٩٠ - عقد الغزالي في (الإحياء) بابا في مخالطة السلاطين، وحكم غشيان مجالستهم، والدخول عليهم، قال فيه: (اعلم أن لك مع الأمراء والعمال الظلمة، ثلاثة أحوال:
الحال الأولى: وهي شرها، أن تدخل عليهم.
والثانية: وهي دونها أن يدخلوا عليك.
والثالثة: - وهي الأسلم -: أن تعتزل عنهم، ولا تراهم ولا يروك.
أما الحالة الأولى: وهي الدخول عليهم، فهي مذمومة جدا في الشرع وفيه تغليظات وتشديدات تواردت بها الأخبار والآثار فننقلها لتعرف ذم الشرع له. ثم نتعرض لما يحرم منه، وما يباح وما يكره، على، ما تقتضيه الفتوى في ظاهر العلم) ثم سرد كثيرا من الأحاديث والآثار التي سبق ذكرها (١٤).
ومما أورده مما لم يسبق له ذكر:
٩١ - (قال سفيان: في جهنم واد لا يسكنه إلا القراء الزوارون للملوك).
٩٢ - وقال الأوزاعي: (ما شيء أبغض إلى الله من عالم يزور عاملا).
وقال إسحاق: (ما أسمج بالعالم يؤتى مجلسه ولا يوجد فيسأل عنه فيقال: إنه عند الأمير. وكنت أسمع أنه يقال: إذا رأيتم العالم يزور السلطان فاتهموه على دينكم. أنا ما دخلت قط على هذا إلا وحاسبت نفسي بعد الخروج، فأرمي عليها الدرك مع ما أواجههم به من الغلظة والمخالفة لهواهم). وكان سعيد بن المسيب يتجر في الزيت ويقول: (إن في هذا لغنى عن هؤلاء السلاطين).
_________________
(١) حديث ضعيف. وأخرجه ابن النجار كما في الكنز (٤٦١٣١)، قال العراقي: هذا معضلٌ، وروى أبو الشيخ ابن حيان في كتاب الثواب من حديث واثلة بن الأسقع، "من خاف الله خوف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خوفه الله من كل شيء" وللعقيلي في الضعفاء نحوه، من حديث أبي هريرة، وكلاهما منكر. وانظر الكلام علي الحديث في: إتحاف السادة (٦/ ١٣٦)، تذكرة الموضوعات (٢٠)، والفوائد المجموعة (٢٨٦).
(٢) الإِحياء (٢/ ١٤٠ - ١٤١). (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين الحاصرات ورد في المطبوع هكذا: [وأخرج ابن النجار في تاريخه عن مفلح بن الأسود، قال: قال المأمون: ما زال العلم عزيزا، حتى حمل إلى أبواب الملوك فأخذوا عليه أجرا، فنزع الله الحلاوة من قلوبهم ومنعهم العلم به]، ا. هـ، وهو خلط وسقط كما يظهر من النص الكامل أعلاه
[ ٥٨ ]
٩٣ - وقال وهب: (هؤلاء الذين يدخلون على الملوك، لهم أضر على الأمة من المقامرين). وقال محمد ابن مسلمة: (الذباب على العذرة، أحسن من قارئ على باب هؤلاء)
٩٤ - ولما خالط الزهري السلطان كتب له أخ في الدين: (عافانا الله وإياك يا أبا بكر من الفتن، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن يعرفك أن يدعو لك ويرحمك، أصبحت شيخا كبيرا وقد أثقلتك نعم الله لما فهمك من كتابه وعلمك من سنة نبيه ﷺ، وليس كذلك أخذ الله الميثاق على العلماء. واعلم أن أيسر ما ارتكبت، وأخف ما احتملت، أنك أنست وحشة الظالم، وسهلت سبيل الغي، بدنوك ممن لم يؤد حقا، ولم يترك باطلا حين أدناك، اتخذك قطبا تدور عليك رحايا ظلمهم، وجسرا يعبرون عليك إلى بلائهم وسلما يصعدون فيه إلى ضلالتهم، يدخلون بك الشك على العلماء ويغتالون بك قلوب الجهال، فما أيسر ما عمروا لك
في جنب ما أخربوا عليك، وما أكثر ما أخذوا منك فيما أفسدوا عليك من دينك فما يؤمنك أن تكون ممن قال الله فيهم: (فَخَلَفَ مِن بَعدِهِم خَلفٌ أَضاعوا الصَلواةَ وَاِتَبَعوا الشَهَواتِ) (١٥)، وإنك تعامل من لا يجهل، ويحفظ عليك من لا يغفل، فداو دينك فقد دخله سقم وهيء زادك فقد حضره سفر بعيد، وما يخفى على الله شيء في الأرض ولا في السماء والسلام).
