار» (٨٦٢ - البحر الزخار)، و«مسند أبي يعلى» (٤٤٢). ورجح أبو حاتم في «العلل» لابنه (٧٠٦) أنه موقوف على عليّ ﵁.
(٣) أخرجه: النسائي (٤/ ٢٢٠). وقال الزيلعي في «نصب الراية»: «ضعيف». وراجع: «الإرواء» (٩٥٤).
(٤) أخرجه: مسلم (٣/ ١٦٦) (١١٦٠)، وابن ماجه (١٧٠٩).
[ ٤٤٩ ]
وقد روي في صفة صيام النبي ﷺ للأيام الثلاثة من الشهر أنواع أخر:
أحدها: ما خرّجه الترمذي من حديث عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والإثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس (^١). وقال: حديث حسن. وذكر أنّ بعضهم رواه موقوفا، يعني من فعل عائشة ﵂، غير مرفوع.
الثاني: ما خرّجه أبو داود وغيره من حديث حفصة «أنّ النبي ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كلّ شهر؛ الإثنين والخميس، والإثنين من الجمعة الأخرى» (^٢).
فعلى هذه الرواية كان النبي ﷺ يجعلها من أوّل الشهر ولا يوالي بينها، بل كان يتحرّى بها يوم الإثنين مرتين والخميس مرة.
الثالث: عكس الثاني؛ خرّجه النسائي من حديث حفصة أيضا أن النبي ﷺ «كان يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيام؛ أوّل إثنين من الشهر، ثم الخميس، ثم الخميس الذي يليه» (^٣).
وفي رواية له أيضا: أو إثنين من الشهر، وخميسين (^٤). وخرّج أبو داود من حديث أم سلمة عن النبي ﷺ معنى ذلك (^٥). وفي رواية في المسند «الإثنين
_________________
(١) أخرجه: الترمذي (٧٤٦)، وذكر أن بعضهم رواه موقوفا، ورجّح الوقف الحافظ ابن حجر في «الفتح» (٤/ ٢٢٧).
(٢) أخرجه: أبو داود (٢٤٥١)، والنسائي (٤/ ٢٠٣ - ٢٠٤).
(٣) أخرجه: النسائي (٤/ ٢٢٠).
(٤) أخرجه: النسائي (٤/ ٢٢٠ - ٢٢١).
(٥) أخرجه: أبو داود (٢٤٣٧). وراجع: «العلل» لابن أبي حاتم (٦٧١)، والتعليق على «المسند» (٥/ ٢٧١ - طبعة الرسالة).
[ ٤٥٠ ]
والجمعة والخميس»؛ وكأنها غير محفوظة، فإن كانت محفوظة فهي نوع رابع.
والنوع الخامس: ما خرّجه أبو داود والنسائي والترمذي من حديث ابن مسعود ﵁ أنّ النبي ﷺ كان يصوم من غرّة كلّ شهر ثلاثة أيام (^١)، وحسّنه الترمذي، وذكر أنّ بعضهم لم يرفعه، يعني أنه وقفه على ابن مسعود، وظاهر هذا أنّه كان يوالي بين الأيام الثلاثة من أوّل كلّ شهر.
والنوع السادس: أنه كان يصوم أيّام البيض، فخرّج النسائي عن ابن عباس ﵄، «أن النبي ﷺ كان لا يدع صيام أيام البيض في حضر ولا سفر» (^٢).
وخرّج الترمذيّ والنسائي عن أبي ذرّ ﵁ أنّ النبي ﷺ أمره بصيام أيام البيض؛ ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة (^٣). وفي السّنن الأربعة خلا الترمذي، عن قتادة بن ملحان، عن النبي ﷺ نحوه (^٤). وخرّج النسائي من حديث جرير البجلي عن النبي ﷺ نحوه أيضا (^٥).
وقد روي عن الحسن أنّه كان يصوم خمسة أيام من أولّ الشهر، ويقول:
ما يدريني لعلي لا أدرك البيض. وفي كتاب «مناقب الحسن» لأبي حيان التوحيدي أنّ رجلا سأل الحسن: لأيّ شيء استحبّ صيام أيّام البيض؟ فلم
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (٢٤٥٠)، والنسائي (٤/ ٢٠٤)، والترمذي (٧٤٢).
