• الْحَمْدُ للهِ الَّذِي فَاضَلَ بَيْنَ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ، وَجَعَلَ خَيْرَ شُهُورِ الْعَامِ شَهْرَ رَمَضَانَ، أَنْزَلَ فِيهِ الْقُرْآنَ؛ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الهُدَى وَالْفُرْقَانِ، وَجَعَلَ صِيَامَهُ فَرْضًا مِنْ فَرَائِضِ هَذَا الدِّينِ وَأَحَدَ مَبَانِيْهِ وَالْأَرْكَانِ، سُبْحَانَهُ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ، وَلَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَانٍ، منَّ عَلَى عِبَادِهِ فَأَفْضَلَ، وَأَعْطَاهُمْ فَأَجْزَلَ، فَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وَمَا شَاءَ كَانَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، الرَّحِيمُ الرَّحْمَنُ، وَالْكَرِيمُ المَنَّانُ، وَالعَظِيمُ السُّلْطَانِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، المَبْعُوثُ إِلَى الِإنسِ وَالجَانِّ، والْمُؤَيَّدُ بِالدَّلِيلِ والبُرْهَانِ، بِأَحْسَن تَفْسِير وَأَبْلَغ بَيَانٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، مَدَى الَأَزْمَانِ، أَمَّا بَعْدُ:
• أَيُّها الْإِخْوَةُ الْكِرَامُ، قَدْ أَظلَّنَا شَهْرٌ هُوَ خَيْرُ شُهُورِ الْعَامِ، [شَهْرٌ لَيَالِيهِ أَنْوَرُ مِنَ الْأَيَّام، وَأَيَّامُهُ مَطْهَرَةٌ من دَنَس الْآثَام، وَصِيَامُهُ أَفْضَلُ الصِّيَامِ، وَقِيَامُهُ أَجَلُّ الْقِيَامِ، شَهْرٌ فَضَّلَ اللهُ بِهِ أُمَّةَ مُحَمَّد عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاة وَالسَّلَام، شَهْرٌ جَعَلَهُ اللهُ مِصْبَاحَ الْعَامِ وَوَاسِطَةَ النِّظَامِ، وَمِنْ أَشْرَفِ قَوَاعِد الْإِسْلَامِ، المُشَرَّف بِنُورِ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، شَهْرٌ أَنْزَلَ اللهُ فِيهِ كِتَابَهُ، وَفَتَحَ لِلتَّائِبِينَ فِيهِ أَبْوَابَهُ، فَالدُّعَاءُ فِيهِ مَسْمُوعٌ، وَالْعَمَلُ مَرْفُوعٌ، وَالخَيْرُ مَجْمُوعٌ، وَالضَّرَرُ مَدْفُوعٌ، شَهْرٌ السَّيِّئَاتُ فِيهِ مَغْفُورَةٌ، وَالْأَعْمَالُ الْحَسَنَةُ فِيهِ مَوْفُورَةٌ، وَالتَّوْبَة فِيهِ مَقْبُولَةٌ، وَالرَّحْمَةُ مِنَ اللهِ لِمُلْتَمِسِهَا مَبْذُولَةٌ، وَالْمَسَاجِدُ بِذِكْرِ اللهِ فِيهِ مَعْمُورَةٌ، وَقُلُوبُ الْمُؤمنِينَ بِالتَّوْبَةِ فِيهِ مَسْرُورَةٌ]. (^١)
إِنَّ لِهَذَا الشَّهْرِ مِنَ الْفَضَائِلِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ مِنَ الشُّهُور، وَهَذِهِ بَعْضُ فَضَائِلِهِ:
_________________
(١) "بستان الواعظين" (صـ: ٢١٤ - ٢١٥) لابن الجوزي.
[ ٦ ]
° الفَضِيْلَةُ الأُوْلى: أنَّ صِيَامَهُ أَفْضلُ الصِّيَامِ، وَأَحَبُّهُ إِلَى المَلِيْكِ الْعَلَّامِ، وَمِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الَّتِي تُحَطُّ بِهَا الذُّنُوبُ وَالْآثَامُ، وَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَمَبَانِيْهِ الْعِظَامِ، قَالَ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤].
• وَقَالَ ﷿: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
• وَفِي الْحَدِيْثِ الْقُدْسِيِّ: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَىَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِليَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ». (^١)
• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». (^٢)
• وَفِيهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيْمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». (^٣)
• «إِيْمَانًا»، أَيْ: بِاللَّهِ، وَرِضًا بِفَرْضِ الصَّوْمِ، «وَاحْتِسَابًا»، أَيْ: لِلْأَجْرِ عِنْدَ اللهِ.