قال: (فهذه الأخبار والآثار تدل على ما في مخالطة السلاطين من الفتن وأنواع الفساد ولكنا نفصل ذلك تفصيلا فقهيا، نميز فيه المحظور عن المكروه والمباح.
فنقول: الداخل على السلطان متعرض لأن يعصي الله إما بفعله، وإما بسكوته، وإما بقوله، وإما باعتقاده ولا ينفك عن أحد هذه الأمور.
أما الفعل: فالدخول عليهم في غالب الأحوال يكون إلى دار مغصوبة، وتخطيها والدخول فيها بغير إذن المالك حرام
_________________
(١) سورة مريم: ٥٩.
[ ٥٩ ]
والتواضع للظالم لا يباح إلا بمجرد السلام. فأما تقبيل اليد والانحناء في الخدمة فمعصية.
وقد بالغ بعض السلف، حتى امتنع عن رد جوابهم في السلام. والإعراض عنهم استحقارا لهم من محاسن القربات. والجلوس على بساطهم؛ إذا كان أغلب أموالهم حراما، لا يجوز.
وأما السكوت فإنه يرى في مجلسهم من الفرش الحرير، وأواني الفضة والحرير والملبوس عليهم، وعلى غلمإنهم ما هو حرام. وكل من رأى سيئة وسكت عليها، فهو شريك في تلك السيئة. بل يسمع من كلامهم ما هو فحش، وكذب وشتم، وإيذاء، والسكوت عن جميع ذلك حرام. فإن ما هو فحش، وكذب وشتم، وإيذاء، والسكوت عن جميع ذلك حرام. فإن قلت: إنه يخاف على نفسه، وهو معذور في السكوت فهذا حق ولكنه مستغن عن أن يعرض نفسه لارتكاب ما لا يباح إلا بعذر؛ فإنه لو لم يدخل ولم يشاهد لم يتوجه عليه الخطاب بالحسبة، حتى يسقط
عنه بالعذر. ومن علم فسادا في موضع، وعلم أنه لا يقدر على إزالته لا يجوز له أن يحضر ليجري ذلك بين يديه، وهو يشاهده ويسكت بل يحتزر عن مشاهدته.
وأما القول: فإنه يدعو للظالم، أو يثني عليه، أو يصدقه فيما يقول من باطل بصريح قوله، أو بتحريك رأسه، أو باستبشار في وجهه أو يظهر له الحب والموالاة، والاشتياق إلى لقائه، والحرص على طول عمره وبقائه.
فإنه في الغالب لا يقتصر على السلام، بل يتكلم ولا يعدو كلامه هذا الإمام.
وأما دعاؤه فلا يحل له إلا أن يقول: (أصلحك، أو وفقك الله للخيرات أو طول الله عمرك في طاعته) أو ما يجري في هذا المجرى. فأما الدعاء له بالحراسة وطول البقاء وإسباغ النعمة، مع الخطاب بالمولى وما في معناه، فغير جائز، وقال ﷺ: (من دعى لظالم بالبقاء، فقد أحب أن يعصى الله في أرضه) (١٦). فإن جاوز الدعاء إلى الثناء فيذكر ما ليس فيه، فيكون كاذبا أو منافقا أو مكرمًا
_________________
(١) لم يصح مرفوعًا إنما هو من قول الحسن البصري، أخرجه ابن أبي الدنيا (٦٠٠) في الصمت، وانظر: الفوائد المجموعة (٢١١) الأسرار المرفوعة (٣٤٤)، كشف الخفاء (٢/ ٣٤٣)، إتحاف السادة (٦/ ١٣٣).
