• الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَمْ يَزَلْ مَحْمُودًا فِي الْقَدِيْمِ وَالْحَدِيْثِ، الْوَاحِدِ الَّذِي تَعَالَى عَنْ قَوْلِ أَهْلِ التَّندِيْدِ وَالتَّثْلِيْثِ، فَسُبْحَانَهُ، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ، وَقَدَّرَ التَّنَاسُلَ فِي عِبَادِهِ ضَرُورَةً لِلْبَقَاءِ، وَجَعَلَهُ فِي التَّذْكِيْرِ وَالتَّأْنِيْثِ، وَبَثَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كُلَّ تَبْثِيْثٍ، وَجَعَلَ مِيْزَانَ التَّفَاضُلِ بَيْنَهُمْ تَقْوَاهُ، فَشَتَّانَ مَا بَيْنَ مَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ، وَبَيْنَ مَنْ آثَرَ رَحْمَةَ رَبِّهِ وَرِضَاهُ، وَمَا بَيْنَ مَنْ يُصْلِحُ فِي الْأَرْضِ وَبَيْنَ مَنْ يُفْسِدُ فِيْهَا وَيَعِيْثُ، ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ [المائدة: ١٠٠]، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ نَاصِرُ دِيْنِهِ بِأَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيْثِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، يَكْشِفُ السُّوْءَ وَيُجِيْبُ دَعْوَةَ الْمُضْطَرِّ وَيُغِيْثُ الْمُسْتَغِيْثَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، السَّمْحُ الدَّمِيْثُ، خَيْرُ نَبِيٍّ وبَعِيْثٍ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِيْنَ سَارُوا عَلَى طَرِيقَتِهِ السَّيْرَ الْحَثِيْثَ، أَمَّا بَعْدُ:
• فَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ الْجِمَاعَ أَحَدُ مُبْطِلَاتِ الصِّيَامِ، وَهَذِهِ أَهَمُّ الْمَسَائِلِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ:
الأُوْلَى: أَنَّ الْجِمَاعَ عَمْدًا يُفْسِدُ الصِّيَامَ، بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
• أَمَّا مِنَ الكِتَابِ فَقَوْلُهُ ﷿: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
• وَأَمَّا مِنَ السُّنَّةِ فَحَدِيْثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: يَقُولُ اللَّهُ ﷿: «الصَّوْمُ لِي، وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٧٤٩٢)، وَهَذَا لَفْظُهُ، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١١٥١) (١٦٤)، وَلَفْظُهُ:
[ ٩٨ ]
«يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي».
• وَعَنْهُ ﵁ أَيْضًا، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: هَلَكْتُ، يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟» قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي فِي رَمَضَانَ، قَالَ: «هَلْ تَجِدُ مَا تُعْتِقُ رَقَبَةً؟»، قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصُومَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ؟» قَالَ: لَا، قَالَ: «فَهَلْ تَجِدُ مَا تُطْعِمُ سِتِّينَ مِسْكِينًا؟» قَالَ: لَا، قَالَ: ثُمَّ جَلَسَ، فَأُتِيَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِعَرَقٍ فِيهِ تَمْرٌ، فَقَالَ: «تَصَدَّقْ بِهَذَا»، قَالَ: أَعَلَى أَفْقَرَ مِنَّا؟ فَمَا بَيْنَ لَابَتَيْهَا أَهْلُ بَيْتٍ أَحْوَجُ إِلَيْهِ مِنَّا، فَضَحِكَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حَتَّى بَدَتْ أَنْيَابُهُ، ثُمَّ قَالَ: «اذْهَبْ، فَأَطْعِمْهُ أَهْلَكَ». (^١)
• وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: قَالَ: وَقَعْتُ عَلَى امْرَأَتِي وَأَنَا صَائِمٌ. (^٢)
• وَأَمَّا الإِجْمَاعُ فَقَدْ نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمُ النَّوَوِيُّ ﵀. (^٣)
• هَذَا فِي حَقِّ الْعَامِدِ، فأَمَّا مَنْ جَامَعَ نَاسِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، عَلَى الصَّحِيْحِ؛ لِقَوْلِهِ ﷿: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
الثَّانِيَةُ: أَنَّهُ مَعَ كَوْنِ الْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ عَامِدًا قَدْ أَفْسَدَ صِيَامَهُ، فَتَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ؛ كَمَا فِي حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
• وَاخْتُلِفَ فِي الْمَرْأَةِ إِذَا طَاوَعَتْ زَوْجَهَا، هَلْ تَلْزَمُهَا الْكَفَّارَةُ أَيْضًا، فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لَا تَلْزَمُهَا، وَإِنْ احْتَاطَتْ، فَكَفَّرَتْ كَانَ أَفْضَلَ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
• فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ مُكْرَهَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيْحِ.
