(في فضل العشر الأخير من رمضان) (^١)
بسم الله والحمد لله وصلى الله على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀:
أخواني: لقد نزل بكم عشر رمضان الأخيرة فيها الخيرات والأجور الكثيرة، فيها الفضائل المشهورة والخصائص العظيمة.
فمن خصائصها: أن النبي ﷺ كان يجتهد بالعمل فيها أكثر من غيرها، ففي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ كان يجتهد في العشر الأواخر مالا يجتهد في غيرها.
وفي الصحيحين عنها قالت: كان النبي ﷺ إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله. وفي المسند عنها قالت: كان النبي ﷺ يخلط العشرين بصلاة ونوم فإذا كان العشر شمر وشد المئزر.
ففي هذا الحديث دليل على فضيلة هذه العشر. لأن النبي ﷺ كان يجتهد فيها أكثر مما يجتهد في غيرها وهذا شامل في الاجتهاد في جميع أنواع العبادة من صلاة وقرآن وذكر وصدقة وغيرها، ولأن النبي ﷺ كان يشد مئزره يعني يعتزل نساءه ليتفرغ للصلاة والذكر ولأن النبي ﷺ كان يحيي ليله من قيام وقراءة وذكر بقلبه ولسانه وجوارحه لشرف هذه الليالي وطلبًا لليلة القدر
_________________
(١) مجالس شهر رمضان للشيخ محمد بن عثيمين ص ٩٩ - ١٠٠. (تعليق الشاملة): وقع هنا (بدلا من هذا المجلس) في النسخة الإلكترونية المرسلة من مؤلف الكتاب (الشيخ عبد الرحمن الحميزي) حفظه الله، المجلس التالي: (المجلس الحادي والعشرون) (فضل صلاة الليل) [مجموعة فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ عبد العزيز بن باز (١١/ ٢٩٦، ٢٩٧، ٢٩٨)] بسم الله والحمد لله وصلى الله على رسول الله وعلى آله وأصحابه ومن اهتدى بهداه، أما بعد: صلاة الليل سنة مؤكدة لقول الله سبحانه في صفة عباد الرحمن: سورة الفرقان الآية ٦٤ وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وفي سورة الذاريات في صفة المتقين: [الذاريات: ١٧] (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) [الذاريات: ١٨] وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ولقول النبي - ﷺ -: رواه مسلم، باب (فضل صوم المحرم)، ج ٨ ص (٥٤). أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل رواه مسلم في صحيحه، وصلاة الليل لها شأن عظيم كما قال الله جل وعلا في وصف عباد الرحمن: سورة الفرقان الآية ٦٤ (وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا) وقال سبحانه في وصف المتقين: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ) [الذاريات: ١٧] (وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ) [الذاريات ١٨:] وقال الله لنبيه - ﷺ -: (يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ) [المزمل: ١] (قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا) [المزمل: ٢] (نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا) [المزمل: ٣] (أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا) [المزمل: ٤] وقال ﷾: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) [السجدة: ١٦] (فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [السجدة: ١٧] فصلاة الليل لها شأن عظيم، والمشروع فيها أن تكون مثنى مثنى؛ لقول النبي - ﷺ -: رواه البخاري في (الجمعة) برقم (٩٣٦)، ومسلم في (صلاة المسافرين) برقم (١٢٣٩). صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى متفق على صحته من حديث ابن عمر - ﵄ - وأفضلها في آخر الليل إلا من خاف ألا يقوم في آخره، فالأفضل له أن يصليها في أول الليل قبل أن ينام لقول النبي - ﷺ -: رواه مسلم في (صلاة المسافرين وقصرها) برقم (١٢٥٥). من خاف ألا يقوم من آخر الليل فليوتر أوله، ومن طمع أن يقوم فى آخر الليل فليوتر آخر الليل، (الجزء رقم: ١١، الصفحة رقم: ٢٩٨). فإن صلاة آخر الليل مشهودة، وذلك أفضل رواه مسلم في صحيحه. ونسأل الله أن يوفقنا لما يرضيه وأن يهدينا وجميع المسلمين صراطه المستقيم إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه [مجموعة فتاوى ومقالات متنوعة للشيخ عبد العزيز بن باز (١/ ١٣٠).]
[ ٤٥ ]
التي من قامها إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه. وظاهر هذا الحديث أنه ﷺ يحيي الليل كله في عبادة ربه من الذكر والقراءة والصلاة والاستعداد لذلك والسحور وغيرها وبهذا يحصل الجمع بينه وبين ما في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ قالت: ما أعلمه ﷺ قام ليلة حتى الصباح لأن إحياء الليل الثابت في العشر يكون بالقيام وغيره من أنواع العبادة والذي نفت إحياء الليل في القيام فقط والله أعلم.
ومما يدل على فضيلة العشر من هذا الحديث أن النبي ﷺ كان يوقظ أهله فيه للصلاة والذكر حرصا على اغتنام هذه الليالي المباركة بما هي جديرة به من العبادة فإنها فرصة العمر وغنيمة لمن وفقه الله ﷿ فلا ينبغي للمؤمن العاقل أن يفوت هذه الفرصة الثمينة على نفسه وأهله فما هي إلا ليالي معدودة ربما يدرك الإنسان فيها نفحة من نفحات المولى فتكون سعادة له في الدنيا والآخرة، وإنه لمن الحرمان العظيم والخسارة الفادحة أن ترى كثيرا من المسلمين يمضون هذه الأوقات الثمينة فيما لا ينفعهم، يسهرون معظم الليل في اللهو الباطل فإذا جاء وقت القيام ناموا عنه وفوتوا على أنفسهم خيرا كثيرا لعلهم لا يدركونه بعد عامهم هذا أبدا وهذا من تلاعب الشيطان بهم ومكره بهم وصده إياهم عن سبيل الله وإغوائه لهم. أ هـ.
نسأل الله أن يوفقنا لما يرضيه وأن يهدينا وجميع المسلمين صراطه المستقيم إنه سميع قريب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه
[ ٤٦ ]