• الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِيْ رَفَعَ السَّمَاءَ بِغَيْرِ عَمَدٍ وَلَا عُرُشٍ، وَمَهَدَ الْأَرْضَ وَفَرَشَ، أَخْذُهُ أَلِيْمٌ شَدِيْدٌ إِذَا أَخَذَ وَبَطَشَ، فَلَا يَقُومُ الْعَبْدُ الضَّعِيْفُ لِعَذَابِ اللهِ وَلَا يَقْوَى، وَلَا يُنجِيْهِ مِنْهُ إِلَّا الْإِيْمَانُ وَالتَّقَوَى؛ لَا جَرَمَ أَنَّ اللهَ جَعَلَ تَحْصِيْلَ تَقْوَاهُ وَإِثَابَتِهِ، هُوَ الْحِكْمَةَ وَالْغَايَةَ مِنْ فَرْضِ الصِّيَامِ وَكَتَابَتِه، فَتَأَمَّلُوا أَيُّهَا الصَّادِقُونَ الْمُشْفِقُونَ! ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣]، فَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ فِي اللَّيْلِ إِذَا غَطَشَ، وَرُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ امْرِئٍ هَوَى بِهِ الْهَوَى وَمَالَ، وَسَاءَ بِهِ الْحَالُ، فَصَارَعَبْدًا لِلْمَالِ، فَتَعِسَ وَانْتَكَسَ، وَإِذَا شِيكَ فَلَا انْتَقَشَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَظْهَرَ اللهُ بِهِ الدِّيْنَ، فَارْتَفَعَ شَأْنُهُ وَانتَعَشَ، وَاضْمَحَلَّ بِهِ الْبَاطِلُ وَانكَمَشَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَان، مَا تَعَاقَبَ النَّهَارُ وَالْغَبَشُ، أَمَّا بَعْدُ:
• فَاعْلَمُوا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ أَنَّ اللهَ ﷿ إِنَّمَا شَرَعَ الصِّيَامَ لِعِبَادِهِ؛ لِحِكَمٍ وَمَقَاصِدَ، وَثِمَارِ وَفَوَائِدَ، مِنْهَا:
١) أَنَّهُ مِنْ أَعْظِمِ أَسْبَابِ تَحْصِيْلِ تَقْوَى اللهِ ﷿، كَمَا قَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤].
• قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: بَعْضُ النَّاسِ عِندَمَا يَتَكَلَّمُونَ عَلَى فَوَائِدِ الْعِبَادَاتِ يُحَوِّلُونَهَا إِلَى فَوَائِدَ دُنْيَوِيَّةٍ، فَمَثَلًا يَقُولُونَ: فِي الصَّلَاةِ رِيَاضَةٌ وَإِفَادَةٌ لِلْأَعْصَابِ، وَفِي الصِّيَامِ فَائِدَةٌ لِإِزَالَةِ الْفَضَلَاتِ وَتَرْتِيْبِ الْوَجَبَاتِ، وَالْمَفْرُوضُ أَلَّا تُجْعَلَ الْفَوَائِدُ الدُّنْيَوِيَّةُ هِيَ الْأَصْلَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إِلَى إِضْعَافِ الْإِخْلَاصِ، وَالْغَفْلَةِ
[ ١٣٤ ]
عَنْ إِرَادَةِ الْآخِرَةِ، وَلِذَلِكَ بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ حِكْمَةَ الصَّوْمِ: أَنَّهُ سَبَبٌ لِلتَّقْوَى، فَالْفَوَائِدُ الدِّيْنِيَّةُ هِيَ الْأَصْلُ، وَالدُّنْيَوِيَّةُ ثَانَوِيَّةٌ، وَعِندَمَا نَتَكَلَّمُ عِنْدَ عَامَّةِ النَّاسِ فَإِنَّنَا نُخَاطِبُهُمْ بِالنَّوَاحِي الدِّيْنِيَّةِ، وَعِندَمَا نَتَكَلَّمُ عِنْدَ مَنْ لَا يَقْتَنِعُ إِلَّا بِشَيْءٍ مَادِيٍّ فَإِنَّنَا نُخَاطِبُهُ بِالنَّوَاحِي الدِّيْنِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ، وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ. ا. هـ. (^١)
٢) وَمِنْ فَوَائِدِ الصِّيَامِ: أَنَّهُ يُعِيْنُ عَلَى كَسْرِ النَّفْسِ، وَصَقْلِهَا وَتَهْذِيْبِهَا؛ فَإِنَّ الشِّبَعَ وَالرِّيَّ وَمُبَاشَرَةَ النِّسَاءِ تَحْمِلُ النَّفْسَ عَلَى الْأَشَرِ وَالْبَطَرِ وَالْغَفْلَةِ.