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ١٩٣٧، و٢٦٠٠، و٥٣٦٨، و٦٠٨٧، و٦١٦٤، و٦٧٠٩، و٦٧١٠، و٦٧١١)، ومسلم (رَقْم: ١١١١).
(٢) البخاري (رَقْم: ١٩٣٦).
(٣) "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣٢١).
[ ٩٩ ]
الثَّالِثةُ: اخْتُلِفَ أَيْضًا في وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ، والصَّحِيْحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ أَنَّ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ فِي شَأْنِ الْمُجَامِعِ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ لَهُ: «وَصُمْ يَوْمًا مَكَانَهُ». وَهِيَ زِيَادَةٌ ثَابِتَةٌ. (^١)
الرَّابعَةُ: مَنْ جَامَعَ وَهُوَ صَائِمٌ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ جَاهِلًا بِالتَّحْرِيْمِ، كَأن يَكُونَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ، أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ، بِحَيْثُ يَخْفَى عَلَيْهِ كَوْنُ الْجِمَاعِ مُفَطِّرًا لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ، فَأَشْبَهَ النَّاسِيَ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ النَّصُّ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِطًا لِلْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ تَحْرِيمُهُ أَفْطَرَ، وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ. (^٢)
الخَامِسَةُ: أَنَّ مَنْ جَامَعَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ كَانَ قَدْ طَلَعَ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَى الصَّحِيْحِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَقَلَّ عُذْرًا مِنَ النَّاسِي.
• فَإِذَا عَلِمَ طُلُوعَ الْفَجْرِ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَنزِعَ فِي الْحَالِ، وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، فَإن اسْتَدَامَ بَطَلَ صَوْمُهُ، ولَزِمَتهُ الْكَفَّارَةُ، مَعَ الْقَضَاءِ. (^٣)
_________________
(١) رواها: أبو داود (رَقْم: ٢٣٩٣)، وابن ماجه (رَقْم: ١٦٧١)، وأبو عوانة (رَقْم: ٢٨٥٦)، والطحاوي في "شرح مشكل الآثار" (رَقْم: ١٥١٦، و١٥١٧، و١٥١٨، و١٥١٩)، و"شرح معاني الآثار" (رَقْم: ٤٧٣٥)، وغيرهم. • ولها شواهد، منها: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، مرفوعًا أيضًا، أخرجه أحمد (رَقْم: ٦٩٤٥)، ومرسل سعيد بن المسيب، عند ابن أبي شيبة (رَقْم: ٩٨٦٧، و١٢٧٠٨)، ومرسل نافع بن جبير، ومرسل الحسن، ومرسل محمد بن كعب القرظي، ذكر ذلك الحافظ في "التلخيص" (ج ٢/ صـ: ٣٩٦)، وفي "الفتح" (ج ٤/ صـ: ١٧٢)، وقال: «وبمجموع هذه الطرق تعرف أن لهذه الزيادة أصلًا». • وقال الألباني ﵀ في "الإرواء" (رَقْم: ٩٣٩): «من المستبعد جدَّا أن تكون باطلة، وقد جاءت بهذه الطرق الكثيرة». وراجع أيضًا: "صحيح أبي داود" (رَقْم: ٢٠٧٣).
(٢) راجع: "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣٤٤).
(٣) المصدر السابق (ج ٦/ صـ: ٣٣٨).
[ ١٠٠ ]
السَّادِسَةُ: أَنَّ مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا، فَظَنَّ أَنَّهُ أَفْطَرَ بِذَلِكَ، ثُمَّ جَامَعَ عَامِدًا فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ فَقَطْ، وَلَا تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ، عَلَى الصَّحِيْحِ؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ وَهُوَ يَعْتَقِدُ أَنَّهُ غَيْرُ صَائِمٍ، فَأَشْبَهَ إِذَا وَطِئَ وَعِندَهُ أَنَّهُ لَيْلٌ، ثُمَّ بَانَ أَنَّهُ نَهَارٌ. (^١)
• فَإِنْ جَامَعَ عَامِدًا أَوَّلَ النَّهَارِ، ثُمَّ تَلَبَّسَ بَعْدَ ذَلِكَ بِعُذْرٍ شَرْعِيٍّ، كَمَرَضٍ، أَوْ سَفَرٍ، أَوْ حَاضَتِ الْمَرْأَةُ أَوْ نَفِسَتْ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُسْقِطُ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ.