[ ٦٠ ]
لظالم. وهذه ثلاث معاص، وقد قال ﷺ: (إن الله ليغضب إذا مدح الفاسق) (١٧).
وفي خبر آخر: (من أكرم فاسقا فقد أعان على هدم الإسلام) (١٨) فإن جاوز ذلك إلى التصديق له فيما يقول، والتزكية على ما يعمل، كان عاصيا بالتصديق وبالإعانة. فإن التزكية، والثناء إعانة على المعصية وتحريك للرغبة فيها كما أن التكذيب والمذمة والتقبيح زجر عنه وتضعيف لدواعيه. والإعانة على المعصية معصية ولو بشطر كلمة. وقد سئل سفيان عن ظالم أشرف على الهلاك في برية: هل يسقى شربة ماء؟ فقال: (لا. دعه يموت فإن ذلك إعانة له). وأيضا فلا يسلم من فساد يتطرق إلى قلبه فإنه ينظر إلى توسعه في النعمة ويزدري نعمة الله عليه ويكون مقتحما نهي رسول الله ﷺ حيث قال: (يا معشر المهاجرين لا تدخلوا على أهل الدنيا فإنها مسخطة للرزق) (١٩). وهذا مع ما فيه من اقتداء غيره في الدخول، ومن تكثير سواد الظلمة بنفسه وتحميله إياهم إن كان
ممن به وكل ذلك إما مكروهات أو
_________________
(١) حديث ضعيف. أخرجه ابن أبي الدنيا (٢٢٨)، (٢٢٩) في الصمت، من حديث أنس، وابن عدي (٥/ ١٩١٧) في الكامل من حديث بريدة، وانظر الكلام علي رجاله في السلسلة الضعيفة (١٣٩٩).
(٢) حديث ضعيف. قال العراقي (٢/ ٨٨) في الكشف. غريب بهذا اللفظ والمعروف "من وقر صاحب بدعة" الحديث أخرجه ابن عدي من حديث عائشة، والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الحلية من حديث عبد الله بن بسر بأسانيد ضعيفة وقال ابن الجوزي: كلها موضوعة. انظر الكامل (٢/ ٤٩٨)، (٢/ ٧٣٦) لابن عدي، والحلية (٥/ ٢١٨) لأبي نعيم. قلت: انظر الكلام عليه في: تذكرة الموضوعات (١٦)، والموضوعات (١/ ٢٧٠) لابن الجوزي، وتنزيه الشريعة (١/ ٣١٤)، اللآلي المصنوعة (١/ ١٣٠).
(٣) حديث ضعيف جدًا. أخرجه الحاكم (٤/ ٣١٢) وقد سقط سنده، والعقيلي (٣/ ٣٢٧) في الضعفاء، وابن عدي (٥/ ١٧٣١) في الكامل، وانظر الكلام على رجاله في: الميزان (٥٩٨٧)، اللسان (٤/ ٧٦٢)، كشف الخفاء (١/ ١٨٥).
[ ٦١ ]
محظورات فلا يجوز الدخول عليهم إلا بعذرين.
أحدهما: أن يكون من جهتهم أمر إلزام، لا إكرام، وعلم أنه لو امتنع أوذي.
والثاني: أن يدخل عليهم في دفع الظلم عن مسلم، فذلك رخصة بشرط أن لا يكذب، ولا يدع نصيحة يتوقع لها قبولا).
