إحداهما: أنّ هذا الرّسول كان أيضا أميّا كأمّته المبعوث إليهم، لم يقرأ كتابا قطّ، ولم يخطّه بيمينه، كما قال تعالى: ﴿وَما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] الآيات، ولا خرج عن ديار قومه فأقام عند غيرهم حتّى تعلّم منهم شيئا، بل لم يزل أمّيّا بين أمّة أمّيّة، لا يكتب ولا يقرأ حتى كمّل الأربعين من عمره، ثمّ جاء بعد ذلك بهذا الكتاب المبين، وهذه الشريعة الباهرة، وهذا الدّين القيّم، الذي اعترف حذّاق أهل الأرض ونظّارهم أنّه لم يقرع العالم ناموس أعظم منه. وفي هذا برهان ظاهر على صدقه.
[ ١٥١ ]
والفائدة الثانية: التنبيه على أنّ المبعوث منهم - وهم الأمّيّون خصوصا أهل مكّة - يعرفون نسبه، وشرفه، وصدقه، وأمانته، وعفّته، وأنّه نشأ بينهم معروفا بذلك كلّه، وأنّه لم يكذب قطّ؛ فكيف كان يدع الكذب على النّاس ثم يفتري الكذب على الله ﷿، هذا هو الباطل، ولذلك سأل هرقل عن هذه الأوصاف، واستدلّ بها على صدقه فيما ادّعاه من النّبوّة والرّسالة.
وقوله: ﴿يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ،﴾ يعني يتلو عليهم ما أنزله الله عليه من آياته المتلوّة، وهو القرآن، وهو أعظم الكتب السّماويّة، وقد تضمّن من العلوم والحكم، والمواعظ، والقصص، والترغيب والترهيب، وذكر أخبار من سبق، وأخبار ما يأتي من البعث والنّشور والجنّة والنّار، ما لم يشتمل عليه كتاب غيره، حتّى قال بعض العلماء: لو أنّ هذا الكتاب وجد مكتوبا في مصحف في فلاة من الأرض، ولم يعلم من وضعه هناك، لشهدت العقول السّليمة أنّه منزل من عند الله، وأنّ البشر لا قدرة لهم على تأليف ذلك، فكيف إذا جاء على يدي أصدق الخلق وأبرّهم وأتقاهم، وقال: إنّه كلام الله، وتحدّى الخلق كلّهم أن يأتوا بسورة مثله، فعجزوا. فكيف يبقى مع هذا شكّ فيه؟ ولهذا قال تعالى: ﴿ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢].
وقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ يُتْلى عَلَيْهِمْ﴾ [العنكبوت: ٥١].
فلو لم يكن لمحمّد ﷺ من المعجزات الدّالّة على صدقه غير هذا الكتاب لكفاه، فكيف وله من المعجزات الأرضيّة والسّماويّة ما لا يحصى (^١).
_________________
(١) زاد في أ: «كانشقاق القمر، وتسليم الحجر، ونبع الماء من بين أصبعيه، وإشباع الخلق الكثير من الطعام اليسير، وحنين الجذع إليه، وتسبيح الحصى في كفيه، وشكاية البعير إليه، وشهادة الشاة المصلية، وإظلال السحاب عليه قبل أن يبعث، وحديث شاة أم معبد، وإدرار لبنها من غير أن تكون ذات لبن، والثاني كالنور المتنقل، وحديث الخثعمية، وصدقه لهم وأمانته».
[ ١٥٢ ]
وقوله: ﴿وَيُزَكِّيهِمْ،﴾ يعني أنّه يزكّي قلوبهم ويطهّرها من أدناس الشّرك والفجور والضّلال؛ فإنّ النفوس تزكوا إذا طهرت من ذلك كلّه، ومن زكت نفسه فقد أفلح، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاها﴾ [الشّمس: الآية ٩]. وقال:
﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى﴾ [الأعلى: ١٤].
وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ،﴾ يعني بالكتاب القرآن، والمراد:
ويعلّمهم تلاوة ألفاظه. ويعني بالحكمة فهم معاني القرآن والعمل بما فيه.