• وَلِمُسْلِمٍ (رَقْم: ٢٣٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَقُولُ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ».
_________________
(١) رواه البخاري (رقم: ٦٥٠٢) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) البخاري (رقم: ٨، و٤٥١٤)، ومسلم (رقم: ١٦).
(٣) البخاري (رقم: ٣٨، و١٩٠١، و٢٠١٤)، ومسلم (رقم: ٧٦٠).
[ ٧ ]
• وَكَانَ ابْتِدَاءُ فَرْضِ صِيَامِ رَمَضَانَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ، فَصَامَ رَسُولُ الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تِسْعَ رَمَضَانَاتٍ بِالْإِجْمَاعِ. (^١)
وَقَدْ مَرَّ فَرْضُ الصِّيَامِ بِمَرَاحِلَ ثَلَاثٍ:
المرْحَلة الأُولى: صِيَامُ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، فَقَدْ فَرَضَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صِيَامَهُ بَعْدَ قُدُومِهِ إِلَى الْمَدِيْنَةِ، وَلَمْ يُنسَخ وُجُوبُهُ إِلَّا بِفَرِيْضَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ يَوْمُ عَاشُورَاءَ تَصُومُهُ قُرَيْشٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَصُومُهُ، فَلَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ صَامَهُ، وَأَمَرَ بِصِيَامِهِ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ تَرَكَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَهُ، وَمَنْ شَاءَ تَرَكَهُ». (^٢)
• وَنَحْوُه فِيْهِمَا أَيْضًا عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄. (^٣)
• وَلِمُسْلِمٍ عَنْهَا، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ هَذَا يَوْمٌ كَانَ يَصُومُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّة».
• وَعَنْ جَابِر بْنِ سَمُرَةَ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَأْمُرُنَا بِصِيَامِ يَوْمِ عَاشُورَاءَ، وَيَحُثُّنَا عَلَيْهِ، وَيَتَعَاهَدُنَا عِنْدَهُ، فَلَمَّا فُرِضَ رَمَضَانُ، لَمْ يَأْمُرْنَا، وَلَمْ يَنْهَنَا وَلَمْ يَتَعَاهَدْنَا عِنْدَهُ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رقم: ١١٢٨).
• قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي "الزَّادِ" (ج ٢/ صـ: ٦٨): «فَهَذَا لَا يُمْكِنُ التَّخَلُّصُ مِنْهُ إِلَّا بِأَنَّ صِيَامَهُ كَانَ فَرْضًا قَبْلَ رَمَضَانَ، وَحِينَئِذٍ فَيَكُونُ الْمَتْرُوكُ وُجُوبَ صَوْمِهِ لَا اسْتِحْبَابَهُ، وَيَتَعَيَّنُ هَذَا وَلَا بُدَّ».
• وَلَمْ يُصَمْ عَاشُوْرَاءُ وُجُوبًا إِلَّا فِي سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، فِي أَوَّلِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ، وَفِيْهَا أَيْضًا فُرضَ صِيَامُ رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ قُدُومَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الْمَدِيْنَةَ كَانَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ.
_________________
(١) "توضيح الأحكام" (ج ٣/ صـ: ٤٣٩) للشيخ البسام ﵀.
(٢) البخاري (رقم: ٢٠٠٢، و٣٨٣١، و٤٥٠٤)، ومسلم (رقم: ١١٢٥).
(٣) البخاري (رقم: ١٨٩٢، و٤٥٠١)، ومسلم (رقم: ١١٢٦).
[ ٨ ]
• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁، أَنَّهُ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ، فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ فِي النَّاسِ: «مَنْ كَانَ لَمْ يَصُمْ فَلْيَصُمْ، وَمَنْ كَانَ أَكَلَ فَلْيُتِمَّ صِيَامَهُ إِلَى اللَّيْلِ». (^١)
• قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي "الزَّادِ" (ج ٢/ صـ: ٦٦): «وَهَذَا إِنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَاجِبِ».
