• الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ أَرْشَدَ عِبَادَهُ إِلَى كُلِّ خَيْرِ وَشَأْنٍ مَلِيْحٍ، وَحَذَّرَهُمْ مِنْ كُلِّ أَمْر قَبِيْحٍ، وَدَلَّهُمْ عَلَى الْمَتْجَرِ الرَّبِيْحٍ، بِأَكْمَلِ بَيَانٍ وَأَتَمِّ تَوْضِيْحٍ، مَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِشَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرِ الْبَرَكَاتِ، وَمَوْسِمِ الْخَيْرَاتِ، وَشَرَعَ فِيْهِ أَنْوَاعًا مِنَ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ، مِنْهَا الصِّيَامُ وَالْقِيَامُ (صَلَاةُ التَّرَاوِيْح)، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ أَتَمَّ حَمْدٍ وَأُسَبِّحُهُ أَكْمَلَ تَسْبِيْحٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَه، سُبْحَانَهُ زَيَّنَ السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ، وزيَّن الْأَرْضَ بِمَا عَلَيْهَا مِنْ نَفِيْسٍ وَطَرِيْح، وَمُتْعِبٍ وَمُرِيْحٍ، ورَّغَب فِي مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ: الْبَاقِيَاتِ الصَّالِحَاتِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَانَبَ مَا يُوجِبُ عَلَيْهِ الذَّمَّ وَالتَّجْرِيحَ، فَمَا أَفْلَحَ عَبْدٌ إِلَّا بِطَاعَةِ رَبِّهِ وَشُكْرِهِ، وَلَا اطْمَئَنَّ قَلْبٌ إِلَّا بِذِكْرِهِ، فَحَرِيٌّ أن يُسْتَعْذَبَ فِي ذَلِكَ الْوجْدُ والتَّبْريحُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ النَّبِيُّ الْفَصِيْحُ، وَالْخَاتَمُ الصَّرِيحُ، الْمَوْلُودُ مِنْ نَسْلِ الذَّبِيْح، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أُولِي النَّهْجِ الصَّحِيْح، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ ما هَبَّتْ عَلَى الْأَرْضِ رِيْحٌ، أَمَّا بَعْدُ:
• [فَيَا أَيُّهَا النَّاسُ، اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ، وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَتِهِ وَمَرْضَاتِهِ، وَأَجِيْبُوا الدَّاعِيَ إِلَى دَارِ كَرَامَتِهِ وَجَنَّاتِهِ، وَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا بِمَا فِيْهَا مِنْ زَهْرَةِ الْعَيْشِ وَلَذَّاتِهِ، فَقَدْ قَرُبَ الرَّحِيْلُ، وَذُهِبَ بِسَاعَاتِ الْعُمُرِ وَأَوْقَاتِهِ، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْخَيْرَ كُلَّهُ بِحَذَافِيْرِهِ فِي الْجَنَّةِ، فَأَدْلِجُوا فِي السَّيْرِ إِلَيْهَا، وَالشَّرَّ كُلَّهُ بِحَذَافِيْرِهِ فِي النَّارِ، فَاجْتَهِدُوا فِي الْهَرَبِ مِنْهَا، أَلَا وَإِنَّ الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ، يَأْكُلُ مِنْهَا الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، وَالْمُؤْمِنُ وَالْكَافِرُ، وَالْآخِرَةُ وَعْدٌ صَادِقٌ، يَحْكُمُ فِيْهَا مَلِكٌ قَاهِرٌ، فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا؛ فَإِنَّهَا دَارُ بَلَاءٍ، وَمَنزِلُ تَرْحَةٍ وَعَنَاءٍ، نَزَعَتْ عَنْهَا نُفُوسُ السُّعَدَاءِ، وَانتُزِعَتْ بِالْكُرْهِ مِنْ أَيْدِي الْأَشْقِيَاءِ، وَحَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا أَمَّلُوهُ الْقَدَرُ وَالْقَضَاءُ.
