رمضان شهر القرآن وقد كان من هدى رسول الله ﷺ مدارسة القرآن فيه فهو وسيلة عظيمة لشفاء القلوب وهدايتها وتنويرها، قال تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (يونس: ٥٧) وعلى قدر صلة المسلم بالقرآن تكون صلته بالله. قال ﷺ: «أبشروا!! فإن هذا القرآن طرفه بيد الله وطرفه بأيديكم فتمسكوا به فإنكم لن تهلكوا ولن تضلوا بعده أبدًا» وهذه الوسيلة العظيمة لن تحقق مقصودها ولن تكون هدي وشفاءً ونورًا إلا إذا تعاملنا معها بالشكل الذي يريده الله ﷿ .. لقد نزل القرآن لنتدبره ونستخرج منه ما ينفعنا لا لنقرأه بألسنتنا فقط، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ﴾ (ص: ٢٩) قال بعض السلف: لا يجالس أحد القرآن ويقوم سالما إما أن يربح أو يخسر قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ (الإسراء: ٨٢).
لقد قرأنا القرآن بألسنتنا قبل ذلك مرات ومرات، وكان هم الواحد منا الإنتهاء من ختمته، بل وكان بعضنا يتنافس في عدد المرات التي يختمه فيها وبخاصة في رمضان، فأي استفادة حقيقية استفدناها من ذلك؟! ماذا غير فينا القرآن إن القراءة باللسان فقط - دون حضور القلب - كالنخالة كبيرة الحجم قليلة الفائدة، وهذا ما كان يؤكده الصالحون على مر العصور
قال على ﵁: لا خير في قراءة ليس فيها تدبر، وقال الحسن، كيف يرق قلبك وإنما همك أخر السورة؟ ويؤكد هذا المعنى ابن القيم فيقول ﵀: لا شيء أنفع للقلب من قراءة القرآن بالتدبر والتفكر، فإنه جامع لجميع منازل السائرين، وأحوال العالمين، ومقامات العارفين .. فلو علم الناس ما في قراءة القرآن بالتدبر لاشتغلوا بها عن كل ما سواه، فقراءة آية بتفكر خير من ختمة بغير تدبر وتفهم.
فليكن رمضان هو البداية الحقيقية للتعامل الصحيح مع القرآن.
- كيف ننتفع بالقرآن؟
القرآن هو أهم وسيله لترقيق القلوب .. قال وهيب بن الورد: نظرنا في هذه الأحاديث والمواعظ فلم نجد شيئا أرق للقلوب ولا أشد استجلابًا للحزن من قراءة القرآن وتفهمه وتدبره.
وتلاوة القرآن حق تلاوته كما يقول أبو حامد الغزالي هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب، فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل، وحظ العقل تفسير المعاني، وحظ القلب الإتعاظ والتأثر بالإنزعاج والإئتمار فاللسان يرتل والعقل يترجم والقلب يتعظ.
وهذه بعض الوسائل العملية التي من شأنها أن تيسر لنا - بعون الله - الإنتفاع بالقرآن:
١ - قبل بدء القراءة: دعاء الله والإلحاح عليه بأن يفتح قلوبنا لأنوار كتابه، وأن يكرمنا ويعيننا على التدبر والتأثر، فهذا الدعاء له دور كبير في تهيئه القلب لإستقبال القرآن ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ * فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ (غافر: ١٣،١٤).
٢ - الإكثار من تلاوة القرآن، وإطالة فترة المكث معه ويفضل أن يكون اللقاء بالقرآن في مكان هادئ - قدر المستطاع - وبعيدًا عن الضوضاء ليساعد المرء على التركيز وعدم شرود الذهن، ولا ننسى الوضوء والسواك قبل القراءة.
٣ - القراءة من المصحف وبصوت مسموع وبترتيل: فالترتيل له وظيفة كبيرة في الطرق على المشاعر ومن ثم إستثارتها وتجاوبها مع الفهم الذي سيولده التدبر، لينشأ بذلك الإيمان حينما يتعانق الفهم مع التأثير.
[ ٥ ]
٤ - القراءة الهادئة الحزينة: علينا ونحن نرتل القرآن أن نعطي الحروف والغنات والمدود حقها حتى يتيسر لنا معايشة الآيات وتدبرها والتأثر بها، وعلينا كذلك أن نقرأ القرآن بصوت حزين لإستجلاب التأثر.
٥ - الفهم الإجمالي للآيات: من خلال إعمال العقل في تفهم الخطاب، وهذا يستلزم منا التركيز التام مع القراءة، وليس معنى إعمال العقل في تفهم الخطاب أن نقف عند كل كلمة ونتكلف في معرفة معناها وما ورائها، بل يكفى المعنى الإجمالي الذي تدل عليه الآية أو الآيات حتى يتسنى لنا الإسترسال في القراءة، ومن ثم التصاعد التدريجي لحركة المشاعر فتصل إلى التأثر والإنفعال في أسرع وقت.
٦ - الإجتهاد في التعامل مع القرآن: كأنه أنزل عليك، وكأنك المخاطب به، والإجتهاد كذلك في التفاعل مع هذا الخطاب من خلال الرد على الأسئلة التي تتضمنتها الآيات، والتأمين عند مواضع الدعاء، وهكذا.
٧ - تكرار وترديد الآية أو الآيات التي حدث معها تجاوب وتأثر قلبي:
حتى يتسنى للقلب الإستزادة من النور الذي يدخل، والإيمان الذي ينشأ في هذه اللحظات.
٨ - لا بأس من وجود تفسير مختصر بجوارنا: لجلاء شبهة أو معرفة معنى شق علينا فهمه، وإن كان من الأفضل الرجوع إليه بعد إنتهاء القراءة حتى لا نخرج من جو القرآن والإنفعالات الوجدانية التي نعيش في رحابها، إلا إذا ألحت علينا كلمة نريد معرفة معناها في التو واللحظة.