١٠٤ - وعن خلف بن تميم قال: سمعت إبراهيم بن أدهم ينشد:
أَرى أُناسًا بِأَدنى الدينِ قَد قَنَعوا وَلا أَراهُم رَضوا في العَيشِ بِالدونِ (٢٧)
فَاِستَغنِ بِاللَهِ عَن دُنيا المُلوكِ كَما اِستَغنى المُلوكُ بِدُنياهُم عَنِ الدينِ
١٠٥ - وقال الشاسي في أماليه: (حدثنا أبو بكر ابن الأنباري، حدثني أبي قال: بعث سليمان المهلبي إلى الخيل بن أحمد بمائة ألف درهم،
_________________
(١) أورده الحافظ المزي (١/ ٣٠) في تهذيب الكمال.
(٢) أخرجه المزي (١/ ٤٩) في تهذيب الكمال.
(٣) المصدر السابق. وأخرجه أبو نعيم (٦/ ٣٧٦) في ترجمة سفيان الثوري.
[ ٦٧ ]
وسأله في صحبته فرد عليه المائة ألف وكتب إليه بأبيات:
أَبلِغ سُلَيمانَ أَنّي عَنهُ في سَعَةٍ وَفي غِنى غَيرَ أَنّي لَستُ ذا مالِ
سَخِيٌّ بِنَفسي أَنّي لا أَرى أَحَدًا يَموتُ هُزلًا وَلا يَبقى عَلى حالِ
فَالرِزقُ عَن قَدرٍ لا العَجزِ يُنقِصُهُ وَلا يَزيدَكَ فيهِ حَولَ (٢٨) مُحتالِ
وَالفَقرُ في النَفسِ لا في المالِ تَعرِفُهُ وَمِثلُ ذاكَ الغِنى في النَفسِ لا المالِ (٢٩)
١٠٦ - وأخرج أبو نعيم في (الحلية) عن محمد بن وهيب بن هشام قال: أنشدني بعض أصحابي لابن المبارك رحمه الله تعالى:
كُلِ الجاوُرسَ (٣٠) وَالأَرُزَ بِالخُبزِ الشَعيرِ
وَاِجعَلَن ذلِكَ طَعامًا تَنجُ مِن حَرِّ السَعيرِ
وانأى ما استطعت هدا ك الله عن باب الأمير (٣١)
١٠٧ - وأخرج أبو نعيم في (الحلية) عن أحمد بن جميل المروزي قال: قيل لعبد الله بن المبارك ﵁ وأرضاه أن إسماعيل بن علية قد ولي الصدقات فكتب إليه ابن المبارك:
يا جاعِلَ العِلمِ لَهُ بازِيًا يَصطادُ أَموالَ المَساكينِ
اِحتَلتَ الدُنيا وَلَذّاتَها بِحيلَةٍ تَذهَبُ بِالدَينِ
فَصِرتَ مَجنونًا بِها بَعدَما كُنتَ دَواءً لِلمَجانينِ
أَينَ رِوايَتُكَ في سَردِها لِتَركِ أَبوابِ السَلاطينِ
أَينَ رِوايَتُكَ فيما مَضى عَنِ اِبنِ عَونِ وَاِبنِ سيرينِ
إِن قُلتُ أُكرِهتُ فَذا باطِلٌ زَلَّ عَمّارُ العِلمِ في الطينِ
قال: فلما قرأ الكتاب بكى واستعفى (٣٢).
_________________
(١) أي احتيال المحتال.
(٢) أورد هذا الخبر: ياقوت الحموي (١١/ ٧٥ - ٧٦) في معجم الأدباء، والزبيدي (ص/٤٧) في طبقات النحويين، والقفطي (١/ ٢٤٤) في إنباه الرواة.
(٣) الجريش: الخبز الغليظ الخشن.
(٤) أورده الذهبي (٨/ ٤١٤ - ٤١٥) في السير، وفي سنده إلى ابن المبارك، الكديمي، وهو ضعيف.