[ ٢٧ ]
• وَاعْلَمُوا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ، أَنَّهُ قَدْ نَزَلَ بِسَاحَتِكُمْ شَهْرٌ عَظِيْم، خَصَّهُ اللهُ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الشُّهُورِ بِالتَّشْرِيفِ وَالتَّكْرِيْم، أَنْزَلَ فِيهِ الْقُرْآنَ الْعَظِيْمَ، وَفَرَضَ صِيَامَهُ وَجَعَلَهُ أَحَدَ أَرْكَانِ الْإِسْلَامِ الَّتِي لَا يَقُومُ بِنَاؤُهُ عَلَى غَيْرِهَا وَلَا يَسْتَقِيْمُ، وَسَنَّ قِيَامَهُ نَبِيُّكُمُ الْكَرِيمُ، عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيْمِ]. (^١)
• فَقِيَامُ رَمَضَانَ أَفْضَلُ الْقِيَامِ، وَالْقِيَامُ عُمُومًا أَفْضَلُ نَوَافِلِ الصَّلَاةِ عَلَى مَدَارِ الْعَامِ.
• فَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ١١٦٣) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ، بَعْدَ رَمَضَانَ، شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ، وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الْفَرِيضَةِ، صَلَاةُ اللَّيْلِ».
• وَفِي رِوَايَةٍ: سُئِلَ - يَعْنِي النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: أَيُّ الصَّلَاةِ أَفْضَلُ بَعْدَ الْمَكْتُوبَةِ؟ وَأَيُّ الصِّيَامِ أَفْضَلُ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَقَالَ: «أَفْضَلُ الصَّلَاةِ، بَعْدَ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ: الصَّلَاةُ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ، وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ: صِيَامُ شَهْرِ اللهِ الْمُحَرَّمِ».
• وَكَانَ قِيَامُ اللَّيْلِ أَوَّلَ مَا شُرِعَ فَرِيْضَةً، ثُمَّ نُسِخَ الْوُجُوبُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى الاسْتِحْبَابِ الْمُؤَكَّدِ، فَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٧٤٦) أَنَّ سَعْدَ بْنَ هِشَامِ بْنِ عَامِرٍ سَأَلَ عَائِشَةَ ﵂، فَقَالَ: أَنْبِئِينِي عَنْ قِيَامِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَتْ: «أَلَسْتَ تَقْرَأُ: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾؟». قُلْتُ: بَلَى. قَالَتْ: «فَإِنَّ اللهَ ﷿ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ، فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَأَصْحَابُهُ حَوْلًا، وَأَمْسَكَ اللهُ خَاتِمَتَهَا اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا فِي السَّمَاءِ، حَتَّى أَنْزَلَ اللهُ فِي آخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ، فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ فَرِيضَةٍ».
_________________
(١) "الخطب المنبرية" (صـ: ٥، وصـ: ٢٤) للإمام المجدد محمد بن عبد الوهَّاب التَّمِيْمِيِّ النَّجْدِيِّ ﵀.
[ ٢٨ ]
• وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ١٣٠٥) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «لَمَّا نَزَلَتْ أَوَّلُ الْمُزَّمِّلِ، كَانُوا يَقُومُونَ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِمْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، حَتَّى نَزَلَ آخِرُهَا، وَكَانَ بَيْنَ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا سَنَةٌ». (^١)
• وَفِي رِوَايَةٍ (رَقْم: ١٣٠٤): فِي الْمُزَّمِّلِ: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ٢]، نَسَخَتْهَا الْآيَةُ الَّتِي فِيهَا: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠].
• وَعِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ عَنْ عَلِيٍّ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، أَوْتِرُوا، فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرٌ، يُحِبُّ الْوِتْرَ». (^٢)
يُقَالُ: وَتْرٌ، وَوِتْرٌ، بِالْفَتْحِ وَالْكَسْرِ.
• وَهَذَا الْأَمْرُ لِلاسْتِحْبَابِ الْمُؤَكَّدِ؛ فَعِندَهُمْ سِوَى أَبِي دَاوُدَ فِي الْحَدِيْثِ نَفْسِهِ: «الوِتْرُ لَيْسَ بِحَتْمٍ كَهَيْئَةِ الصَّلَاةِ المَكْتُوبَةِ، وَلَكِنْ سُنَّةٌ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-».
• وَعَنْ بُرَيْدَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا، الْوِتْرُ حَقٌّ، فَمَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ. (^٣)
_________________
(١) وصححه الإمامان: الألباني في "صحيح أبي داود" (رَقْم: ١٣٠٥)، والوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٥٨٩)، وفي "الصحيح المسند من أسباب النزول" (صـ: ٢٢٢).
