خرّجا في «الصحيحين» من حديث أبي بكرة أنّ النبيّ ﷺ خطب في حجّة الوداع فقال في خطبته: «إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السّماوات والأرض، السّنة اثنا عشر شهرا؛ منها أربعة حرم: ثلاثة متواليات: ذو القعدة، وذو الحجّة، والمحرّم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان» (^١) وذكر الحديث.
قال الله ﷿: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦].
فأخبر سبحانه أنّه منذ خلق السّماوات والأرض وخلق اللّيل والنّهار يدوران في الفلك، وخلق ما في السّماء من الشّمس والقمر والنّجوم، وجعل الشّمس والقمر يسبحان في الفلك، فينشأ منهما ظلمة اللّيل وبياض النّهار؛ فمن حينئذ جعل السّنة اثني عشر شهرا بحسب الهلال.
فالسنة في الشرع مقدّرة بسير القمر وطلوعه، لا بسير الشمس وانتقالها، كما يفعله أهل الكتاب.
وجعل الله تعالى من هذه الأشهر أربعة أشهر حرما، وقد فسّرها النبيّ ﷺ في هذا الحديث، وذكر أنّها ثلاثة متواليات؛ ذو القعدة، وذو الحجّة، ومحرّم، وواحد فرد، وهو شهر رجب، وهذا قد يستدلّ به من يقول: إنّها من
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٩/ ١٦٣) (٣١٩٧) (٤٤٠٦) (٤٦٦٢)، ومسلم (٥/ ١٠٧) (١٦٧٩).
[ ٢٠٢ ]
سنتين. وقد روي من حديث ابن عمر مرفوعا: «أولهنّ رجب»، وفي إسناده موسى بن عبيدة، وفيه ضعف شديد من قبل حفظه.
وقد حكي عن أهل المدينة أنّهم جعلوها من سنتين، وأنّ أوّلها ذو القعدة، ثم ذو الحجّة، ثم المحرّم، ثم رجب، فيكون رجب آخرها. وعن بعض المدنيين أنّ أوّلها رجب، ثم ذو القعدة، ثم ذو الحجّة ثم المحرّم. وعن بعض أهل الكوفة أنّها من سنة واحدة؛ أوّلها المحرّم، ثم رجب، ثم ذو القعدة، ثم ذو الحجّة.
واختلف في أيّ هذه الأشهر الحرم أفضل؛ فقيل: رجب، قاله بعض الشافعية، وضعّفه النّوويّ وغيره. وقيل: المحرّم، قاله الحسن، ورجّحه النّوويّ. وقيل: ذو الحجّة، روي عن سعيد بن جبير وغيره، وهو أظهر، والله أعلم.
وقوله ﷺ: «إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السّماوات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا» (^١) مراده بذلك إبطال ما كانت الجاهلية تفعله من النّسيء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عامًا لِيُواطِؤُا عِدَّةَ ما حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا ما حَرَّمَ اللهُ﴾ [التوبة: ٣٧].
وقد اختلف في تفسير النّسيء:
فقالت طائفة: كانوا يبدلون بعض الأشهر الحرم بغيرها من الأشهر، فيحرمونها بدلها، ويحلون ما أرادوا تحليله من الأشهر الحرم إذا احتاجوا إلى ذلك، ولكن لا يزيدون في عدد الأشهر الهلالية شيئا.
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٩/ ٦٣، ٢/ ٢١٦، ٣٧، ١/ ٢٦)، ومسلم (١٠٩، ٥/ ١٠٨)، وأحمد (٥/ ٣٧) عن أبي بكرة ﵁.
[ ٢٠٣ ]
ثم من أهل هذه المقالة من قال: كانوا يحلّون المحرّم فيستحلّون القتال فيه؛ لطول مدّة التّحريم عليهم بتوالي ثلاثة أشهر محرّمة، ثم يحرّمون صفر مكانه، فكأنّهم يقترضونه ثم يوفونه. ومنهم من قال: كانوا يحلّون المحرّم مع صفر من عام واحد ويسمّونهما صفرين، ثم يحرمونهما من عام قابل ويسمّونهما محرّمين؛ قاله ابن زيد بن أسلم. وقيل: بل كانوا ربّما احتاجوا إلى صفر أيضا فأحلّوه وجعلوا مكانه ربيعا، ثمّ يدور كذلك التّحريم والتّحليل بالتأخير (^١)، إلى أن جاء الإسلام ووافق حجّة الوداع رجوع التّحريم إلى محرّم الحقيقي، وهذا هو الذي رجّحه أبو عبيد، وعلى هذا فالتّغيير إنّما وقع في عين الأشهر الحرم خاصة.
وقالت طائفة أخرى: بل كانوا يزيدون في عدد شهور السّنة، وظاهر الآية يشعر بذلك، حيث قال الله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التّوبة: ٣٦] فذكر هذا توطئة لهدم النّسيء وإبطاله.