(٥) أخرجه ابن عبد البر (ص/٢٥٧ - ٢٥٨) في جامع بيان العلم، وأورده الذهبي (٨/ ٤١١ - ٤١٢) في السير، وابن الجوزي (٤/ ١٤٠) في صفوة الصفوة.
[ ٦٨ ]
١٠٨ - ونظير هذا ما أخرجه ابن عساكر في تاريخه من طريق البيهقي، عن الحاكم قال: أخبرني أبو الفضل بن أبي نصر، نبأنا علي بن الحسن بن حبيب الدمشقي، قال: سمعت الناقوسي، وكان من أهل القرآن والعلم، قال سمعت محمد بن عبد الله بن الحكم يقول: سمعت الشافعي يقول: (كان لي صديق يقال له حصين، وكان يبرني ويصلني فولاه أمير المؤمنين السيبن، قال فكتب إليه:
خُذها إِلَيكَ فَإِنَّ وُدَّكَ طالِقٌ مِنّي وَلَيسَ طَلاقُ ذاتِ البَينِ
فَإِنِ اِرعَوَيتَ فَإِنَّها تَطليقَةٌ وَيَدومُ وُدُّكَ عَلى ثِنتَينِ
وَإِنِ اِلتَوَيتَ شَفَعتَها بِمِثالِها وَتَكونُ تَطليقَتَينِ في حَيضَينِ
فَإِذا الثَلاثُ أَتَتكَ مِنّي طائِعًا لَم تُغنِ عَنكَ وِلايَةَ البَحرَينِ
لَم أَرضَ أَن أَهجُرَ حَصينًا وَحدَهُ حَتّى اِسوَدَّ وَجهُ كُلِّ حَصينِ
١٠٩ - وأخرج أبو نعيم عن محمد بن وهب، قال: أنشدني بعض أصحابنا لابن المبارك:
أَلا اِقتَدَيتُم بِسُفيانَ وَمِسعَرِكُم وَبِاِبنِ مَغولٍ إِذ يَجمَعهُمُ الوَرَعُ
وَبِالتَقِيِّ أَخي طَيءّ فَرابِعُهُم زَينُ البِلادِ جَميعًا خَيرُةُ فَرِعُ
مِثلُ الفِراخِ تَراهُم في تَهَجُّدِهِم سُهدُ العُيونِ فَلا غُمضٌ وَلا هَجَعُ
جُلَّسُ البُيوتِ جُثومًا في مَنازِلِهِم إِلاّ النَوائِبَ أَو تُزعِجهُمُ الجُمَعُ
خُمصُ البُطونِ مَعَ الأَكبادِ جائِعَةٌ لا يَطمَعونَ حَرامًا خِشيَةَ الفَزَعِ
لِلناسِ هَمّ وَهُمُّ القَومِ أَنفُسُهُم عِندَ الحَصادِ القَومُ ما زَرَعوا
وقال بعضهم:
هَيهاتَ اِغتَر بِالسُلطانِ تَأتيهِ قَد ضَلَّ والِجُ أَبوابَ السَلاطينِ
وقال الإمام أبو القاسم الشاطبي صاحب القصيدة المشهورة:
يَلومونَني إِذ ما وَجَدتُ مُلائِمًا وَمالي مُليمًا حينَ سِمتُ الأَكارِما
وَقالوا تَعَلَّمَ العُلومَ نِفاقَها بِسِحرِ نِفاقٍ يَستَحِقُّ العَزائِما
وَقَلِّب جِناها حَولًا قَلبًا بِما يُدني أُنوفَ الشامِخاتِ رَواغِما
وَلا بُدَّ مِن مالٍ بِهِ العِلمُ يُعتَلى وَجاهٍ في الدُّنيا يَكُفُّ المَظالِما
وَلَولا مَصابيحُ السَلاطينِ لَم تَجِد عَلى ظُلُماتِ السّبيلِ بِالحَقِ قائِما
فَخالِطهُم وَاِصبِر لِذُلِّ حُجّابِهِم تَنَل بِهِم عِزًّا يُسَمّيكَ عالِمًا
