أنه يوم تاب الله فيه على قوم. وقد سبق حديث علي الذي خرّجه الترمذي أنّ النبيّ ﷺ قال لرجل: «إن كنت صائما شهرا بعد رمضان فصم المحرّم؛ فإنّ فيه يوما تاب الله فيه على قوم ويتوب فيه على آخرين» (^١). وقد صحّ من حديث أبي إسحاق، عن الأسود بن يزيد، قال: سألت عبيد بن عمير عن صيام يوم عاشوراء، فقال: المحرّم شهر الله الأصمّ، فيه يوم تيب فيه على آدم، فإن استطعت ألاّ يمرّ بك إلاّ صمته فافعل. كذا روي عن شعبة، عن أبي إسحاق.
ورواه إسرائيل عن أبي إسحاق، ولفظه: قال: إنّ قوما أذنبوا فتابوا فيه فتيب عليهم، فإن استطعت ألاّ يمرّ بك إلاّ وأنت صائم فافعل.
ورواه يونس عن أبي إسحاق، ولفظه، قال: إنّ المحرّم شهر الله، وهو رأس السنة تكتب فيه الكتب، ويؤرّخ فيه التاريخ، وفيه يضرب الورق، وفيه يوم تاب فيه قوم فتاب الله عليهم، فلا يمرّ بك إلاّ صمته، يعني يوم عاشوراء.
وروى أبو موسى المديني من حديث أبي موسى مرفوعا: «هذا يوم تاب الله فيه على قوم، فاجعلوه صلاة وصوما». يعني يوم عاشوراء. وقال: حسن غريب. وليس كما قال.
وروى بإسناده عن علي، قال: يوم عاشوراء هو اليوم الذي تيب فيه على قوم يونس. وعن ابن عباس ﵄، قال: هو اليوم الذي تيب فيه على آدم.
وعن وهب أنّ الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇: أن مر قومك يتقرّبوا إليّ في أوّل عشر المحرّم، فإذا كان يوم العاشر فليخرجوا إليّ حتى أغفر لهم. وروى عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن رجل، عن عكرمة، قال: هو يوم تاب الله
_________________
(١) «السنن»: (٧٤١)، وفي إسناده ضعف.
[ ١٠٤ ]
فيه على آدم، يوم عاشوراء (^١). وروى عبد الوهاب الخفّاف، عن سعيد، عن قتادة، قال: كنّا نتحدث أنّ اليوم الذي تيب فيه على آدم يوم عاشوراء، وأهبط فيه آدم إلى الأرض يوم عاشوراء (^٢).
وقوله ﷺ في حديث علي: «ويتوب فيه على آخرين» حثّ للنّاس على تجديد التوبة النّصوح في يوم عاشوراء، وترجية لقبول التوبة ممّن تاب فيه إلى الله ﷿ من ذنوبه، كما تاب فيه على من قبلهم. وقد قال تعالى عن آدم: ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: ٣٧].
وأخبر عنه وعن زوجه أنهما قالا: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣].
كتب عمر بن عبد العزيز إلى الأمصار كتابا وقال فيه: قولوا كما قال أبوكم آدم ﵇: ﴿رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وَتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٣]. وقولوا كما قال نوح: ﴿وَإِلاّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخاسِرِينَ﴾ [هود: ٤٧]. وقولوا كما قال موسى: ﴿رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي﴾ [القصص: ١٦]، وقولوا كما قال ذو النون: ﴿لا إِلهَ إِلاّ أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٧].
اعتراف المذنب بذنبه مع النّدم عليه توبة مقبولة. قال ﷿: ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ [التّوبة: ١٠٢]، وقال النبي ﷺ: «إنّ العبد إذا اعترف بذنبه ثمّ تاب تاب الله عليه» (^٣).
_________________
(١) «المصنف لعبد الرزاق»: (٧٨٥٢)، وفي إسناده رجل لم يسم كما هو ظاهر.
(٢) «الدر المنثور» (١/ ١٤٢).
(٣) أخرجه: البخاري (٥/ ١٥٢) (٢٦٦١)، ومسلم (٨/ ١١٦) (٢٧٧٠) من حديث الإفك الطويل.
