منها: أنّ صيام ستة أيّام من شوّال بعد رمضان يستكمل بها أجر صيام الدّهر كلّه، كما سبق.
ومنها: أنّ صيام شوّال وشعبان كصلاة السّنن الرواتب قبل الصّلاة المفروضة وبعدها، فيكمل بذلك ما حصل في الفرض من خلل ونقص. فإن الفرائض تكمل بالنوافل يوم القيامة، كما ورد ذلك عن النبي ﷺ من وجوه متعدّدة (^٢).
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٣/ ٣٥) (١٩١٢)، ومسلم (٣/ ١٢٧) (١٠٨٩)، وأحمد (٤٧، ٥/ ٣٨، ٥٠)، وأبو داود (٢٣٢٣)، والترمذي (٦٩٢)، وابن ماجه (١٦٥٩) من حديث أبي بكرة ﵁.
(٢) ورد ذلك من حديث أبي هريرة عند: أحمد (٤/ ١٠٣، ٤٢٥، ٢/ ٢٩٠)، وأبي داود (٨٦٤، ٨٦٥)، والنسائي (٢٣٣، ١/ ٢٣٢)، وابن ماجه (١٤٢٦، ١٤٢٥).
[ ٣٨٧ ]
وأكثر النّاس في صيامه للفرض نقص وخلل، فيحتاج إلى ما يجبره ويكمله من الأعمال؛ ولهذا نهى النبي ﷺ أن يقول الرّجل: صمت رمضان كلّه، أو قمته كلّه. قال الصّحابي: فلا أدري، أكره التّزكية أم لا بدّ من غفلة (^١).
وكان عمر بن عبد العزيز ﵀ يقول: من لم يجد ما يتصدّق به فليصم. يعني من لم يجد ما يخرجه صدقة للفطر في آخر رمضان فليصم بعد الفطر؛ فإنّ الصّيام يقوم مقام الإطعام في التكفير للسيئات، كما يقوم مقامه في كفّارات الأيمان وغيرها من الكفّارات، مثل كفّارة القتل، والوطء في رمضان، والظّهار.
ومنها: أنّ معاودة الصّيام بعد صيام رمضان علامة على قبول صوم رمضان؛ فإنّ الله تعالى إذا تقبّل عمل عبد وفّقه لعمل صالح بعده، كما قال بعضهم:
ثواب الحسنة الحسنة بعدها، فمن عمل حسنة ثم أتبعها بحسنة بعدها، كان ذلك علامة على قبول الحسنة الأولى. كما أنّ من عمل حسنة، ثم أتبعها بسيئة، كان ذلك علامة ردّ الحسنة وعدم قبولها.
ومنها: أنّ صيام رمضان يوجب مغفرة ما تقدّم من الذّنوب، كما سبق ذكره؛ وأنّ الصّائمين لرمضان يوفّون أجورهم في يوم الفطر، وهو يوم الجوائز.
فيكون معاودة الصّيام بعد الفطر شكرا لهذه النّعمة، فلا نعمة أعظم من مغفرة الذنوب. كان النبي ﷺ يقوم حتى تتورّم قدماه، فيقال له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟ فيقول: «أفلا أكون عبدا شكورا؟» (^٢).
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٥٢، ٤٨، ٤١، ٤٠، ٥/ ٣٩)، وأبو داود (٢٤١٥)، والنسائي (٤/ ١٣٠)، وقد تقدم.
(٢) أخرجه: البخاري (٨/ ١٢٤، ٦/ ١٦٩، ٢/ ٦٣) (١١٣٠) (٤٨٣٦) (٤٨٣٧) (٦٤٧١)، ومسلم (٨/ ١٤١) (٢٨١٩)، وأحمد (٢٥٥، ٤/ ٢٥١)، والترمذي (٤٠١٢)، وفي «الشمائل» (٢٦١)، والنسائي (٣/ ٢١٩)، وابن ماجه (١٤١٩)، وابن خزيمة (١١٨٣، ١١٨٢).
[ ٣٨٨ ]
وقد أمر الله ﷾ عباده بشكر نعمة صيام رمضان بإظهار ذكره، وغير ذلك من أنواع شكره، فقال: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللهَ عَلى ما هَداكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. فمن جملة شكر العبد لربّه على توفيقه لصيام رمضان وإعانته عليه، ومغفرة ذنوبه أن يصوم له شكرا عقيب ذلك.