(٢) أحمد (رَقْم: ٨٧٧، و١٢١٤، و١٢٢٥، و١٢٢٨، و١٢٦٢)، وأبو داود" (رَقْم: ١٤١٦)، والترمذي (رَقْم: ٤٥٣، و٤٥٤)، والنسائي (رَقْم: ١٦٧٥، و١٦٧٦)، وابن ماجه (رَقْم: ١١٦٩). • وصححه محدثا العصر الإمامان: الألباني ﵀ في "صحيح أبي داود" (رَقْم: ١٢٧٤)، والوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٩٦٥).
(٣) "المسند" (رَقْم: ٢٣٠١٩)، و"سنن أبي داود" (رَقْم: ١٤١٦). وذكره الإمام الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٧٩). • وأما الألباني ﵀ فقد ضعفه في "الإرواء" (رَقْم: ٤١٧). • قال الحافظ في "الفتح" (ج ٢/ صـ: ٤٨٧): وأما حديث بريدة ففي سنده أبو المنيب، وفيه ضعف، وعلى تقدير قبوله، فيحتاج من احتج به إلى أن يثبت أن لفظ: (حق) بمعنى واجب في عرف الشارع. ا. هـ.
[ ٢٩ ]
• قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: وَقَوْلُهُ: «مَنْ لَمْ يُوتِرْ فَلَيْسَ مِنَّا»، يَقْتَضِىْ التَّرْغِيْبَ فِيْهِ، وَمَعْنَاهُ: لَيْسَ بِآخِذٍ سُنَّتَنَا وَلَا مُقْتَدٍ بِنَا، كَمَا قَالَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ»، (^١) وَلَمْ يُرِدْ إِخْرَاجَهُ مِنَ الْإِسْلَامِ. (^٢)
• وَقَالَ الصَّنْعَانِيُّ ﵀: وَمَعْنَى: «لَيْسَ مِنَّا»، أَيْ: لَيْسَ عَلَى سُنَّتِنَا وَطَرِيقَتِنَا، وَالْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى تَأَكُّدِ السُّنِّيَّةِ لِلْوِتْرِ؛ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ. (^٣)
• وَالْأَدِلَّةُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عَلَى التَّرْغِيْبِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ وَالْحَثِّ عَلَيْهِ، وَالثَّنَاءِ عَلَى أَهْلِهِ - سِوَى مَا تَقَدَّمَ - كَثِيْرَةٌ، مِنْهَا:
° قَوْلُهُ ﷾: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
• وَالتَّهَجُّدُ قِيَامٌ مَخْصُوصٌ، وَهُوَ: مَا كَانَ بَعْدَ نَوْم.
• وَقَوْلُهُ ﷾: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، أي: لَكَ خَاصَّةً؛ لِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ، وَهُوُ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى تَكْفِيْرِ الذُّنُوبِ؛ لِأَنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، وَلَيْسَ لَنَا بِنَافِلَةٍ؛ لِكَثْرَةِ ذُنُوبِنَا؛ فنحن نَعْمَلُ لِكَفَّارَتِهَا.
_________________
(١) رواه البخاري (رَقْم: ٧٥٢٧) من حديث أبي هريرة ﵁. • ورواه أحمد (رَقْم: ١٤٧٦، و١٥١٢، و١٥٤٩)، من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، وذكره الإمام الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٣٧٣).
(٢) "شرح البخاري" (ج ٢/ صـ: ٥٨١).
(٣) "سبل السلام" (ج ١/ صـ: ٣٤٨).
[ ٣٠ ]
• قَالَ الشَّوْكَانِيُّ ﵀: وَالْأَمْرُ بِالتَّهَجُّدِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْوُجُوبَ، لَكِنَّ التَّصْرِيحَ بِكَوْنِهِ نَافِلَةً قَرِينَةٌ صَارِفَةٌ لِلْأَمْرِ. ا. هـ.
• هَذَا هُوَ الصَّحِيْحُ فِي تَفْسِيْرِ الْآيَةِ، وَقِيْلَ: فَرِيضَةٌ زَائِدَةٌ لَكَ دُونَ أُمَّتِكَ، فَنَسْخُ الْوُجُوْبِ إِنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ، وَبَقِيَ عَلَيْهِ، لَمْ يُنسَخْ.