• وَكَذَا مَنْ أَفْطَرَ عَامِدًا بِغَيْرِ جِمَاعٍ، ثُمَّ جَامَعَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ ﵀: وَذَلِكَ لِأَنَّ هَتْكَ حُرْمَةِ الشَّهْرِ حَاصِلَةٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ؛ بَلْ هِيَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَشَدُّ؛ لِأَنَّهُ عَاصٍ بِفِطْرِهِ أَوَّلًا، فَصَارَ عَاصِيًا مَرَّتَيْنِ، فَكَانَتْ الْكَفَّارَةُ عَلَيْهِ أَوْكَدَ، وَلِأَنَّهُ لَوْ لَمْ تَجِبِ الْكَفَّارَةُ عَلَى مِثْلِ هَذَا لَصَارَ ذَرِيعَةً إلَى أَنْ لَا يُكَفِّرَ أَحَدٌ، فَإِنَّهُ لَا يَشَاءُ أَحَدٌ أَنْ يُجَامِعَ فِي رَمَضَانَ إلَّا أَمْكَنَهُ أَنْ يَأْكُلَ ثُمَّ يُجَامِعَ، بَلْ ذَلِكَ أَعْوَنُ لَهُ عَلَى مَقْصُودِهِ، فَيَكُونُ قَبْلَ الْغَدَاءِ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ، وَإِذَا تَغَدَّى هُوَ وَامْرَأَتُهُ ثُمَّ جَامَعَهَا فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ! وَهَذَا شَنِيعٌ فِي الشَّرِيعَةِ، لَا تَرِدُ بِمِثْلِهِ؛ فَإِنَّهُ قَدْ اسْتَقَرَّ فِي الْعُقُولِ وَالْأَدْيَانِ أَنَّهُ كُلَّمَا عَظُمَ الذَّنْبُ كَانَتْ الْعُقُوبَةُ أَبْلَغَ، وَكُلَّمَا قَوِيَ الشَّبَهُ قَوِيَتْ، وَالْكَفَّارَةُ فِيهَا شَوْبُ الْعِبَادَةِ وَشَوْبُ الْعُقُوبَةِ، وَشُرِعَتْ زَاجِرَةً وَمَاحِيَةً، فَبِكُلِّ حَالٍ قُوَّةُ السَّبَبِ يَقْتَضِي قُوَّةَ الْمُسَبَّبِ. ا. هـ. (^٢)
السَّابِعَةُ: أَنَّ الْكَفَّارَةَ إِنَّمَا تَجِبُ لِحُرْمَةِ نَهَارِ رَمَضَانَ، فَلَوْ جَامَعَ فِي صَوْمِ غَيْرِ رَمَضَانَ، مِنْ قَضَاءٍ، أَوْ نَذْرٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا كَفَّارَةَ فِيْهِ، وَلَمْ يُنقَلْ خِلَافٌ فِي هَذَا إِلَّا عَنْ قَتَادَةَ. (^٣)
_________________
(١) راجع: "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣٣٨).
(٢) "مجموع الفتاوى" (ج ٢٥/ صـ: ٢٦٢).
(٣) "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٣٢١)، و"المغني" (ج ٣/ صـ: ١٣٨ - ١٣٩)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣٤٥).
[ ١٠١ ]
الثَّامِنَةُ: أَنَّ مَنْ جَامَعَ مِرَارًا فِي الْيَوْمِ الْوَاحِدِ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ فَلَيْسَ عَلَيْهَ إِلَّا كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ، بِالْإِجْمَاعِ، فَإِنْ عَاوَدَ الْجِمَاعَ فِي نَفْسِ الْيَوْمِ بَعْدَ الْكَفَّارَةِ فَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ ثَانِيَةٌ عَلَى الصَّحِيْحِ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّ جِمَاعَهُ الثَّانِيَ لَمْ يُصَادِفْ صَوْمًا مُنعَقِدًا. (^١)
• فَإِنْ جَامَعَ فِي يَوْمٍ، ثُمَّ كَفَّرَ، ثُمَّ جَامَعَ فِي يَوْمٍ آخَرَ، فَعَلَيْهِ كَفَّارَةٌ أُخْرَى، بِالْإِجْمَاعِ. (^٢)
• فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ كَفَّرَ عَنِ الْجِمَاعِ الْأَوَّلِ، ثُمَّ جَامَعَ فِي يَوْمٍ آخَرَ، أَوْ أَيَّامٍ أَخُرَى فَإِنَّهَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ، عَلَى الصَّحِيْحِ الَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ.
