• الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ تَفَرَّدَ بِالدَّيْمُومَةِ وَالْبَقَاءِ، وَكَتَبَ عَلَى مَنْ فِي هَذِهِ الْبَسِيْطَةِ الْفَنَاءَ وَالتَّلَفَ، وَقَدَّرَ عَلَى عِبَادِهِ السَّعَادَةَ وَالشَّقَاءَ، فَمِنْهُمْ مَنْ حَبَسَ نَفَسَهُ عَلَى طَاعَهِ رَبِّهِ وَوَقَفَ، فَكَانُوا هُمُ الْأَحْرَارَ الطُّلَقَاءَ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ الْعِنَانَ لِنَفْسِهِ فِي شَهَواتِهَا وَاعْتَسَفَ، فَصَارُوا لِأَنفُسِهِمْ وَلِلشَّيْطَانِ أَرِقَّاءَ غَيْرَ عُتَقَاءَ، أَحْمَدُهُ حَمْدَ عَبْدٍ بَاءَ بِذُنُوبِهِ وَاعْتَرَفَ، وَأَظْهَرَ النَّدَمَ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ وَالْأَسَفَ، فَاغْفِرْ وَارْحَمْ وَتُبْ يَا خَيْرَ مَنْ تَجَاوَزَ وَعَفَا وَلَطَفَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ فِي رُبُوبِيَّتِهِ وَأُلُوْهِيَّتِهِ وَفِيْمَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ وَسَمَّاهُ بِهِ رَسُولُهُ الْمُبَلِّغُ عَنْهُ وَوَصَفَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، جَلَا اللهُ بِهِ الْغُمَّةَ وَكَشَفَ، وَهُوَ خَيْرُ مَنْ وَحَّدَ وَصَلَّى وَصَامَ وَقَامَ وَتَصَدَّقَ وَحَجَّ وَاعْتَمَرَ وَاعْتَكَفَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الَّذِيْنَ حَازُوا الشَّرَفَ، وَصَحْبِهِ الَّذِيْنَ ذَبَّ اللهُ بِهِمُ السُّوْءَ عَنِ الدِّيْنِ وَصَرَفَ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مِنْ أَهْلِ الْقُرُونِ الْمُفَضَّلَةِ وَنِعْمَ السَّلَفُ، وَمَنْ حَذَا حَذْوَهُمْ وَاقْتَفَا أَثَرَهُم مِنَ الْخَلَفِ، أَمَّا بَعْدُ:
• إِخْوَانِي فِي اللهِ، إِنَّ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ تُوْشِكُ أَنْ تُظِلَّنَا، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَجْلِسِ السَّابِقِ أَنَّ مِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّ الِاعْتِكَافَ فِيْهَا أَفْضَلُ الِاعْتِكَافِ، فَهِيَ أَفْضَلُ زَمَنٍ لَهُ.
• وَهَذِهِ وَقْفَةٌ، نَذْكُرُ فِيْهَا أَهَمَّ أَحْكَامِ الْاعْتِكَافِ، فَنَقُولُ - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيْقُ، وَمِنْهُ الْعَوْنُ، وَعَلَيْهِ التُّكْلَانُ -:
أَوَّلًا: تَعْريفُ الاعْتِكَافِ: الِاعْتِكَافُ لُغَةً هُوَ: الْحَبْسُ، وَاللُّزُومُ، وَاللُّبْثُ، يُقَالُ: عَكَفَ عَلَى الشَّيْءِ، أَيْ: حَبَسَ نَفْسَهُ عَلَيْهِ، وَلَازَمَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ خَلِيْلهِ إِبْرَاهِيْمَ، وَهُوَ يُخَاطِبُ قَوْمَهُ: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢]، وَقَوْلُهُ فِي شَأْنِ بَنِي إِسْرَائِيْلَ: ﴿فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ [الأعراف: ١٣٨].
[ ٢٠١ ]
• قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: يُقَالُ: «عَكَفَ يَعْكُفُ وَيَعْكِفُ، بِضَمِّ الْكَافِ وَكَسْرِهَا، لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ، عَكْفًا وَعُكُوفًا، أَي: أقَامَ عَلَي الشَّئْ وَلَازَمَهُ».
• وَشَرْعًا هو: التَّعَبُّدُ للهِ ﷿، وَالتَّقَرُّبُ إِلَيْهِ بلُزُومِ الْمَسْجِدِ وَالْإِقَامَةِ فِيْهِ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ؛ للتَّفَرُّغِ لطَاعَةِ اللهِ، والِاشْتِغَالِ بِهَا. (^١)
ثَانِيًا: حُكْمُهُ، هُوَ: الاسْتِحْبَابُ، وَيَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّتِهِ: الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَنُقِلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ.
• فَمِنَ الْكِتَابِ قَوْلُهُ ﷿: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وَقَوْلُهُ ﷿: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥].
• وَمِنَ السُّنَّةِ: حَدِيْثُ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ، ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)
• وَأَحَادِيْثُ أُخْرَى، سَيَأْتِي ذِكْرُهَا.
• قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ﵀: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ سُنَّةٌ، لَا يَجِبُ عَلَى النَّاسِ فَرْضًا، إلَّا أَنْ يُوجِبَ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ الِاعْتِكَافَ نَذْرًا، فَيَجِبُ عَلَيْهِ. ا. هـ.
• وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: وَالِاعْتِكَافُ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ بِالشَّرْعِ، وَاجِبٌ بِالنَّذْرِ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، إِلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ الدُّخُولَ فِيهِ؛ مَخَافَةَ أَنْ لَا يُوَفِّيَ شَرْطَهُ!. ا. هـ. (^٣)
_________________
(١) "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٨٦)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٤٧٤)، و"الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ٤٩٩ - ٥٠١).
(٢) البخاري (رَقْم: ٢٠٢٦)، ومسلم (رَقْم: ١١٧٢).
(٣) "بداية المجتهد" (ج ٢/ صـ: ٧٦).
[ ٢٠٢ ]
• وَكَذَا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ: ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وابْنُ قُدَامَةَ، وَأَبُو عَبْدِ اللهِ الْقُرْطُبِيُّ، وَالنَّوَوِيُّ. (^١)
ثَالِثًا: مَكَانُهُ: الِاعْتِكَافُ لَا يَصِحُّ مِنْ الرَّجُلِ وَلَا مِنْ الْمَرْأَةِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا يَصِحُّ فِي مَسْجِدِ بَيْتِ الْمَرْأَةِ وَلَا مَسْجِدِ بَيْتِ الرَّجُلِ، وَهُوَ الْمُعْتَزَلُ الْمُهَيَّأُ لِلصَّلَاة؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
• قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي "الِاسْتِذْكَارِ" (ج ٣/ صـ: ٣٨٥): «وَأَجْمَعُوا أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي مَسْجِدٍ».