• وَفيْهِمَا عَنِ الرُّبَيِّعِ بِنتِ مُعَوِّذٍ ﵂، قَالَتْ: أَرْسَلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- غَدَاةَ عَاشُورَاءَ إِلَى قُرَى الأَنْصَارِ: «مَنْ أَصْبَحَ مُفْطِرًا، فَلْيُتِمَّ بَقِيَّةَ يَوْمِهِ وَمَنْ أَصْبَحَ صَائِمًا، فَليَصُمْ»، قَالَتْ: فَكُنَّا نَصُومُهُ بَعْدُ، وَنُصَوِّمُ صِبْيَانَنَا، وَنَجْعَلُ لَهُمُ اللُّعْبَةَ مِنَ العِهْنِ، فَإِذَا بَكَى أَحَدُهُمْ عَلَى الطَّعَامِ أَعْطَيْنَاهُ ذَاكَ حَتَّى يَكُونَ عِنْدَ الإِفْطَارِ. (^٢)
المرحلة الثانية: التَّخْيِيْرُ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالْإِفْطَارِ، مَعَ تَفْضِيلِ الصِّيَامِ عَلَيْهِ، وَإِيْجَابِ الإِطْعَامِ حَالَ الْإِفْطَارِ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا.
• قَالَ ﷿: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٨٤].
المرحلة الثالثة: نَسْخُ التَّخْيِيرِ، وَفَرْضُ الصِّيَامِ، قَالَ ﷿: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ﵁، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، كَانَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُفْطِرَ وَيَفْتَدِيَ، حَتَّى نَزَلَتِ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا، فَنَسَخَتْهَا. (^٣)
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٢٠٠٧)، ومسلم (رَقْم: ١١٣٥).
(٢) البخاري (رَقْم: ٤٥٠٧)، ومسلم (رَقْم: ١١٤٥).
(٣) البخاري (رَقْم: ١٩٦٠)، ومسلم (رَقْم: ١١٣٦).
[ ٩ ]
• وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ: «كُنَّا فِي رَمَضَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، مَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ، فَافْتَدَى بِطَعَامِ مِسْكِينٍ، حَتَّى أُنزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥]».
° الفَضِيْلةُ الثانِيَةُ: أَنَّهُ شَهْرٌ تُفَتَّحُ فِيهِ أَبْوَابُ الجِنَانِ، وَتُغَلَّقُ فِيهِ أَبْوَابُ النِّيْرَانِ، وَتُصَفَّدُ فِيهِ شَيَاطِينُ الْجَانِّ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِذَا دَخَلَ رَمَضَانُ فُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ جَهَنَّمَ وَسُلْسِلَتِ الشَّيَاطِينُ». (^١)
• وَلِلتِّرْمِذِيِّ (رَقْم: ٦٨٢)، وَابْنِ مَاجَهْ (رَقْم: ١٦٤٢): «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتِ الشَّيَاطِينُ، وَمَرَدَةُ الجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ، فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الجَنَّةِ، فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ».
• وَلَهُمَا أَيْضًا: «وَيُنَادِي مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ في كُلِّ لَيْلَةٍ».
• وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، نَحْوُهُ، وَفِيهِ: «وَيُنَادِي فِيهِ مَلَكٌ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَبْشِرْ، يَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ، حَتَّى يَنْقَضِيَ رَمَضَانَ». (^٢)
مَا أَعْظَمَهَا مِنْ فَضَائِلَ وَمَنَاقِبَ!، وَمَا أَجَلَّها مِنْ رَغَائِبَ وَمَوَاهِبَ!، فَأَبْوَابُ الجِنَانِ مُفَتَّحَةٌ مُرْصَدَةٌ، وَأَبْوَابُ النَّار مُوْصَدَةٌ، والشَّيَاطِينُ مُسَلْسَلَةٌ مُصَفَّدَةٌ، [فَلَا يَصِلُونَ إِلَى مَا يُرِيدُونَ مِنْ عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ مِنْ الْإِضْلَالِ عَنْ الْحَقِّ وَالتَّثْبِيطِ عَنْ الْخَيْر، وَهَذَا مِنْ مَعُونَةِ اللهِ لَهُمْ أَنْ حَبَسَ عَنْهُمْ عَدُوَّهُم الَّذِي يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير؛
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ١٨٩٩، و٣٢٧٧)، ومسلم (رَقْم: ١٠٧٩).
(٢) "المسند" (رَقْم: ١٨٧٩٥).