[ ١٠٥ ]
وفي دعاء الاستفتاح الذي كان النبيّ ﷺ يستفتح به: «اللهمّ أنت ربّي لا إله إلاّ أنت، ظلمت نفسي واعترفت بذنبي فاغفر لي إنّه لا يغفر الذّنوب إلاّ أنت» (^١). وفي الدّعاء الذي علّمه النبيّ ﷺ للصدّيق أن يقوله في صلاته:
«اللهمّ إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا ولا يغفر الذّنوب إلاّ أنت؛ فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني، إنّك أنت الغفور الرّحيم» (^٢).
وفي حديث شداد بن أوس، عن النبي ﷺ: «سيّد الاستغفار أن يقول العبد: اللهمّ أنت ربّي لا إله إلاّ أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شرّ ما صنعت، أبوء بنعمتك عليّ، وأبوء بذنبي، فاغفر لي، إنّه لا يغفر الذّنوب إلا أنت» (^٣). الاعتراف يمحو الاقتراف، كما قيل:
فإنّ اعتراف المرء يمحو اقترافه … كما أنّ إنكار الذّنوب ذنوب
لمّا أهبط آدم من الجنّة بكى على تلك المعاهد - فيما يروى - ثلاثمائة عام، وحقّ له ذلك. كان في دار لا يجوع فيها ولا يعرى، ولا يظمأ فيها ولا يضحى، فلمّا نزل إلى الأرض أصابه ذلك كلّه، فكان إذا رأى جبريل ﵇ يتذكّر برؤيته تلك المعاهد، فيشتدّ بكاؤه حتّى يبكي جبريل ﵇ لبكائه، ويقول له: ما هذا البكاء يا آدم؟ فيقول: وكيف لا أبكي وقد أخرجت من دار النّعمة إلى دار البؤس. فقال له بعض ولده: لقد آذيت أهل الأرض
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٢/ ١٨٥) (٧٧١)، وأبو داود (٧٦٠)، والترمذي (٣٤٢١) والنسائي (٨٩٦) وأحمد (١/ ٩٤) (٧٢٩).
(٢) متفق عليه: البخاري (٢/ ٢١١ - ٢١٢) (٨٣٤)، ومسلم (٢٧٠٥).
(٣) أخرجه: البخاري (٨/ ٨٣) (٦٣٠٦)، وأحمد (١٢٥، ٤/ ١٢٢)، والنسائي (٨/ ٢٧٩)، والترمذي (٣٣٩٣).
[ ١٠٦ ]
ببكائك، فقال: إنّما أبكي على أصوات الملائكة حول العرش. وفي رواية، قال: إنّما أبكي على جوار ربّي في دار تربتها طيبة، أسمع فيها أصوات الملائكة. وفي رواية، قال: أبكي على دار لو رأيتها لزهقت نفسك شوقا إليها.
وروي أنّه قال لولده: كنّا نسلا من نسل السّماء، خلقنا كخلقهم، وغذّينا بغذائهم، فسبانا عدوّنا إبليس؛ فليس لنا فرح ولا راحة إلا الهمّ والعناء حتى نردّ إلى الدّار التي أخرجنا منها.
فحيّ على جنّات عدن فإنّها … منازلك الأولى وفيها المخيّم
ولكنّنا سبي العدوّ فهل ترى … نعود إلى أوطاننا ونسلّم
لمّا التقى آدم وموسى ﵇ عاتب موسى آدم على إخراجه نفسه وذريّته من الجنّة، فاحتجّ آدم بالقدر السّابق. والاحتجاج بالقدر على المصائب حسن، كما قال ﷺ: «إن أصابك شيء فلا تقل لو أنّي فعلت كذا كان كذا، ولكن قل قدّر الله وما شاء فعل» (^١).
والله لولا سابق الأقدار … لم تبعد قط داركم عن داري
من قبل النأي جرية المقدار … هل يمحو العبد ما قضاه الباري
لمّا ظهرت فضائل آدم ﵇ على الخلائق بسجود الملائكة له، وبتعليمه أسماء كلّ شيء وإخباره الملائكة بها، وهم يستمعون له كاستماع المتعلّم من معلّمه، حتى أقرّوا بالعجز عن علمه، وأقرّوا له بالفضل، وأسكن هو وزوجه الجنّة، ظهر الحسد من إبليس وسعى في الأذى، وما زالت الفضائل إذا ظهرت تحسد.