ثم من هؤلاء من قال: كانوا يجعلون السّنة ثلاثة عشر شهرا، قاله مجاهد وأبو مالك؛ قال أبو مالك: كانوا يجعلون السّنة ثلاثة عشر شهرا، ويجعلون المحرّم صفرا. وقال مجاهد: كانوا يسقطون المحرّم، ثم يقولون: صفرين، لصفر وربيع الأوّل وربيع الآخر، ثم يقولون: شهرا ربيع، ثم يقولون لرمضان شعبان، ولشوال رمضان، ولذي القعدة شوال، ولذي الحجّة ذو القعدة، على وجه ما ابتدءوا وللمحرّم ذو الحجّة، فيعدّون ما ناسئوا على مستقبله، على وجه ما ابتدءوا.
وعنه قال: كانت الجاهلية يحجّون في كلّ شهر من شهور السّنة عامين،
_________________
(١) في أ: «والتأخير».
[ ٢٠٤ ]
فوافق حجّ رسول الله ﷺ في ذي الحجّة، فقال: «هذا يوم استدار الزّمان كهيئته يوم خلق الله السّماوات والأرض».
ومن هؤلاء من قال: كانت الجاهلية يجعلون الشهور اثني عشر شهرا وخمسة أيام، قاله إياس بن معاوية. وهذا العدد قريب من عدد السّنة الرّوميّة، ولهذا جاء في مراسيل عكرمة بن خالد، أنّ النبيّ ﷺ قال في خطبته يوم النّحر: «والشهر هكذا وهكذا وهكذا، وخنس إبهامه في الثالثة، وهكذا وهكذا وهكذا، يعني ثلاثين»، فأشار إلى أن الشّهر هلاليّ، ثم تارة ينقص وتارة يتمّ، ولعلّ أهل النّسيء، كانوا يتمّون الشّهور كلّها، ويزيدون عليها، والله أعلم.
وقد قيل: إن ربيعة ومضر كانوا يحرمون أربعة أشهر من السّنة مع اختلافهم في تعيين رجب منها، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. وكانت بنو عوف بن لؤي يحرّمون من السّنة ثمانية أشهر، وهذا مبالغة في الزيادة على ما حرّمه الله.
واختلفوا في أي عام عاد الحجّ إلى ذي الحجّة على وجهه، واستدار الزّمان فيه كهيئته:
فقالت طائفة: إنّما عاد على وجهه في حجّة الوداع. فأمّا حجة أبي بكر الصدّيق ﵁، فكانت قد وقعت في ذي القعدة، هذا قول مجاهد وعكرمة بن خالد وغيرهما. وقيل: إنّه اجتمع في ذلك العام حجّ الأمم كلها في وقت واحد فلذلك سمّي يوم الحجّ الأكبر.
وقالت طائفة: بل وقعت حجّة الصّديق في ذي الحجة؛ قاله الإمام أحمد، وأنكر قول مجاهد، واستدلّ بأنّ النبيّ ﷺ أمر عليّا فنادى يوم النّحر: «لا يحجّ بعد العام مشرك» (^١). وفي رواية: «يوم الحجّ الأكبر». وقد قال الله تعالى:
_________________
(١) أخرجه: البخاري (١/ ١٠٣) (٤٦٥٦)، ومسلم (٤/ ١٠٦ - ١٠٧) (١٣٤٧)، وأبو داود (١٩٤٦)، والنسائي (٥/ ٢٣٤) من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٢٠٥ ]
﴿وَأَذانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ [التّوبة: ٣]. فسمّاه يوم الحج الأكبر، وهذا يدلّ على أنّ النداء وقع في ذي الحجّة.
وخرّج الطّبرانيّ في «أوسطه» من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، قال: كان العرب يحلّون عاما شهرا، وعاما شهرين، ولا يصيبون الحجّ إلاّ في كلّ ستة وعشرين سنة مرة واحدة، وهو النسيء الذي ذكره الله في كتابه، فلما كان عام حجّ أبو بكر الصّدّيق بالنّاس، وافق في ذلك العام الحجّ؛ فسمّاه الله يوم الحج الأكبر. ثمّ حجّ النبيّ ﷺ في العام المقبل، فاستقبل النّاس الأهلّة، فقال رسول الله ﷺ: «إنّ الزّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السّماوات والأرض» (^١).
وقيل: بل استدارة الزّمان كهيئته كان من عام الفتح.
وخرّج البزار في «مسنده» من حديث سمرة بن جندب أنّ رسول الله ﷺ، قال لهم يوم الفتح: «إنّ هذا العام الحجّ الأكبر، قد اجتمع حجّ المسلمين وحجّ المشركين في ثلاثة أيام متتابعات، واجتمع حجّ اليهود والنّصارى في ستّة أيام متتابعات، ولم يجتمع منذ خلق الله السّماوات والأرض، ولا يجتمع بعد العام حتّى تقوم السّاعة» (^٢). وفي إسناده يوسف السّمتيّ، وهو ضعيف جدّا.