• وَقَالَ ابْنُ رُشْدٍ: «وَأَجْمَعَ الْكُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ شَرْطِ الِاعْتِكَافِ الْمَسْجِدَ، إِلَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ لُبَابَةَ مِنْ أَنَّهُ يَصِحُّ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ!، وَأَنَّ مُبَاشَرَةَ النِّسَاءِ إِنَّمَا حَرُمَتْ عَلَى الْمُعْتَكِفِ إِذَا اعْتَكَفَ فِي الْمَسْجِدِ! وَإِلَّا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّ الْمَرْأَةَ إِنَّمَا تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا!». (^٢)
• وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: وَلَا يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ إذَا كَانَ الْمُعْتَكِفُ رَجُلًا، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا، وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، فَخَصَّهَا بِذَلِكَ، وَلَوْ صَحَّ الِاعْتِكَافُ فِي غَيْرِهَا، لَمْ يَخْتَصَّ تَحْرِيمُ الْمُبَاشَرَةِ فِيهَا؛ فَإِنَّ الْمُبَاشَرَةَ مُحَرَّمَةٌ فِي الِاعْتِكَافِ مُطْلَقًا. ا. هـ. (^٣)
_________________
(١) "التمهيد" (ج ٢٣/ صـ: ٥٢)، و"المغني" (ج ٣/ صـ: ١٨٦)، و"الجامع لأحكام القرآن" (البقرة: ١٨٧)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٤٧٥).
(٢) "بداية المجتهد" (ج ٢/ صـ: ٧٧)، وراجع: "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٤٨٠).
(٣) "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٨٩).
[ ٢٠٣ ]
• وَهُوَ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ تُقَامُ فِيْهِ الْجَمَاعَةُ؛ لِعُمُومِ الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ؛ فَإن اللهَ عَمَّ الْمَسَاجِدَ كُلَّهَا، وَلَمْ يَخُصَّ شَيْئًا مِنْهَا. (^١)
• إِلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيْدِ هَذِهِ الْمَسَاجِدِ بِكَوْنِهَا مَسَاجِدَ تُقَامُ فِيْهَا الْجَمَاعَةُ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ بِنَاءِ الْمَسَاجِدِ وَتَشْيِيْدِهَا.
• قَالَ الْخِرَقِيُّ: وَلَا يَجُوزُ الِاعْتِكَافُ إلَّا فِي مَسْجِدٍ يُجْمَعُ فِيهِ.
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي "الْمُغْنِي" (ج ٣/ صـ: ١٨٩): يَعْنِي تُقَامُ الْجَمَاعَةُ فِيهِ، وَإِنَّمَا اشْتُرِطَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ، وَاعْتِكَافُ الرَّجُلِ فِي مَسْجِدٍ لَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ يُفْضِي إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا تَرْكُ الْجَمَاعَةِ الْوَاجِبَةِ، وَإِمَّا خُرُوجُهُ إلَيْهَا، فَيَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنْهُ كَثِيرًا مَعَ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَذَلِكَ مُنَافٍ لِلِاعْتِكَافِ؛ إذْ هُوَ لُزُومُ الْمُعْتَكَفِ، وَالْإِقَامَةُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِيهِ. ا. هـ.
• وَأَمَّا حَدِيْثُ حُذَيْفَةَ ﵁: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا فِي هَذِهِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ: مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ، وَمَسْجِدِ مَكَّةَ، وَمَسْجِدِ إِيلِيَا»؛ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ:
أَوَّلُهَا: أَنَّهُ قَدْ اخْتُلِفَ فِي وَقْفِهِ وَرَفْعِهِ. (^٢)
_________________
(١) "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٣٨٦)، و"المحلى" (ج ٣/ صـ: ٤٢٨).
(٢) رواه عبد الرزاق، وسعيد بن عبد الرحمن وابن أبي عمر، عن ابن عيينة، عن جامع بن أبي راشد، قال: سمعت أبا وائل يقول: قال حذيفة لعبد الله: قوم عُكُوفٌ بين دارك ودار أبي موسى لا تنهاهم؟ فقال له عبد الله: «فلعلهم أصابوا، وأخطأت، وحفظوا، ونسيت»، فقال حذيفة: …، فذكره موقوفًا. • ورواية عبد الرزاق في "المصنف" (رَقْم: ٨٠١٦)، ومن طريقه الطبراني فِي "الكبير" (رَقْم: ٩٥١١). • وروايتا سعيد بن عبد الرحمن بن حسان وابن أبي عمر في "أخبار مكة" (رَقْم: ١٣٣٤) للفاكهي موقوفة، وأوردها الإمام الألباني ﵀ في "الصحيحة" (رَقْم: ٢٧٨٦) مرفوعة!. • وخالف هؤلاء الثقات جماعة غيرهم، فرووه مرفوعًا، وهم: * هشام بن عمار، وهو صدوق مقرئ، كبر، فصار يتلقن، فحديثه القديم أصح، كما في "التقريب". وروايته عند الطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رَقْم: ٢٧٧١). * ومحمود بن آدم، وقد تفرد ابن حبان بتوثيقه، وروايته عند البيهقي في "الكبرى" (رَقْم: ٨٥٧٤). * ومحمد بن الفرج، وهو ثقة، وروايته عند الإسماعيلي في "معجم الشيوخ" (ج ٣/ صـ: ٧٢٠). * وسعيد بن منصور عند ابن الجوزي في "التحقيق" (رَقْم: ١١٨١). وقد شك سعيد بن منصور في رفعه، كما في "الصحيحة" (ج ٦/ صـ: ٦٦٨) وزاد: «أو قال: مسجد جماعة». • قال ابن حزم في "المحلى" (ج ٣/ صـ: ٤٣١): هذا شك من حذيفة أو ممن دونه، ولا يُقْطَع على رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بشك، ولو أنه ﵊ قال: «لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة»؛ لحفظه الله تعالى علينا، ولم يدخل فيه شَكًّا؛ فصح يقينًا أنه ﵇ لم يقله قَطُّ. ا. هـ. • وأخرج عبد الرزاق (رَقْم: ٨٠١٤)، ومن طريقه الطبراني في "الكبير" (رَقْم: ٩٥١٠) عن إبراهيم، قال: جاء حذيفة إلى عبد الله …، فذكره موقوفًا، وفيه انقطاع، وهو يعضد رواية الوقف، والله أعلم.
[ ٢٠٤ ]
وَثَانِيْهَا: أَنَّهُ قَدْ خَالَفَ حُذَيْفَةَ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ، بَلْ خَطَّأَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ ﵁، وَجَرَى عَمَلُ الْمُسْلِمِيْنَ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَهُ حُذَيْفَةُ ﵁.
وَثَالِثُهَا: مَا جَنَحَ إِلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ فِي "شَرْحِ مُشْكِلِ الْآثَارِ" (ج ٧/ صـ: ٢٠١) مِنَ الْقَوْلِ بِنَسْخِهِ.
وَرَابعُهَا: عُمُومُ قَوْلِهِ ﷾: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
• قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: فَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿فِي الْمَسَاجِدِ﴾، (الـ) هُنَا لِلْعُمُومِ، فَلَوْ كَانَ الِاعْتِكَافُ لَا يَصِحُّ إِلَّا فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ لَزِمَ أَنْ تَكُونَ (الـ) هُنَا لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ، وَلَكِنْ أَيْنَ الدَّلِيْلُ؟ وَإِذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّ (الـ) لِلْعَهْدِ الذِّهْنِيِّ فَهِيَ لِلْعُمُومِ، هَذَا الْأَصْلُ. ا. هـ. (^١)
• وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي غَيْرِهَا؛ لِأَنَّهَا خَيْرُ الْمَسَاجِدِ؛ وَلِهَذَا لَمْ يُشْرَعْ شَدُّ الرِّحَالِ إِلَّا إِلَيْهَا.
