• اللَّهُمَّ لَكَ الْحَمْدُ حَمْدًا كَثِيْرًا طَيِّبًا مُبَارَكًا فِيْهِ، يَا مَالِكَ كُلِّ مَخْلُوقٍ وَمَا مَلَكَ، الْحَمْدُ لَكَ، وَالشُّكْرُ لَكَ، وَالْمَنُّ لَكَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيْكَ لَكَ، جَعَلْتَ شَهْرَ رَمَضَانَ خَيْرَ الشُّهُورِ، وَجَعَلْتَ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْهُ أَفْضَلَهُ، وَالْفَضْلُ لَكَ، وَجَعَلْتَ لَيَالِيَهَا خَيْرَ اللَّيَالِي عَلَى تَتَابُعِ الدُّهُورِ، وَتَعَاقُبِ النُّورِ وَالْحَلَكِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ، خَتَمْتَ بِهِ رُسُلَكَ، وَأَرْسَلْتَهُ بِالْهُدَى وَدِيْنِ الْحَقِّ؛ لِيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَهْلِكَ عَنْهَا مَنْ هَلَكَ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا سَبَحَ النَّيِّرَانِ: الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ فِي الْفَلَكِ، أَمَّا بَعْدُ:
• أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْكِرَامُ، هَذَا شَهْرُ رَمَضَانَ قَدْ ذَهَبَتْ أَكْثَرُ لَيَالِيْهِ وَالْأَيَّامُ، وَالنَّاسُ فِيْهَا عَلَى أَقْسَامٍ، فِمِنْهُمْ مُسْرِفٌ عَلَى نَفْسِهِ ظّلَّامٌ، وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ رَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ الْمَلَامَ، وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ هُمَامٌ، ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾ [فاطر: ٣٢].
• فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُحْسِنًا فَعَلَيْهِ بِالْإِتْمَامِ، وَمَنْ كَانَ مُسِيْئًا فَعَلَيْهِ بِالتَّوْبَةِ وَحُسْنِ الْخِتَامِ، فَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيْمِ.
• لَئِنْ ذَهَبَ مِنْ رَمَضَانَ أَكْثَرُهُ فَلَا زَالَ بَاقِيًا مِنَ الْخَيْرِ أَكْثَرُهُ، بَقِيَ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ!، فَضْلُهَا مَعْلُومٌ ظَاهِرٌ، فَلَيَالِيْهَا هِيَ خَيْرُ لَيَالِي السَّنَةِ كُلِّهَا، وَأَيَّامُهَا خَيْرُ أَيَّامِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَلَا تَفْضُلُ أَيَّامَهَا فِي السَّنَةِ كُلِّهَا إِلَّا أَيَّامُ الْعَشْرِ الْأُولَى مِنْ ذِي الْحِجَّةِ. (^١)
_________________
(١) راجع: "الفتاوى الكبرى" (ج ٥/ صـ: ٣٧٩) لشيخ الإسلام ﵀، و"زاد المعاد" (ج ١/ صـ: ٥٧) لابن القيم ﵀.
[ ١٩٣ ]
• وَمِنْ فَضَائِلِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ: أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَخُصُّهَا بِمَزِيْدِ اجْتِهَادٍ، فَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ (رَقْم: ١١٧٥) عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِ».
• وَعَنْهَا ﵂ قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)
• وَقَوْلُهَا: «أَحْيَا اللَّيْلَ»، أَيْ: كُلَّهُ، بِالْقِيَامِ وَالذِّكْرِ.
• قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: وَهَذَا شَامِلٌ لِلاِجْتِهَادِ فِي جَمِيْعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ، مِنْ صَلَاةٍ وَقُرْآنٍ وَذِكْرٍ وَصَدَقَةٍ وَغَيْرِهَا؛ ولِأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يُحْيِيْ لَيْلَهُ بِالْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ وَالذِّكْرِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ؛ لِشَرَفِ هَذِهِ اللَّيَالِيْ؛ وَطَلَبًا لِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيْثِ أَنَّهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يُحْيِي اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ، مِنَ الذِّكْرِ وَالْقِرَاءَةِ وَالصَّلَاةِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِذَلِكَ وَالسُّحُورِ وَغَيْرِهَا، وَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا فِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٧٤٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا أَعْلَمُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاحِ؛ لِأَنَّ إِحْيَاءَ اللَّيْلِ الثَّابِتَ فِي الْعَشْرِ يَكُونُ بِالْقِيَامِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ، وَالَّذِي نَفَتْهُ: إِحْيَاءُ اللَّيْلِ بِالْقِيَامِ فَقَطْ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ا. هـ. (^٢)
• وَقَوْلُهَا: «أَيْقَظَ أَهْلَهُ»: أَيْ: نَبَّهَهُنَّ لِلْعِبَادَةِ، وَحَثَّهُنَّ عَلَيْهَا.
• وَقَوْلُهَا: «شَدَّ الْمِئْزَرَ»، هُوَ: كِنَايَةٌ عَنِ الِاسْتِعْدَادِ لِلْعِبَادَةِ وَالاِجْتِهَادِ لَهَا أَكْثَرَ مِنَ الْمُعْتَادِ، وَقِيْلَ: هُوَ: كِنَايَةٌ عَنِ اعْتِزَالِ النِّسَاءِ وَتَرْكِ الْجِمَاعِ.
• وَالْمِئْزَرُ، هُوَ: الْإِزَارُ.
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٢٠٢٤)، ومسلم (رَقْم: ١١٧٤).
(٢) "مجالس شهرِ رمضان" (صـ: ١١٦).
[ ١٩٤ ]
• وَمِنْ فَضَائِلِهَا: أَنَّ فِيْهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَسَنُفْرِدُ لَهَا مَجْلِسًا، إِنْ شَاءَ اللهُ.
• وَمِنْ فَضَائِلِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ: أَنَّ الِاعْتِكَافَ فِيْهَا أَفْضَلُ الِاعْتِكَافِ فِي السَّنَةِ كُلِّهَا، وَسَنُفْرِدُ لَهُ مَجْلِسًا، إِنْ شَاءَ اللهُ.
• فَاحْرِصْ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ عَلَى أَوْقَاتِكَ فِي هَذِهِ الْعَشْرِ؛ فَإِنَّهَا - وَاللَّهِ - أَوْقَاتٌ نَفِيْسَةٌ، لَا تُقَدَّرُ بِثَمَنٍ.
• قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: فَلَا يَنبَغِي لِلْمُؤْمِنِ الْعَاقِلِ أَنْ يُفَوِّتَ هَذِهِ الْفُرْصَةَ الثَّمِيْنَةَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ، فَمَا هِيَ إِلَّا لَيَالٍ مَعْدُودَةٌ، رُبَّمَا يُدْرِكُ الْإِنسَانُ فِيْهَا نَفْحَةً مِنْ نَفَحَاتِ الْمَوْلَى؛ فَتَكُونُ سَعَادَةً لَهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَإِنَّهُ لَمِنَ الْحِرْمَانِ الْعَظِيْمِ وَالْخَسَارَةِ الْفَادِحَةِ أَنْ تَرَى كَثِيْرًا مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ يُمْضُونَ هَذِهِ الْأَوْقَاتَ الثَّمِيْنَةَ فِيْمَا لَا يَنفَعُهُمْ، يَسْهَرُونَ مُعْظَمَ اللَّيْلِ فِي اللَّهْوِ الْبَاطِلِ، فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ الْقِيَامِ نَامُوا عَنْهُ وَفَوَّتُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ خَيْرًا كَثِيرًا، لَعَلَّهُمْ لَا يُدْرِكُونَهُ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا أَبَدًا، وَهَذَا مِنْ تَلَاعُبِ الشَّيْطَانِ وَمَكْرِهِ بِهِمْ، وَصَدِّهِ إِيَّاهُمْ عَنْ سَبِيْلِ اللهِ وَإِغْوَائِهِ لَهُمْ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ [الحجر: ٤٢]، وَالْعَاقِلُ لَا يَتَّخِذُ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللهِ مَعَ عِلْمِهِ بِعَدَاوَتِهِ لَهُ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ مُنَافٍ لِلْعَقْلِ وَالْإِيْمَانِ، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ [الكهف: ٥٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]. ا. هـ. (^١)
• قُلْتُ: وَكَمْ يَغْفُلُ مِنْ أُنَاسٍ عَنِ احْتِسَابِ الْأَجْرِ، وَاسْتِحْضَارِ فَضْلِ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ، وَكَمْ تُضيَّعُ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، أَوْتُؤخَّرُ عَنْ وَقْتِهَا، أَوْ تُؤدَّى بِكَسَلٍ وَخُمُولٍ، وَكَمْ تُضَيَّعُ مِنْ أَوْقَاتٍ فِي الْمُلْهِيَاتِ، كَلَعِبِ الْبَطَّةِ، وَالشَّطْرَنجِ وَالْكَيْرَمِ، وَالضُّمْنَةِ،
_________________
(١) "مجالس شهرِ رمضان" (صـ: ١١٧).
[ ١٩٥ ]
فَوَاللَّهِ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ اللُّعَبُ مُبَاحَةً لَكَانَ إِهْدَارُ الْأَوْقَاتِ فِيْهَا غَبْنًا، لَا سِيَّما فِي لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ».
• فَكَيْفَ بِتَضْيِيْعِ الْأَوْقَاتِ فِيْهَا مَعَ كَوْنِهَا مُحَرَّمَةً!.
• رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيْحِهِ (رَقْم: ٢٢٦٠) عَنْ بُرَيْدَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ».
• وَقَدْ بَوَّبَ النَّوَوِيُّ ﵀ عَلَى هَذَا الْحَدِيْثِ بِقَوْلِهِ: (بَاب تَحْرِيمِ اللَّعِبِ بِالنَّرْدَشِيرِ).
• وَقَالَ: وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ فِي تَحْرِيمِ اللَّعِبِ بِالنَّرْدِ. ا. هـ.
• قُلْتُ: وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ الَّتِي ذَكَرْتُهَا فِي مَعْنَى النَّرْدِ، بَلْ تَزِيْدُ عَلَيْهِ، وَقَدْ نَقَلَ النَّوَوِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ قَوْلَهُمَا في الشَّطْرَنجِ: حَرَامٌ. قَالَ مَالِكٌ: «هُوَ شَرٌّ مِنَ النَّرْدِ، وَأَلْهَى عَنِ الْخَيْرِ».
• وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي "الِاسْتِذْكَارِ" (ج ٨/ صـ: ٤٦٢): «وَأَجْمَعَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اللَّعِبُ بِالنَّرْدِ وَلَا بِالشَّطْرَنْجِ، وَقَالُوا: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْمُدْمِنِ الْمُوَاظِبِ عَلَى لَعِبِ الشَّطْرَنْجِ».
• وَقَدْ بَوَّبَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ فِي "الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ" (ج ١/ صـ: ٤٣٣): بَابُ إِثْمِ مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ.
• وَكَذَا بَوَّبَ أَبُو الْبَرَكَاتِ الْمَجْدُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي "الْمُنتَقَى" - كَمَا فِي "نَيْلِ الْأَوْطَارِ" (ج ٨/ صـ: ١٠٧) -: [بَاب: تَحْرِيمِ الْقِمَارِ وَاللَّعِبِ بِالنَّرْدِ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ]، وَذَكَرَا حَدِيْثَ بُرَيْدَةَ هَذَا.