واختلفوا لم سمّيت هذه الأشهر الأربعة حرما:
فقيل: لعظم حرمتها وحرمة الذّنب فيها.
_________________
(١) أخرجه: الطبراني في «الأوسط» (٢٩٠٩)، وقال في «المجمع» (٧/ ٢٩): «رجاله ثقات».
(٢) أخرجه: البزار (١٨٢٦ - كشف)، وإسناده ضعيف جدّا. وراجع: «مجمع الزوائد» (٦/ ١٧٨).
[ ٢٠٦ ]
قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: اختصّ الله أربعة أشهر جعلهنّ حرما، وعظّم حرماتهن، وجعل الذّنب فيهنّ أعظم، وجعل العمل الصالح والأجر أعظم. قال كعب: اختار الله الزمان، فأحبّه إلى الله الأشهر الحرم.
وقد روي مرفوعا (^١)، ولا يصحّ رفعه.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التّوبة: ٣٦]: إنّ المراد في الأشهر الحرم. وقيل: بل في جميع شهور السّنة. وقيل: إنّما سمّيت حرما لتحريم القتال فيها، وكان ذلك معروفا في الجاهلية. وقيل: إنّه كان في عهد إبراهيم ﵇.
وقيل: إن سبب تحريم هذه الأشهر الأربعة بين العرب لأجل التمكّن من الحجّ والعمرة. فحرّم شهر ذي الحجّة؛ لوقوع الحجّ فيه. وحرّم معه شهر ذي القعدة؛ للسير فيه إلى الحج. وشهر المحرّم؛ للرجوع فيه من الحجّ، حتى يأمن الحاجّ على نفسه من حين يخرج من بيته إلى أن يرجع إليه. وحرّم شهر رجب للاعتمار فيه في وسط السّنة، فيعتمر فيه من كان قريبا من مكّة.
وقد شرع الله في أوّل الإسلام تحريم القتال في الشهر الحرام، قال تعالى:
﴿لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللهِ وَلا الشَّهْرَ الْحَرامَ﴾ [المائدة: ٢]. وقال تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
وخرّج ابن أبي حاتم بإسناده عن جندب بن عبد الله أنّ النبيّ ﷺ بعث رهطا وبعث عليهم عبد الله بن جحش، فلقوا ابن الحضرمي فقتلوه، ولم يدروا أنّ ذلك من رجب أو من جمادي، فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر
_________________
(١) أورده ابن عدي في «الكامل» عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا (٤/ ٢٧٨).
[ ٢٠٧ ]
الحرام، فأنزل الله ﷿ ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧] (^١).
وروى السّدّيّ عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس وعن مرة، عن ابن مسعود في هذه الآية، فذكروا هذه القصة مبسوطة، وقالوا فيها: فقال المشركون: يزعم محمد أنّه يتبع طاعة الله وهو أوّل من استحلّ الشهر الحرام، فقال المسلمون: إنّما قتلناه في جمادى. وقيل: في أول رجب وآخر ليلة من جمادى.
وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب، وأنزل الله تعالى تعييرا لأهل مكّة ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧] لا يحلّ، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشّهر الحرام، حين كفرتم بالله، وصددتم عن محمد وأصحابه، وإخراج أهل المسجد الحرام حين أخرجوا منه محمدا ﷺ أكبر من القتل عند الله.
وقد روي عن ابن عباس هذا المعنى من رواية العوفي عنه، ومن رواية أبي سعد البقال، عن عكرمة، عنه. ومن رواية الكلبي، عن أبي صالح، عنه.
وذكر ابن إسحاق أنّ ذلك كان في آخر يوم من رجب، وأنّهم خافوا إن أخّروا القتال أن يسبقهم المشركون فيدخلوا الحرم فيأمنوا، وأنّهم لمّا قدموا على النبي ﷺ قال لهم: ما أمرتكم بالقتال في الشهر الحرام، ولم يأخذ من غنيمتهم شيئا. وقالت قريش: قد استحلّ محمّد وأصحابه الشهر الحرام. فقال من بمكّة من المسلمين: إنّما قتلوهم في شعبان، فلمّا أكثر النّاس في ذلك نزل قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ الآية [البقرة: ٢١٧]، وروي
_________________
(١) «تفسير ابن أبي حاتم» (٢/ ٣٨٤) (٢٠٢٢) وذكره ابن كثير في «تفسيره» (١/ ٣٦٨).
[ ٢٠٨ ]
نحو هذا السياق عن عروة، والزّهري وغيرهما. وقيل: إنّها كانت أول غنيمة غنمها المسلمون.
وقال عبد الله بن جحش في ذلك - وقيل: إنها لأبي بكر الصّديق ﵁:
تعدّون قتلا في الحرام عظيمة … وأعظم منه لو يرى الرّشد راشد
صدودكم عمّا يقول محمد … وكفر به والله راء وشاهد
وإخراجكم من مسجد الله أهله … لئلا يرى في البيت لله ساجد
في أبيات أخر.
وقد اختلف العلماء في حكم القتال في الأشهر الحرم، هل تحريمه باق أم نسخ:
فالجمهور على أنّه نسخ تحريمه، ونصّ على نسخه الإمام أحمد وغيره من الأئمة. وذهب طائفة من السّلف منهم عطاء إلى بقاء تحريمه، ورجّحه بعض المتأخرين واستدلّوا بآية المائدة، والمائدة من آخر ما نزل من القرآن. وقد روي: «أحلّوا حلالها وحرّموا حرامها».
وقيل: ليس فيها منسوخ. وفي «المسند» أنّ عائشة ﵂، قالت: «هي آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلال فاستحلّوه، وما وجدتم فيها من حرام فحرّموه» (^١). وروى الإمام أحمد في «مسنده»: حدثنا إسحاق بن عيسى، حدثنا ليث بن سعد، عن أبي الزّبير، عن جابر، قال: «لم يكن رسول الله ﷺ يغزو في الشّهر الحرام إلاّ أن يغزى ويغزو، فإذا حضره أقام حتّى ينسلخ» (^٢).
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٦/ ١٨٨)، والحاكم (٢/ ٣١١)، والبيهقي (٧/ ١٧٢)، وإسناده صحيح.
(٢) أخرجه: أحمد (٣٤٥، ٣/ ٣٣٤)، وإسناده صحيح.
[ ٢٠٩ ]
وذكر بعضهم أنّ النبيّ ﷺ حاصر الطائف في شوّال، فلمّا دخل ذو القعدة لم يقاتل، بل صابرهم، ثمّ رجع. وكذلك في عمرة الحديبية لم يقاتل حتّى بلغه أنّ عثمان قتل، فبايع على القتال، ثم لمّا بلغه أنّ ذلك لا حقيقة له كفّ.
واستدلّ الجمهور بأنّ الصحابة اشتغلوا بعد النبي ﷺ بفتح البلاد ومواصلة القتال والجهاد، ولم ينقل عن أحد منهم أنّه توقّف عن القتال وهو طالب له في شيء من الأشهر الحرم، وهذا يدلّ على اجتماعهم على نسخ ذلك، والله أعلم.
ومن عجائب الأشهر الحرم ما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص: أنّه ذكر عجائب الدنيا، فعدّ منها بأرض عاد عمود نحاس، عليه شجرة من نحاس، فإذا كان في الأشهر الحرم قطر منها الماء، فملئوا منه حياضهم، وسقوا مواشيهم وزروعهم، فإذا ذهب الأشهر الحرم انقطع الماء.
وقوله ﷺ «ورجب مضر» سمّي رجب رجبا؛ لأنّه كان يرجّب، أي يعظّم، كذا قال الأصمعيّ، والمفضّل، والفرّاء. وقيل: لأنّ الملائكة تترجّب للتسبيح والتّحميد فيه، وفي ذلك حديث مرفوع إلاّ أنه موضوع. وأما إضافته إلى «مضر»، فقيل: لأنّ مضر كانت تزيد في تعظيمه واحترامه، فنسب إليهم لذلك. وقيل: بل كانت ربيعة تحرّم رمضان، وتحرّم مضر رجبا، فلذلك سمّاه رجب مضر، وحقّق ذلك بقوله: «الذي بين جمادى وشعبان».
وذكر بعضهم أنّ لشهر رجب أربعة عشر اسما: شهر الله، ورجب، ورجب مضر، ومنصل الأسنّة، والأصمّ، والأصبّ، ومنفّس، ومطهّر، ومعلّى، ومقيم، وهرم، ومقشقش، ومبرئ، وفرد. وذكر غيره أنّ له سبعة عشر اسما، فزاد «رجم» بالميم، ومنصل الألّة - وهي الحربة - ومنزع الأسنّة.
ويتعلّق بشهر رجب أحكام كثيرة؛ فمنها ما كان في الجاهلية، واختلف
[ ٢١٠ ]
العلماء في استمراره في الإسلام، كالقتال، وقد سبق ذكره، وكالذّبائح، فإنّهم كانوا في الجاهلية يذبحون ذبيحة يسمّونها العتيرة. واختلف العلماء في حكمها في الإسلام؛ فالأكثرون على أن الإسلام أبطلها. وفي «الصحيحين» عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ، قال: «لا فرع ولا عتيرة» (^١).
ومنهم من قال: بل هي مستحبّة؛ منهم ابن سيرين. وحكاه الإمام أحمد عن أهل البصرة. ورجّحه طائفة من أهل الحديث المتأخرين. ونقل حنبل عن أحمد نحوه.
وفي «سنن أبي داود والنسائيّ وابن ماجه»، عن مخنف بن سليم أن النبيّ ﷺ، قال بعرفة: «إنّ على كلّ أهل بيت في كلّ عام أضحى وعتيرة، وهي التي يسمّونها الرّجبيّة» (^٢).