فالحكمة هي فهم القرآن والعمل به، فلا يكتفى بتلاوة ألفاظ الكتاب حتّى يعلم معناه ويعمل بمقتضاه، فمن جمع له ذلك كلّه فقد أوتي الحكمة. قال تعالى: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩].
قال الفضيل: العلماء كثير، والحكماء قليل. وقال: الحكماء ورثة الأنبياء فالحكمة هي العلم النافع الذي يتبعه العمل الصّالح. وهي نور يقذف في القلب يفهم بها معنى العلم المنزّل من السّماء، ويحضّ على اتّباعه والعمل به. ومن قال: الحكمة السّنّة، فقوله حقّ؛ لأنّ السّنّة تفسّر القرآن وتبيّن معانيه وتحضّ على اتّباعه والعمل به؛ فالحكيم هو العالم المستنبط لدقائق العلم المنتفع بعلمه بالعمل به ولأبي العتاهية.
وكيف تحبّ أن تدعى حكيما … وأنت لكلّ ما تهوى ركوب
وتضحك دائبا ظهرا لبطن … وتذكر ما عملت فلا تتوب
وقوله: ﴿وَإِنْ كانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ،﴾ إشارة إلى ما كان النّاس عليه قبل إنزال هذا الكتاب من الضلال، فإنّ الله نظر حينئذ إلى أهل الأرض، فمقتهم، عربهم وعجمهم، إلاّ بقايا من أهل الكتاب تمسّكوا بدينهم الذي لم يبدّل ولم يغيّر، وكانوا قليلا جدّا.
[ ١٥٣ ]
فأمّا عامّة أهل الكتاب فكانوا قد بدّلوا كتبهم وغيّروها وحرّفوها، وأدخلوا في دينهم ما ليس منه فضلّوا وأضلّوا. وأمّا غير أهل الكتاب فكانوا على ضلال مبين؛ فالأمّيّون أهل شرك يعبدون الأوثان، والمجوس يعبدون النيران ويقولون بإلهين اثنين، وكذلك غيرهم من أهل الأرض؛ منهم من كان يعبد النّجوم، ومنهم من كان يعبد الشّمس أو القمر.
فهدى الله المؤمنين بإرسال محمّد ﷺ إلى ما جاء به من الهدى ودين الحقّ؛ وأظهر الله دينه حتى بلغ مشارق الأرض ومغاربها، فظهرت فيها كلمة التّوحيد والعمل بالعدل بعد أن كانت الأرض كلّها ممتلئة من ظلمة الشّرك والظّلم.
فالأمّيّون هم العرب، والآخرون الذين لم يلحقوا بهم هم أهل فارس والرّوم، فكانت أهل فارس مجوسا، والرّوم نصارى، فهدى جميع هؤلاء برسالة محمّد ﷺ إلى التوحيد.
وقد رئي الإمام أحمد بعد موته في المنام، فسئل عن حاله، فقال: لولا هذا النّبيّ لكنّا مجوسا، وهو كما قال، فإنّ أهل العراق لولا رسالة محمد ﷺ لكانوا مجوسا، وأهل الشّام ومصر والرّوم لولا رسالة محمد ﷺ لكانوا نصارى، وأهل جزيرة العرب لولا رسالة محمد لكانوا مشركين عبّاد أوثان.
ولكن رحم الله عباده بإرسال محمد ﷺ فأنقذهم من الضّلال، كما قال تعالى:
﴿وَما أَرْسَلْناكَ إِلاّ رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧]. ولهذا قال تعالى: ﴿ذلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٤].
فمن حصل له نصيب من دين الإسلام فقد حصل له الفضل العظيم، وقد عظمت عليه نعمة الله، فما أحوجه إلى القيام بشكر هذه النّعمة وسؤاله دوامها والثّبات عليها إلى الممات، والموت عليها، فبذلك تتمّ النّعمة.
