• الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَكْمَلَ لَنَا الدِّيْنَ وَأَتَمَّ، أَحْمَدُهُ ﷾ يَعْلَمُ مَا أَبْدَاهُ الْعَبْدُ وَمَا كَتَمَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، قَضَى بِالْحَقِّ وَحَتَمَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، عَمَّ الله بِهِ الرِّسَالةَ وَخَتَمَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِيْنَ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَأْنِهِمُ التَّخَلُّفُ عَنِ السَّبْقِ وَلَا الْعَتَمُ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا انجَلَى الظَّلَامُ وَانجَابَ الْقَتَمُ، أَمَّا بَعْدُ:
• فَهَا هُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ قَدِ انقَضَتْ - أَوْ تُوشِكُ أَنْ تَنقَضِيَ أَيَّامُهُ - وَتُقَوَّضَ خِيَامُهُ، فَطُوبَى لِمَنْ كَانَ فِيْهِ مِنَ الْمَغْفُورَةِ ذُنُوبُهُمْ، السَّلِيْمَةِ قُلُوبُهُمْ، وَخَيْبَةً وَخَسَارَةً، لِمَنْ غُبِنَ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ.
• [مَاذَا فَاتَ مَنْ فَاتَهُ خَيْرُ رَمَضَانَ؟! وَأَيَّ شَيْءٍ أَدْرَكَ مَنْ أَدْرَكَهُ فِيْهِ الْحِرْمَانُ؟! كَمْ بَيْنَ مَنْ حَظُّه فِيْهِ الْقَبُولُ وَالْغُفْرَانُ وَمَنْ كَانَ حَظُّهُ فِيْهِ الْخَيْبَةَ وَالْخُسْرَانَ؟!]. (^١)
تَرَحَّلَ الشَّهْرُ وَالَهْفَاهُ وَانصَرَمَا … وَاخْتَصَّ بِالْفَوْزِ فِي الْجِنَّاتِ مَنْ غَنِمَا
وَأَصْبَحَ الْغَافِلُ الْمِسْكِيْنُ مُنكَسِرًا … مِثْلِي فَيَا وَيْحَهُ يَا عُظْمَ مَا حُرِمَا
مَنْ فَاتَهُ الزَّرْعُ فِي وَقْتِ الْبِدَارِ فَمَا … تَرَاهُ يَحْصُدُ إِلَّا الْهَمَّ وَالنَّدَمَا
• أَيُّهَا الْمُسْلِمُ، كُنْ لِقَبُولِ العَمَلِ أَشَدَّ مِنْكَ اهْتِمَامًا بِالْعَمَلِ؛ فَإِنَّمَا الْعِبْرَةُ بِالْقَبُولِ، قَالَ ﷿ فِي شَأْنِ ابْنِي آدَم: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
• وَقَالَ ﷿: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٢٧].
_________________
(١) "لطائف المعارف" (صـ: ٢١٠).
[ ٣٢٤ ]
• وَقَالَ ﷿: ﴿إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [آل عمران: ٣٥].
• وَقَالَ ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ [المؤمنون: ٦٠].
• وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ﵀ في قوله ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا﴾، قَالَ: «يُعْطُونَ مَا أَعْطَوْا». ﴿وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾، قَالَ: «يَعْمَلُونَ مَا عَمِلُوا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَهُمْ يَخْشَوْنَ أَنْ لَا يُنْجِيَهُمْ ذَلِكَ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ ﷿». (^١)
• وَقَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀: أَيْ: يُعْطُونَ الْعَطَاءَ وَهُمْ خَائِفُونَ أَلَّا يُتَقَبَّلَ مِنْهُمْ؛ لِخَوْفِهِمْ أَنْ يَكُونُوا قَدْ قَصَّرُوا فِي الْقِيَامِ بِشُرُوطِ الْإِعَطَاءِ، وَهَذَا مِنْ بَابِ الْإِشْفَاقِ وَالِاحْتِيَاطِ. ا. هـ.
• وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ ﵀: قَالَ الزَّجَّاجُ: قُلُوبُهُمْ خَائِفَةٌ؛ لِأَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ، وَسَبَبُ الْوَجَلِ هُوَ: أَنْ يَخَافُوا أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ ذَلِكَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ، لَا مُجَرَّدُ رُجُوعِهِمْ إِلَيْهِ سُبْحَانَهُ.
• وَقِيلَ: الْمَعْنَى: أَنَّ مَنِ اعْتَقَدَ الرُّجُوعَ إِلَى الْجَزَاءِ وَالْحِسَابِ وَعَلِمَ أَنَّ الْمُجَازِيَ وَالْمُحَاسِبَ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ لَمْ يَخْلُ مِنْ وَجَلٍ. ا. هـ.