_________________
(١) "الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ٥٠٣).
[ ٢٠٥ ]
• فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيْثَي أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيْدٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسْجِدِ الحَرَامِ، وَمَسْجِدِي، وَمَسْجِدِ الأَقْصَى». (^١)
• وَتَرْتِيْبُهَا فِي الْفَضْلِ كَتَرْتِيْبِهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ، فَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي أَحَدِهَا لَمْ يُجْزِئْهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِيْمَا هُوَ دُونَهُ فِي الْفَضْلِ، وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الَّذِي عَيَّنَهُ أَوْ فِي الْأَفْضَلِ مِنْهُ.
• فَلَوْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَمْ يُجْزِئْهُ إِلَّا ذَاكَ، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَجْزَأَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَلَمْ يُجْزِئْهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى، وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أَجْزَأَهُ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَوِ الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ. (^٢)
• فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ عُمَرَ ﵁، قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)
• وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، أَنَّ رَجُلًا قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي نَذَرْتُ لِلَّهِ إِنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكَ مَكَّةَ أَنْ أُصَلِّيَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَكْعَتَيْنِ، قَالَ:
_________________
(١) حديث أبي هريرة ﵁ أخرجه البخاري (رَقْم: ١١٨٩)، ومسلم (رَقْم: ١٣٩٧)، وحديث أبي سعيد ﵁ أخرجه البخاري (رَقْم: ١١٩٧، و١٨٦٤، و١٩٩٥)، ومسلم (رَقْم: ٨٢٧) (٤١٥).
(٢) "المغني" (ج ٣/ صـ: ٢١١، و١٠/ صـ: ١٧)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٤٧٩)، و"الموسوعة الفقهية الكويتية" (ج ٥/ صـ: ٢١٧ - ٢١٨).
(٣) البخاري (رَقْم: ٢٠٣٢، و٢٠٤٣، و٦٦٩٧)، ومسلم (رَقْم: ١٦٥٦).
[ ٢٠٦ ]
«صَلِّ هَاهُنَا»، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «صَلِّ هَاهُنَا»، ثُمَّ أَعَادَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «شَأْنُكَ إِذًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ. (^١)
• وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدٍ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ جَازَ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي غَيْرِهِ، بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ فِيْهِ شَدٌّ لِلرَّحْلِ؛ لِأَنَّهُ لَا مَزِيَّةَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ؛ فَلَمْ تَتَعَيَّنْ، وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ.
• وَفِي مَعْنَاهُ مَا لَوْ خَرَجَ الْمُعْتَكِفُ مِنْ مَسْجِدٍ لِحَاجَةٍ، ثُمَّ مَرَّ فِي طَرِيْقِهِ بِمَسْجِدٍ آخَرَ، لَهُ أَنْ يُكْمِلَ اعْتِكَافَهُ فِيْهِ.
• وَاخْتَارَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ مَا امْتَازَ عَلَى غَيْرِهِ بِمَزِيَّةٍ شَرْعِيَّةٍ، كَقِدَمٍ وَكَثْرَةِ جَمْعٍ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِلْحَنَابِلَةِ. (^٢)
• وَرَحَبَةُ الْمَسْجِدِ - أَيْ: سَاحَتُهُ الْمُحَوَّطَةُ، وَالْمُتَّصِلَةُ بِهِ - مِنَ الْمَسْجِدِ، عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيْحِ؛ فَتَأْخُذُ حُكْمَهُ. (^٣)
• وَأَوْلَى مِنْ رَحَبَةِ الْمَسْجِدِ: هَذِهِ الْمَحَارِيْبُ الْمُتَّخَذَةُ فِي مُقَدِّمَةِ الْمَسَاجِدِ؛ فَإِنَّ لَهَا حُكْمَ الْمَسْجِدِ، هَذَا مَعَ أَنَّ اتِّخَاذَ هَذِهِ الْمَحَارِيْبِ لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
• وَكَذَلِكَ الْمَنَارَةُ، مَعَ كَوْنِ اتِّخَاذِهَا لَيْسَ مِنَ السُّنَّةِ؛ إِلَّا أَنَّ الْمُعْتَكِفَ إِذَا صَعِدَهَا لَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ، إِنْ كَانَتْ عَلَى الْمَسْجِدِ أَوْ رَحَبَتِهِ، وَهِيَ بِهَذَا تَأْخُذُ حُكْمَ سَطْحِ الْمَسْجِدِ.
_________________
(١) "المسند" (رَقْم: ١٤٩١٩)، و"سنن أبي داود" (رَقْم: ٣٣٠٥)، وصححه الحاكم (رَقْم: ٧٨٣٩) على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، وأقرهما الألباني ﵀ في "الإرواء" (رَقْم: ٩٧٢)، وذكره العلامة الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٢٤٩).
(٢) راجع: "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٤٧٩)، و"الاختيارات" (صـ: ٤٦٣)، و"الموسوعة الفقهية الكويتية" (ج ٥/ صـ: ٢١٨).
(٣) "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٥٠٥ - ٥٠٦)، و"الموسوعة الفقهية الكويتية" (ج ٥/ صـ: ٢٢٤ - ٥٥٢).
[ ٢٠٧ ]
• وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ عَدَمَ الْخِلَافِ فِي جَوَازِ صُعُودُ الْمُعْتَكِفِ سَطْحَ الْمَسْجِدِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَتِهِ. (^١)
رَابِعًا: زَمَانُهُ: الِاعْتِكَافُ مَشْرُوعٌ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا، وأَفْضَلُهُ فِي رَمَضَانَ، وَفِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْهُ خُصُوصًا.
• قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ في "الِاسْتِذْكَارِ" (ج ٣/ صـ: ٣٨٤): فَمَا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ جَائِزٌ الدَّهْرَ كُلَّهُ إِلَّا الْأَيَّامَ الَّتِي نَهَى رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَنْ صِيَامِهَا فَإِنَّهَا مَوْضِعُ اخْتِلَافٍ؛ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي جَوَازِ الِاعْتِكَافِ بِغَيْرِ صَوْمٍ.
• وَقَالَ: فِي "الِاسْتِذْكَارِ" (ج ٣/ صـ: ٣٨٥): وَأَجْمَعُوا أَنَّ سُنَّةَ الِاعْتِكَافِ الْمَنْدُوبَ إِلَيْهَا شَهْرُ رَمَضَانَ كُلُّهُ أَوْ بَعْضُهُ، وَأَنَّهُ جَائِزٌ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا، إِلَّا مَا ذَكَرْنَا. ا. هـ. (^٢)
• وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ كُلَّهَا فَعَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ في الْمَسْجِدِ قَبْلَ غُرُوبِ شَمْسِ يَوْمِ الْعِشْرِيْنَ، فَيَكُونُ ابْتِدَاءُ اعْتِكَافِهِ بِغُرُوبِهَا لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِيْنَ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَمَالِكٌ، وَأَبُو حَنِيْفَةَ، وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ. (^٣)
• وَذَلِكَ لِأَنَّ الْعَشْرَ عَدَدُ اللَّيَالِي، وَأَوَّلُ لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ: لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ.
• وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا حَدِيْثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَعْتَكِفُ فِي العَشْرِ الأَوْسَطِ مِنْ رَمَضَانَ، فَاعْتَكَفَ عَامًا، حَتَّى
_________________
(١) "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٩٦). • وراجع: "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٥٠٥ - ٥٠٩)، و"الأجوبة النافعة" (صـ: ٣٣ - ٣٤) للألباني ﵀.
(٢) "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٣٨٤ - ٣٨٥)، و"التمهيد" (ج ٢٣/ صـ: ٥٦).
(٣) "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٤٠٠ - ٤٠١)، و"المغني" (ج ٣/ صـ: ٢٠٨)، و"الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ٥٢٠ - ٥٢١).
[ ٢٠٨ ]
إِذَا كَانَ لَيْلَةَ إِحْدَى وَعِشْرِينَ، وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي يَخْرُجُ مِنْ صَبِيحَتِهَا مِنَ اعْتِكَافِهِ، قَالَ: «مَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي، فَلْيَعْتَكِفِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ، وَقَدْ أُرِيتُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا، وَقَدْ رَأَيْتُنِي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ مِنْ صَبِيحَتِهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ، وَالتَمِسُوهَا فِي كُلِّ وِتْرٍ»، فَمَطَرَتِ السَّمَاءُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ، وَكَانَ المَسْجِدُ عَلَى عَرِيشٍ، فَوَكَفَ المَسْجِدُ، فَبَصُرَتْ عَيْنَايَ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَلَى جَبْهَتِهِ أَثَرُ المَاءِ وَالطِّينِ، مِنْ صُبْحِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)
• وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فَلْيَبِتْ فِي مُعْتَكَفِهِ».
• وَفي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)
• وَهذا الْحَدِيْثُ لَيْسَ فِيْهِ أَنَّهُ ابْتَدَأَ الِاعْتِكَافَ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَإِنَّمَا فِيْهِ أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلَ مُعْتَكَفَهُ إِذَا صَلَّى الْفَجْرَ؛ فَلَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ قَدْ شَرَعَ فِي الِاعْتِكَافِ مِنْ أَوَّلِ اللَّيْلِ. (^٣)
• وَيَكُونُ انتِهَاءُ الْعَشْرِ بِغُرُوبِ شَمْسِ آخِرِ أَيَّامِ رَمَضَانَ، وَدُخُولِ لَيْلَةِ الْعِيْدِ؛ لِانقِضَاءِ أَيَّامِ رَمَضَانَ بِذَلِكَ، وَبِهَذَا يَكُونُ مَنْ أَرَادَ اعْتِكَافَ الْعَشْرِ قَدْ أَتَمَّها، وَلَهُ الْخُرُوجُ مِنْ مُعْتَكَفِهِ، وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ، وَالشَّافِعِيِّ، وَأَبِي حَنِيْفَةَ. (^٤)
• وَيُؤَيِّدُ هَذَا مَا نَقَلَهُ ابْنُ عبْدِ الْبَرِّ ﵀ مِنَ الْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَكِفَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ أَوِ الْوُسُطِ مِنْ رَمَضَانَ يَخْرُجُ إِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ يَوْمٍ مِنِ اعْتِكَافِهِ. (^٥)
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٢٠٢٧)، ومسلم (رَقْم: ١١٦٧).
(٢) البخاري (رَقْم: ٢٠٣٣)، ومسلم (رَقْم: ١١٧٢).
(٣) "شرح النووي على مسلم" (ج ٨/ صـ: ٦٩)، و"فتح الباري" (ج ٤/ صـ: ٢٧٧).
(٤) "تفسير القرطبي" (البقرة: ١٨٧).
(٥) "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٣٩٦).
[ ٢٠٩ ]
• وَمَنْ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى بَعْضِ الْعَشْرِ، أَوْ عَلَى اللَّيَالِي دُونَ الْأَيَّامِ، أَوْ لَيْالِي الْأَوْتَارِ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَكُلٌّ خَيْرٌ، لَكِنِ الْأَكْمَلُ وَالْأَفْضَلُ اسْتِيْعَابُ الْعَشْرِ.
خَامِسًا: أَقَلُّهُ وَأَكْثرُهُ: لَا حَدَّ لِأَكْثَرِهِ بِالِاتِّفَاقِ، وَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ عَلَى الصَّحِيْحِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، قَالَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ ﵁: «إِنِّي لَأَمْكُثُ فِي الْمَسْجِدِ السَّاعَةَ، وَمَا أَمْكُثُ إِلَّا لِأَعْتَكِفَ». أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (رَقْم: ٨٠٠٦).
• وَقَالَ سُوَيْدُ بْنُ غَفَلَةَ - وَهُوَ مُخْضَرَمٌ، مِنْ كِبَارِ التَّابِعِيْنَ -: «إذَا كَانَ الرَّجُلُ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ، فَهُوَ مُعْتَكِفٌ». أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رَقْم: ٤٠٩٠).
• وَقَالَ عَطَاءٌ: «هُوَ اعْتِكَافٌ مَا مَكَثَ فِيهِ، وَإِنْ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ؛ احْتِسَابَ الْخَيْرِ فَهُوَ مُعْتَكِفٌ، وَإِلَّا فَلَا». أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ (رَقْم: ٨٠٠٧).
• وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَدَاوُدُ الظَّاهِرِيُّ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ. (^١)
• وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀: فَكُلُّ إقَامَةٍ فِي مَسْجِدٍ لِلَّهِ تَعَالَى بِنِيَّةِ التَّقَرُّبِ إلَيْهِ: اعْتِكَافٌ، وَعُكُوفٌ، فَإِذْ لَا شَكَّ فِي هَذَا، فَالِاعْتِكَافُ يَقَعُ عَلَى مَا ذَكَرْنَا مِمَّا قَلَّ مِنْ الْأَزْمَانِ أَوْ كَثُرَ، إذْ لَمْ يَخُصَّ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ عَدَدًا مِنْ عَدَدٍ، وَلَا وَقْتًا مِنْ وَقْتٍ، وَمُدَّعِي ذَلِكَ مُخْطِئٌ؛ لِأَنَّهُ قَائِلٌ بِلَا بُرْهَانٍ. ا. هـ. (^٢)
• وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: دَلِيلُنَا أَنَّ الِاعْتِكَافَ فِي اللُّغَةِ يَقَعُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، وَلَمْ يَحُدَّهُ الشَّرْعُ بِشَئٍ يَخُصُّهُ؛ فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِهِ. (^٣)
_________________
(١) "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٤٠٢)، و"بداية المجتهد" (ج ٢/ صـ: ٢٧٨)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٤٩١).
(٢) "المحلى" (ج ٣/ صـ: ٤١١ - ٤١٢).