[ ١٠ ]
وَلِذَلِكَ تَجِدُ عِنْدَ الصَّالِحِينَ مِنَ الرَّغْبَةِ فِي الْخَيْرِ وَالعُزُوفِ عَنِ الشَّرِّ فِي هَذَا الشَّهْرِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِه]. (^١)
° الْفَضِيْلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ اللهَ ﷿ أَنْزَلَ فِيهِ الْقُرْآنَ، قَالَ ﷿: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾ [البقرة: ١٨٥].
•وَقَالَ ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ [الدخان: ٣].
• وَقَالَ ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١].
° الفَضِيْلَةُ الرَّابعَةُ: أَنَّ مُدَارَسَةَ الْقُرْآنِ فِيهِ أَفْضَلُ المُدَارَسَةِ؛ لِأَنَّ اللهَ أَنْزَلَ فِيهِ الْقُرْآنَ، وَالْجُودُ فِيهِ آكَدُ الْجُود، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ». (^٢)
° الفَضِيْلَةُ الخَامِسَةُ: أَنَّ فِيهِ لَيْلَةَ الْقَدْر، وَهِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْر، قَالَ ﷿: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ (٣) فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ [الدخان: ٣ - ٤].
• وَقَالَ ﷿: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (٤) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ [القدر: ١ - ٥].
° الفَضِيْلَةُ السَّادِسَةُ: أَنَّ قِيَامَهُ أَفْضَلُ الْقِيَامِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». (^٣)
_________________
(١) "مجالس شهر رمضان" (صـ: ٨) لابن عثيمين ﵀.
(٢) البخاري (رَقْم: ٦، و١٩٠٢، و٣٢٢٠، و٣٥٥٤، و٤٩٩٧)، ومسلم (رَقْم: ٢٣٠٨).
(٣) البخاري (رَقْم: ٣٧، و٢٠٠٨، و٢٠٠٩)، ومسلم (رَقْم: ٧٥٩).
[ ١١ ]
° الفَضِيْلَةُ السَّابعَةُ: أَنَّ الاعْتِكَافَ فِيهِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂: «أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ». (^١)
° الفَضِيْلَةُ الثامِنَةُ: مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَال: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي». (^٢)
° الفَضِيْلَةُ التاسِعَةُ: مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ عِنْدَ كُلِّ فِطْرٍ عُتَقَاءَ». (^٣)
• وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَوْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّ لِلَّهِ عُتَقَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، لِكُلِّ عَبْدٍ مِنْهُمْ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ». (^٤)
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ في "الْحِلْيَةِ" (ج ٨/ صـ: ٢٥٧): «إِنَّ للهِ عُتَقَاءَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، عَبِيدًا وَإِمَاءً، يُعْتِقُهُمْ مِنَ النَّارِ».
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٢٠٢٦)، ومسلم (رَقْم: ١١٧٢).
(٢) البخاري (رَقْم: ١٨٦٣)، ومسلم (رَقْم: ١٢٥٦).
(٣) "المسند" (رَقْم: ٢٢٢٠٢)، وذكره العلامة الألباني ﵀ في "صحيح الترغيب والترهيب" (رَقْم: ١٠٠١)، وقال: «حسن صحيح»، وقال في إسناد هذا الحديث: «لا بأس به». • وكذا ذكره الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٤٩٤). • وذكره الحافظ ابن حجر في "أطراف المسند" (رَقْم: ٩٢٣٢)، وقال: يعني في رمضان.
(٤) "المسند" (رَقْم: ٧٤٥٠)، وإسناده صحيح على شرط الشيخين، كما في "تحقيق المسند" (ج ١٢/ صـ: ٤٢٠)، والشكُّ في الصحابي لا يضر؛ لأنهم كلهم عدول. • وأخرجه البزار (رَقْم: ٩٢٥٢) عن أبي هريرة، بلا شك، بلفظ: «وإن لله عتقاء عند كل فطر». • وفي الباب: عن جابر عند ابن ماجه (رَقْم: ١٦٤٣)، وعن ابن عمر ﵃ عند عبد الرزاق (رَقْم: ٧٣٨٥).
[ ١٢ ]
• وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا حَدِيْثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَفِيْهِ: «وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنَ النَّارِ، وَذَلكَ في كُلِّ لَيْلَةٍ». (^١)، يَعْنِي فِي رَمَضَانَ.