وفي النسائي عن نبيشة أنّهم قالوا: يا رسول الله، إنّا كنّا نعتر فيه في الجاهلية، يعني في رجب. قال: «اذبحوا لله في أي شهر كان، وبرّوا الله وأطعموا» (^٣).
وروى الحارث بن عمرو: أنّ النبيّ ﷺ سئل عن الفرع والعتائر، فقال:
«من شاء فرّع، ومن شاء لم يفرّع؛ ومن شاء عتر ومن شاء لم يعتر» (^٤).
وفي حديث آخر، قال: «العتيرة حقّ» (^٥).
وفي النسائي عن أبي رزين، قال: قلت: يا رسول الله، كنّا نذبح ذبائح في
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٧/ ١١٠) (٥٤٧٣) (٥٤٧٤)، ومسلم (٦/ ٨٢ - ٨٣) (١٩٧٦).
(٢) أخرجه: أبو داود (٢٧٨٨)، والترمذي (١٥١٨)، والنسائي (٧/ ١٦٧ - ١٦٨)، وابن ماجه (٣١٢٥)، وضعفه الألباني في «تخريج المشكاة» (١٤٧٨)
(٣) أخرجه: أبو داود (٢٨٣٠)، والنسائي (٤٢٣٣)، وابن ماجه (٣١٦٧)، وصححه الألباني في «الإرواء» (١١٦٧).
(٤) أخرجه: النسائي (٧/ ١٦٨ - ١٦٩)، وهو ضعيف، وراجع: «الإرواء» (١١٦٧).
(٥) أخرجه: النسائي (٧/ ١٦٨)، وحسنه الألباني في «الإرواء» (١١٨١).
[ ٢١١ ]
الجاهلية، يعني في رجب، فنأكل ونطعم من جاءنا. فقال رسول الله ﷺ:
«لا بأس به» (^١).
وخرّج الطبراني بإسناده، عن ابن عباس، قال: استأذنت قريش رسول الله ﷺ في العتيرة، فقال: «أعتر كعتر الجاهلية، ولكن من أحبّ منكم أن يذبح لله فيأكل ويتصدّق فليفعل» (^٢).
وهؤلاء جمعوا بين هذه الأحاديث وبين حديث: «لا فرع ولا عتيرة» (^٣) بأنّ المنهي عنه هو ما كان يفعله أهل الجاهلية من الذّبح لغير الله. وحمله سفيان بن عيينة على أنّ المراد به نفي الوجوب.
ومن العلماء من قال: حديث أبي هريرة أصحّ من هذه الأحاديث وأثبت، فيكون العمل عليه دونها. وهذه طريقة الإمام أحمد.
وروى مبارك بن فضالة، عن الحسن، قال: ليس في الإسلام عتيرة، إنما كانت العتيرة في الجاهلية، كان أحدهم يصوم رجب ويعتر فيه. ويشبه الذبح في رجب اتخاذه موسما وعيدا، كأكل الحلوى ونحوها. وقد روي عن ابن عباس ﵄ أنّه كان يكره أن يتّخذ رجب عيدا.
وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: كان النبيّ ﷺ ينهى عن صيام رجب كله لئلا يتّخذ عيدا (^٤).
_________________
(١) أخرجه: النسائي (٧/ ١٧١).
(٢) أخرجه: الطبراني (١١/ ٢٣٢) رقم (١١٥٨٦)، وقال في «المجمع» (٤/ ٢٨): «وفيه إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة، وثقه ابن معين، وضعفه غيره».
(٣) أخرجه: البخاري (٧/ ١١٠) (٥٤٧٣) (٥٤٧٤)، ومسلم (٨٣، ٦/ ٨٢) (١٩٧٦) عن أبي هريرة ﵁. وراجع: «التلخيص الحبير» (٤/ ٢٧٢ - ٢٧٣).
(٤) أخرجه: عبد الرزاق (٧٨٥٤) موقوفا على ابن عباس، وأخرجه ابن ماجه (١٧٤٣)، والطبراني (١٠/ ١٦٨١) من حديث ابن عباس مرفوعا.
[ ٢١٢ ]
وعن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، قال: قال رسول الله ﷺ:
«لا تتخذوا شهرا عيدا، ولا يوما عيدا» (^١).
وأصل هذا؛ أنه لا يشرع أن يتّخذ المسلمون عيدا إلا ما جاءت الشريعة باتخاذه عيدا، وهو يوم الفطر ويوم الأضحى وأيام التشريق، وهي أعياد العام، ويوم الجمعة وهو عيد الأسبوع، وما عدا ذلك فاتخاذه عيدا وموسما بدعة لا أصل له في الشريعة.