• وَذَكَرَا أَيْضًا: حَدِيْثَ أَبِي مُوسَى ﵁، أن: رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدِ فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَابْنُ مَاجَهْ،
[ ١٩٦ ]
وَغَيْرُهُمْ. (^١)
• قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي "التَّمْهِيْدِ" (ج ١٣/ صـ: ١٧٥): «وَهَذَا الْحَدِيثُ يُحَرِّمُ اللَّعِبَ بِالنَّرْدِ جُمْلَةً وَاحِدَةً، لَمْ يَسْتَثْنِ وَقْتًا مِنَ الْأَوْقَاتِ، وَلَا حَالًا مِنْ حَالٍ، فَسَوَاءٌ شَغَلَ النَّرْدُ عَنِ الصَّلَاةِ أَوْ لَمْ يَشْغَلْ، أَوْ أَلْهَى عَنْ ذَلِكَ وَمِثْلِهِ أَوْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؛ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ. ا. هـ.
• وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ ﵀: وَالتَّمْثِيلُ بِقَوْلِهِ: «فَكَأَنَّمَا صَبَغَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ وَدَمِهِ»؛ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى التَّحْرِيمِ؛ لِأَنَّ التَّلَوُّثَ بِالنَّجَاسَاتِ مِنْ الْمُحَرَّمَات.
• وَقَالَ: وَقَوْلُهُ: «فَقَدْ عَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ»؛ تَصْرِيحٌ بِمَا يُفِيدُ التَّحْرِيمَ. ا. هـ.
• وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ (رَقْم: ٢٦٦٧٦) بإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ إِلَى عَبْدِ اللهِ بن مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «إيَّاكُمْ وَهَذِهِ الْكِعَابَ الْمَوْسُومَةَ الَّتِي تُزْجَرُ زَجْرًا؛ فَإِنَّهَا مِنَ الْمَيْسِرِ».
• وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي "الْكُبْرَى" (رَقْم: ٢٠٩٥٧) عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ كَانَ يَقُولُ: «النَّرْدُ هِيَ الْمَيْسِرُ». وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، كَمَا قَالَ الْأَلْبَانِيُّ فِي "الْإِرْوَاءِ" (٨/ صـ: ٢٨٧).
• وَقَدْ صَنَّفَ الْإِمَامُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا (الْمُتَوَفَّى: سَنَةَ ٢٨١ هـ) جُزْءًا، سَمَّاهُ: "ذَمَّ الْمَلَاهِي".
• وَصَنَّفَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْآجُرِّيُّ الْبَغْدَادِيُّ (الْمُتَوَفَّى: سنة ٣٦٠ هـ) جُزْءًا، سَمَّاهُ: "تَحْرِيم النَّرْدِ وَالشَّطْرَنجِ وَالْمَلَاهِي".
_________________
(١) "المسند" (رَقْم: ١٩٥٠١، و١٩٥٢١، و١٩٥٢٢، و١٩٥٥١، و١٩٥٨٠، و١٩٦٤٩)، و"سنن أبي داود" (رَقْم: ٤٩٣٨)، وسنن ابن ماجه (رَقْم: ٣٧٦٢)، و"الأدب المفرد" (رَقْم: ١٢٦٩) للبخاري ﵀، وصححه ابن حبان (رَقْم: ٥٨٧٢)، والحاكم (رَقْم: ١٦٠، و١٦١، و١٦٢)، وقال: «على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي!، مع أن في سنده انقطاعًا، لكن له طريق أخرى، وقد حسنه الألباني في "الإرواء" (رَقْم: ٢٦٧٠)، فراجعه.