٣) وَمِنْهَا: أَنَّهُ يُعِيْنُ عَلَى خُلُوِّ الْقَلْبِ لِلْفِكْرِ وَالذِّكْرِ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الشَّهَوَاتِ قَدْ تُقَسِّي الْقَلْبَ وَتُعْمِيْهِ وَتَحُولُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الذِّكْرِ وَالْفِكْرِ، وَتَسْتَدْعِي الْغَفْلَةَ؛ وَلِهَذَا قِيْلَ: إِذَا امْتَلَأَتِ الْمَعِدَةُ نَامَتِ الْفِكْرَةُ.
• وَخُلُوُّ الْبَاطِنِ مِنَ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ يُنَوِّرُ الْقَلْبَ وَيُوْجِبُ رِقَّتَهُ وَيُزِيْلُ قَسْوَتَهُ وَيُخْلِيْهِ لِلذِّكْرِ وَالْفِكْرِ.
٤) وَمِنْهَا: لَفْتُ نَظَرِ الْغَنِيِّ إِلَى مَعْرِفَةِ قَدْرِ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِ، وَأَنَّ اللهَ قَدْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ بِمَا مَنَعَهُ كَثِيْرًا مِنَ الْفُقَرَاءِ مِنْ فُضُولِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنِّكَاحِ، فَإِذَا امْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ بِالصِّيَامِ، وَحَصَلَتْ لَهُ الْمَشَقَّةُ؛ تَذَكَّرَ مَنْ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، فَيُوجِبُ لَهُ ذَلِكَ شُكْرَ نِعْمَةِ اللهِ عَلَيْهِ بِالْغِنَى، وَيَدْعُوهُ إِلَى رَحْمَةِ إِخْوَانِهِ الْفُقَراءِ وَالْمُحْتَاجِيْنَ وَمُوَاسَاتِهِمْ بِمَا أَمْكَنَهُ.
٥) وَمِنْهَا: أَنَّ الصِّيَامَ يُضَيِّقُ مَجَارِيَ الدَّمِ الَّتِي هِيَ مَجَارِي الشَّيْطَانِ مِنِ ابْنِ آدَمَ.
• فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيْثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِيْنَ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنَ ابْنِ آدَمَ مَجْرَى الدَّمِ». (^٢)
• فَبِالصِّيَامِ تَسْكُنُ وَسَاوِسُ الشَّيْطَانِ، وَتَنكَسِرُ سَوْرَةُ الشَّهْوَةِ وَالْغَضَبِ. (^٣)
_________________
(١) "مجموع فتاواه ورسائله" (ج ٢/ صـ: ٢٠٨ - ٢٠٩).
(٢) البخاري (رَقْم: ٢٠٣٨، و٢٠٣٩، و٣٢٨١، و٧١٧١)، ومسلم (رَقْم: ٢١٧٤).
(٣) "لطائف المعارف" (صـ: ١٥٥).
[ ١٣٥ ]
• وَلِهَذَا كَانَ الصَّوْمُ وِجَاءً تُكْسَرُ بِهِ شَهْوَةُ النِّكَاحِ لِمَنْ لَمْ يَسْتَطِعِ الزَّوَاجَ؛ فَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، أن الرَّسُولَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنِ اسْتَطَاعَ البَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ؛ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٠٥، و٥٠٦٦،)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١٤٠٠).
• قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: وَللصَّوْمِ فَوَائِدُ كَثِيْرَةٌ: دِيْنِيَّةٌ، وَجِسْمِيَّةٌ، وَاجْتِمَاعِيَّةٌ، وَأَخْلَاقِيَّةٌ، وَنَفْسِيَّةٌ، وَفَوَائِدُ الْأُمُورِ تُعْرَفُ بِمِيْزَانِهَا وَشِدَّةِ الْعِنَايَةِ بِهَا، وَكَوْنُ الصِّيَامِ مَفْرُوضًا عَلَى جَمِيْعِ الْأُمَمِ أَكْبَرُ دَلِيْلٍ عَلَى مَا لَهُ مِنْ فَضَائِلَ وَفَوَائِدَ. ا. هـ. (^١)
• فَيَا مَنِ ابْتُلِىَ بِتَعَاطِي الشَّمَّةِ وَالدُّخَانِ وَالْقَاتِ، فُرْصَةٌ لَكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَنْ تُقْلِعَ عَنْ هَذِهِ الْمَضَارِّ وَالْآفَاتِ وَعَنْ كُلِّ الْمُوبِقَاتِ، فِي هَذَا الشَّهْرِ وَسَائِرِ الْأَوْقَاتِ، وَأَنْ تُجَدِّدَ التَّوْبَةَ النَّصُوحَ إِلى اللهِ ﷿، كَمَا أَمَركَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨]، وقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
• قَالَ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَتِمُّ التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِتَرْكِ هَذِهِ الشَّهَوَاتِ الْمُبَاحَةِ فِي غَيْرِ حَالَةِ الصِّيَامِ إِلَّا بَعْدَ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِتَرْكِ مَا حَرَّمَ اللهُ فِي كُلِّ حَالٍ مِنَ الْكَذِبِ وَالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ عَلَى النَّاسِ فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ. ا. هـ. (^٢)
• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، [وَلَا يَجْهَلْ]، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، [مَرَّتَيْنِ]». (^٣)
_________________
(١) "مجموع فتاواه ورسائله" (ج ١٩/ صـ: ٢٧)، وراجع: "زاد المعاد" (ج ٢/ صـ: ٢٧).
(٢) "لطائف المعارف" (صـ: ١٥٥).
(٣) البخاري (رَقْم: ١٩٠٤)، ومسلم (رَقْم: ١١٥١) (١٦٣) وما بين المعكوفين هو في رواية للبخاري (رَقْم: ١٨٩٤).
[ ١٣٦ ]
• وَلِلْبُخَارِيِّ (رَقْم: ٦٠٥٧) عَنْهُ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالعَمَلَ بِهِ وَالجَهْلَ، فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ».
• وَعَنْهُ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَيْسَ الصِّيَامُ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ [فَقَطْ]، إِنَّمَا الصِّيَامُ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ». صَحَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (رَقْم: ١٩٩٦)، وَابْنُ حِبَّانَ (رَقْم: ٣٤٧٩)، وَالْحَاكِمُ (رَقْم: ١٥٧٠)، وَالْأَلْبَانِيُّ ﵏. (^١)
• وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ، وَغَيْرُهُمَا. (^٢)
إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي السَّمْعِ مِنِّي تَصَاوُنٌ … وَفِي بَصرِيْ غَضٌّ وَفِي مَنطِقِي صَمْتُ
فَحَظِّيْ إِذًا مِنْ صَوْمِيَ الْجُوعُ وَالظَّمَا … فَإِنْ قُلْتُ إِنِّي صُمْتُ يَوْمِيَ مَا صُمْتُ
• قَالَ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: وَسِرُّ هَذَا: أَنَّ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ تَعَالَى بِتَرْكِ الْمُبَاحَاتِ لَا يَكْمُلُ إِلَّا بَعْدَ التَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِتَرْكِ الْمُحَرَّمَاتِ، فَمَنِ ارْتَكَبَ الْمُحَرَّمَاتِ، ثُمَّ تَقَرَّبَ إِلَى اللهِ
_________________
(١) وما بين المعكوفين هو لابن حبان، وكذا جاء في رواية البيهقي في: "الكبرى" (رَقْم: ٨٣١٢)، وفي: "فضل الأوقات" (رَقْم: ٦١). • قال الحاكم: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه»، وكذا صححه على شرط مسلم: الحافظ أبو موسى المديني، كما في "لطائف المعارف" (صـ: ١٥٥) لابن رجب ﵀. • وذكره الألباني ﵀ في "صحيح الترغيب والترهيب" (رَقْم: ١٠٨٢).