[ ١٥٤ ]
فإبراهيم ﵇ هو إمام الحنفاء المأمور محمّد ﷺ ومن قبله من الأنبياء ﵈ بالاقتداء به، وهو الّذي جعله الله للنّاس إماما. وقد دعا هو وابنه إسماعيل ﵇ بأن يبعث الله في أهل مكّة رسولا منهم موصوفا بهذه الأوصاف، فاستجاب الله لهما وجعل هذا النّبيّ المبعوث فيهم من ولد إسماعيل بن إبراهيم كما دعيا بذلك، وهو النّبيّ الّذي أظهر دين إبراهيم الحنيف بعد اضمحلاله وخفائه على أهل الأرض، فلهذا كان أولى النّاس بإبراهيم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ [آل عمران: ٦٨].
وقال ﷺ: «إنّ لكلّ نبيّ وليّا من النّبيّين وإنّ وليي إبراهيم» (^١)، ثم تلا هذه الآية. وكان ﷺ أشبه ولد إبراهيم به صورة ومعنى، حتى إنّه أشبهه في خلّة الله تعالى، فقال: «إنّ الله اتّخذني خليلا كما اتّخذ إبراهيم خليلا» (^٢).
الثاني: بشارة عيسى به، وعيسى ﵇ آخر أنبياء بني إسرائيل، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذْ قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يا بَنِي إِسْرائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْراةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
وقد كان المسيح ﵇ يحضّ على اتّباعه، ويقول: إنّه يبعث بالسّيف، فلا يمنعنّكم ذلك منه. وروي عنه أنّه قال: سوف أذهب أنا ويأتي الذي بعدي لا يتحمّدكم بدعواه، ولكن يسلّ السّيف فتدخلونه طوعا وكرها.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (١/ ٤٠١)، والترمذي (٢٩٩٥)، والحاكم (٢/ ٥٥٣)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (١/ ٤٤٤). وإسناده منقطع.
(٢) أخرجه: مسلم (٥٣٢)، وابن ماجه (١٤١)، وراجع الضعيفة (٣٠٣٤)، وهو في «صحيح مسلم» (١٠٩، ٧/ ١٠٨) (٢٣٨٣) من حديث ابن مسعود بلفظ: «… وقد اتخذ الله ﷿ صاحبكم خليلا».
[ ١٥٥ ]
وفي «المسند» عن أبي الدّرداء ﵁، عن النّبيّ ﷺ: «إنّ الله ﷿ أوحى إلى عيسى ﵇: إنّي باعث بعدك أمّة، إن أصابهم ما يحبّون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون، احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم. قال:
يا ربّ! كيف هذا ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي» (^١).
قال ابن إسحاق: حدّثني بعض أهل العلم أنّ عيسى بن مريم ﵇ قال:
إنّ أحبّ الأمم إلى الله ﷿ لأمّة أحمد. قيل له: وما فضلهم الذي تذكر؟ قال: لم تذلّل «لا إله إلاّ الله» على ألسن أمّة من الأمم تذليلها على ألسنتهم.
الثالث ممّا دل على نبوّته قبل ظهوره: رؤيا أمّه التي رأت أنّه خرج منها نور أضاءت له قصور الشّام، وذكر أنّ أمّهات النّبيّين كذلك يرين. والرؤيا هنا إن أريد بها رؤيا المنام، فقد روي أنّ آمنة بنت وهب رأت في أوّل حملها بالنّبيّ ﷺ أنّها بشّرت بأنّه يخرج منها عند ولادتها نور تضيء له قصور الشّام.
وروى الطبراني بإسناده عن أبي مريم الكنديّ، عن النّبيّ ﷺ أنّه سئل: أيّ شيء كان أوّل من أمر نبوّتك؟ قال: «أخذ الله منّي الميثاق كما أخذ من النّبيّين ميثاقهم»، وتلا: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ الآية [الأحزاب: ٧]، وبشرى المسيح بن مريم، ورأت أمّ رسول الله ﷺ في منامها أنّه خرج من بين يديها سراج أضاءت لها قصور الشّام. ثم قال: «ووراء ذلك» (^٢). مرتين أو ثلاثا.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٦/ ٤٥٠)، والبخاري في «التاريخ الكبير» (٨/ ٣٥٥)، والحاكم (٣٤٨/ ١)، والطبراني في «الأوسط» (٣٢٧٦). وفي إسناده أبو حلبس يزيد بن ميسرة، وهو مجهول.