(٣) "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٤٩١).
[ ٢١٠ ]
سَادِسًا: لَا يَلْزَمُ مَنْ نَوى اعْتِكَافَ مُدَّةٍ، كَالْعَشْرِ الأَوَاخِرِ أَنْ يُتِمَّهَا، وَلا يَلْزَمُهُ أَيْضًا أَنْ يَقْضِيَهَا، وَإِنمَّا يُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِك.
• هَذَا قَوْلُ الْأَكْثَرِ، خِلَافًا لِمَالِكٍ، فَإِنَّهُ قَالَ: يَلْزَمُهُ إِتْمَامُهُ بِالنِّيَّةِ، مَعَ الدُّخُولِ فِيْهِ، فَإِنْ قَطَعَهُ لَزِمَهُ الْقَضَاءُ!.
• وَأَغْرَبَ ابْنُ رُشْدٍ، فَعَزَا قَوْلَ مَالِكٍ إِلَى الْجُمْهُورِ! وَأَغْرَبُ مِنْهُ أَنَّ ابْنَ بَطَّالٍ وَابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ نَقَلَاهُ: اتِّفَاقَ الْفُقَهَاءِ!. (^١)
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: وَلَمْ يَصْنَعِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ شَيْئًا، وَهَذَا لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ، وَلَا نَعْرِفُ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ أَحَدٍ سِوَاهُ، وَلَمْ يَقَعِ الْإِجْمَاعُ عَلَى لُزُومِ نَافِلَةٍ بِالشُّرُوعِ فِيهَا سِوَى الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
• قَالَ: وَقَدِ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ لَوْ نَوَى الصَّدَقَةَ بِمَالٍ مُقَدَّرٍ، وَشَرَعَ فِي الصَّدَقَةِ بِهِ، فَأَخْرَجَ بَعْضَهُ، لَمْ تَلْزَمْهُ الصَّدَقَةُ بِبَاقِيهِ، وَهُوَ نَظِيرُ الِاعْتِكَافِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُقَدَّرٍ بِالشَّرْعِ، فَأَشْبَهَ الصَّدَقَةَ. ا. هـ. (^٢)
• وَدَلِيْلُ الْجُمْهُورِ: مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ، ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ، وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، أَرَادَ الِاعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، فَأَمَرَتْ زَيْنَبُ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ، وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الْفَجْرَ نَظَرَ، فَإِذَا الْأَخْبِيَةُ، فَقَالَ: «آلْبِرَّ تُرِدْنَ؟» فَأَمَرَ
_________________
(١) "شرح البخاري" (ج ٤/ صـ: ١٨٢)، و"الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٣٩٨)، و"بداية المجتهد" (ج ٢/ صـ: ٨١).
(٢) "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٨٧).
[ ٢١١ ]
بِخِبَائِهِ، فَقُوِّضَ، وَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَّلِ مِنْ شَوَّالٍ. (^١)
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: فَإِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- تَرَكَ اعْتِكَافَهُ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا تَرَكَهُ، وَأَزْوَاجُهُ تَرَكْنَ الِاعْتِكَافَ بَعْدَ نِيَّتِهِ وَضَرْبِ أَبْنِيَتِهِنَّ لَهُ، وَلَمْ يُوجَدْ عُذْرٌ يَمْنَعُ فِعْلَ الْوَاجِبِ، وَلَا أُمِرْنَ بِالْقَضَاءِ، وَقَضَاءُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَهُ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ تَطَوُّعًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ، وَكَانَ فِعْلُهُ لِقَضَائِهِ كَفِعْلِهِ لِأَدَائِهِ، عَلَى سَبِيلِ التَّطَوُّعِ بِهِ، لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ، كَمَا قَضَى السُّنَّةَ الَّتِي فَاتَتْهُ بَعْدَ الظُّهْرِ وَقَبْلَ الْفَجْرِ، فَتَرْكُهُ لَهُ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ؛ لِتَحْرِيمِ تَرْكِ الْوَاجِبِ، وَفِعْلُهُ لِلْقَضَاءِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ السُّنَنِ مَشْرُوعٌ. ا. هـ. (^٢)
سَابِعًا: لا يُشْتَرَطُ لِلاعْتِكَافِ صَوْمٌ، إِلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ بِنَذْرٍ، صَحَّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، مَوْقُوفًا عَلَيْهِ (^٣)، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَإِسحَاقَ، وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَهُوَ أَصَحُّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد.
• وَالدَّلِيْلُ حَدِيْثُ عَائِشَةَ ﵂ الْآنِفُ الذِّكْرِ، وَفِيْهِ: أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ.
• قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ فِي "الْمَجْمُوعِ" (ج ٦/ صـ: ٤٨٧): «وَهَذَا يَتَنَاوَلُ اعْتِكَافَ يَوْمِ الْعِيدِ، وَيَلْزَمُ مِنْ صِحَّتِهِ أَنَّ الصَّوْمَ لَيْسَ بِشَرْطٍ».
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٢٠٣٣، و٢٠٣٤، و٢٠٤١، و٢٠٤٥)، ومسلم (رَقْم: ١١٧٢).
(٢) "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٨٧).
(٣) راجع: "سنن الدارقطني" (رَقْم: ٢٣٥٥)، و"مستدرك الحاكم" (رَقْم: ١٦٠٣)، و"السنن الكبرى" (رَقْم: ٨٥٨٧، و٨٥٨٨) للبيهقي، و"الضعيفة" (رَقْم: ٤٣٧٨)، و"أحاديث معلة ظاهرها الصحة" (رَقْم: ٢٤٠).
[ ٢١٢ ]
• وَكَذَا قَوْلُ عُمَرَ ﵁: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، قَالَ: «فَأَوْفِ بِنَذْرِكَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا.
• قَالُوا: فَلَوْ كَانَ الصَّوْمُ شَرْطًا لَمْ يَصِحَّ بِاللَّيْلِ وَحْدَهُ، وَاللَّيْلُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ للصَّوْمِ. (^١)
• وَأَمَّا حَدِيْثُ: «لَا اعْتِكَافَ إِلَّا بِصَوْمٍ»؛ فَإِنَّهُ ضَعِيْفٌ، لَا يَثْبُتُ. (^٢)
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَوْ صَحَّ فَالْمُرَادُ بِهِ الِاسْتِحْبَابُ؛ فَإِنَّ الصَّوْمَ فِيهِ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَعْتَكِفُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَلِأَنَّ الْمُعْتَكِفَ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّشَاغُلُ بِالْعِبَادَاتِ وَالْقُرَبِ، وَالصَّوْمُ مِنْ أَفْضَلِهَا، وَيَتَفَرَّغُ بِهِ مِمَّا يَشْغَلُهُ عَنْ الْعِبَادَاتِ، وَيَخْرُجُ بِهِ مِنْ الْخِلَافِ. ا. هـ. (^٣)
• وَالتَّحْقِيْقُ: أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِلِاعْتِكَافِ إِلَّا الشُّرُوطُ الْعَامَّةُ، وَهِيَ: الْإِسْلَامُ، وَالْعَقْلُ، وَالتَّمْيِيْزُ، وَالنِّيَّةُ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيْقُ.