• وَأَمَّا حَدِيْثُ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَنْ هَذِهِ الآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: ٦٠]، قَالَتْ عَائِشَةُ: أَهُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قَالَ: «لَا يَا بِنْتَ الصِّدِّيقِ، وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ
_________________
(١) رواه عبد الله بن المبارك في "الزهد" (رَقْم: ١٥)، ووكيع في "الزهد" (رَقْم: ١٥٣)، كلاهما عن أبي الأشهب جعفر بن حيان، عن الحسن، به، وإسناده صحيح. وأخرجه الإمام أحمد في "الزهد" (رَقْم: ١٦٣٨) عن وكيع، به، ومن طريقه: البيهقي في "الشُّعَب" (رَقْم: ٧٤٨).
[ ٣٢٥ ]
وَيُصَلُّونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا تُقْبَلَ مِنْهُمْ، ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٦١]»؛ فَإِنَّهُ مُعَلٌّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (^١)
• وَعَنْ مُطَرِّفِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِيرِ، أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: «اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي صَلَاةً، اللهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي صِيَامًا، اللهُمَّ اكْتُبْ لِي حَسَنَةً»، ثُمَّ قَالَ: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧]. (^٢)
غَدًا تُوَفَّى النُّفُوسُ مَا كَسَبَتْ … وَيَحْصُدُ الزَّارِعُونَ مَا زَرَعُوا
إِنْ أَحْسَنُوا أَحْسَنُوا لِأَنفُسِهِمْ … وَإِنَ أَسَاءُوا فَبِئْسَ مَا صَنَعُوا
• وَرَوَى أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «رَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ
_________________
(١) رواه أحمد (رَقْم: ٢٥٢٦٣، و٢٥٧٠٥)، والترمذي (رَقْم: ٣١٧٥)، وابن ماجه (رَقْم: ٤١٩٨) من طريق عبد الرحمن بن سعيد بن وهب، عن عائشة، به، إلا أن ذكر الآية التي في آخر الحديث تفرد به الترمذي. • وصححه الحاكم (رَقْم: ٣٤٨٦)، ووافقه الذهبي!، فوهما؛ لأنه منقطع بين عبد الرحمن وبين عائشة. • قال الترمذي: «وروي هذا الحديث عن عبد الرحمن بن سعيد، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نحو هذا». • وذكر الدارقطني في "العلل" (ج ١١/ صـ: ١٩٣) (رَقْم: ٢٢١٦)، و(ج ١٤/ صـ: ٣٣١) (رَقْم: ٣٦٧٥) طرق هذين الحديثين، ورجح أن المحفوظ حديث عائشة ﵂، وهو منقطع. • وذكر الوادعي ﵀ حديث عائشة هذا في "أحاديث معلة ظاهرها الصحة" (رَقْم: ٤٨٢). • وأما الألباني ﵀ فقد ذكره في "الصحيحة" (رَقْم: ١٦٢). • وذكر له الطبري في تفسيره طريقين آخرين إلى عائشة ﵂، وفيهما ضعف.
(٢) رواه ابن أبي شيبة (رَقْم: ٣٦٢٦٩)، ومن طريقه أبو نعيم في "الحلية" (ج ٢/ صـ: ٢٠٧)، بإسناد صحيح.
[ ٣٢٦ ]
دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الجَنَّةَ». (^١)
• وَفِي رِوَايَةِ أَبِي يَعْلَى وابْنِ حِبَّانَ: أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: «آمِينَ آمِينَ آمِينَ». قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّكَ حِينَ صَعِدْتَ الْمِنْبَرَ قُلْتَ: آمِينَ آمِينَ آمِينَ، قَالَ: «إِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي، فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا، فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ، فَمَاتَ، فَدَخَلَ النَّارَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ». (^٢)
• أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: اخْتِمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِالتَّوْبَةِ إِلَى اللهِ وَاسْتِغْفَارِهِ، وَاسْأَلُوا اللهَ ﷿ مِنْ فَضْلِهِ. [إِنْ كَانَتِ الرَّحْمَةُ لِلْمُحْسِنِيْنَ فَالْمُسِيْءُ لَا يَيْأَسُ مِنْهَا، وَإِنْ تَكُنِ الْمَغْفِرَةُ مَكْتُوبَةً لِلْمُتَّقِيْنَ فَالظَّالِمُ لِنَفْسِهِ غَيْرُ مَحْجُوبٍ عَنْهَا.