التَّاسِعَةُ: أَنَّ الْوَطْءَ بِزَنا أَوْ بِشُبْهَةٍ أَوْ نِكَاحٍ فَاسِدٍ مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ الْعَظِيْمَةِ؛ فَإِنَّهُ يَأُخُذُ حُكْمَ الْوَطْءِ فِي فَرْجٍ مُبَاحٍ فِي بُطْلَانِ الصَّوْمِ وَوُجُوبِ الْقَضَاءِ وَالْكَفَّارَةِ. (^٣)
• وَكَذَلِكَ الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ، وَاللِّوَاطُ بِصَبِيٍّ أَوْ رَجُلٍ، وَوَطْءُ الْبَهِيْمَةِ، مَعَ كَوْنِ ذَلِكَ مُحَرَّمًا حُرْمَةً عَظِيْمَةً؛ فَإِنَّهُ يُفْسِدُ الصَّوْمَ، وَيَلْزَمُهُ الْقضَاءُ؛ لِأَنَّ بِهِ قَضَاءَ شَهْوِةٍ، وَفِي الْحَدِيْثِ: «يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَقَدْ تَّقَدَّمَ قَرِيبًا.
• وَلُزُومُ الْكَفَّارَةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ لَهُ حَظٌّ مِنَ النَّظَرٍ؛ وبِهِ قَالَ كَثِيْرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. (^٤)
تَنبِيْهٌ: الْجِمَاعُ الَّذِيْ يُفْسِدُ الصَّوْمَ وَتَثْبُتُ بِهِ أَحْكَامُ الْجِمَاعِ هُوَ إِيْلَاجُ كَامِلِ حَشَفَةِ الذَّكَرِ فِي الْفَرْجِ، سَوَاءٌ حَصَلَ مَعَهُ إِنزَالٌ، أَمْ لَا.
الْعَاشِرَةُ: إِنْ بَاشَرَ فِيْمَا دُونَ الْفَرْجِ، أَوْ قَبَّلَ، أَوْ نَظَرَ، فَأَنْزَلَ قاصدًا إِنزَالَ الْمَنِيِّ؛ بَطَلَ صَوْمُهُ، وَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ، وَلَا تَلْزَمُهُ كَفَّارَةٌ عَلَى الصَّحِيْحِ الَّذِيْ عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ، وَإِنْ لَمْ يُنزِلْ لَمْ
_________________
(١) "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٣٩)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣٣٦ - ٣٣٧).
(٢) "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٣١٨)، و"المغني" (ج ٣/ صـ: ١٤٤).
(٣) راجع: "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣٤١).
(٤) راجع: "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٣٦)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣٤٠ - ٣٤١).
[ ١٠٢ ]
يَبْطُلْ، وَكَذَا لَوْ غَلَبَهُ الْمَنِيُّ، فَأَنْزَلَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، لَمْ يَبْطُلْ أَيضًا، وَأَمَّا مُجَرَّدُ الْإِمْذَاءِ فَلَا يَضُرُّهُ بِلَا شَكٍّ. (^١)
الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الاسْتِمْنَاءَ مَعَ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا فَهُوَ يُفْسِدُ الصَّوْمَ إِنْ حَصَلَ بِهِ الْإِنزَالُ، وَيَجِبُ فِيْهِ الْقَضَاءُ، لِأَنَّ بِهِ قَضَاءَ شَهْوِةٍ، وَهَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ.
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ الاحْتِلَامَ لَا يُفْسِدُ الصَّوْمَ بِالْإِجْمَاعِ. (^٢)
الثَّالِثةَ عَشْرَةَ: أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ للصَّائِمِ، إِنْ كَانَ يَمْلِكُ إِرْبَهُ، وَالْأَوْلَى تَرْكُهَا؛ فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ، وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٢٧)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١١٠٦).
• وَالْإِرْبُ هُو بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرَّاءِ، عَلَى الْأَشْهَرِ، وَضُبِطَ أَيْضًا بِفَتْحَتَيْنِ، وَمَعْنَاهُ: الْحَاجَةُ وَالْوَطَرُ، وَقَدْ يُرَادُ بِهِ الْعُضْوُ.