• وَقَالَ ﷿: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجُودِ﴾ [ق: ٤٠].
• وَقَالَ ﷿: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩].
• وَقَالَ ﷿: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٦].
• وَقَالَ ﷿: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا﴾ [المزمل: ٦].
• وَنَاشِئَةُ اللَّيْلِ هِيَ: الْقِيَام بَعْد النَّوْم، وَمَعْنَى: ﴿أَشَدُّ وَطْئًا﴾ [المزمل: ٦ - ٧]، أَيْ: أَنَّ مُوَافَقَةَ الْقَلْبِ لِلِّسَانِ فِي تَدَبُّر الْقُرْآنِ فِي هَذَا الْحَالِ أَعْظَمُ مِنْهُ فِي غَيْرِهِ؛ وَذَلِكَ لِسَلَامَةِ الْفِكْرِ، وَهُدُوْءِ الْبَالِ، فَذَلِكَ أَجْمَعُ لِلْخَاطِرِ فِي أَدَاءِ الْقِرَاءَةِ وَتَفَهُّمِهَا مِنْ قِيَامِ النَّهَارِ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ انْتِشَارِ النَّاسِ ولَغَطِ الْأَصْوَاتِ وَأَوْقَاتُ الْمَعَاشِ. (^١)
• وَقَالَ ﷿: ﴿إِنَّ لَكَ فِي النَّهَارِ سَبْحًا طَوِيلًا﴾ [المزمل: ٧]، أَيْ: فَرَاغًا وَوَقْتًا يَكْفِيْكَ؛ لِقَضَاءِ حَوَائِجِكَ؛ لِتَتَمَكَّنَ فِي اللِّيْلِ مِنَ الْقِيَامِ.
• وَأَثْنَى رَبُّنَا ﷿ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الطَّاعَةِ الْعَظِيْمَةِ، فَقَالَ: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ [الذاريات: ١٧]، وَقَالَ: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: ١٧]، وَقَالَ: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]، وَقَالَ: ﴿يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣]، وَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا﴾ [الفرقان: ٦٤]، وَقَالَ:
_________________
(١) "تفسير ابن كثير" (ج ٨/ صـ: ٢٩٢).
[ ٣١ ]
﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (١٦) فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٦ - ١٧].
• وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: قَالَ اللَّهُ: «أَعْدَدْتُ لِعِبَادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ، وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ، وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ، فَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)
• وَعِنْدَ أَحْمَدَ (رَقْم: ٢٢٠١٦)، وَالتِّرْمِذِيِّ (رَقْم: ٢٦١٦)، وَابْنِ مَاجَهْ (رَقْم: ٣٩٧٣) عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «أَلَا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ المَاءُ النَّارَ، وَصَلَاةُ الرَّجُلِ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ». قَالَ: ثُمَّ تَلَا: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: ١٦]، حَتَّى بَلَغَ: ﴿يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]. (^٢)
• وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَنَّهُ قَالَ: «عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ، وَهُوَ قُرْبَةٌ إِلَى رَبِّكُمْ، وَمَكْفَرَةٌ لِلسَّيِّئَاتِ، وَمَنْهَاةٌ لِلْإِثْمِ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُعَلَّقًا، وَوَصَلَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ. (^٣)
• وَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄، قال: جَاءَ جِبْرِيلُ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: «يَا مُحَمَّدُ، عِشْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ مَيِّتٌ، وَاعْمَلْ مَا شِئْتَ فَإِنَّكَ
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٣٢٤٤، و٤٧٧٩، و٤٧٨٠)، ومسلم (رَقْم: ٢٨٢٤).
(٢) صحيح بطرقه وشواهده، وراجع: "تحقيق مسند أحمد" (ج ٣٦/ صـ: ٣٤٥ - ٣٤٧).
(٣) "سنن الترمذي" (رَقْم: ٣٥٤٩)، و"صحيح ابن خزيمة" (رَقْم: ١١٣٥)، و"المستدرك" (رَقْم: ١١٥٦)، وفي إسناده عبد الله بن صالح كاتب الليث، وفيه ضعف، لكن له شاهد من حديث سلمان عند الطبراني في "الكبير" (رَقْم: ٦١٥٤)؛ ولهذا حسنه الألباني ﵀ في "الإرواء" (رَقْم: ٤٥٢).