_________________
(١) "المحلى" (ج ٣/ صـ: ٤٢٠ - ٤٢١)، و"المغني" (ج ٣/ صـ: ١٨٧)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٤٨٤، و٤٨٧).
(٢) رواه الدارقطني (رَقْم: ٢٣٥٦)، والحاكم (رَقْم: ١٦٠٥)، وعنه البيهقي (رَقْم: ٨٥٨٠)، من طريق سويد بن عبد العزيز، ثنا سفيان بن حسين، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂، مرفوعًا. • قال الدارقطني: «تفرد به سويد، عن سفيان بن حسين». • وقال الحاكم: «لم يحتج الشيخان بسفيان بن حسين، وسويد بن عبد العزيز». • وقال البيهقي: «وهذا وهم من سفيان بن حسين أو من سويد بن عبد العزيز، وسويد بن عبد العزيز الدمشقي ضعيف بمرة، لا يقبل منه ما تفرد به». قلتُ: وعلة أخرى، وهي أنه من رواية سفيان بن حسين عن الزهري، وهو ثقة إلا في الزهري، باتفاقهم. • والصحيح أنه عن عائشة ﵂ من قولها، كما عند البيهقي (رَقْم: ٨٥٧٩)، وغيره.
(٣) "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٨٨).
[ ٢١٣ ]
ثَامِنًا: يُفْسِدُ الِاعْتَكافَ أَحَدُ الْأُمُورِ الْآتِيَةِ:
١. الْجِمَاعُ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
وَقَدْ نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَكِفَ إِذَا جَامَعَ عَامِدًا بَطَلَ اعْتِكَافُهُ، مِنْهُمُ: ابْنُ الْمُنذِرِ، وابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ رُشْدٍ، وَابْنُ قُدَامَةَ، وَالْقُرْطُبِيُّ، وَالنَّوَوِيُّ ﵏. (^١)
• وَأَمَّا إِذَا كَانَ نَاسِيًا فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ عَلَى الصَّحِيْحِ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ﵀؛ لِقَوْلِهِ ﷾: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. (^٢)
• وَأَمَّا الْمُبَاشَرَةُ وَالْقُبْلَةُ فَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ فَلَا بَأْسَ؛ لِحَدِيْثِ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُخْرِجُ إِلَيَّ رَأْسَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ، وَهُوَ مُجَاوِرٌ، فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ. (^٣)
• وَمَعْنَي: (مُجَاوِرٌ)، أَيْ: مُعْتَكِفٌ، فَيُقَالُ لِلِاعْتِكَافِ أَيْضًا: الْمُجَاوَرَةُ.
• وَفِي رِوَايَةٍ: «فَأُرَجِّلُهُ»، تَعْنِي: أُمَشِّطُهُ. وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «وَأَنَا فِي حُجْرَتِي».
• وَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا الْحَدِيْثِ أَنَّ خُرُوجَ الْمُعْتَكِفِ بِبَعْضِ بَدَنِهِ كَيَدِهِ وَرِجْلِهِ وَرَأْسِهِ لَا يَبْطُلُ بِهِ اعْتِكَافُه، قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: مَنْ أَخْرَجَ رَأْسَهُ أَوْ يَدَيْهِ أَوْ إحْدَى رِجْلَيْهِ أَوْ كِلَيْهِمَا وَهُوَ قَاعِدٌ مَادُّهُمَا فَلَا يَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ بِلَا خِلَافٍ، فَإِنْ أَخْرَجَ رِجْلَيْهِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا وَبَقِيَ رَأْسُهُ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ فَهُوَ خَارِجٌ، فَيَبْطُلُ اعْتِكَافُهُ. ا. هـ. (^٤)
_________________
(١) "الإجماع" (صـ: ٥٠)، و"الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٤٠٣)، و"بداية المجتهد" (ج ٢/ صـ: ٨٠)، و"المغني" (ج ٣/ صـ: ١٩٦)، و"تفسير القرطبي" (البقرة: ١٨٧)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٥٢٤).
(٢) "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٥٢٤).
(٣) البخاري (رَقْم: ٢٠٢٩، و٥٩٢٥)، ومسلم (رَقْم: ٢٩٧).
(٤) "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٥٠٠)، وراجع: شرحه على مسلم (ج ٣/ صـ: ٢٠٨)، و"الفتح" (ج ٤/ صـ: ٢٧٣).
[ ٢١٤ ]
• وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُبَاشَرَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [البقرة: ١٨٧]: الْجِمَاعُ. (^١)
• وَإِنْ كَانَتْ الْمُبَاشَرَةُ أَوِ الْقُبْلَةُ بِشَهْوَةٍ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْمُعْتَكِفِ، وَفِي فَسَادِ الِاعْتِكَافِ بِهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِأَهْلِ الْعِلْمِ، فَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ الْبُطْلَانَ بِالْمُبَاشَرَةِ بِشَهْوَةٍ فِيْمَا دُونَ الْفَرْجِ، أَنْزَلَ، أَوْ لَمْ يُنزِلْ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَيَّدَ الْبُطْلَانَ بِالْإِنزَالِ، وَمِنْهُم مَنْ قَالَ بِعَدَمِ الْبُطْلَانِ مُطْلَقًا. (^٢)
• وَأَمَّا التَّزَوُّجُ فِي الْمَسْجِدِ وَالتَّزْوِيْجُ وَشُهُودُ النِّكَاحِ فَلَا بَأْسَ بِهِ لِلْمُعْتَكِفِ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي "الْمَجْمُوعِ" (٦/ صـ: ٥٢٧) عَدَمَ الْخِلَافِ فِيْهِ.
٢. وَيُفْسِدُ الاعْتِكَافَ أَيْضًا: الْخُرُوجُ مِنَ الْمَسْجِدِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَأَمَّا مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ فَلَهُ الْخُرُوجُ لَهُ، بِالْإِجْمَاعِ، نَقَلَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ قُدَامَةَ فِي "الْمُغْنِي" (٣/ صـ: ١٩٢).
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلِأَنَّ هَذَا مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَوْ بَطَلَ الِاعْتِكَافُ بِخُرُوجِهِ إلَيْهِ، لَمْ يَصِحَّ لَأَحَدٍ الِاعْتِكَافُ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَعْتَكِفُ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ، وَالْمُرَادُ بِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ: الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ، كَنَّى بِذَلِكَ عَنْهُمَا؛ لِأَنَّ كُلَّ إنْسَانٍ يَحْتَاجُ إلَى فِعْلِهِمَا، وَفِي مَعْنَاهُ: الْحَاجَةُ إلَى الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ، إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْ يَأْتِيهِ بِهِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ، وَإِنْ بَغَتْهُ الْقَيْء، فَلَهُ أَنْ يَخْرُجَ لِيَتَقَيَّأ خَارِجَ الْمَسْجِدِ، وَكُلُّ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَلَا يُمْكِنُ فِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ، وَلَا يَفْسُدُ اعْتِكَافُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُطِلْ، وَكَذَلِكَ لَهُ الْخُرُوجُ إلَى مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ، مِثْلُ مَنْ يَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ لَا جُمُعَةَ فِيهِ، فَيَحْتَاجُ إلَى خُرُوجِهِ لِيُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ، وَيَلْزَمُهُ السَّعْيُ إلَيْهَا، فَلَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهَا. ا. هـ.