(٢) أخرجه: النسائي (٤/ ١٩٨). وراجع: «الصحيحة» (٥٨٠).
(٣) أخرجه: الترمذي (٧٦١) وحسنه، والنسائي (٤/ ٢٢٢ - ٢٢٣).
(٤) أخرجه: أحمد (٥/ ٢٧)، وأبو داود (٢٤٤٩)، والنسائي (٤/ ٢٢٤ - ٢٢٥)، وابن ماجه (١٧٠٧).
(٥) أخرجه: النسائي (٤/ ٢٢١) عن جرير بن عبد الله البجلي.
[ ٤٥١ ]
يدر ما يقول. فقال أعرابي عنده: لأنّ القمر ينكسف في لياليهنّ، فيكون الناس عند حدوث الآيات على عبادة. فقال الحسن: خذوها من غير فقيه. وفي حديث الباهلي أنّه قال للنبي ﷺ بعد ذلك: إنّي أجد قوّة وإني أحبّ أن تزيدني، فقال له: «فمن الحرم وأفطر». وفي رواية: «صم الحرم وأفطر».
وفي رواية، قال: «صم الأشهر الحرم» (^١).
فهذا دليل على فضل صيام الأشهر الحرم الأربعة التي ذكرها الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ [التّوبة: ٣٦]، وقد فسّرها النبي ﷺ في حديث أبي بكرة بأنّها ثلاثة متواليات؛ ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم؛ وشهر رجب. وقد ذكرناه في وظيفة شهر رجب، وذكرنا عن ابن عباس ﵄ أنّ العمل الصالح والأجر في هذه الحرم أعظم. وذكرنا في وظائف المحرّم قول النبي ﷺ: «أفضل الصّيام بعد رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرّم». وسيأتي في وظائف ذي الحجة ذكر فضل صيام عشر ذي الحجة إن شاء الله تعالى.
وقد كان كثير من السّلف يصوم الأشهر الحرم كلّها؛ روي ذلك عن ابن عمر (^٢) والحسن البصريّ وأبي إسحاق السّبيعيّ.
وقال سفيان الثوري: الأشهر الحرم أحبّ إليّ أن أصوم منها. وروى خلاّد الصّفّار عن أبي مسلم، قال: صيام يوم من أشهر الحجّ - أو قال: أشهر الحرم - يعدل شهرا، وصيام يوم من غير الأشهر الحرم يعدل عشرا. وروي عن النّخعي نحوه، لكنه قال: من المحرّم، فيحتمل أنه أراد جنس الأشهر المحرّمة. وروي معناه مرفوعا من حديث أنس، وإسناده ضعيف جدّا.
_________________
(١) تقدم.
(٢) أخرجه: عبد الرزاق في «المصنف» (٧٨٥٧، ٧٨٥٦)، من فعل ابن عمر ﵄.
[ ٤٥٢ ]
ويروى بإسناد مجهول عن أنس مرفوعا: «من صام من شهر حرام الخميس والجمعة والسبت، كتب الله له عبادة تسعمائة سنة» (^١). وقال كعب:
اختار الله الزمان؛ فأحبّه إليه الأشهر الحرم. ويروى من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعا ولا يصحّ (^٢).
وعن قيس بن عباد أنّه قال: ليس في الأشهر الحرم شهر إلاّ في اليوم العاشر منه خير، قال: ففي ذي الحجّة في العاشر النّحر يوم الحجّ الأكبر، وفي المحرّم العاشر عاشوراء، وفي العاشر من رجب ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرّعد: ٣٩] قال الراوي: ونسيت ما قال في ذي القعدة.
وقد تقدّم في ذكر وظيفة رجب أنّه روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنّه ذكر من عجائب الدنيا بأرض عاد عمود من نحاس، عليه شجرة من نحاس؛ فإذا كان في الأشهر الحرم قطر منها الماء، فملئوا منه حياضهم، وسقوا مواشيهم وزروعهم، فإذا ذهبت الأشهر الحرم انقطع الماء.