_________________
(١) أخرجه: مسلم (٨/ ٥٦) (٢٦٦٤).
[ ١٠٧ ]
لا مات حسّادك بل خلّدوا … حتّى يروا منك الذي يكمد
لا زلت محسودا على نعمة … فإنّما الكامل من يحسد
فما زال يحتال على آدم حتى تسبّب في إخراجه من الجنة، وما فهم الأبله أنّ آدم إذا خرج منها كملت فضائله، ثم عاد إلى الجنّة على أكمل من حاله الأوّل. إنما أهلك إبليس العجب بنفسه، ولذلك قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ﴾ [الأعراف: ١٢]. وإنما كملت فضائل آدم باعترافه على نفسه ﴿قالا رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا﴾ [الأعراف: ٢٣]. كان إبليس كلّما أوقد نار الحسد لآدم فاح بها ريح طيب آدم واحترق إبليس.
وإذا أراد الله نشر فضيلة … طويت أتاح لها لسان حسود
لولا اشتعال النّار فيما جاورت … ما كان يعرف طيب عرف العود
قال بعض السّلف: آدم أخرج من الجنّة بذنب واحد، وأنتم تعملون الذنوب وتكثرون منها، وتريدون أن تدخلوا بها الجنّة!
تصل الذّنوب إلى الذّنوب وترتجي … درج الجنان بها وفوز العابد
ونسيت أنّ الله أخرج آدما … منها إلى الدّنيا بذنب واحد
احذروا هذا العدوّ الذي أخرج أباكم من الجنة؛ فإنّه ساع في منعكم من العود إليها بكل سبيل، والعداوة بينكم وبينه قديمة؛ فإنّه ما أخرج من الجنة وطرد عن الخدمة إلاّ بسبب تكبّره على أبيكم وامتناعه من السجود له لمّا أمر به. وقد أبلس من الرّحمة وأيس من العود إلى الجنّة، وتحقّق خلوده في النّار، فهو يجتهد على أن يخلّد معه في النّار بني آدم؛ بتحسين الشرك؛ فإن عجز قنع بما دونه من الفسوق والعصيان، وقد حذّركم مولاكم منه، وقد أعذر من
[ ١٠٨ ]
أنذر، فخذوا حذركم ﴿يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٧].
العجب ممّن عرف ربّه ثم عصاه، وعرف الشيطان ثم أطاعه، ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠].
رعى الله من نهوى وإن كان ما رعى … حفظنا له العهد القديم فضيّعا
وصاحبت قوما كنت أنهاك عنهم … وحقك ما أبقنيت للصلح موضعا
لمّا أهبط آدم إلى الأرض وعد العود إلى الجنّة هو ومن آمن من ذريّته واتبع الرّسل ﴿يا بَنِي آدَمَ إِمّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آياتِي فَمَنِ اتَّقى وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [الأعراف: ٣٥]. فليبشّر المؤمنون بالجنّة، هي إقطاعهم، وقد وصل منشور الإقطاع مع جبريل إلى محمد ﵉ ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ [البقرة: ٢٥].
إنّما خرج الإقطاع عمّن خرج عن الطاعة، فأمّا من تاب وآمن فالإقطاع مردود عليه. المؤمنون في دار الدنيا في سفر جهاد، يجاهدون فيه النفوس والهوى، فإذا انقضى سفر الجهاد عادوا إلى وطنهم الأوّل الذي كانوا فيه في صلب أبيهم. تكفّل الله للمجاهد في سبيله أن يردّه إلى وطنه بما نال من أجر أو غنيمة.
وصلت إليكم معشر الأمّة رسالة من أبيكم إبراهيم مع نبيّكم محمد ﵉، قال رسول الله ﷺ: «رأيت ليلة أسري بي إبراهيم، فقال:
يا محمد، أقرئ أمّتك مني السّلام، وأخبرهم أنّ الجنّة عذبة الماء، طيبة
[ ١٠٩ ]
التّربة، وأنها قيعان، وأنّ غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، والله أكبر» (^١).