(٢) أخرجه: الطبراني في «المعجم الكبير» (٢٢/ ٣٣٣) رقم (٨٣٥)، وفي «مسند الشاميين» (٩٨٤). وفي إسناده ضعف.
[ ١٥٦ ]
وإن أريد بها رؤيا عين - كما قال ابن عبّاس في قول الله ﷿: ﴿وَما جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْناكَ إِلاّ فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠]: إنها رؤيا عين أريها النّبيّ ﷺ ليلة أسري به - فقد روي أنّ آمنة رأت ذلك عند ولادة النّبيّ ﷺ.
قال ابن إسحاق: كانت آمنة بنت وهب تحدّث أنّها أتيت حين حملت برسول الله ﷺ فقيل لها: إنّك حملت بسيّد هذه الأمّة فإذا وقع على الأرض فقولي: أعيذه بالواحد من شرّ كلّ حاسد - وآية ذلك أن يخرج معه نور يملأ قصور بصرى من أرض الشّام - فإذا وقع فسمّيه محمّدا، فإن اسمه في التوراة أحمد، يحمده أهل السّماء وأهل الأرض، واسمه في الإنجيل أحمد، يحمده أهل السّماء وأهل الأرض؛ واسمه في القرآن محمّد.
وذكر ابن سعد، عن الواقديّ بأسانيد له متعددة، أنّ آمنة بنت وهب قالت:
لقد علقت به - تعني النّبي ﷺ - فما وجدت له مشقّة حتّى وضعته، فلمّا فصل منّي خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق إلى المغرب، ثم وقع إلى الأرض معتمدا على يديه، ثمّ أخذ قبضة من التّراب فقبضها ورفع رأسه إلى السّماء.
وفي حديث بعضهم: وقع جاثيا على ركبتيه وخرج معه نور أضاءت له قصور الشّام وأسواقها حتّى رئيت أعناق الإبل ببصرى، رافعا رأسه إلى السّماء.
وروى البيهقيّ بإسناده، عن عثمان بن أبي العاص، حدّثتني أمّي أنّها شهدت ولادة آمنة بنت وهب رسول الله ﷺ ليلة ولدته، قالت: فما شيء أنظر إليه من البيت إلاّ نور، وإنّي أنظر إلى النّجوم تدنو حتّى إنّي لأقول:
لتقعنّ عليّ (^١). وخرّج الإمام أحمد من حديث عتبة بن عبد السّلمي، عن
_________________
(١) أخرجه: البيهقي في «دلائل النبوة» (١/ ١١١)، والطبراني (٢٥/ ١٨٦) (٤٥٧) وإسناده ضعيف جدّا. قال الهيثمي (٨/ ٢٢٠): «وفيه عبد العزيز بن عمران، وهو متروك».
[ ١٥٧ ]
النّبيّ ﷺ أنّ آمنة قالت: إنّي رأيت خرج منّي نور أضاءت منه قصور الشّام (^١).
وروى ابن إسحاق، عن جهم بن أبي جهم، عن عبد الله بن جعفر، عمّن حدّثه عن حليمة أمّ النّبيّ ﷺ التي أرضعته، أن آمنة بنت وهب حدّثتها، قالت:
إنّي حملت به فلم أر حملا قطّ كان أخفّ عليّ منه، ولا أعظم بركة منه، لقد رأيت نورا كأنّه شهاب خرج منّي حين وضعته، أضاءت له أعناق الإبل ببصرى.
وخروج هذا النّور عند وضعه إشارة إلى ما يجيء به من النّور الذي اهتدى به أهل الأرض، وزال به ظلمة الشّرك منها، كما قال تعالى: ﴿قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللهِ نُورٌ وَكِتابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [المائدة: ١٥ - ١٦].
وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: ١٥٧]. وفي هذا المعنى يقول العبّاس في أبياته المشهورة السائرة:
وأنت لمّا ولدت أشرقت الأرض … وضاءت بنورك الأفق
فنحن في ذلك الضّياء وفي النّور … وسبل الرّشاد نخترق
وأما إضاءة قصور بصرى بالنّور الذي خرج معه فهو إشارة إلى ما خصّ
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٤/ ١٨٤ - ١٨٥)، والطبراني (١٧/ ٣٢٣)، والبيهقي في «دلائل النبوة» (٧/ ٢)، والحاكم (٢/ ٦١٦ - ٦١٧)، وفي إسناده ضعف.
[ ١٥٨ ]
الشّام من نور نبوّته، فإنّها دار ملكه. كما ذكر كعب أنّ في الكتب السابقة:
محمد رسول الله مولده بمكّة، ومهاجره يثرب، وملكه بالشّام؛ فمن مكّة بدأت نبوّة محمّد ﷺ، وإلى الشّام ينتهي ملكه، ولهذا أسري به ﷺ إلى الشّام، إلى بيت المقدس، كما هاجر إبراهيم ﵇ من قبله إلى الشّام.
قال بعض السّلف: ما بعث الله نبيّا إلاّ من الشّام، فإن لم يبعث منها هاجر إليها. وفي آخر الزّمان يستقرّ العلم والإيمان بالشام، فيكون نور النبوّة فيها أظهر منه في سائر بلاد الإسلام.
وخرّج الإمام أحمد من حديث عمرو بن العاص، وأبي الدّرداء. وخرّج الحاكم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النّبيّ ﷺ، قال: «رأيت عمود الكتاب انتزع من تحت وسادتي، فأتبعته بصري، فإذا هو عمود ساطع عمد به إلى الشام، ألا وإن الإيمان إذا وقعت الفتن بالشام» (^١). وفي «المسند» والترمذي وغيرهما، عن النّبيّ ﷺ، قال: «ستكون هجرة بعد هجرة، فخيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم» (^٢). يعني الشّام.
وبالشام ينزل عيسى بن مريم ﵇ في آخر الزّمان، وهو المبشّر بمحمّد ﷺ، فيقرّر عند نزوله دين محمّد ﷺ، ويحكم به، ولا يقبل من أحد غير دينه، فيكسر الصّليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويصلّي خلف إمام
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٤/ ١٩٨)، (٥/ ١٩٨ - ١٩٩)، والطبراني في «مسند الشاميين» (١٣٥٧)، والحاكم (٤/ ٥٠٩)، وأبو نعيم في «الحلية» (٥/ ٢٥٢)، والبيهقي في «الدلائل» (٤٤٨/ ٦)، والحديث صححه الحافظ في «الفتح» (١٢/ ٤٠٣).
(٢) أخرجه: أحمد (٢٠٩، ٢/ ١٩٩)، وأبو داود (٢٤٨٢)، والحاكم (٥١١، ٤/ ٥١٠)، وفي إسناده شهر بن حوشب، وهو ضعيف. وراجع: «الضعيفة» (٣٦٩٧).
[ ١٥٩ ]
المسلمين ويقول: إنّ هذه الأمة أئمّة بعضهم لبعض، إشارة إلى أنّه متّبع لدينهم غير ناسخ له.
والشّام هي في آخر الزّمان أرض المحشر والمنشر، فيحشر النّاس إليها قبل القيامة من أقطار الأرض، فيهاجر خيار أهل الأرض إلى مهاجر إبراهيم، وهي أرض الشّام طوعا. كما تقدّم أنّ خيار أهل الأرض ألزمهم مهاجر إبراهيم.
وقال ﷺ: «عليكم بالشّام؛ فإنّها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده» (^١). خرّجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن حبّان، والحاكم في «صحيحيهما». وقال أبو أمامة: لا تقوم السّاعة حتّى ينتقل خيار أهل العراق إلى الشام، وشرار أهل الشام إلى العراق (^٢). خرّجه الإمام أحمد.