• أَيُّهَا الْإِخْوَةُ: [بُلُوغُ شَهْرِ رَمَضَانَ وَصِيَامُهُ نِعْمَةٌ عَظِيْمَةٌ عَلَى مَنْ أَقْدَرَهُ اللهُ عَلَيْهِ، مَنْ رُحِمَ فِيهِ فَهُوَ الْمَرْحُومُ، وَمَنْ حُرِمَ خَيْرَهُ فَهُوَ الْمَحْرُومُ، وَمَنْ لَمْ يَتَزَوَّدْ لِمَعَادِهِ فِيْهِ فَهُوَ مَلُومٌ.
أَتَى رَمَضَانُ مَزْرَعَةُ الْعِبَادِ … لِتَطْهِيْرِ الْقُلُوبِ مِنَ الْفَسَادِ
فَأَدِّ حُقَوقَهُ قَوْلًا وَفِعْلًا … وَزَادَكَ فَاتَّخِذْهُ لِلْمَعَادِ
فَمَنْ زَرَعَ الْحُبُوبَ وَمَا سَقَاهَا … تَأَوَّهَ نَادِمًا يَوْمَ الْحَصَادِ
يَا مَنْ طَالَتْ غَيْبَتُهُ عَنَّا قَدْ قَرُبَتْ أَيَّامُ الْمُصَالَحَةِ، يَا مَنْ دَامَتْ خَسَارَتُهُ قَدْ أَقْبَلَتْ أَيَّامُ التِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ، مَنْ لَمْ يَرْبَحْ فِي هَذَا الشَّهْرِ فَفِيْ أَيِّ وَقْتٍ يَرْبَحُ؟! من لَمْ يَقْرُبْ فِيْهِ مِنْ مَوْلَاهُ فَهُوَ عَلَى بُعْدِهِ لَا يَبْرَحُ!.
إِذَا رَمَضَانُ أَتَى مُقْبِلًا … فَأقْبِلْ فَبِالْخَيْرِ يُسْتَقْبَلُ
لَعَلَّكَ تُخْطِئُهُ قَابِلًا … وَتَأْتِي بِعُذْرٍ فَلَا يُقْبَلُ
• كَمْ مِمَّنْ أَمَّلَ أَنْ يَصُومَ هَذَا الشَّهْرَ فَخَانَهُ أَمَلُهُ، فَصَارَ قَبْلَهُ إِلَى ظُلْمَةِ الْقَبْرِ!، كَمْ مِنْ مُسْتَقْبِلٍ يَوْمًا لَا يَسْتَكْمِلُهُ! وَمُؤَمِّلٍ غَدًا لَا يُدْرِكُهُ!، إِنَّكُمْ لَوْ أَبْصَرْتُمُ الْأَجَلَ وَمَسِيْرَهُ لَأَبْغَضْتُمُ الْأَمَلَ وَغُرُوْرَهُ.
يَا ذَا الَّذِي مَا كَفَاهُ الذَّنبُ فِي رَجَبٍ … حَتَّى عَصَى رَبَّهُ فِي شَهْرِ شَعْبَانِ
لَقَدْ أَظَلَّكَ شَهْرُ الصَّوْمِ بَعْدَهُمَا … فَلَا تُصَيِّرْهُ أَيْضًا شَهْرَ عِصْيَانِ
_________________
(١) الترمذي (رَقْم: ٦٨٢)، وابن ماجه (رَقْم: ١٦٤٢).
[ ١٣ ]
وَاتْلُ الْقُرَآنَ وَسَبِّحْ فِيهِ مُجْتَهِدًا … فَإِنَّهُ شَهْرُ تَسْبِيحٍ وَقُرْآنِ
فَاحْمِلْ عَلَى جَسَدٍ تَرْجُو النَّجَاةَ لَهُ … فَسَوْفَ تُضْرَمُ أَجْسَادٌ بِنِيْرَانِ
كَمْ كُنْتَ تَعْرِفُ مِمَّنْ صَامَ فِي سَلَفٍ … مِنْ بَيْنِ أَهْلٍ وَجِيْرَانٍ وَإِخْوَانِ
أَفْنَاهُمُ الْمَوْتُ وَاسْتَبْقَاكَ بَعْدَهُمُ … حَيًّا فَمَا أَقْرَبَ القَاصِي مِنَ الدَّانِي] (^١)
اللَّهُمَّ وَفِّقْنَا لِاغْتِنَامِ أَوْقَاتِ هَذَا الشَّهْرِ، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَتُبْ عَلَيْنَا؛ إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيْمُ، وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
* * *
_________________
(١) "لطائف المعارف" (صـ: ١٤٨ - ١٤٩) لابن رجب ﵀.
[ ١٤ ]