(٢) "المسند" (رَقْم: ٨٨٥٦، و٩٦٨٥)، وسنن ابن ماجه (رَقْم: ١٦٩٠)، والنسائي في "الكبرى" (رَقْم: ٣٢٣٦، و٣٣١٩)، وصححه ابن خزيمة (رَقْم: ١٩٩٧)، وابن حبان (رَقْم: ٣٤٨١)، والحاكم (رَقْم: ١٥٧١) على شرط البخاري، والألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (رَقْم: ١٠٨٤)، والوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٣٧٢).
[ ١٣٧ ]
تَعَالَى بِتَرْكِ الْمُبَاحَاتِ كَانَ بِمَثَابَةِ مَنْ يَتْرُكُ الْفَرَائِضَ وَيَتَقَرَّبُ بِالنَّوَافِلِ، وَإِنْ كَانَ صَوْمُهُ مُجْزِئًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ، بِحَيْثُ لَا يُؤْمَرُ بِإِعَادَتِهِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ إِنَّمَا يَبْطُلُ بِارْتِكَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ فِيْهِ لِخُصُوصِهِ، دُونَ ارْتِكَابِ مَا نُهِيَ عَنْهُ لِغَيْرِ مَعْنًى يَخْتَصُّ بِهِ، هَذَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ. ا. هـ. (^١)
• وَقَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: وَلَكِنَّ الْمُؤْسِفَ أَنَّ كَثِيْرًا مِنَ الصَّائِمِيْنَ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ يَوْمِ صَوْمِهِمْ وَيَوْمِ فِطْرِهِمْ، فَهُمْ عَلَى الْعَادَةِ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا مِنْ تَرْكِ الْوَاجِبَاتِ وَفِعْلِ الْمُحَرَّمَاتِ، وَلَا تَشْعُرُ أَنَّ عَلَيْهِ وَقَارَ الصَّوْمِ، وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ لَا تُبْطِلُ الصَّوْمَ، وَلَكِن تَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ، وَرُبَّما عِنْدَ الْمُعَادَلَةِ تَرْجَحُ عَلَى أَجْرِ الصَّوْمِ، فَيَضِيْعُ ثَوَابُهُ. (^٢)
• عِبَادَ اللهِ: [الصَّوْمُ ثَلَاثَةٌ: صَوْمُ الرُّوْحِ، وَهُوَ: قِصَرُ الْأَمَلِ، وَصَوْمُ الْعَقْلِ، وَهُوَ: مُخَالفَة الْهوى، وَصَوْمُ الْجَوَارِح، وَهُوَ: الْإِمْسَاكُ عَنْ الطَّعَام وَالشرَاب وَالْجِمَاع.