• فَإِنْ كَانَ لَا يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ تَحَرُّكِ شَهْوَتِهِ كُرهَتْ لَهُ؛ سَدًّا لِذَرِيْعَةِ الْوُقُوعِ فِي الْجِمَاعِ الْمُفْسِدِ للصَّوْمِ، وَالسَّلَامَةُ لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ. (^٣)
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: مَنْ أَصْبَحَ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ جِمَاعٍ أَوِ احْتِلَامٍ فَإِنَّهُ يُتِمُّ صَوْمَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْغُسْلَ حَتَّى يُصْبِحَ، ثُمَّ يَغْتَسِلَ، وهذا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ، وَأُمِّ سَلَمَةَ ﵄، أَنَّهُمَا قَالَتَا: «إِنْ كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَيُصْبِحُ جُنُبًا مِنْ جِمَاعٍ، غَيْرِ احْتِلَامٍ فِي رَمَضَانَ، ثُمَّ يَصُومُ». (^٤)
_________________
(١) راجع: "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٢٧)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣٢١ - ٣٢٢)، و"السيل الجرار" (ج ١/ صـ: ٢٨٤).
(٢) نقله غير واحد، منهم: ابن عبد البر في "التمهيد" (ج ١٧/ صـ: ٤٢٥)، وابن رشد في "بداية المجتهد" (ج ٢/ صـ: ٥٦)، والنووي في "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣٢٢).
(٣) راجع: "الفتح" (ج ٤/ صـ: ١٤٩ - ١٥١)، و"شرح النووي على مسلم" (ج ٧/ صـ: ٢١٥ - ٢١٦).
(٤) البخاري (رَقْم: ١٩٣١، و١٩٣٢)، ومسلم (رَقْم: ١١٠٩).
[ ١٠٣ ]
[يَا هَذَا، مُنَاجَاتَكَ مُنَاجَاتَكَ، وَصَلَاتَكَ صَلَاتَكَ، اسْتَدْرِكْ بِالنِّداء فِي الأَسْحَارِ مَا فَاتَكَ.
• يَا هَذَا: مَاءُ الْعَيْنِ فِي الأَرْضِ حَيَاةُ الزَّرْعِ، وَمَاءُ الْعَيْنِ عَلَى الْخَدِّ حَيَاةُ الْقَلْبِ، يَا طَالِبَ الْجَنَّةِ، بِذَنْبٍ وَاحِدٍ أُخْرِجَ أَبُوكَ مِنْهَا، أَتَطْمَعُ فِي دُخُولِهَا بِذُنُوبٍ لَمْ تَتُبْ مِنْهَا؟! إِنَّ امْرَأً تَنْقَضِي بِالْجَهْلِ سَاعَاتُهُ، وَتَذْهَبُ بِالْمَعَاصِي أَوْقَاتُهُ، لَخَلِيقٌ أَنْ تَجْرِيَ دَائِمًا دُمُوعُهُ، وَحَقِيقٌ أَنْ يَقِلَّ فِي الدُّجَى هُجُوعُهُ.
• وَاأَسَفَا لِمَنْ ذَهَبَ عُمْرُهُ فِي الْخِلافِ، وَصَارَ قَلْبُهُ بِالْخَطَايَا فِي غِلَافٍ، لَمَّا سُتِرَتْ عَنِ التَّائِبِينَ الْعَوَاقِبُ فَزِعُوا إِلَى الْبُكَاءِ وَاسْتَرَاحُوا إِلَى الأَحْزَانِ، كَانُوا يَتَزَاوَرُونَ فَلا تَجْرِي فِي خَلْوَةِ الزِّيَارَةِ إِلَّا دُمُوعُ الْحَذَرِ.
بَاحَتْ بِسِرِّي فِي الْهَوَى أَدْمُعِي … وَدَلَّتِ الْوَاشِي عَلَى مَوْضِعِي
يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ عَلَى مَذْهَبِي … فِي الْوَجْدِ وَالْحُزْنِ فَنُوحُوا مَعِي
يَحِقُّ لِي أَبْكِي عَلَى زَلَّتِي … فَلَا تَلُومُونِي عَلَى أَدْمُعِي] (^١)
• اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ، الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ، ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ أَنْ تُصْلِحَ لَنَا شَأْنَنَا كُلَّهُ، وَلَا تَكِلْنَا إِلَى أَنفُسِنَا طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مَهْدِيِّيْنَ، غَيْرَ ضَالِّيْنَ وَلَا مُضِلِّيْنَ
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
* * *
_________________
(١) "التبصرة" (ج ١/ صـ: ٣٧٢ - ٣٧٤).
[ ١٠٤ ]