وخرّج النسائي، والترمذي، عن جابر ﵁، عن النبي ﷺ: «من قال سبحان الله العظيم وبحمده، غرست له نخلة في الجنة» (^٢). وخرّج ابن ماجه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا: «من قال سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، يغرس لك بكلّ واحدة شجرة في الجنة» (^٣). وخرّجه الطبراني من حديث ابن عباس مرفوعا (^٤). وخرجه ابن أبي الدنيا من حديث أبي هريرة مرفوعا: «من قال سبحان الله العظيم بني له برج في الجنة». وروي موقوفا (^٥).
وعن الحسن، قال: الملائكة يعملون لبني آدم في الجنان يغرسون ويبنون، فربّما أمسكوا، فيقال لهم: قد أمسكتم؟! فيقولون: حتى تأتينا النفقات. قال الحسن: فابعثوهم - بأبي أنتم وأمي - على العمل. وقال بعض السّلف:
بلغني أنّ دور الجنّة تبنى بالذّكر، فإذا أمسك عن الذّكر أمسكوا عن البناء، فيقال لهم، فيقولون: حتى تأتينا نفقة.
أرض الجنة اليوم قيعان والأعمال الصّالحة لها عمران، بها تبنى القصور وتغرس أرض الجنان، فإذا تكامل الغراس والبنيان انتقل إليه السكّان. رأى بعض الصالحين في منامه قائلا يقول له: قد أمرنا بالفراغ من بناء دارك،
_________________
(١) أخرجه: الترمذي (٣٤٦٢)، وقال: حسن غريب، والطبراني (٢٤٨٠) رقم (١٠٣٦٣)، وفي «الأوسط» (٤١٧٠)، وفي «الصغير» (٥٣٩). وحسنه الألباني في «الصحيحة» (١٠٥).
(٢) أخرجه: الترمذي (٣٤٦٥، ٣٤٦٤). وصححه الألباني في «الصحيحة» (٦٤).
(٣) «السنن»: (٣٨٠٧).
(٤) أخرجه: الطبراني في «الأوسط». (٨٤٧٥).
(٥) «التاريخ الكبير» للبخاري (٣/ ٥٢٢) (١٧٥٠).
[ ١١٠ ]
واسمها دار السّرور، فأبشر؛ فقد أمرنا بتنجيدها وتزيينها والفراغ منها إلى سبعة أيام. فلمّا كان بعد سبعة أيام مات، فرئي في المنام فقال: أدخلت دار السرور، فلا تسأل عمّا فيها. لم ير مثل الكريم إذا حلّ به مطيع.
رأى بعضهم كأنّه أدخل الجنّة وعرض عليه منازله وأزواجه، فلمّا أراد أن يخرج تعلّق به أزواجه، وقالوا: بالله حسّن عملك، فكلّما حسّنت عملك ازددنا نحن حسنا.
العاملون اليوم يسلفون رءوس أموال الأعمال فيما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين، إلى أجل يوم المزيد في سوق الجنة، فإذا حلّ الأجل دخلوا السّوق فحملوا منه ما شاءوا بغير نقد ثمن، على قدر ما سلف من تعجيل رأس مال السلف، لكن بغير مكيال ولا ميزان.
فيا من عزم أن يسلف اليوم إلى ذلك الموسم، عجّل بقبض رأس المال، فإن تأخير التقبيض يفسد العقد.
فلله ذاك السوق الّذي هو موعد المزيد … لوفد الحبّ لو كنت منهم
فما شئت خذ منه بلا ثمن له … فقد أسلف التّجّار فيه وأسلموا
وفي الحديث: «إنّ الجنّة تقول: يا ربّ، ائتني بأهلي وبما وعدتني؛ فقد كثر حريري وإستبرقي وسندسي ولؤلؤي ومرجاني وفضتي وذهبي وأباريقي وخمري وعسلي ولبني، فائتني بأهلي وبما وعدتني» (^١).