كان بعض السّلف إذا وفّق لقيام ليلة من الليالي أصبح في نهارها صائما، ويجعل صيامه شكرا للتوفيق للقيام. وكان وهيب بن الورد يسأل عن ثواب شيء من الأعمال، كالطواف ونحوه، فيقول: لا تسألوا عن ثوابه، ولكن سلوا ما الذي على من وفّق لهذا العمل من الشكر؛ للتوفيق والإعانة عليه.
إذا أنت لم تزدد على كلّ نعمة … لموليكها شكرا فلست بشاكر
كلّ نعمة على العبد من الله في دين أو دنيا يحتاج إلى شكر عليها، ثم التوفيق للشكر عليها نعمة أخرى تحتاج إلى شكر ثان، ثم التوفيق للشكر الثاني نعمة أخرى يحتاج إلى شكر آخر، وهكذا أبدا، فلا يقدر العباد على القيام بشكر النعم.
وحقيقة الشّكر الاعتراف بالعجز عن الشكر، كما قيل:
إذا كان شكري نعمة الله نعمة … عليّ له في مثلها يجب الشّكر
فكيف بلوغ الشّكر إلاّ بفضله … وإن طالت الأيّام واتّصل العمر
قال أبو عمرو الشيباني: قال موسى ﵇ يوم الطّور: يا ربّ، إن أنا صليت فمن قبلك، وإن أنا تصدّقت فمن قبلك، وإن بلّغت رسالاتك فمن قبلك، فكيف أشكرك؟ قال: يا موسى، الآن شكرتني.
فأمّا مقابلة نعمة التوفيق لصيام رمضان بارتكاب المعاصي بعده، فهو من فعل من بدّل نعمة الله كفرا. فإن كان قد عزم في صيامه على معاودة
[ ٣٨٩ ]
المعاصي بعد انقضاء الصيام، فصيامه عليه مردود، وباب الرّحمة في وجهه مسدود.
قال كعب: من صام رمضان وهو يحدّث نفسه أنّه إذا أفطر رمضان أن لا يعصي الله، دخل الجنة بغير مسألة ولا حساب، ومن صام رمضان وهو يحدّث نفسه أنّه إذا أفطر عصى ربّه، فصيامه عليه مردود.
ومنها: أنّ الأعمال التي كان العبد يتقرّب بها إلى ربّه في شهر رمضان لا تنقطع بانقضاء رمضان، بل هي باقية بعد انقضائه ما دام العبد حيّا. وهذا معنى الحديث المتقدّم أنّ الصائم بعد رمضان كالكارّ بعد الفارّ، يعني كالذي يفرّ من القتال في سبيل الله ثم يعود إليه. وذلك لأنّ كثيرا من الناس يفرح بانقضاء شهر رمضان؛ لاستثقال الصّيام وملله وطوله عليه. ومن كان كذلك فلا يكاد يعود إلى الصّيام سريعا، فالعائد إلى الصّيام بعد فطره يوم الفطر يدلّ عوده على رغبته في الصيام، وأنّه لم يملّه ولم يستثقله ولا تكرّه به.
وفي حديث خرّجه الترمذي مرفوعا: «أحبّ الأعمال إلى الله الحالّ المرتحل» (^١). وفسّر بصاحب القرآن يضرب من أوّله إلى آخره، ومن آخره إلى أوّله، كلّما حلّ ارتحل. والعائد إلى الصّيام سريعا بعد فراغ صيامه، شبيه بقارئ القرآن إذا فرغ من قراءته ثم عاد إليه، في المعنى، والله أعلم.
قيل لبشر: إنّ قوما يتعبّدون ويجتهدون في رمضان. فقال: بئس القوم قوم لا يعرفون لله حقّا إلاّ في شهر رمضان، إن الصّالح الذي يتعبّد ويجتهد السّنة كلّها. وسئل الشّبلي: أيّما أفضل، رجب أو شعبان؟ فقال: كن ربّانيّا ولا تكن شعبانيّا ثم أنشد:
_________________
(١) أخرجه: الترمذي (٢٩٤٨)، وقال: «هذا حديث حسن غريب لا نعرفه من حديث ابن عباس إلا من هذا الوجه، وإسناده ليس بالقوي».
[ ٣٩٠ ]
إذا كنت في حرب الهوى متجردا … فكلّ أرض ثغر لي وطرسوس
كان النبي ﷺ عمله ديمة. وسئلت عائشة ﵂: هل كان النبي ﷺ يخصّ يوما من الأيام؟ فقالت: لا، كان عمله ديمة (^١). وقالت: كان النبي ﷺ لا يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة (^٢). وقد كان النبي ﷺ يقضي ما فاته من أوراده في رمضان في شوال، فترك في عام اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، ثم قضاه في شوال، فاعتكف العشر الأول منه (^٣).