ومن أحكام رجب ما ورد فيه من الصّلاة والزّكاة والصّيام والاعتمار:
فأما الصّلاة؛ فلم يصحّ في شهر رجب صلاة مخصوصة تختصّ به، والأحاديث المرويّة في فضل صلاة الرغائب في أول ليلة جمعة من شهر رجب كذب وباطل لا تصحّ، وهذه الصّلاة بدعة عند جمهور العلماء.
وممن ذكر ذلك من أعيان العلماء المتأخرين من الحفّاظ أبو إسماعيل الأنصاريّ، وأبو بكر بن السّمعانيّ، وأبو الفضل بن ناصر، وأبو الفرج بن الجوزي وغيرهم. وإنما لم يذكرها المتقدّمون؛ لأنّها أحدثت بعدهم.
وأوّل ما ظهرت بعد الأربعمائة، فلذلك لم يعرفها المتقدّمون ولم يتكلموا فيها.
وأما الصّيام؛ فلم يصح في فضل صوم رجب بخصوصه شيء عن النبي ﷺ ولا عن أصحابه، ولكن روي عن أبي قلابة، قال: في الجنّة قصر لصوّام رجب.
قال البيهقيّ: أبو قلابة من كبار التابعين لا يقول مثله إلاّ عن بلاغ. وإنّما ورد
_________________
(١) أخرجه: عبد الرزاق (٧٨٥٣)، وهو مرسل.
[ ٢١٣ ]
في صيام الأشهر الحرم كلها حديث مجيبة الباهلية عن أبيها أو عمّها أنّ النبيّ ﷺ قال له: «صم من الحرم واترك» (^١)، قالها ثلاثا (^٢). خرّجه أبو داود وغيره. وخرّجه ابن ماجه، وعنده: «صم أشهر الحرم» (^٣).
وقد كان بعض السّلف يصوم الأشهر الحرم كلّها، منهم ابن عمر، والحسن البصري، وأبو إسحاق السّبيعيّ. وقال الثوريّ: الأشهر الحرم أحبّ إليّ أن أصوم فيها. وجاء في حديث خرّجه ابن ماجه؛ أنّ أسامة بن زيد كان يصوم أشهر الحرم، فقال له رسول الله ﷺ: «صم شوّالا» (^٤) فترك أشهر الحرم وصام شوّالا حتى مات. وفي إسناده انقطاع.
وخرّج ابن ماجه أيضا بإسناد فيه ضعف، عن ابن عبّاس: أنّ النبيّ ﷺ نهى عن صيام رجب (^٥). والصحيح وقفه على ابن عباس. ورواه عطاء عن النبي ﷺ مرسلا، وقد سبق لفظه.
وروى عبد الرزّاق في كتابه عن داود بن قيس، عن زيد بن أسلم، قال:
«ذكر لرسول الله ﷺ قوم يصومون رجبا، فقال: أين هم من شعبان؟» (^٦)
_________________
(١) أخرجه: أبو داود (٢٤٢٨)، وابن ماجه (١٧٤١)، والبيهقي (٤/ ٢٩١). وهو حديث ضعيف، وراجع: «ضعيف أبي داود» (٤١٩).
(٢) هنا زيادة في (أ) ولا أظنها محفوظة هنا؛ لأن ما بعدها متعلق بما قبلها، وليس متعلقا بها، ونصها: «روى الكتاني: أخبرنا تمام الرازي، حدثنا القاضي يوسف بن القاسم، حدثنا محمد بن إسحاق السراج، حدثنا يوسف بن موسى، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا حبيب المعلم، عن عطاء، أن عروة قال لعبد الله بن عمر: هل كان رسول الله ﷺ يصوم في رجب؟ قال: نعم، ويشرّفه، قالها ثلاثا».
(٣) «سنن ابن ماجه» (١٧٤١).
(٤) أخرجه: ابن ماجه (١٧٤٤)، وسنده ضعيف، وراجع: «تخريج الترغيب» للألباني (٢/ ٨١).
(٥) أخرجه: ابن ماجه (١٧٤٣)، وراجع: السلسلة الضعيفة (٤٠٤).
(٦) أخرجه: عبد الرزاق (٧٨٥٨)، وهو مرسل.
[ ٢١٤ ]
وروى أزهر بن سعيد الجمحي عن أمه أنها سألت عائشة عن صوم رجب، فقالت: إن كنت صائمة فعليك بشعبان. وروي مرفوعا، ووقفه أصحّ.
وروي عن عمر ﵁ أنّه كان يضرب أكفّ الرجال في صوم رجب حتّى يضعوها في الطعام، ويقول: ما رجب؟ إنّ رجبا كان يعظّمه أهل الجاهلية، فلمّا كان الإسلام ترك. وفي رواية: كره أن يكون صيامه سنّة.
وعن أبي بكرة أنه رأى أهله يتهيئون لصيام رجب، فقال لهم: أجعلتم رجبا كرمضان، وألقى السّلال وكسر الكيزان.