ثم قال: (فإن قلت: فلقد كان علماء السلف يدخلون على السلاطين فأقول: نعم تعلم الدخول منهم، ثم أدخل عليهم! فقد حكي: أن هشام بن عبد الملك، قدم حاجا إلى مكة فلما دخلها قال: ائتوني برجل من الصحابة) فقيل: يا أمير المؤمنين! فقد تفانوا قال: من التابعين. فأتي بطاوس اليماني فلما دخل عليه، خلع نعليه بحاشية البساط، ولم يسلم بإمرة المؤمنين، ولكن قال: (السلام عليك يا هشام!) ولم يكنه وجلس بإزائه وقال: (كيف أنت يا هشام!) فغضب هشام غضبا شديدا حتى هم بقتله وقال له: (ما حملك على ما صنعت؟!) قال: (وما الذي صنعت؟!). فازداد غضبا وغيظا، فقال: (خلعت نعلك بحاشية بساطي، وما قبلت يدي، ولم تسلم علي بإمرة المؤمنين، ولم تكنني وجلست بإزاي بغير إذن، وقلت: (كيف أنت يا هشام؟) فقال: أما قولك: (خلعت نعلي، بحاشية بساطك، فأنا أخلعها بين يدي رب العالمين كل يوم خمس مرات ولا يعاقبني ولا يغضب علي. وأما قولك: (لم تقبل يدي فإني سمعت علي بن أبي طالب قال: (لا يحل لرجل أن يقبل يد أحد، إلا امرأته بشهوة أو ولده برحمة). وأما قولك: لم تسلم بإمرة المؤمنين، فليس كل الناس راض بإمرتك، فكرهت أن أكذب.
وأما قولك: لم تكنني فإن الله تعالى سمى أولياءه وقال: يا داود، يا يحيى، يا عيسى وكني أعداءه فقال: (تَبَّت يَداَ أَبي لَهَبٍ) (٢٠) وأما قولك: جلست بإزائي فإني سمعت علي بن أبي طالب يقول: (إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار، انظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام)
_________________
(١) سورة المسد: ١.
[ ٦٢ ]
فقال هشام: عظني؟.
قال: (سمعت علي بن أبي طالب يقول: (إن في جهنم حيات كالقلال، وعقارب كالبغال تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته) ثم قام وخرج (٢١).
٩٥ - وعن سفيان الثوري قال: (دخلت على أبي جعفر بمنى، فقال لي: ارفع حاجتك؟ فقلت له: (اتق الله! فإنك قد ملأت الأرض جورا وظلما). قال: فطأطأ رأسه، ثم رفع وقال: ارفع لنا حاجتك؟ فقلت: (إنما أنزلت هذه المنزلة بسيوف المهاجرين والأنصار، وأبناؤهم يموتون جوعا، فاتق الله وأوصل إليهم حقوقهم). قال: فطأطأ رأسه ثم رفع وقال: ارفع إلينا حاجتك؟ قلت: (حج عمر بن الخطاب ﵁ فقال لخازنه: كم أنفقت؟ قال: بضعة عشر درهما، وأرى ها هنا أمورا لا تطيق الجمال حملها) (٢٢).
فهكذا كانوا يدخلون على السلاطين إذا أكرهوا فكانوا يفرون بأرواحهم في الله أعني علماء الآخرة، فأما علماء الدنيا فيدخلون ليتقربوا إلى قلوبهم، فيدلونهم على الرخص، ويستنبطون بدقائق الحيل السعة فيما يوافق أغراضهم) انتهى كلام الغزالي ملخصا.
٩٦ - وفي (أمالي) الشيخ عز الدين بن عبد السلام التي علقها عنه تلميذه الشيخ شهاب الدين القرافي أحد أئمة المالكية، ما نصه: (ومن جملة كلامه - يعني الشيخ عز الدين ﵁ - وقد كتب إليه بعض أرباب الدولة يحضه على الاجتماع بملك وقتهم، والتردد إليه ليكون ذلك مقيما لجاهه وكاتبا لعدوه. فقال ﵁: (قرأت العلم لأكون سفيرًا بين الله وبين خلقه، وأتردد إلى أبواب هؤلاء!) قال القرافي: (فأشار رضي الله تعالى عنه إلى من حمل العلم، فقد صار ينقل عن الله إلى عباده، فهو في مقام الرسالة ومن كان له هذا الشرف لا يحسن منه ذلك).
_________________
(١) الإحياء (٢/ ١٤٤ - ١٤٥).
(٢) المصدر السابق.
[ ٦٣ ]