وسأل رجلا: هل صام من سرر شعبان شيئا؟ فقال: لا، فأمره أن يصوم إذا أفطر. يعني يقضي ما فاته من صيام شعبان في شوال (^٤).
وقد تقدّم عن أمّ سلمة أنّها كانت تأمر أهلها: من كان عليه قضاء من رمضان أن يقضيه الغد من يوم الفطر.
فمن كان عليه قضاء من شهر رمضان فليبدأ بقضائه في شوّال؛ فإنه أسرع لبراءة ذمته، وهو أولى من التطوّع بصيام ست من شوّال. فإنّ العلماء اختلفوا فيمن عليه صيام مفروض؛ هل يجوز أن يتطوّع قبله أم لا؟
_________________
(١) أخرجه: البخاري (٨/ ١٢٢، ٣/ ٥٤) (١٩٨٧) (٦٤٦٦)، ومسلم (٢/ ١٨٩) (٧٨٣)، وأحمد (٢٧٨، ١٨٩، ١٧٤، ٥٥، ٦/ ٤٣)، وأبو داود (١٣٧٠)، والترمذي في «الشمائل» (٣١٠)، وابن خزيمة (١٢٨١).
(٢) أخرجه: البخاري (٤/ ٢٣١، ٣/ ٥٩، ٢/ ٦٦) (١١٤٧) (٢٠١٣)، ومسلم (٢/ ١٦٦) (٧٣٨)، وأبو داود (١٣٤١)، والنسائي (٣/ ٢٣٤)، والترمذي (٤٣٩)، وفي «الشمائل» (٢٧٠)، وابن خزيمة (١١٦٦، ٤٩).
(٣) ورد ذلك من حديث عائشة عند: البخاري (٦٧، ٦٦، ٣/ ٦٣) (٢٠٣٣)، ومسلم (٣/ ١٧٥) (١١٧٣)، وأحمد (٢٢٦، ٦/ ٨٤)، وأبو داود (٢٤٦٤)، والترمذي (٧٩١)، والنسائي (٢/ ٤٤)، وابن ماجه (١٧٧١).
(٤) أخرجه: البخاري (٣/ ٥٤) (١٩٨٣)، ومسلم (١٦٩، ١٦٨، ٣/ ١٦٦) (١١٦١)، وأحمد (٤٤٦، ٤٤٣، ٤٤٢، ٤٣٩، ٤٣٤، ٤٣٢، ٤/ ٤٢٨)، وأبو داود (٢٣٢٨).
[ ٣٩١ ]
وعلى قول من جوّز التطوّع قبل القضاء فلا يحصل مقصود صيام ستة أيّام من شوّال إلاّ لمن أكمل صيام رمضان، ثم أتبعه بستّ من شوّال.
فمن كان عليه قضاء من رمضان، ثم بدأ بصيام ستّ من شوّال تطوّعا، لم يحصل له ثواب من صام رمضان، ثم أتبعه بستّ من شوال، حيث لم يكمل عدة رمضان، كما لا يحصل لمن أفطر رمضان لعذر بصيام ستّة أيام من شوال أجر صيام السّنة بغير إشكال.
ومن بدأ بالقضاء في شوّال، ثم أراد أن يتبع ذلك بصيام ست من شوّال بعد تكملة قضاء رمضان كان حسنا؛ لأنّه يصير حينئذ قد صام رمضان وأتبعه بستّ من شوال. ولا يحصل له فضل صيام ستّ من شوّال بصوم قضاء رمضان؛ لأنّ صيام الست من شوّال إنما يكون بعد إكمال عدّة رمضان.
عمل المؤمن لا ينقضي حتى يأتيه أجله. قال الحسن: إنّ الله لم يجعل لعمل المؤمن أجلا دون الموت، ثم قرأ ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩].
هذه الشهور والأعوام والليالي والأيام كلّها مقادير للآجال، ومواقيت للأعمال ثم تنقضي سريعا، وتمضي جميعا. والذي أوجدها وابتدعها وخصّها بالفضائل وأودعها باق لا يزول، ودائم لا يحول؛ هو في جميع الأوقات إله واحد، ولأعمال عباده رقيب مشاهد. فسبحان من قلّب عباده في اختلاف الأوقات بين وظائف الخدم؛ ليسبغ عليهم فيها فواضل النّعم، ويعاملهم بنهاية الجود والكرم.