_________________
(١) "المسند" (رَقْم: ٧٤٥١)، و"سنن الترمذي" (رَقْم: ٣٥٤٥) من طريق عبد الرحمن بن إسحاق، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁، به، وإسناده حسن. وزاد الترمذي: قال عبد الرحمن: وأظنه قال: «أو أحدهما». • قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه». •وصححه ابن حبان (رَقْم: ٩٠٨)، والألباني في "الإرواء" (رَقْم: ٦)، وذكره العلامة الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٢٨٢). • وفي الباب عن عدد من الصحابة، راجع: "تحقيق المسند" (ج ١٢/ صـ: ٤٢٢ - ٤٢٣). • وانظر إلى التعليق التالي.
(٢) "مسند أبي يعلى" (رَقْم: ٥٩٢٢)، و"صحيح ابن حبان" (رَقْم: ٩٠٧) من طريق محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، به، وإسناده حسن. ورواه البخاري في "الأدب المفرد" (رَقْم: ٦٤٦) من طريق كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة ﵁، به، وصححه ابن خزيمة (رَقْم: ١٨٨٨). وليس عند الأخير ذكر الصلاة على النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وإسناده حسن أيضًا، وراجع ما قبله.
[ ٣٢٧ ]
إِنْ كَانَ عَفْوُكَ لَا يَرْجُوهُ ذُوْ خَطَإٍ … فَمَنْ يَجُودُ عَلَى الْعَاصِيْنَ بِالْكَرَمِ؟
• لِمَ لَا يُرْجَى الْعَفْوُ مِنْ رَبِّنَا؟ وَكَيْفَ لَا يُطْمَعُ فِي حِلْمِهِ، وَهُوَ أَرْحَمُ بِعَبْدِهِ مِنْ أُمِّهِ، ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣].
• فَيَا أَيُّهَا الْعَاصِي وَكُلُّنَا ذَلِكَ، لَا تَقْنَطْ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِسُوءِ أَعْمَالِكَ، فَكَمْ يُعْتَقُ مِنَ النَّارِ فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ مِنْ أَمْثَالِكَ! فَأَحْسِنِ الظَّنَّ بِمَوْلَاكَ، وَتُبْ إِلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَهْلِكُ عَلَى اللهِ إِلَّا هَالِكٌ.
إِذَا أَوْجَعَتْكَ لَظَى الذُّنُوبِ فَدَاوِهَا … بِرَفْعِ يَدٍ بِاللَّيْلِ وَاللَّيْلُ مُظْلِمُ
وَلَا تَقْنَطَنْ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ إِنَّمَا … قُنُوطُكَ مِنْهَا مِنْ ذُنُوبِكَ أَعْظَمُ
فَرَحْمَتُهُ لِلْمُحْسِنِيْنَ كَرَامَةٌ … وَرَحْمَتُهُ لِلْمُذْنِبِيْنَ تَكَرُّمُ] (^١)
• فَتَذَكَّرْ، وَاشْكُرِ اللهَ ﷿، ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا﴾ [الفرقان: ٦٢].
[سَلَامٌ مِنَ الرَّحْمَنِ كُلَّ أَوَانِ … عَلَى خَيْرِ شَهْرٍ قَدْ مَضَى وَزَمَانِ
سَلَامٌ عَلَى شَهْرِ الصِّيَامِ فَإِنَّهُ … أَمَانٌ مِنَ الرَّحْمَنِ كُلَّ أَمَانِ
لَئِنْ فَنِيَتْ أَيَّامُكَ الْغُرُّ بَغْتَةً … فَمَا الْوَجْدُ مِنْ قَلْبِي عَلَيْكَ بِفَانِ
• قُلُوبُ الْمُتَّقِينَ إِلَى هَذَا الشَّهْرِ تَحِنُّ، وَمِنْ أَلَمِ فِرَاقِهِ تَئِنُّ.
دَهَاكَ الْفِرَاقُ فَمَا تَصْنَعُ … أَتَصْبِرُ لِلْبَيْنِ أَمْ تَجْزَعُ
إِذَا كُنْتَ تَبْكِي وَهُمْ جِيْرَةٌ … فَكَيْفَ تَكُونُ إِذَا وَدَّعُوا
_________________
(١) "لطائف المعارف" (صـ: ٢١٣).
[ ٣٢٨ ]
• كَيْفَ لَا تَجْرِى لِلْمُؤْمِنِ عَلَى فِرَاقِهِ دُمُوعٌ، وَهُوَ لَا يَدْرِي هَلْ بَقِيَ لَهُ فِي عُمُرِهِ إِلَيْهِ رُجُوعٌ.