وقد ثبت في «الصحيحين» عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «لا تقوم السّاعة حتّى تخرج نار من أرض الحجاز فتضيء لها أعناق الإبل ببصرى» (^٣).
وقد خرجت هذه النّار بالحجاز بقرب المدينة، ورئيت أعناق الإبل من ضوئها ببصرى في سنة أربع وخمسين وستمائة، وعقيبها جرت واقعة ببغداد، وقتل بها الخليفة وعامّة من كان ببغداد. وتكامل خراب أرض العراق على أيدي التّتار، وهاجر خيار أهلها إلى الشام من حينئذ.
فأمّا شرار النّاس فتخرج نار في آخر الزّمان تسوقهم إلى الشّام قهرا، حتّى يجتمع الناس كلّهم بالشّام قبل قيام السّاعة.
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٤/ ١١٠)، وأبو داود (٢٤٨٣)، والحاكم (٥١٠، ٤/ ٥٠٩)، والطبراني في «مسند الشاميين» (١١٧٢)، والبيهقي في «الدلائل» (٦/ ٣٢٧)، والحديث صححه الألباني كما في «فضائل الشام» (١٣، ١١، ٩، ٢).
(٢) أخرجه: أحمد (٥/ ٢٤٩). بإسناد ضعيف.
(٣) أخرجه: البخاري (٩/ ٧٣) (٧١١٨)، ومسلم (٨/ ١٨٠) (٢٩٠٢).
[ ١٦٠ ]
وفي «سنن أبي داود»، عن أبي الدّرداء ﵁، عن النّبيّ ﷺ، قال: «إنّ فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة، إلى جانب مدينة يقال لها دمشق، من خير مدائن الشام» (^١). وخرّجه الحاكم، ولفظه: «خير منازل المسلمين يومئذ» (^٢).
إخواني، من كان من هذه الأمة فهو من خير الأمم عند الله ﷿. قال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠]. وقال النّبيّ ﷺ:
«أنتم توفّون سبعين أمّة، أنتم خيرها وأكرمها على الله ﷿» (^٣).
لمّا كان هذا الرّسول النّبيّ الأمّيّ خير الخلق وأفضلهم، كانت أمّته خير أمّة وأفضلها، فما يحسن بمن كان من خير الأمم، وانتسب إلى متابعة خير الخلق، وخصوصا من كان يسكن خير منازل المسلمين في آخر الزّمان، إلاّ أن يكون متّصفا بصفات الخير، مجتنبا لصفات الشّرّ، وقبيح به أن يرضى لنفسه أن يكون من شرّ النّاس مع انتسابه إلى خير الأمم. ومتابعة خير الرّسل.
قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أُولئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ﴾ [البيّنة: ٧]. فخير النّاس من آمن وعمل صالحا. وقال تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
وقد روي عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «خير النّاس من فقه في دين الله، ووصل
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٥/ ١٩٧)، وأبو داود (٤٢٩٨)، وصححه الألباني في «فضائل الشام» (١٥).
(٢) «المستدرك» (٤/ ٤٨٦).
(٣) أخرجه: أحمد (٤/ ٤٤٧)، (٥، ٥/ ٣) وابن ماجه (٤٢٨٨)، والطبراني (١٩/ ٤١٩، ٤٢٦، ٤٢٢/ ٤٢٤) (١٠١٢) (١٠٢٣) (١٠٣٠) (١٠٣٦)، وإسناده حسن.
[ ١٦١ ]
رحمه، وأمر بالمعروف، ونهى عن المنكر» (^١). وفي رواية: «خير النّاس أتقاهم للرب، وأوصلهم للرّحم، وآمرهم بالمعروف، وأنهاهم عن المنكر» (^٢). وقال «النّاس معادن؛ فخيارهم في الجاهليّة خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» (^٣).