• يَا أَخِي، مَنْ صَامَ عَنْ الطَّعَامِ وَالشرَابِ فَصَوْمُهُ عَادَةٌ، وَمَنْ صَامَ عَنْ الرِّبَا وَالْحرَامِ وَأفْطر على الْحَلَال من الطَّعَام فَصَوْمُهُ عُدَّة وَعِبَادَةٌ، وَمَنْ صَامَ عَنْ الذُّنُوبِ وَالْعِصْيَانِ وَأفْطَرَ عَلَى طَاعَةِ الرَّحْمَن فَهُوَ صَائِم رَضِيٌّ، وَمن صَامَ عَنِ الْقَبَائِحِ وَأفْطَرَ عَلَى التَّوْبَةِ لِعَلَّامِ الْغُيُوبِ فَهُوَ صَائِمٌ تَقِيٌّ، وَمن صَامَ عَنْ الْغِيْبَةِ وَالْبُهْتَانِ وَأفْطَرَ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فَهُوَ صَائِمٌ رَشِيْدٌ، وَمن صَامَ عَنْ الْمُنكَر وَالْإِغْيَارِ وَأفْطَرَ عَلَى الْفِكْرَةِ وَالِاعْتِبَار فَهُوَ صَائِمٌ سَعِيْدٌ، وَمن صَامَ عَنْ الرِّيَاءِ وَالانتِقَاصِ وَأَفْطَرَ عَلَى التَّوَاضُع وَالْإِخْلَاص فَهُوَ صَائِمٌ سَالمٌ، وَمَنْ صَامَ عَلَى خِلَافِ النَّفسِ وَالْهَوَى وَأفْطَرَ عَلَى الشُّكْر وَالرِّضَا فَهُوَ صَائِمٌ غَانِمٌ، وَمَنْ صَامَ عَنْ قَبِيح أَفْعَالِهِ وَأفْطَرَ عَلَى تَقْصِير آمَالِهِ فَهُوَ صَائِمٌ مُشَاهِدٌ، وَمن صَامَ عَنْ طُولِ أَمَلِهِ وَأفْطَرَ عَلَى تَقْرِيْبِ أَجَلِهِ فَهُوَ صَائِمٌ زَاهِدٌ.] (^٣)
_________________
(١) "لطائف المعارف" (صـ: ١٥٥).
(٢) "مجموع فتاواه ورسائله" (ج ١٩/ صـ: ١٤ - ١٥).
(٣) "بستان الواعظين" (صـ: ٢٣٠).
[ ١٣٨ ]
• [يَا مَنْ ضَيَّعَ عُمُرَهُ فِي غَيْرِ الطَّاعَةِ، يَا مَنْ فَرَّطَ فِي شَهْرِهِ بَلْ فِي دَهْرِهِ وَأَضَاعَهُ، يَا مَنْ بِضَاعَتُهُ التَّسْوِيْفُ وَالتَّفْرِيْطُ وَبِئْسَتِ الْبِضَاعَةُ، يَا مَنْ جَعَلَ خَصْمَهُ الْقُرْآنَ وَشَهْرَ رَمَضَانَ! كَيْفَ تَرْجُو مِمَّنْ جَعَلْتَهُ خَصْمَكَ الشَّفَاعَةَ؟!
• كُلُّ قِيَامٍ لَا يَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ لَا يَزِيْدُ صَاحِبَهُ إِلَّا بُعْدًا، وَكُلُّ صِيَامٍ لَا يُصَانُ عَنْ قَوْلِ الزُّوْرِ وَالْعَمَلِ بِهِ لَا يُوْرِثُ صَاحِبَهُ إِلَّا مَقْتًا وَرَدًّا، يَا قَوْمِ أَيْنَ آثَارُ الصِّيَامِ؟! أَيْنَ أَنْوَارُ الْقِيَامِ؟!