_________________
(١) ذكره الحافظ في "الفتح" (ج ٤/ صـ: ٢٧٢).
(٢) "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٤٠٣ - ٤٠٤)، و"المغني" (ج ٣/ صـ: ١٩٦)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٥٢٤).
[ ٢١٥ ]
• وَإِنْ خَرَجَ لِعِيَادَةِ مَرِيْضٍ، أَوِ اتِّبَاعِ جَنَازَةٍ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ عَلَى الصَّحِيْحِ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
• وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَوْ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الْجَنَازَةِ خَارَجَ الْمَسْجِدِ، أَوْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَغْسِيْلُ مَيِّتٍ وَتَكْفِيْنُهُ، أَوْ دَفْنُهُ؛ فَلَا بَأْسَ بِخُرُوجِهِ فِي هَذَا الْحَالِ. (^١)
• وَلَا بَأْسَ بِخُرُوجِ الرَّجُلِ مِنِ اعْتِكَافِهِ لِيَصْحَبَ أَهْلَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، أَوْ يَرُدَّها إِلَى مَنزِلِهَا، وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ؛ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ﵂، قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مُعْتَكِفًا، فَأَتَيْتُهُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَحَدَّثْتُهُ، ثُمَّ قُمْتُ لِأَنْقَلِبَ، فَقَامَ مَعِيَ لِيَقْلِبَنِي، وَكَانَ مَسْكَنُهَا فِي دَارِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، فَمَرَّ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَلَمَّا رَأَيَا النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَسْرَعَا، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «عَلَى رِسْلِكُمَا، إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ»، فَقَالَا: سُبْحَانَ اللهِ يَا رَسُولَ اللهِ!، قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ، وَإِنِّي خَشِيتُ أَنْ يَقْذِفَ فِي قُلُوبِكُمَا شَرًّا»، أَوْ قَالَ: «شَيْئًا». (^٢)
٣. وَيُفْسِدُ الاعْتِكَافَ أَيْضًا: الرِّدَّةُ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي أَثْنَاءِ الاعْتِكَافِ، فَإِنْ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي الْحَالِ اسْتَأْنَفَ النِّيَّةَ.
٤. وَكَذَا يُفْسِدُهُ نِيَّةُ قَطْعِ الاعْتِكَافِ، وقَد تَقَدَّمَ ذِكْرُ أَدِلَّتِهِ فِي مُفْسِدَاتِ الصَّوْمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
• وَمَعْنَى كَوْنِ هَذِهِ الْأُمُورِ تُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ، أَيْ: تَقْطَعُ تَتَابُعَهُ، وَلَا يَذْهَبُ بِهَا أَجْرُ مَا سَلَفَ مِنِ اعْتِكَافِهِ وَسَائِرِ أَعْمَالِهِ، حَاشَا الرِّدَّةَ، إِنِ مَاتَ عَلَيْهَا؛ فَإِنَّهَا تُحْبِطُ عَمَلَهُ.
_________________
(١) راجع: "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٣٨٨)، و"المغني" (ج ٣/ صـ: ١٩٢)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٥٠٩ - ٥١٣).
(٢) البخاري (رَقْم: ٢٠٣٥، و٢٠٣٩، و٣٢٨١)، ومسلم (رَقْم: ٢١٧٥).
[ ٢١٦ ]
تَاسِعًا: لا اشْتِرَاطَ فِي الاعْتِكَافِ، عَلَى الصَّحِيْحِ الَّذِي عَلَيْهِ الجمهور، فَلَيْسَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَشْتَرِطَ الْخُرُوجَ لِعِيَادَةِ مَرِيْضٍ أَوِ اتِّبَاعِ جَنَازَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُنَافِي مَقْصُودَ الاعْتِكَافِ.
• فَإِنْ خَرَجَ اسْتَأْنَفَ، وَهَذَا فِي اشْتِرَاطِ طَاعَةٍ أَوْ مُبَاحٍ، فَأَمَّا اشْتِرَاطُ الْمَعْصِيَةِ فَمُحَرَّمٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ، فِي الاعْتِكَافِ وَغَيْرِهِ، فَلَيْسَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ يَشْتَرِطَ الْوَطْءَ فِي اعْتِكَافِهِ وَلَا الْبَيْعَ وَالشِّرَاءَ فِي الْمَسْجِدِ، وَلَا الصِّنَاعَةَ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ فَلَا يَعْتَكِفْ؛ لِأَنَّ تَرْكَ الِاعْتِكَافِ أَوْلَى مِنْ فِعْلِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ. ا. هـ. (^١)
عَاشِرًا: الحِكْمَةُ مِنَ الاعْتِكَافِ وَمَقْصُودُهُ: هُوَ: الانقِطَاعُ لِلْعِبَادَةِ، وَالْخُلُوُّ بِالنَّفْسِ لِذِكْرِ اللهِ ﷿، فَينبَغِيْ لِلْمُعْتَكِفِ مُرَاعَاةُ هَذَا الْمَقْصُودِ، وَامْتِثَالُهُ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: «يُسْتَحَبُّ لِلْمُعْتَكِفِ التَّشَاغُلُ بِالصَّلَاةِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الطَّاعَاتِ الْمَحْضَةِ، وَيَجْتَنِبُ مَا لَا يَعْنِيهِ مِنْ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، وَلَا يُكْثِرُ الْكَلَامَ؛ لِأَنَّ مِنْ كَثُرَ كَلَامُهُ كَثُرَ سَقَطُهُ». (^٢)
• وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: يَجُوزُ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ وَيُقْرِئَهُ غَيْرَهُ، وَأَنْ يَتَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَيُعَلِّمَهُ غَيْرَهُ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ فِي حَالِ الِاعْتِكَافِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُنَا: وَذَلِكَ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ النَّافِلَةِ؛ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ فَرْضُ كِفَايَةٍ؛ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ النَّفْلِ؛ وَلِأَنَّهُ مُصَحِّحٌ لِلصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ؛ وَلِأَنَّ نَفْعَهُ مُتَعَدٍّ إلَى النَّاسِ، وَقَدْ تَظَاهَرَتِ الْأَحَادِيثُ بِتَفْضِيلِ الِاشْتِغَالِ بِالْعِلْمِ عَلَى الِاشْتِغَالِ بِصَلَاةِ النَّافِلَةِ.
_________________
(١) "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٩٥)، وراجع: "بداية المجتهد" (ج ٢/ صـ: ٨١)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٥٠٩ - ٥١٣).
(٢) "المغني" (ج ٣/ صـ: ٢٠١).