وقال الجمال اللغوي في كتاب (المعجب) ومن خطه نقلت: أخبرني بعض الفضلاء: أن الأمير عز الدين حرسك بعث إلى الشيخ الشاطبي يدعوه للحضور عنده، فأمر الشيخ بعض أصحابه أن يكتب إليه هذه الأبيات وهي قوله:
قُل لِلأَميرِ مَقالَةً مِن ناصِحٍ فَطنٍ نَبيهِ
إِنَّ الفَقيهَ إِذا أَتى أَبوابَكُم لا خَيرَ فيهِ
وفي (التذييل) للبدر النابلسي: قال سعيد بن إبراهيم بن عبد ربه وقد انقبض عن الملوك في آخر عمره:
أَمِن بَعدِ غَوصي في عُلومِ الحَقائِقِ وَطولِ اِنبِساطي في مَذاهِبِ خالِقِ
وَفي حينِ إِشرافي عَلى مَلَكوتِهِ أَرى طالِبًا رِزقًا إِلى غَيرِ رازِقي
وَقَد أَذِنَت نَفسي بِتَفويضِ خِلِّها وَأَسرَعَ في سوقي إِلى المَوتِ سابِقي
دونَكَ يا مَن يَرى النُصحَ ذِلَةً اِستَوسَعَ فيكَ الشامِتينَ المَراجِما
إِذ لَعِبَت صِبيانُهُم بِكَ وَاِبتَغَت شُيوخُهُم فيكَ الصُروفَ الفَواتِحا
فَقُلتُ مُجيبًا لَيسَ يُسعِدُني سِوى نَجى الحَشا وَالدَمعُ يَنهَلُ حاجِما
إِلى اللَهِ أَشكو وَحدَتي في مَصائِبي وَهَذا زَمانُ الصَبرِ لَو كُنتُ حازِما
وَكَم زَفَرٌ تَحتَ الضُلوعِ لَهيجُها حَكيمٌ يَبيعُ العِلمَ بِالجورِ حاكِما
وَكَأَنَّ جِنابَ العِلمِ يَسمو بِأَهلِهِ إِلى أَطيَبَ أَنفاسِ الحَياةِ تَواسِما
يَرُدّونَ دُرتَ بِهِ زَهرَةَ الدُنيا إِلى نَجعَةِ الأُخرى فَيَرتادُ حائِما
١١٠ - وقال الحافظ أبو نصر بن ما كولا:
تَجَمَّعَت أَبوابُ المُلوكِ لآِتي عَلِمتُ بِما لَم يَعلَمِ الثَقِلانِ
رَأَيتُ سُهَيلًا لَم يَحُد عَن طَريقِهِ مِنَ الشَمسِ إِلاّ مِن مَقامِ هَوانِ
[ ٦٩ ]
١١١ - وقال بعضهم مفرد:
هيهات اعتز بالسلطان نائبه فقد ضل والج أبواب السلاطين
[[وأخرج ابن عساكر في تاريخه عن زيد بن أسلم قال: كنت مع أبي حازم فأرسل إليه عبد الرحمن بن خالد الأمير أن ائتنا حتى نسألك وتحدثنا.
فقال أبو حازم: (معاذ الله أدركت أهل العلم لا يحملون العلم لأهل الدنيا فلن أكون أول من فعل ذلك فإن كان لك حاجة، فأبلغنا) فأرسل إليه عبد الرحمن قد ازددت عندنا بهذا كرامة.
انتهى وحسبنا الله ونعم الوكيل ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.]] (*)
_________________
(١) (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين الحاصرات ليس في المطبوع
[ ٧٠ ]