وفي الحديث أيضا: «من سأل الله الجنة شفعت له الجنّة إلى ربّها وقالت:
_________________
(١) أخرجه: الطبري في «تفسيره»، والبزار في «مسنده» وهو حديث منكر، استنكره الذهبي وابن كثير وابن حجر. وراجع: «ضعيف الترغيب والترهيب»، و«فتح الباري» (١/ ٤٦٢).
[ ١١١ ]
اللهم أدخله الجنّة» (^١). وفي الحديث أيضا: «إنّ الجنة تفتح في كلّ سحر، ويقال لها: ازدادي طيبا لأهلك، فتزداد طيبا، فذلك البرد الذي يجده النّاس في السّحر» (^٢).
قلوب العارفين تستنشق أحيانا نسيم الجنة. قال أنس بن النّضر يوم أحد:
واها لريح الجنّة، والله إني لأجد ريح الجنّة من قبل أحد، ثم تقدّم فقاتل حتّى قتل.
تمرّ الصّبا صفحا بساكن ذي الغضا … ويصدع قلبي أن يهبّ هبوبها
قريبة عهد بالحبيب وإنّما … هوى كلّ نفس أين حلّ حبيبها
كم لله من لطف وحكمة في إهباط آدم إلى الأرض، لولا نزوله لما ظهر جهاد المجاهدين واجتهاد العابدين المجتهدين، ولا صعدت زفرات أنفاس التائبين، ولا نزلت قطرات دموع المذنبين.
يا آدم، إن كنت أهبطت من دار القرب فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعاني، إن كان حصل لك بالإخراج من الجنّة كسر، فأنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي، إن كان فاتك في السماء سماع زجل المسبّحين، فقد تعوّضت في الأرض بسماع أنين المذنبين. أنين المذنبين أحبّ إلينا من زجل المسبّحين.
زجل المسبّحين ربما يشوبه الافتخار، وأنين المذنبين يزينه الانكسار. «لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، وجاء بقوم يذنبون ثم يستغفرون فيغفر لهم» (^٣).
_________________
(١) أخرجه: أحمد (٣/ ٢٠٨) والترمذي (٢٥٧٥)، والنسائي (٨/ ٢٧٩)، وابن ماجه (٤٣٤٠). وصححه الألباني في «تخريج المشكاة» (٢٤٧٨).
(٢) أخرجه: الطبراني في «المعجم الصغير» (١/ ٣٢) من حديث جابر بن عبد الله مرفوعا، بإسناد ضعيف. وروي موقوفا على شمر بن عطية، أخرجه الطبري في «التفسير» (١٦/ ٣٨).
(٣) أخرجه: مسلم (٨/ ٩٤) (٢٧٤٩).
[ ١١٢ ]
سبحان من إذا لطف بعبده في المحن قلبها منحا، وإذا خذل عبدا لم ينفعه كثرة اجتهاده، وعاد عليه وبالا. لقّن آدم حجّته وألقي إليه ما يتقبّل به توبته، ﴿فَتَلَقّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ٣٧].
وطرد إبليس بعد طول خدمته فصار عمله هباء منثورا، ﴿قالَ فَاخْرُجْ مِنْها فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلى يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الحجر: ٣٤ - ٣٥]. إذا وضع عدله على عبد لم تبق له حسنة، وإذا بسط فضله على عبد لم تبق له سيئة.
يعطي ويمنع من يشاء كما يشا … وهباته ليست تقارنها الرّشا
لمّا ظهر فضل آدم على الخلائق بالعلم، وكان العلم لا يكمل بدون العمل بمقتضاه، والجنّة ليست دار عمل ومجاهدة، وإنّما هي دار نعيم ومشاهدة، قيل له: يا آدم، اهبط إلى رباط الجهاد، وصابر جنود الهوى بالجدّ والاجتهاد، وأذر دموع الأسف على البعاد، وكأنّك بالعيش الماضي وقد عاد على أكمل من ذلك الوجه المعتاد.
عودوا إلى الوصل عودوا … فالهجر صعب شديد
لو ذاق طعم الفراق رضوى … لكاد من وجده يميد
قد حمّلوني عذاب شوق … يعجز عن حمله الحديد
قلت وقلبي أسير وجد … متيّم في الجفا عميد
أنتم لنا في الهوى موال … ونحن في أسركم عبيد
[ ١١٣ ]