[ ٣٢ ]
مَجْزِيٌّ بِهِ، وَأَحْبِبْ مَنْ شِئْتَ فَإِنَّكَ مُفَارِقُهُ، وَاعْلَمْ أَنَّ شَرَفَ الْمُؤْمِنِ قِيَامُ اللَّيْلِ، وَعِزَّهُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنِ النَّاسِ». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "الْأَوْسَطِ"، وَالْحَاكِمُ. (^١)
• وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنْبِئْنِي عَنْ أَمْرٍ إِذَا أَخَذْتُ بِهِ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: «أَفْشِ السَّلَامَ، وَأَطْعِمِ الطَّعَامَ، وَصِلِ الْأَرْحَامَ، وَقُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، ثُمَّ ادْخُلِ الْجَنَّةَ بِسَلَام». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٧٩٣٢ و٨٢٩٥، و١٠٣٩٩). (^٢)
• وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَفْشُوا السَّلَامَ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ، وَصِلُوا الْأَرْحَامَ، وَصَلُّوا بِاللَّيْلِ، وَالنَّاسُ نِيَامٌ، تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِسَلَامٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٢٣٧٨٤)، وَالتِّرْمِذِيُّ (رَقْم: ٢٤٨٥)، وَابْنُ مَاجَهْ (رَقْم: ١٣٣٤)، بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ.
• وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا أَعَدَّهَا اللهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَلَانَ الْكَلَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ وَصَلَّى وَالنَّاسُ نِيَامٌ». (^٣)
_________________
(١) "الأوسط" (رَقْم: ٤٢٧٨)، و"المستدرك" (رَقْم: ٧٩٢١)، وله شاهد بمثله من حديث جابر ﵁، أخرجه أبو داود الطيالسي في "مسنده" (رَقْم: ١٧٥٥)، والبيهقي في "شعب الإيمان" (رَقْم: ١٠٠٥٨)، وآخر عن علي ﵁، أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (ج ٣/ صـ: ٢٠٢). • وقد حسنه الإمام الألباني ﵀ في "الصحيحة" (رَقْم: ٨٣١)، وذكره في موضع آخر من "الصحيحة" (رَقْم: ١٩٠٣) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٢) وصححه ابن حبان (رَقْم: ٥٠٨)، والحاكم (رَقْم: ٧٢٧٨).
(٣) حديث حسن صحيح: رواه أحمد (رَقْم: ٢٢٩٠٥)، وصححه ابن حبان (رَقْم: ٥٠٩)، وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، أخرجه أحمد (رَقْم: ٦٦١٥)، وصححه الحاكم (رَقْم: ٢٧٠، و١٢٠٠)، والألباني ﵀ في "صحيح الترغيب والترهيب" (رَقْم: ٦١٧، و٦١٨).
[ ٣٣ ]
• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «يَتَنَزَّلُ رَبُّنَا ﵎ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا، حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِرُ، يَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ، مَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ، مَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ». (^١)
• وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمِ (رَقْم: ٧٥٧) عَنْ جَابِرٍ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «إِنَّ فِي اللَّيْلِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ، يَسْأَلُ اللهَ خَيْرًا مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِلَّا أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَذَلِكَ كُلَّ لَيْلَةٍ».
• وَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ (رَقْم: ٣٥٧٩)، وَالنَّسَائِيِّ (رَقْم: ٥٧٢) عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الرَّبُّ مِنَ العَبْدِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ الآخِرِ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَكُونَ مِمَّنْ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ فَكُنْ». (^٢)
• وَلَا شَكَّ أَنَّ قِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ أَفْضَلُ الْقِيَامِ، وَأَعْظَمُهُ فِي رِفْعَةِ الدَّرَجَاتِ وَتَكْفِيْرِ الْآثَامِ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيْمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِهِ». (^٣)
• وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ، فَيَقُولُ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِهِ»، فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ.
• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَيْضًا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قال: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إِيْمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنبِهِ». (^٤)
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ١١٤٥، و٦٣٢١، و٧٤٩٤)، ومسلم (رَقْم: ٧٥٨).