وعن ابن عباس أنه كره أن يصام رجب كلّه. وعن ابن عمرو ابن عباس أنهما كانا يريان أن يفطر منه أياما، وكرهه أنس أيضا، وسعيد بن جبير، وكره صيام رجب كله يحيى بن سعيد الأنصاري، والإمام أحمد، وقال: يفطر منه يوما أو يومين، وحكاه عن ابن عمر وابن عباس. وقال الشافعيّ في «القديم»: أكره أن يتّخذ الرجل صوم شهر يكمله كما يكمل رمضان، واحتجّ بحديث عائشة:
«ما رأيت رسول الله ﷺ استكمل شهرا قطّ إلاّ رمضان» (^١). قال: وكذلك يوما من الأيام. قال: وإنما كرهته أن لا يتأسّى رجل جاهل فيظن أنّ ذلك واجب، وإن فعل فحسن.
وتزول كراهة إفراد رجب بالصّوم بأن يصوم معه شهرا آخر تطوعا عند بعض أصحابنا، مثل أن يصوم الأشهر الحرم، أو يصوم رجب وشعبان، وقد تقدّم عن ابن عمر وغيره صيام الأشهر الحرم. والمنصوص عن أحمد أنّه لا يصومه بتمامه إلاّ من صام الدهر.
وروي عن ابن عمر ما يدلّ عليه؛ فإنّه بلغه أنّ قوما أنكروا عليه أنّه حرّم
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٣/ ٥٠) (١٩٦٩)، ومسلم (٣/ ١٦٠) (١١٥٦).
[ ٢١٥ ]
صوم رجب، فقال: كيف بمن يصوم الدّهر؟ وهذا يدلّ على أنّه لا يصام رجب إلاّ مع صوم الدّهر.
وروى يوسف بن عطية، عن هشام بن حسان، عن ابن سيرين، عن عائشة أن النبيّ ﷺ لم يصم بعد رمضان إلاّ رجبا وشعبان؛ ويوسف ضعيف جدّا.
وروى أبو يوسف القاضي، عن ابن أبي ليلى، عن أخيه عيسى، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عائشة: أنّ النبيّ ﷺ كان يصوم من كلّ شهر ثلاثة أيام، وربّما أخّر ذلك حتى يقضيه في رجب وشعبان. ورواه عمرو بن أبي قيس، عن ابن أبي ليلى، فلم يذكر فيه رجبا، وهو أصحّ.
وأمّا الزّكاة؛ فقد اعتاد أهل هذه البلاد إخراج الزّكاة في شهر رجب، ولا أصل لذلك في السّنّة، ولا عرف عن أحد من السّلف. ولكن روي عن عثمان أنه خطب النّاس على المنبر، فقال: إنّ هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤد دينه وليزكّ ما بقي (^١). خرّجه مالك في «الموطإ».
وقد قيل: إن ذلك الشهر الذي كانوا يخرجون فيه زكاتهم نسي ولم يعرف وقيل: بل كان شهر المحرّم؛ لأنّه رأس الحول.
وقد ذكر الفقهاء من أصحابنا وغيرهم أنّ الإمام يبعث سعاته لأخذ الزّكاة في المحرم. وقيل: بل كان شهر رمضان؛ لفضله وفضل الصّدقة فيه.
وبكلّ حال فإنّما تجب الزّكاة إذا تمّ الحول على النصاب، فكلّ أحد له حول يخصّه بحسب وقت ملكه للنصاب، فإذا تمّ حوله وجب عليه إخراج زكاته في أيّ شهر كان، فإن عجّل زكاته قبل الحول أجزأه عند جمهور العلماء. وسواء كان تعجيله لاغتنام زمان فاضل، أو لاغتنام الصّدقة على من
_________________
(١) «الموطأ» (ص ١٧٢)، وإسناده صحيح.
[ ٢١٦ ]
لا يجد مثله في الحاجة، أو كان لمشقة إخراج الزّكاة عليه عند تمام الحول جملة، فيكون التفريق في طول الحول أرفق به. وقد صرّح مجاهد بجواز التّعجيل على هذا الوجه، وهو مقتضى إطلاق الأكثرين، وخالف في هذه الصورة إسحاق، نقله عنه ابن منصور.
وأما إذا حال الحول فليس له التأخير بعد ذلك عند الأكثرين. وعن أحمد يجوز تأخيرها؛ لانتظار قوم لا يجد مثلهم في الحاجة. وأجاز مالك وأحمد في رواية نقلها إلى بلد فاضل، فعلى قياس هذا لا يبعد جواز تأخيرها إلى زمن فاضل لا يوجد مثله كرمضان ونحوه. وروى يزيد الرّقاشيّ عن أنس أن المسلمين كانوا يخرجون زكاتهم في شعبان تقوية على الاستعداد لرمضان، وفي الإسناد ضعف.
وأما الاعتمار في رجب؛ فقد روى ابن عمر ﵄، أنّ النبيّ ﷺ اعتمر في رجب، فأنكرت ذلك عائشة عليه، وهو يسمع، فسكت. واستحبّ الاعتمار في رجب عمر بن الخطاب وغيره. وكانت عائشة تفعله وابن عمر أيضا. ونقل ابن سيرين عن السّلف أنّهم كانوا يفعلونه.
