روى مسلم عن أنس - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من عال - أي قام عليهما في المؤونة والتربية - جاريتين - أي بنتين - حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين» وضم أصابعه.
قال ابن بطال: «حقٌّ على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي - ﷺ - في الجنة، ولا منزلة في الآخرة أفضل من ذلك».
وروى البخاري ومسلم والترمذي عن عائشة ﵂ - قالت: دخلت عليَّ امرأة ومعها ابنتان لها تسأل فلم تجد عندي شيئًا غير تمرة واحدة فأعطيتها إياها فلم فقسمتها بين ابنتيها ولم تأكل منها ثم قامت فخرجت فدخل النبي - ﷺ - علينا فأخبرته فقال: «مَنْ ابتلي من هذه البنات بشيء فأحسن إليهن كن له سترًا من النار».
وفي رواية لمسلم قال: «إن الله قد أوجب لها الجنة أو أعتقها بها من النار».
قال ابن حجر: «ختلف في المراد بالابتلاء، هل هو نفس وجودهن؟ أو ابتلي بما يصدر منهن؟».
وقال الإمام النووي: «إنما سماه ابتلاءً لأن الناس يكرهون البنات في العادة، فجاء الشرع بزجرهم عن ذلك، ورغب في إبقائهن، وترك قتلهن بما ذكر من الثواب الموعود به من أحسن إليهن، وجاهد نفسه في الصبر عليهن».
وروى أبو داود والترمذي عن أبى سعيد الخدري - ﵁ - قال
[ ٣ ]
رسول الله - ﷺ -: «من كان له ثلاث بنات أو ثلاث أخوات، أو بنتان أو أختان فأحسن صحبتهن واتقى الله فله الجنة».
وفي رواية أبى داود قال: «من عال ثلاث بنات أو ثلاث أخوات أو أختين أو بنتين، فأدبهن وأحسن إليهن وزوجهن فله الجنة».
وفي رواية: «من كان له ثلاث بنات أو أخوات أو بنتان أو أختان فأحسن صحبتهن وصبر عليهن واتقى الله فيهن دخل الجنة».
وروى الإمام أحمد عن أبى هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «من كان له ثلاث بنات فصبر على لأوائهن وعلى ضرائهن دخل الجنة».
وفي رواية: فقال رجل: يا رسول الله، واثنتين؟ قال: «واثنتين»، قال: يا رسول الله، وواحدة؟ قال: «وواحدة».
وروى الإمام أحمد عن عقبة بن عامر الجهني قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول «من كانت له ثلاث بنات فصبر عليهن فأطعمهن وسقاهن وكساهن من جدته كن له حجابًا من النار يوم القيامة».
[ ٤ ]
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أمَّا بعد:
فإنَّ نعم الله -﷿- لا تحصى، وعطاياه لا ُتعد، ومن تلك النعم العظيمة وأجلها نعمةُ الأولاد، قال الله -تعالى-:
﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦]
ولا يَعرفُ عِظَم هذه النعمة إلا من حُرِم منها، فتراه ينفق ماله ووقته في سبيل البحث عن علاجٍ لما أصابه.
وهذه النعمة العظيمة هي أمانةٌ ومسئوليةٌ، ُيسأل عنها الوالدان يوم القيامة، أحَفِظا أم ضيَّعا؟ وزينة الذرية لا يكتمل بهاؤها وجمالها إلا بالدين وحسن الخُلق، وإلا كانت وبالًا على الوالدين في الدنيا والآخرة.
يقول الرسول - ﷺ - «كلكم راعٍ، وكلكم مسئولٌ عن رعيته: فالإمام راعٍ وهو مسئول عن رعيته، والرجل راعٍ في أهله وهو مسئول عن رعيته» [متفق عليه].
وهذه الرعية أمانةٌ، حذر الله –﷿- من إضاعتها والتفريط في القيام بحقها، قال – تعالى- ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: ٧٢].
وقال- تعالى-: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦].
قال ابن القيم﵀ -: «فمن أهمل تعليم ولده ما
[ ٥ ]
ينفعه، وتركه سُدًى، فقد أساء غاية الإساءة؛ وأكثر الأولاد إنَّما جاء فسادهم من قِبَلِ الآباء وإهمالهم لهم، وترك تعليمهم فرائض الدين وُسننه، فأضاعوهم صغارًا، فلم ينتفعوا بأنفسهم، ولم ينفعوا آباءهم كبارًا».
وقد سارع الأنبياء إلى تربية أبنائهم وتفقد أحوالهم، هذا يعقوب -﵇- وقد اقترب أجله يسأل بنيه ليطمئن على سيرهم على التوحيد بعد موته: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي﴾ وقرت عينه عندما أجابوا: ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣].
وهذا إبراهيم وإسماعيل - ﵉- يدعوان الله ﷿: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ الآية. [البقرة: ١٢٨]، وهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل - ﵉- كما أخبر الله عن عباده: ﴿رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: ٧٤].
قال ابن كثير - ﵀ -: «وهذا القدر مرغوب فيه شرعًا فمن تمام محبة الله أن يحب أن يكون من صلبه من يعبد الله وحده لا شريك له».
واشتد حرص السلف على مباشرة تربية أبنائهم والقيام بهذه المهمة العظيمة ومن ذلك ما ذكر عن الخليفة العباسي المنصور أنه بعث إلى من في السجن من بنى أمية يقول لهم: «ما أشد ما مر بكم
[ ٦ ]