لمّا انقضت الأشهر الثلاثة الكرام التي أولها الشهر الحرام، وآخرها شهر الصّيام، أقبلت بعدها الأشهر الثلاثة، أشهر الحج إلى البيت الحرام، فكما أنّ من صام رمضان وقامه غفر له ما تقدّم من ذنبه؛ فمن حجّ البيت ولم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمّه، فما يمضي من عمر المؤمن ساعة من
[ ٣٩٢ ]
الساعات إلاّ ولله فيها عليه وظيفة من وظائف الطاعات؛ فالمؤمن يتقلّب بين هذه الوظائف، ويتقرّب بها إلى مولاه وهو راج خائف.
المحبّ لا يملّ من التقرّب بالنوافل إلى مولاه، ولا يأمل إلا قربه ورضاه.
ما للمحبّ سوى إرادة حبّه … إنّ المحبّ بكلّ برّ يضرع
كلّ وقت يخليه العبد من طاعة مولاه فقد خسره، وكلّ ساعة يغفل فيها عن ذكر الله تكون عليه يوم القيامة ترة. فوا أسفاه على زمان ضاع في غير طاعته! وا حسرتاه على وقت فات في غير خدمته!.
من فاته أن يراك يوما … فكلّ أوقاته فوات
وحيثما كنت من بلاد … فلي إلى وجهك التفات
إليكم هجرتي وقصدي … وأنتم الموت والحياة
أمنت أن توحشوا فؤادي … فآنسوا مقلتي ولات (^١)
من عمل طاعة من الطاعات وفرغ منها، فعلامة قبولها أن يصلها بطاعة أخرى، وعلامة ردّها أن يعقب تلك الطاعة بمعصية. ما أحسن الحسنة بعد السيئة تمحوها! وأحسن منها الحسنة بعد الحسنة تتلوها. وما أقبح السيئة بعد الحسنة تمحقها وتعفوها! ذنب واحد بعد التوبة أقبح من سبعين ذنبا قبلها.
النكسة أصعب من المرض، وربما أهلكت. سلوا الله الثّبات على الطّاعات إلى الممات، وتعوّذوا به من تقلّب القلوب، ومن الحور بعد الكور. ما أوحش ذلّ المعصية بعد عزّ الطّاعة، وأفحش فقر الطمع بعد غنى القناعة.
ارحموا عزيز قوم بالمعاصي ذلّ، وغنيّ قوم بالذّنوب افتقر.
ترى الحيّ الأولى بانوا … على العهد كما كانوا
_________________
(١) هذان البيتان من (ص).
[ ٣٩٣ ]
أم الدّهر بهم خانوا … ودهر المرء خوّان
إذا عزّ بغير اللّ … هـ يوما معشر هانوا
يا شبّان التّوبة، لا ترجعوا إلى ارتضاع ثدي الهوى من بعد الفطام، فالرّضاع إنّما يصلح للأطفال لا للرجال. ولكن لا بدّ من الصّبر على مرارة الفطام؛ فإن صبرتم تعوّضتم عن لذّة الهوى بحلاوة الإيمان في القلوب. من ترك لله شيئا لم يجد فقده وعوّضه الله خيرا منه. ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠]. وفي الحديث: «النظر سهم مسموم من سهام إبليس؛ من تركه من خوف الله أعطاه الله إيمانا يجد حلاوته في قلبه».
خرّجه الإمام أحمد (^١).
وهذا الخطاب للشباب. فأمّا الشيخ إذا عاود المعاصي بعد انقضاء رمضان فهو أقبح وأقبح؛ لأنّ الشاب يؤمّل معاودة التّوبة في آخر عمره، وهو مخاطر؛ فإنّ الموت قد يعاجله، وقد يطرقه بغته. فأمّا الشيخ فقد شارف مركبه ساحل بحر المنون فماذا يؤمّل؟
نعى لك ظلّ الشّباب المشيب … ونادتك باسم سواك الخطوب
فكن مستعدّا لداعي الفناء … فكلّ الّذي هو آت قريب
ألسنا نرى شهوات النّفو … س تفنى وتبقى علينا الذّنوب
يخاف على نفسه من يتوب … فكيف يكن حال من لا يتوب
***
_________________
(١) لا يوجد في المسند بهذا اللفظ، وإنما رواه الحاكم (٤/ ٣٤٩) (٧٨٧٥) عن حذيفة، ورواه الطبراني (١٠/ ١٧٣) (١٠٣٦٢) عن ابن مسعود، قال الهيثمي (٨/ ٦٣): «فيه عبد الله بن إسحاق الواسطي وهو ضعيف».
[ ٣٩٤ ]