فإنّ أفضل الأنساك أن يؤتى بالحجّ في سفرة، والعمرة في سفرة أخرى في غير أشهر الحجّ، وذلك من جملة إتمام الحجّ والعمرة المأمور به. كذلك قاله جمهور الصّحابة كعمر وعثمان وعليّ وغيرهم ﵃.
وقد روي أنّه كان في شهر رجب حوادث عظيمة، ولم يصحّ شيء من ذلك؛ فروي أنّ النبي ﷺ ولد في أول ليلة منه، وأنّه بعث في السابع والعشرين منه، وقيل: في الخامس والعشرين، ولا يصحّ شيء من ذلك. وروي بإسناد لا يصحّ عن القاسم بن محمد أنّ الإسراء بالنبيّ ﷺ كان في سابع عشرين رجب، وأنكر ذلك إبراهيم الحربيّ وغيره. وروي عن قيس بن عباد، قال: في اليوم العاشر من رجب ﴿يَمْحُوا اللهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرّعد: ٣٩].
[ ٢١٧ ]
وكان أهل الجاهلية يتحرّون الدّعاء فيه على الظالم، وكان يستجاب لهم، ولهم في ذلك أخبار مشهورة قد ذكرها ابن أبي الدنيا في كتاب «مجابي الدعوة» وغيره. وقد ذكر ذلك لعمر بن الخطاب، فقال عمر: إنّ الله كان يصنع بهم ذلك ليحجز بعضهم عن بعض، وأنّ الله جعل السّاعة موعدكم، والسّاعة أدهى وأمر.
وروى زائدة بن أبي الرّقاد، عن زياد النّميري، عن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل رجب قال: «اللهم بارك لنا في رجب وشعبان وبلّغنا رمضان» (^١). وروي عن أبي إسماعيل الأنصاري أنّه قال: لم يصحّ في فضل رجب غير هذا الحديث. وفي قوله نظر؛ فإنّ هذا الإسناد فيه ضعف.
وفي هذا الحديث دليل على استحباب الدّعاء بالبقاء إلى الأزمان الفاضلة؛ لإدراك الأعمال الصّالحة فيها؛ فإنّ المؤمن لا يزيده عمره إلاّ خيرا، وخير النّاس من طال عمره وحسن عمله. وكان السّلف يستحبّون أن يموتوا عقيب عمل صالح؛ من صوم رمضان، أو رجوع من حجّ، وكان يقال: من مات كذلك غفر له.
كان بعض العلماء الصالحين قد مرض قبل شهر رجب، فقال: إنّي دعوت الله أن يؤخّر وفاتي إلى شهر رجب، فإنّه بلغني أنّ لله فيه عتقاء؛ فبلّغه الله ذلك ومات في شهر رجب.
شهر رجب مفتاح أشهر الخير والبركة؛ قال أبو بكر الورّاق البلخيّ: شهر رجب شهر الزّرع، وشهر شعبان شهر السّقي للزّرع، وشهر رمضان شهر حصاد الزّرع وعنه قال: مثل شهر رجب مثل الريح، ومثل شعبان مثل الغيم،
_________________
(١) أخرجه: أحمد (١/ ٢٥٩)، وابن السني في «عمل اليوم والليلة» (٦٥٨)، والبزار (٦١٦ - كشف). وهو ضعيف، وفي إسناده زائدة بن أبي الرقاد، وهو منكر الحديث.
[ ٢١٨ ]
ومثل رمضان مثل المطر. وقال بعضهم: السّنة مثل الشّجرة؛ وشهر رجب أيّام توريقها، وشعبان أيّام تفريعها، ورمضان أيّام قطفها، والمؤمنون قطافها.
جدير بمن سوّد صحيفته بالذّنوب أن يبيّضها بالتّوبة في هذا الشهر، وبمن ضيّع عمره في البطالة أن يغتنم فيه ما بقي من العمر.
بيّض صحيفتك السّوداء في رجب … بصالح العمل المنجي من اللهب
شهر حرام أتى من أشهر حرم … إذا دعا الله داع فيه لم يخب
طوبى لعبد زكى فيه له عمل … فكفّ فيه عن الفحشاء والرّيب
انتهاز الفرصة بالعمل في هذا الشهر غنيمة، واغتنام أوقاته بالطّاعات له فضيلة عظيمة.
يا عبد أقبل منيبا واغتنم رجبا … فإنّ عفوي عمّن تاب قد وجبا
في هذه الأشهر الأبواب قد فتحت … للتّائبين فكلّ نحونا هربا
حطّوا الرّكائب في أبواب رحمتنا … بحسن ظنّ فكلّ نال ما طلبا
وقد نثرنا عليهم من تعطّفنا … نثار حسن قبول فاز من نهبا
***
[ ٢١٩ ]