وذو القعدة من الأشهر الحرم بغير خلاف، وهو أوّل الأشهر الحرم المتوالية. وهل هو أول الحرم مطلقا أم لا؟ فيه اختلاف ذكرناه في وظيفة رجب. وهو أيضا من أشهر الحجّ التي قال الله تعالى فيها: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ﴾ [البقرة: ١٩٧].
وقيل: إنّ تحريم ذي القعدة كان في الجاهلية لأجل السير إلى الحج، وسمّي ذا القعدة لقعودهم فيه عن القتال؛ وتحريم المحرّم لرجوع النّاس فيه من الحجّ
_________________
(١) أخرجه: أبو نعيم في «أخبار أصبهان» (١/ ٢٨٤ - ٢٨٥)، والطبراني في «الأوسط» (١٧٨٩) بلفظ: «… عبادة سنتين»، وقال الهيثمي في «المجمع» (٣/ ١٩١): «فيه يعقوب بن موسى المدني مجهول، ومسلمة بن راشد الحماني قال فيه أبو حاتم: مضطرب الحديث».
(٢) أخرجه ابن عدي في «الكامل» (١٥٨٩).
[ ٤٥٣ ]
إلى بلادهم؛ وتحريم ذي الحجة لوقوع حجّهم فيه؛ وتحريم رجب كان للاعتمار فيه من البلاد القريبة.
ومن خصائص ذي القعدة: أنّ عمر النبيّ ﷺ كلّها كانت في ذي القعدة، سوى عمرته التي قرنها بحجّته، مع أنّه ﷺ أحرم بها أيضا في ذي القعدة، وفعلها في ذي الحجّة مع حجّته. وكانت عمره ﷺ أربعا: عمرة الحديبية ولم يتمّها، بل تحلّل منها ورجع. وعمرة القضاء من قابل. وعمرة الجعرّانة عام الفتح، لمّا قسم غنائم حنين؛ وقيل: إنها كانت في آخر شوال، والمشهور أنها كانت في ذي القعدة، وعليه الجمهور. وعمرته في حجّة الوداع، كما دلّت عليه النصوص الصحيحة، وعليه جمهور العلماء أيضا.
وقد روي عن طائفة من السّلف؛ منهم ابن عمر وعائشة وعطاء تفضيل عمرة ذي القعدة وشوّال على عمرة رمضان؛ لأنّ النبي ﷺ اعتمر في ذي القعدة، وفي أشهر الحجّ حيث يجب عليه الهدي إذا حجّ من عامه؛ لأنّ الهدي زيادة نسك، فيجتمع نسك العمرة مع نسك الهدي.
ولذي القعدة فضيلة أخرى، وهي أنّه قد قيل: إنّه الثلاثون يوما الذي واعد الله فيه موسى ﵇، قال ليث عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً﴾ [الأعراف: ١٤٢]، قال: ذو القعدة ﴿وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢] قال: عشر ذي الحجة.
يا من لا يقلع عن ارتكاب الحرام؛ لا في شهر حلال ولا في شهر حرام.
يا من هو في الطّاعات إلى وراء، وفي المعاصي إلى قدّام. يا من هو في كلّ يوم من عمره شرّ ممّا كان قبله من الأيام، متى تستفيق من هذا المنام؟! متى تتوب من هذا الإجرام؟! يا من أنذره الشيب بالموت وهو مقيم على الآثام، أما
[ ٤٥٤ ]
كفاك واعظ الشّيب مع واعظ القرآن والإسلام؟ الموت خير لك من الحياة على هذه الحال، والسّلام.
يا غاديا في غفلة ورائحا … إلى متى تستحسن القبائحا
وكم إلى كم لا تخاف موقفا … يستنطق الله به الجوارحا
وا عجبا منك وأنت مبصر … كيف تجنّبت الطّريق الواضحا
وكيف ترضى أن تكون خاسرا … يوم يفوز من يكون رابحا
***
[ ٤٥٥ ]