وقال: «خير النّاس من طال عمره وحسن عمله، وشرّ النّاس من طال عمره وساء عمله» (^٤). وقال: «خيركم من يرجى خيره ويؤمن شرّه، وشرّكم من لا يرجى خيره ولا يؤمن شرّه» (^٥). وقال: «ألا أخبركم بخياركم؟»، قالوا:
بلى، قال: «الّذين إذا رءوا ذكر الله، ألا أنبئكم بشراركم؟» قالوا: بلى، قال: «المشّاءون بالنّميمة، المفرّقون بين الأحبّة، الباغون للبرآء العنت» (^٦).
وقال: «شرّ النّاس منزلة عند الله من تركه النّاس اتّقاء فحشه» (^٧). وقال:
«إنّ من شرّ النّاس منزلة عند الله يوم القيامة عبدا أذهب آخرته بدنيا غيره» (^٨).
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٤٣١، ٦/ ٦٨). بإسناد ضعيف.
(٢) أخرجه: أحمد (٦/ ٤٣٢)، والطبراني (٢٤/ ٢٥٧) (٦٥٧).
(٣) أخرجه: البخاري (٤/ ١٨٢) (٣٣٨٣) (٣٣٥٣)، ومسلم (٧/ ١٨٠) (٢٥٢٦) (٢٦٣٨).
(٤) أخرجه: أحمد (٥٠، ٤٩، ٤٨، ٤٧، ٤٤، ٤٣، ٥/ ٤٠)، والطيالسي (٨٦٤)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٥٢٠٨)، وصححه الألباني في «الصحيحة» (١٨٣٦)، و«تخريج المشكاة» (٥٢٨٥).
(٥) أخرجه: أحمد (٣٧٨، ٢/ ٣٦٨)، والترمذي (٢٢٦٤)، وأبو يعلى (٣٩١٠). وقال الهيثمي في «مجمع الزوائد» (٨/ ١٨٣): «رواه أحمد بإسنادين رجال أحدهما رجال الصحيح»، وصححه الألباني في «تخريج المشكاة» (٩٤٩٣).
(٦) أخرجه: أحمد (٤/ ٢٢٧)، والبزار (٣٦٢٦ - كشف)، والطبراني (٢٤/ ١٦٧) (٤٢٣)، وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٦)، والحديث له شواهد كثيرة قد يحسّن من أجلها.
(٧) أخرجه: البخاري (٣٨، ٨/ ٢١) (٦٠٥٤ - ٦١٣١)، ومسلم (٨/ ٢١) (٢٥٩١).
(٨) أخرجه: ابن ماجه (٣٩٦٦)، وأبو نعيم في «الحلية» (٦/ ٥٦)، وإسناده ضعيف، وراجع «الضعيفة» (١٩١٥).
[ ١٦٢ ]
وقال: «إنّ من شرّ النّاس منزلة عند الله ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه» (^١). وقال: «إنّ من شرّ النّاس عند الله منزلة من يقرأ كتاب الله ثم لا يرعوي إلى ما فيه» (^٢).
أعمال الأمّة تعرض على نبيّها في البرزخ، فليستح عبد أن يعرض على نبيّه من عمله ما نهاه عنه.
لمّا وقف ﷺ عام حجّة الوداع، قال: «إنّي فرطكم على الحوض، وإنّي مكاثر بكم الأمم، فلا تسوّدوا وجهي» (^٣). يشير إلى أنّه ﷺ يستحي من سيئات أمّته إذا عرضت عليه. وقال: «ليؤخذنّ برجال من أمّتي ذات الشمال، فأقول:
يا ربّ! أصحابي، فيقال: إنّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدّل بعدي» (^٤).
خير هذه الأمّة أوّلها قرنا، كما قال النّبيّ ﷺ: «خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم» (^٥). وقال: «بعثت من خير قرون بني آدم قرنا فقرنا، حتّى كنت من القرن الّذي كنت منه» (^٦).
كم قد جاء مدح أصحابه في كتابه: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدّاءُ عَلَى الْكُفّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ﴾
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٨٩، ٨/ ٢١) (٧١٧٩، ٦٠٥٨)، ومسلم (٧/ ١٨١) (٢٥٢٦).