[ ١٩٧ ]
• وَكَمْ تُضَيَّعُ من أَوْقَاتٍ فِي التَّسَكُّعِ وَالْمُعَاكَسَاتِ فِي الطُّرُقَاتِ وَالْأَسْوَاقِ وَالْمُتَنَزَّهَاتِ وَالْعَبَثِ بالْجَوَّالَاتِ؛ وَالِانهِمَاكِ فِي مُضِلَّاتِ الْهَوَى، وَشَهَوَاتِ الْغَيِّ، وَالفِتَنِ بِأَنْوَاعِهَا، نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالْعَافِيَةَ، وَالْهِدَايَةَ لَنَا وَلِسَائِرِ الْمُسْلِمِيْنَ!.
• وَمِمَّا يُؤْسِفُ أَيْضًا أَنَّ كَثِيْرًا مِنَ الْمُسْلِمِيْنَ يَتَّخِذُ مِنْ لَيَالِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ مَوْسِمًا للتَّسَوُّقِ، وَالِاتِّجَارِ، وَالِاشْتِغَالِ بِشِرَاءِ حَاجَاتِ الْعِيْدِ، فَتَذْهَبُ مُعْظَمُ أَوْقَاتِ هَذِهِ اللَّيَالِي الْفَاضِلَةِ فِي الْأَسْوَاقِ، الَّتِي هِيَ أَبْغَضُ الْبِقَاعِ إِلَى اللهِ ﷿؛ فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «أَحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ أَسْوَاقُهَا». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٦٧١).
• هَذَا مَعَ مَا فِي خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْأَسْوَاقِ مِنَ الْمَحَاذِيْرِ الشَّرْعِيَّةِ، بِغَيْرِ اسْتِصْحَابِ مَحْرَمٍ، وَبِدُونِ ضَرُورَةٍ شَرْعِيَّةٍ تُلْجِؤُهَا إِلَى الْخُرُوجِ، مَعَ كَوْنِ الْفِتْنَةِ غَيْرَ مَأْمُونَةٍ!.
• وَبِاِمْكَانِكَ -أَيُّهَا الْمُسْلِمُ - تَقْدِيْمُ شِرَاءِ حَاجَاتِ الْعِيْدِ قَبْلَ دُخُولِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ؛ لِتَتَفَرَّغَ فِي الْعَشْرِ لِلِاعْتِكَافِ، أَوْ قَضَاءُ ذَلِكَ فِي جُزْءِ يَسِيْرٍ مِنَ النَّهَارِ، إن كَانَ لَا بُدَّ مِنْهُ.
• وَمِمَّا يَنبَغِي التَّنبِيْهُ عَلَيْهِ: تَفْرِيْطُ كَثِيْرٍ مِنَ النِّسَاءِ فِي أَوْقَاتِ هَذَا الشَّهْرِ، فَتَذْهَبُ مُعْظَمُ أَوْقَاتِ النَّهَارِ فِي النَّوْمِ وَفِي الْمَطْبَخِ، بِالِاشْتِغَالِ بِإِعْدَادِ صُنُوفِ الْأَطْعِمَةِ، فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ فَأَمَامَ شَاشَاتِ التِّلْفَازِ!، أَوْ فِي الْأَسْوَاقِ!، فَأَيْنَ نُصْحُ أَوْلِيَاءِ أُمُورِهِنَّ، وَغَيْرَتُهُمْ، وَاللَّهُ ﷿ يَقُولُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: ٦].
• وَقَالَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ». (^١)
_________________
(١) متفق عليه، عن ابن عمر ﵄، وقد تقدم في المجلس السادس عشر.