إِنْ كُنْتَ نُحْتَ يَا حَمَامَ الْبَانِ … لِلْبَيْنِ أَيْنَ شَاهِدُ الْأَحْزَانِ
أَجْفَاكَ لِلدُّمُوعِ أَمْ أَجْفَانِي … لَا تُقْبَلُ الدَّعْوَى بِلَا بُرْهَانِ
• هَذَا - عِبَادَ اللهِ - شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيْ أُنْزِلَ فِيْهِ الْقُرْآنُ، وَفِي بَقِيَّتِهِ لِلْعَابِدِيْنَ مُسْتَمْتَعٌ، وَهَذَا كِتَابُ اللهِ يُتْلَى فِيْهِ بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ وَيُسْمَعُ، وَهُوَ الْقُرْآنُ الَّذِيْ لَوْ أُنْزِلَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا يَتَصَدَّعُ، أَيْنَ القُلُوبُ الَّتِي تَخْشَعُ؟! وَالعُيُونُ الَّتِي تَدْمَعُ؟! لَا بُدَّ أَنْ يُصَانَ الصِّيَامُ عَنِ الْحَرَامِ حَتَّى يَنفَعَ، وَأَنْ يَسْتَقِيْمَ الْقِيَامُ حَتَّى يُرْجَى فِي صَاحِبِهِ أَنْ يَشْفَعَ، نَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ تَكُونَ قُلُوبُنَا كَخَرَابٍ بَلْقَعٍ، وَنَعُوذُ بِهِ أَنْ تَتَرَاكَمَ عَلَيْهَا ظُلْمَةُ الذُّنُوبِ فَهِيَ لَا تُبْصِرُ وَلَا تَسْمَعُ، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنَا مِمَّنْ تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَقُلُوبُهُمْ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةٍ، وَمِمَّنْ يَتَوَالَى عَلَيْهِمْ شَهْرُ رَمَضَانَ وَحَالُهُمْ فِيْهِ كَحَالِ أَهْلِ الشِّقْوَةِ، أَيُّهَا الشَّابُّ، أَلَا تَنتَهِي عَنِ الصَّبْوَةِ!، أَيُّهَا الشَّيْخُ، أَلَا تَنزَجِرُ عَنِ الْقَبِيْحِ، فَتَلْتَحِقَ بِالصَّفْوَةِ!، أَيْنَ نَحْنُ مِنْ قَوْمٍ إِذَا سَمِعُوا دَاعِيَ اللهِ أَجَابُوا الدَّعْوَةَ؟ وَإِذَا تُلِيْتَ عَلَيْهِمْ آيَاتُ اللهِ جَلَتْ قُلُوبَهُمْ جَلْوَةً، وَإِذَا صَامُوا صَامَتْ مِنْهُمُ الْأَلْسِنَةُ وَالْأَسْمَاعُ وَالْأَبْصَارُ، أَمَا لَنَا فِيْهِمْ أُسْوَةٌ؟
يَا نَفْسُ فَازَ الصَّالِحُونَ بِالتُّقَى … وَأَبْصَرُوا الْحَقَّ بِعَيْنِ الْمُلْهَمِ
يَا حُسْنَهُمْ وَاللَّيْلُ قَدْ جَنَّهُمُ … وَنُورُهُمْ يَفُوقُ نُورَ الْأَنجُمِ
تَرَنَّمُوا بِالذِّكْرِ فِي لَيْلِهِمُ … فَعَيْشُهُمْ قَدْ طَّابَ بِالتَّرَنُّمِ
[ ١٣٩ ]
قُلُوبُهُمْ لِلذِّكْرِ قَدْ تَّفَرَّغَتْ … دُمُوعُهُمْ كَلُؤْلُؤٍ مُنتَظِمِ
أَسْحَارُهُمْ بِهِمْ لَهُمْ قَدْ أَشْرَقَتْ … وَخُلَعُ الْغُفْرَانِ خَيْرُ الْقَسَمِ
وَيْحَكِ يَا نَفْسُ أَلَا تَيَقُّظٌ … يَنْفَعُ قَبْلَ أَنْ تَزِلَّ قَدَمِيْ
مَضَى الزَّمَانُ فِي تَوَانٍ وَهَوًى … فَاسْتَدْرِكِي مَا قَدْ بَقِيْ وَاغْتَنِمِيْ (^١)
• اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَنَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَا وَالْغَضَبِ، وَنَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَنَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ، وَنَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَنَسْأَلُكَ الرِّضَاءَ بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَنَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَنَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّةٍ، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ.
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
* * *
_________________
(١) "لطائف المعارف" (صـ: ١٧٣ - ١٧٤)، مع تصرف يسير.
[ ١٤٠ ]