(٢) أخرجه: أحمد (٥٨، ٣/ ٣٧)، والنسائي (٦/ ١٢)، وفي إسناده ضعف.
(٣) أخرجه: ابن ماجه (٣٠٥٧)، وقال في «زوائد ابن ماجه»: «إسناده صحيح».
(٤) أخرجه: البخاري (٥٨، ٨/ ١٥٠ - ٥٩) (٧٠٥١، ٦٥٨٥)، ومسلم (٧/ ٦٧) (٢٢٩١)، وأحمد (٣٣٩، ٥/ ٣٣٣).
(٥) أخرجه: البخاري (٢٢٤، ٣/ ١٧٦)، (٥/ ٣)، (٨/ ١١٣) (٣٦٥٠، ٢٦٥٢، ٢٦٥١، ٦٦٥٨، ٦٤٢٩، ٣٦٥١)، ومسلم (١٨٦، ٧/ ١٨٥) (٢٥٣٥، ٢٥٣٤، ٢٥٣٣) وليس عندهما بهذا اللفظ.
(٦) أخرجه: البخاري (٤/ ٢٢٩) (٣٥٥٧).
[ ١٦٣ ]
﴿تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. وخصّ الصّدّيق من بينهم بالصّحبة بقوله: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنا﴾ [التوبة: ٤٠].
لمّا جلى الرّسول ﷺ عروس الإسلام وأبرزها للبصائر من خدرها، أخرج أبو بكر ﵁ ماله كلّه نثارا لهذا العروس، فأخرج عمر النصف موافقة له، فقام عثمان بوليمة العرس، فجهز جيش العسرة، فعلم عليّ أنّ الدّنيا ضرّة هذه العروس، وأنّهما لا يجتمعان، فبتّ طلاقها ثلاثا. فالحمد لله الذي خصّنا بهذه الرّحمة، وأسبغ علينا هذه النّعمة، وأعطانا ببركة نبيّنا ﷺ هذه الفضائل الجمّة، فقال لنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
من أين في الأمم مثل أبي بكر الصّدّيق، أو عمر الذي ما سلك طريقا إلاّ هرب الشّيطان من ذلك الطريق، أو عثمان الصابر على مر الضيق، أو عليّ بحر العلم العميق أو حمزة والعبّاس؟ أفيهم مثل طلحة والزّبير القرينين، أو مثل سعد وسعيد، هيهات!! من أين؟ أو مثل ابن عوف وأبي عبيدة، ومن مثل الاثنين إن شبّهتم بهم فقد أبعدتم القياس.
من أين في زهّاد الأمم مثل أويس، أو في عبّادهم مثل عامر بن عبد قيس، أو في خائفهم مثل عمر بن عبد العزيز؟! هيهات!! ليس ضوء الشّمس كالمقباس. أو في علمائهم مثل أبي حنيفة ومالك، والشّافعي السديد المسالك، كيف نمدحه وهو أجلّ من ذلك؟ ما أحسن بنيانه والأساس!! أثم أعلى من الحسن البصري وأنبل، أو ابن سيرين الذي بالورع تبتّل، أو سفيان الثّوريّ الذي بالخوف والعلم تسربل، أو مثل أحمد الذي بذل نفسه لله وسبّل، تالله ما في الأمم مثل ابن حنبل؛ ارفع صوتك بهذا ولا باس: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠].
[ ١٦٤ ]
لاح شيب الرّأس منّي فنصح … بعد لهو وشباب ومرح
إخوتي توبوا إلى الله بنا … قد لهونا وجهلنا ما صلح
نحن في دار نرى الموت بها … لم يدع فيها لذي اللّبّ فرح
يا بني آدم صونوا دينكم … ينبغي للدّين ألاّ يطّرح
واحمدوا الله الّذي أكرمكم … بنبيّ قام فيكم فنصح
بنبيّ فتح الله به … كلّ خير نلتموه ومنح
مرسل لو يوزن النّاس به … في التّقى والبرّ خفّوا ورجح
فرسول الله أولى بالعلى … ورسول الله أولى بالمدح
***
[ ١٦٥ ]