إذ يقول - ﷺ -: «أكثروا ذكر هاذم اللَّذات». رواه الترمذي والنسائي/ صحيح النسائي: ١٨٢٣.
أخي: أتدري ما معنى: (هاذم اللَّذات؟ !) إنه: قاطعها ومعدمها! حقًا! إنه مزيل النِّعم .. وقاطع اللَّذات! فهل من مُعتَبر؟ !
أخي: تذكُّرُ الموت يورث صدق الإقبال على الله تعالى، ويمحو عن القلب آثار الدنيا!
قال الدَّقَّاق: (من أكثر من ذكر الموت أُكْرمَ بثلاثة أشياء:
[ ١٤ ]
تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرِّضا بالكَفاف، والتكاسل في العبادة).
أخي: ألا تنضم إلى قافلة أهل البصائر؟ ! الذين كان ذكر الموت شعارهم .. ومحاسبة النفس دثارهم .. فهنيئًا أخي لمن كان في ركابهم! وها هم يمرُّون فيملؤون النفس عظَة وذِكرى ..
* فهذا سفيان الثَّوري ﵀ كان إذا ذكر الموت لا ينتفع به أيامًا! فإن سئل عن شيء قال: لا أدري! لا أدري!
* وقال التيمي ﵀: (شيئان قطعا عني لذَّة الدنيا: ذكر الموت! وذكر الموقف بين يدي الله تعالى!).
* ونظر ابن مطيع ﵀ ذات يوم إلى داره فأعجبه حسنها! فبكى وقال: والله لولا الموت لكنتُ بك مسرورًا! ولولا ما نصير إليه من ضيق القُبور! لقرَّت بالدنيا أعيننا، ثم بكى بكاءً شديدًا حتى ارتفع صوته!
* وكان محمد بن واسع ﵀ إذا أراد أن ينام قال لأهله قبل أن يأخذ مضجعه: أستودكم الله! فلعلَّها أن تكون منيَّتي التي لا أقوم فيها! فكان هذا دأبه إذا أراد النَّوم.
أخي المسلم: تلك هي حال الصالحين؛ عرفوا أن لهم يومًا يفارقون فيه دار الغرور! فتذكَّروا ساعة الرَّحيل .. وأعدُّوا الزَّاد للسَّفر الطويل ..
[ ١٥ ]
لو كنت تفهَمُ عن زمانكَ قولَهُ لَعَراك منهُ تفجُّعٌ ونَحيبُ
ألححت في طلب الصبا وضلاله والموت منكَ وإن كرهت قريبُ
أمعَ الممات يطيب عيشك يا أخي هيهات ليس مع الممات يطيبُ
أخي: يا ترى ما الذي دهانا؟ ! قد أطبقت الغفلة على القلوب .. وما تركت فيها موضعًا لتذكُّر ذلك اليوم المرهوب ..
أخي: هذا لمن سمع ندائي:
(إخواني ما هذه السِّنة وأنتم منتبهون؟ !
وما هذه الحيرة وأنتم تنظرون؟ !
وما هذه الغفلة وأنتم حاضرون؟ !
وما هذه السكرة وأنتم صاحون؟ !
وما هذا السكون وأنتم مطالبون؟ !
وما هذه الإقامة وأنتم راحلون؟ !
أما آن لأهل الرقدة أن يستيقظوا؟ ! أما حان لأبناء الغفلة أن يتعظوا؟ !
واعلم أن الناس كلهم في هذه الدنيا على سفر! فاعمل لنفسك
[ ١٦ ]