(٢) "الصحيحة" (رَقْم: ٥٥١)، و"الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٠١٥).
(٣) رواه البخاري (رَقْم: ٣٧، و٢٠٠٨، و٢٠٠٩)، ومسلم (رَقْم: ٧٥٩).
(٤) رواه البخاري (رَقْم: ٣٥، و١٩٠١، و٢٠١٤)، ومسلم (رَقْم: ٧٦٠).
[ ٣٤ ]
• فَاحْرِصْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ عَلَى أَنْ لَا يَفُوتَكَ قِيَامُ رَمَضَانَ، وَحَافِظْ عَلَى أَدَاءِهِ جَمَاعَةً فِي الْمَسْجِدِ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ؛ فَعِنْدَ أَحْمَدَ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، قَالَ: صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رَمَضَانَ، فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنَ الشَّهْرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ، فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، فَلَمَّا كَانَتِ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا، فَلَمَّا كَانَتِ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَوْ نَفَّلْتَنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ، قَالَ: فَقَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ»، قَالَ: فَلَمَّا كَانَتِ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَنِسَاءَهُ وَالنَّاسَ، فَقَامَ بِنَا، حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ، قَالَ: قُلْتُ: وَمَا الْفَلَاحُ؟ قَالَ: السُّحُورُ، ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِقِيَّةَ الشَّهْرِ. (^١)
• وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ - وَهُوَ أَيْضًا لَفْظٌ لِلنَّسَائِيِّ -: «كَتَبَ اللَّهُ لَهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ».
• وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ: «يَعْدِلُ قِيَامَ لَيْلَةٍ».
• قَاَلَ الْإِمَامُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀: وَتُشْرَعُ الْجَمَاعَةُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، بَلْ هِيَ أَفْضَلُ مِنَ الانِفَرادِ؛ لِإِقَامَةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَهَا بِنَفْسِهِ، وَبَيَانِهِ لِفَضْلِهَا بِقَوْلِهِ.
• قَالَ: وَإِنَّمَا لَمْ يَقُمْ بِهِمْ ﵊ بَقِيَّةَ الشَّهْرِ؛ خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْهِمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ فِي رَمَضَانَ، فَيَعْجِزُوا عَنْهَا. (^٢)
• فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خَرَجَ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ، فَصَلَّى فِي الْمَسْجِدِ، فَصَلَّى رِجَالٌ بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَتَحَدَّثُونَ بِذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي اللَّيْلَةِ
_________________
(١) "المسند" (رَقْم: ٢١٤١٩، و٢١٤٤٧)، و"سنن أبي داود" (رَقْم: ١٣٧٥)، و"سنن الترمذي" (رَقْم: ٨٠٦)، و"سنن النسائي" (رَقْم: ١٦٠٥، و١٣٦٤)، و"سنن ابن ماجه" (رَقْم: ١٣٢٧). • وصححه محدثا العصر الإمامان: الألباني في "صحيح أبي داود" (رَقْم: ١٢٤٥)، وفي "الإرواء" (رَقْم: ٤٤٧)، والوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٢٧٠).
(٢) "قيام رمضان فضله وكيفية أدائه ومشروعية الجماعة فيه" (صـ: ٢٠ - ٢١).
[ ٣٥ ]
الثَّانِيَةِ، فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَأَصْبَحَ النَّاسُ يَذْكُرُونَ ذَلِكَ، فَكَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ مِنَ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ، فَخَرَجَ فَصَلَّوْا بِصَلَاتِهِ، فَلَمَّا كَانَتِ اللَّيْلَةُ الرَّابِعَةُ عَجَزَ الْمَسْجِدُ عَنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَطَفِقَ رِجَالٌ مِنْهُمْ يَقُولُونَ: الصَّلَاةَ، فَلَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، حَتَّى خَرَجَ لِصَلَاةِ الْفَجْرِ، فَلَمَّا قَضَى الْفَجْرَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ تَشَهَّدَ، فَقَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمُ اللَّيْلَةَ، وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ صَلَاةُ اللَّيْلِ؛ فَتَعْجِزُوا عَنْهَا». (^١)
• قَاَلَ الْأَلْبَانِيُّ ﵀: وَقَدْ زَالَتْ هَذِهِ الْخَشْيَةُ بِوَفَاتِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ اللهُ الشَّرِيْعَةَ، وَبِذَلِكَ زَالَ الْمَعْلُولُ، وَهُوَ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ، وَبَقِيَ الْحُكْمُ السَّابِقُ، وَهُوَ مَشْرُوعِيَّةُ الْجَمَاعَةِ؛ وَلِذَلِكَ أَحْيَاهَا عُمَرُ ﵁. ا. هـ.