تَذَكَّرْتُ أَيَّامًا مَضَتْ وَلَيَالِيَا … خَلَتْ فَجَرَتْ مِنْ ذِكْرِهِنَّ دُمُوعُ
أَلَا هَلْ لَهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ عَوْدَةٌ … وَهَل لِي إِلَى يَوْمِ الْوِصَالِ رُجُوعُ
وَهَلْ بَعْدَ إِعْرَاضِ الْحَبِيْبِ تَوَاصُلٌ … وَهَل لِبُدُورٍ قَدْ أَفَلْنَ طُلُوعُ
• أَيْنَ حُرَقُ الْمُجْتَهِدِيْنَ فِي نَهَارِهِ؟ أَيْنَ قَلَقُ الْمُتَهَجِّدِيْنَ فِي أَسْحَارِهِ؟
إِذَا كَانَ هَذَا حَالَ مَنْ رَبِحَ فِيْهِ، فَكَيْفَ حَالُ مَنْ خسِرَ فِي أَيَّامِهِ وَلَيَالِيْهِ؟ مَاذَا يَنْفَعُ الْمُفَرِّطَ فِيْهِ بُكَاؤُهُ؟! وَقَدْ عَظُمَتْ فِيْهِ مُصِيْبَتُهُ وَجَلَّ عَزَاؤُهُ، كَمْ نُصِحَ الْمِسْكِيْنُ فَمَا قَبِلَ النُّصْحَ، كَمْ دُعِيَ إِلَى الْمُصَالَحَةِ فَمَا أَجَابَ إِلَى الصُّلْحِ، كَمْ شَاهَدَ الْوَاصِلِيْنَ فِيْهِ وَهُوَ مُتَبَاعِدٌ، كَمْ مَرَّتْ بِهِ زُمَرُ السَّائِرِيْنَ وَهُوَ قَاعِدٌ، حَتَّى إِذَا ضَاقَ بِهِ الْوَقْتُ وَخَافَ الْمَقْتَ نَدِمَ عَلَى التَّفْرِيْطِ!.
• يَا شَهْرَ رَمَضَانَ تَرَفَّقْ، دُمُوعُ الْمُحِبِّيْنَ تَدَفَّقُ، قُلُوبُهُمْ مِنْ أَلَمِ الْفِرَاقِ تَشَقَّقُ، عَسَى وَقْفَةٌ لِلْوَدَاعِ تُطْفِئُ مِنْ نَارِ الشَّوْقِ مَا أَحْرَقَ، عَسَى سَاعَةُ تَوْبَةٍ وَإِقْلَاعٍ تَرْفُو مِنَ الصِّيَامِ كُلَّ مَا تَخَرَّقَ، عَسَى مُنقَطِعٌ عَنْ رَكْبِ الْمَقْبُولِيْنَ يَلْحَقُ، عَسَى أَسِيْرُ الْأَوْزَارِ يُطْلَقُ، عَسَى مَنِ اسْتَوْجَبَ النَّارَ يُعْتَقُ.
عَسَى وَعَسَى مِنْ قَبْلِ وَقْتِ التَّفَرُّقِ … إِلَى كُلِّ مَا تَرْجُو مِنَ الْخَيْرِ تَرْتَقِىْ
فَيُجْبَرُ مَكْسُورٌ وَيُقْبَلُ تَائِبٌ … وَيُعْتَقُ خَطَّاءٌ وَيَسْعَدُ مَنْ شَقِىْ] (^١)
_________________
(١) "لطائف المعارف" (صـ: ٢١٦، وصـ: ٢١٧).
[ ٣٢٩ ]
• اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنَّا صِيَامَنَا وَقِيَامَنَا وَصَالِحَ أَعْمَالِنَا، وَأَعِدْ عَلَيْنَا رَمَضَانَ أَعْوَامًا عَدِيْدَةً، وَأَزْمِنَةً مَدِيْدَةً، وَقَدْ قَرَّتْ أَعْيُنُنَا بِنَصْرِ الْمُسْلِمِيْنَ وَعِزِّهِمْ وَظُهُورِهِمْ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيْرٌ.
صَلَّى الْإِلَهُ وَكُلُّ عَبْدٍ صَالِحٍ … وَالطَّيِّبُونَ عَلَى السِّرَاجِ الْوَاضِحِ
الْمُصْطَفى خَيْرِ الْأَنَامِ مُحَمَّدٍ … الطَّاهِرِ الْعَلَمِ الضِّيَاءِ اللَّائِحِ
زَيْنِ الْأَنَام الْمُرْتَضَى عَلَمِ الْهُدَى … الصَّادِقِ الْبَرِّ الْوَفِيِّ النَّاصِحِ
صَلَّى عَلَيْهِ اللهُ مَا هَبَّتْ صَبَا … وَتَجَاوَبَتْ وُرْقُ الْحَمَامِ النَّائِحِ
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
* * *
[ ٣٣٠ ]