[ ٢١٧ ]
• وَقَالَ: قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَصْحَابُ: فَالْأَوْلَى لِلْمُعْتَكِفِ الِاشْتِغَالُ بِالطَّاعَاتِ مِنْ صَلَاةٍ وَتَسْبِيحٍ وَذِكْرٍ وَقِرَاءَةٍ وَاشْتِغَالٍ بِعِلْمٍ تَعَلُّمًا وَتَعْلِيمًا وَمُطَالَعَةً وَكِتَابَةً وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا كَرَاهَةَ فِي شَئْ مِنْ ذَلِكَ، وَلَا يُقَالُ: هُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى، هَذَا مَذْهَبُنَا، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. ا. هـ. (^١)
• وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀ فِي "زَادِ الْمَعَادِ" (ج ٢/ صـ: ٨٢ - ٨٣): لَمَّا كَانَ صَلَاحُ الْقَلْبِ وَاسْتِقَامَتُهُ عَلَى طَرِيقِ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، مُتَوَقِّفًا عَلَى جَمْعِيِّتِهِ عَلَى اللَّهِ، وَلَمِّ شَعَثِهِ بِإِقْبَالِهِ بِالْكُلِّيَّةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ شَعَثَ الْقَلْبِ لَا يَلُمُّهُ إِلَّا الْإِقْبَالُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ فُضُولُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَفُضُولُ مُخَالَطَةِ الْأَنَامِ، وَفُضُولُ الْكَلَامِ، وَفُضُولُ الْمَنَامِ، مِمَّا يَزِيدُهُ شَعَثًا، وَيُشَتِّتُهُ فِي كُلِّ وَادٍ، وَيَقْطَعُهُ عَنْ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، أَوْ يُضْعِفُهُ أَوْ يَعُوقُهُ وَيُوقِفُهُ، اقْتَضَتْ رَحْمَةُ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ بِعِبَادِهِ أَنْ شَرَعَ لَهُمْ مِنَ الصَّوْمِ مَا يُذْهِبُ فُضُولَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَيَسْتَفْرِغُ مِنَ الْقَلْبِ أَخْلَاطَ الشَّهَوَاتِ الْمُعَوِّقَةِ لَهُ عَنْ سَيْرِهِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَشَرَعَهُ بِقَدْرِ الْمَصْلَحَةِ، بِحَيْثُ يَنْتَفِعُ بَهِ الْعَبْدُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، وَلَا يَضُرُّهُ وَلَا يَقْطَعُهُ عَنْ مَصَالِحِهِ الْعَاجِلَةِ وَالْآجِلَةِ.
• وَشَرَعَ لَهُمُ الِاعْتِكَافَ الَّذِي مَقْصُودُهُ وَرُوحُهُ عُكُوفُ الْقَلْبِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَجَمْعِيَّتُهُ عَلَيْهِ، وَالْخَلْوَةُ بِهِ، وَالِانْقِطَاعُ عَنِ الِاشْتِغَالِ بِالْخَلْقِ، وَالِاشْتِغَالُ بِهِ وَحْدَهُ سُبْحَانَهُ، بِحَيْثُ يَصِيرُ ذِكْرُهُ وَحُبُّهُ، وَالْإِقْبَالُ عَلَيْهِ فِي مَحَلِّ هُمُومِ الْقَلْبِ وَخَطَرَاتِهِ، فَيَسْتَوْلِي عَلَيْهِ بَدَلَهَا، وَيَصِيرُ الْهَمُّ كُلُّهُ بِهِ، وَالْخَطَرَاتُ كُلُّهَا بِذِكْرِهِ، وَالتَّفَكُّرُ فِي تَحْصِيلِ مَرَاضِيهِ وَمَا يُقَرِّبُ مِنْهُ، فَيَصِيرُ أُنْسُهُ بِاللَّهِ بَدَلًا عَنْ أُنْسِهِ بِالْخَلْقِ، فَيُعِدُّهُ بِذَلِكَ لِأُنْسِهِ بِهِ يَوْمَ الْوَحْشَةِ فِي الْقُبُورِ حِينَ لَا أَنِيسَ لَهُ، وَلَا مَا يَفْرَحُ بِهِ سِوَاهُ، فَهَذَا مَقْصُودُ الِاعْتِكَافِ الْأَعْظَمُ.
_________________
(١) "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٥٢٨).
[ ٢١٨ ]
• وَأَمَّا فُضُولُ الْمَنَامِ، فَإِنَّهُ شُرِعَ لَهُمْ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ مَا هُوَ مِنْ أَفْضَلِ السَّهَرِ وَأَحْمَدِهِ عَاقِبَةً، وَهُوَ السَّهَرُ الْمُتَوَسِّطُ الَّذِي يَنْفَعُ الْقَلْبَ وَالْبَدَنَ، وَلَا يَعُوقُ عَنْ مَصْلَحَةِ الْعَبْدِ، وَمَدَارُ رِيَاضَةِ أَرْبَابِ الرِّيَاضَاتِ وَالسُّلُوكِ عَلَى هَذِهِ الْأَرْكَانِ الْأَرْبَعَةِ، وَأَسْعَدُهُمْ بِهَا مَنْ سَلَكَ فِيهَا الْمِنْهَاجَ النَّبَوِيَّ الْمُحَمَّدِيَّ، وَلَمْ يَنْحَرِفِ انْحِرَافَ الْغَالِينَ، وَلَا قَصَّرَ تَقْصِيرَ الْمُفَرِّطِينَ. ا. هـ.
• قُلْتُ: وَمِمَّا يُخلُّ بِمَقْصُودِ الاعْتِكَافِ، وَتَنزِيْهِ الْمَسْجِدِ وَصِيَانَتِهِ: أَكْلُ الْقَاتِ فِيْهِ (التَّخْزِيْنُ)!، نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ.
• [لَوْ رَأَيْتَ التَّائِبَ لَرَأَيْتَ جَفْنًا مَقْرُوحًا، تُبْصِرُهُ فِي الأَسْحَارِ عَلَى بَابِ الاعْتِذَارِ مَطْرُوحًا، سَمِعَ قَوْلَ الإِلَهِ: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].
• مَطْعَمُهُ يَسِيرٌ، وَحُزْنُهُ كَثِيرٌ، وَمَزْعَجُهُ مُثِيرٌ، فَكَأَنَّهُ أَسِيرٌ قَدْ رُمِيَ مَجْرُوحًا.
• أَنْحَلَ بَدَنَهُ الصِّيَامُ، وَأَتْعَبَ قَدَمَهُ الْقِيَامُ، وَحَلَفَ بِالْعَزْمِ عَلَى هَجْرِ الْمَنَامِ، فَبَذَلَ جَسَدًا وَرُوحًا.
• الْخُشُوعُ قَدْ عَلاهُ، وَالْحُزْنُ قَدْ وَهَاهُ، يَذُمُّ نَفْسَهُ عَلَى هَوَاهُ، وَبِهَذَا صَارَ مَمْدُوحًا.
• أَيْنَ مَنْ يَبْكِي جِنَايَاتِ الشَّبَابِ، الَّتِي بِهَا اسْوَدَّ الْكِتَابُ، أَيْنَ مَنْ يَأْتِي إِلَى الْبَابِ يَجِد الْبَابَ مَفْتُوحًا، ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].] (^١)
• ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ (١٩٣) رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: ١٩٣ - ١٩٤].
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
* * *
_________________
(١) "التبصرة" (ج ١/ صـ: ٣٧٣ - ٣٧٤).
[ ٢١٩ ]