• وَفِي صَحِيْحِ الْبُخَارِيِّ (رَقْم: ٢٠١٠) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ القَارِيِّ، أَنَّهُ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁، لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إِلَى المَسْجِدِ، فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ، يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيُصَلِّي الرَّجُلُ، فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ، فَقَالَ عُمَرُ ﵁: «إِنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ، لَكَانَ أَمْثَلَ»، ثُمَّ عَزَمَ، فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، ثُمَّ خَرَجْتُ مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى، وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ، قَالَ عُمَرُ ﵁: «نِعْمَ البِدْعَةُ هَذِهِ، وَالَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنَ الَّتِي يَقُومُونَ»، يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ، وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ.
• قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: وَسَمَّاهَا عُمَرُ ﵁ بِدْعَةً بِاعْتِبَارِ أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَمَّا تَرَكَ الْقِيَامَ صَارَ النَّاسُ مُتَفَرِّقِيْنَ، يَقُومُ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ، وَيَقُومُ الرَّجُلُ وَمَعَهُ الرَّجُلُ، وَالرَّجُلُ وَمَعَهُ الرَّجُلَانِ، وَالرَّهْطُ وَالنَّفَرُ فِي الْمَسْجِدِ، فَرَأَى أَمِيْرُ الْمُؤْمِنِيْنَ عُمَرُ ﵁ بِرَأْيِهِ السَّدِيْدِ الصَّائِبِ أَنْ يَجْمَعَ النَّاسَ عَلَى إِمَامٍ وَاحِدٍ، فَكَانَ هَذَا
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٩٢٤، و١١٢٩، ٢٠١٢)، ومسلم (رَقْم: ٧٦١).
[ ٣٦ ]
الْفِعْلُ بِالنِّسْبَةِ لِتَفَرُّقِ النَّاسِ مِنْ قَبْلُ بِدْعَةً، فَهِيَ بِدْعَةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ إِضَافِيَّةٌ، وَلَيْسَتْ بِدْعَةً مُطْلَقَةً إِنشَائِيَّةً أَنشَأَهَا عُمَرُ ﵁؛ لِأَنَّ هَذِهِ السُّنَّةَ كَانَتْ مَوْجُودَةً فِي عَهْدِ الرَّسُولِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَهِيَ سُنَّةٌ، لَكِنَّهَا تُرِكَتْ مُنذُ عَهْدِ الرَّسُولِ ﵊ حَتَّى أَعَادَهَا عُمَرُ ﵁. اهـ. (^١)
• وَقَالَ الْأَلْبَانِيُّ ﵀: وَيُشْرَعُ لِلنِّسَاءِ حُضُورُهَا، كَمَا فِي حَدِيْثِ أَبِي ذَرٍّ السَّابِقِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُجْعَلَ لَهُنَّ إِمَامٌ خَاصٌّ بِهِنَّ، غَيْرُ إِمَامِ الرِّجَالِ؛ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ لَمَّا جَمَعَ النَّاسَ عَلَى الْقِيَامِ، جَعَلَ عَلَى الرِّجَالِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ، وَعَلَى النِّسَاءِ سُلَيْمَانَ بْنَ أَبِي حَثْمَةَ، وَعَنْ عِرْفِجَةَ الثَّقَفِيِّ، قَالَ: كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ يَأْمُرُ النَّاسَ بِقِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَيَجْعَلُ لِلرِّجَالِ إِمَامًا، وَلِلنِّسَاءِ إِمَامًا، قَالَ: فَكُنتُ أَنَا إِمَامَ النِّسَاءِ. (^٢)
• قَالَ: وَهَذَا مَحَلُّهُ عِندِيْ إِذَا كَانَ الْمَسْجِدُ وَاسِعًا؛ لِئَلَّا يُشَوِّشَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ. ا. هـ.
يَا رِجَالَ اللَّيْلِ جِدُّوا … رُبَّ دَاعٍ لَا يُرَدُّ
مَا يَقُومُ اللَّيْلَ إلَّا … مَنْ لَهُ عَزْمٌ وَجِدُّ
• [إخْوَانِي، هَذَا شَهْرٌ لَا كَسَائِر الشُّهُور، الذَّنبُ فِيهِ مَغْفُورٌ، وَالسَّعْيُ فِيهِ مَشْكُورٌ، وَالْمُؤمِنُ فِيهِ مَحْبُورٌ، وَالشَّيْطَانُ مُبْعَدٌ مَثْبُورٌ، وَالْوِزْرُ وَالْإِثْم فِيهِ مَهْجُورٌ، وَقَلْبُ الْمُؤمِن بِذِكْرِ اللهِ مَعْمُورٌ، وَقدْ أَنَاخَ بِفِنَائِكُمْ، وَهُوَ عَنْ قَلِيل رَاحِلٌ عَنْكُم، شَاهدٌ لَكُمْ أَوْعَلَيْكُم، مُؤْذِنٌ بِشَقَاوَةٍ أَوْ سَعَادَةٍ، أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ زِيَادَةٍ.
_________________
(١) "الإبداع في بيان كمال الشرع وخطر الابتداع" (صـ: ١٧).
(٢) قال الألباني ﵀ في "قيام رمضان" (صـ: ٢٠ - ٢١): أخرجه والذي قبله البيهقي (ج ٢/ صـ: ٤٩٤)، وأخرج الأول منهما عبد الرزاق أيضًا في "المصنف" (ج ٤/ صـ: ٢٥٨/ رقم: ٨٧٢٢). وأخرجهما ابن نصر أيضًا في "قيام رمضان" (صـ: ٩٣، وصـ: ٩٥)، ثم احتج بهما على ما ذكرنا. ا. هـ.
[ ٣٧ ]
• فَاللَّهَ اللهَ، أَمْضُوا نَهَارَهُ بِتَحْقِيقِ الصِّيَام، وَاقْطَعُوا لَيْلَهُ بِطُولِ الْبُكَاءِ وَالْقِيَام، فَلَعَلَّكُمْ أَنْ تَفُوزُوا بِدَارِ الْخُلْدِ وَالسَّلَام، مَعَ النَّظَر إِلَى وَجْهِ ذِي الْجلَالِ وَالْإِكْرَام، وَمُرَافَقَةِ النَّبِيِّ ﵊.
أَلا دَاع إِلَى الله الْمُجِيْبِ … بِقَلْبٍ مِنْ مَعَاصِيْهِ مَعِيْبِ
أَلَا بَاكٍ لِأَيَّامٍ تَقَضَّى … بِلَا عَمَلٍ وَلَا قَوْل مُصِيْب
أَلَا بَاكٍ عَلَى أَمَدٍ بَعِيْدٍ … يُؤَدِّيْهِ إِلَى أَجَلٍ قَرِيْبِ
فَإِنَّ الْمَوْتَ يَندُبُنُا وَيَبْغِيْ … نُفُوسًا لَيْسَ تَأْلَمُ لِلذُّنُوْبِ
تُنَادَي للتَّرَحُّلِ كُلَّ يَوْم … وَلَا تُصْغِيْ إِلَى الدَّاعِي الْقَرِيْبِ
كَأَنَّ يَقِيْنَنَا بِالْمَوْتِ شَكٌّ … وَنُلْغِي الْحَقَّ بِالْإِفْكِ الْمُرِيْبِ
وَشَهْرُ الصَّوْم شَاهِدُهُ عَلَيْنَا … بِأَعْمَالِ الْقَبَائِحِ وَالذُّنُوْبِ
فَيَا رَبَّاهُ عَفْوًا مِنْكَ وَالْطُفْ … بِفَضْلِكَ بِالْمُحَيَّرِ وَالْكَئِيْبِ (^١)
اللهُمَّ أَعِنَّا عَلَى صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَقِيَامِهِ، وَاغْتِنَامِ فَضَائِلِ لَيَالِيْهِ وَأَيَّامِهِ.
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
* * *
_________________
(١) "بستان الواعظين" (صـ: ٢١٥ - ٢١٦).
[ ٣٨ ]