[ ١٩٨ ]
• [يَا غَافِلًا عَنْ مَصِيْرِهِ، يَا وَاقِفًا فِي تَقْصِيرِهِ، سَبَقَك أَهْلُ الْعَزَائِمِ، وَأَنت فِي الْيَقَظَةِ نَائِم، قِفْ عَلَى الْبَابِ وُقُوفَ نَادِمٍ، وَنَكِّسْ رَأْسَ الذُّلِّ وَقُلْ: أَنا ظَالِم. وَتَشَبَّهْ بِالْقَوْمِ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مِنْهُم وَزَاحِمْ، وَابْعَثْ بِرِيْحِ الزَّفَرَاتِ سَحَاب دَمْعٍ سَاجِمٍ، قُمْ فِي الدُّجَى نَادِبًا، وَقِفْ عَلَى الْبَابِ تَائِبًا، وَاسْتَدْرِكْ مِنَ الْعُمُرِ ذَاهِبًا، وَدَعِ اللَّهْوَ وَالْهَوَى جَانِبًا، وَطَلِّقِ الدُّنْيَا إِنْ كُنْتَ لِلْأُخْرَى طَالبًا.] (^١)
يَا نَائِمًا فِي اللَّيْل كَمْ تَرْقُدُ … قُمْ يَا صَدِيْقِي قَدْ دَنَا الْمَوْعِدُ
وَخُذْ مِنَ اللَّيْلِ وَأَوْقَاتِهِ … وِرْدًا إِذَا مَا هَجَعَ الرُّقَّدُ
مَنْ نَامَ حَتَّى يَنقَضِي لَيْلُهُ … لَمْ يَبْلُغِ الْمَنزِلَ أَوْ يَجْهَدُ
• للهِ دَرُّ أَقْوَامٍ [تَرَكُوا لأَجْلِ اللهِ لَذِيذَ الطَّعَامِ، وَسَارُوا يَطْلُبُونَ جَزِيلَ الإِنْعَامِ، وَقَامُوا فِي الْمُجَاهَدَةِ عَلَى الأَقْدَامِ، وَتَدَرَّعُوا مَلابِسَ الأَتْقِيَاءِ الْكِرَامِ، نُشِرَتْ لَهُمْ بِصِدْقِهِمُ الأَعْلامُ، وَحُلُّوا حِلْيَةَ الرِّضَا وَأُحِلُّوا مَحَلَّ التَّوْفِيقِ، ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾.
• طَالَ مَا عَطِشُوا فِي دُنْيَاهُمْ وَجَاعُوا، وَذَلُّوا لِسَيِّدِهِمْ صَادِقِينَ وَأَطَاعُوا، وَخَافُوا مِنْ عَظَمَتِهِ وَارْتَاعُوا، وَبِأُخْرَاهُمْ مَا يَفْنَى مِنْ دُنْيَاهُمْ بَاعُوا، وَحَرَسُوا بَضَائِعَ التُّقَى فَمَا فَرَّطُوا وَلَا أَضَاعُوا، وَجَانَبُوا مَا يَشِينُ وَصَاحَبُوا مَا يَلِيقُ، فَطَافَ الْوِلْدَانُ عَلَى شِفَاهٍ يَبِسَتْ بِالصِّيَامِ وَأَتَى الرِّيقُ، ﴿يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٧ - ١٨].
• تَحَمَّلُوا أَثْقَالَ التَّكْلِيفِ، وَرَفَضُوا التَّمَادِيَ وَالتَّسْوِيفَ، وَقَطَعُوا طَرِيْقَ الْفَوْزِ للتَّشْرِيْفِ، وَجَانَبُوا مُوْجِبَ الْعِتَابِ وَالتَّعْنِيفِ، فَتَوَلَّاهُمْ مَوْلاهُمْ وَحَمَاهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَأَقَامَ الْوِلْدَانَ تَسْقِيْهِم مِنَ الرَّحِيْقِ، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ﴾ [الواقعة: ١٧ - ١٨].] (^٢)
_________________
(١) "المدهش" (صـ: ٢٣٢).
(٢) "التبصرة" (ج ١/ صـ: ٢٤٧).
[ ١٩٩ ]
• [طَالَمَا ظَمِئَتْ لأَجْلِ اللهِ هَوَاجِرُهُمْ، طَالَمَا يَبِسَتْ بِالصِّيَامِ لَهُ حَنَاجِرُهُمْ، طَالَمَا غَرِقَتْ بِالدُّمُوعِ مَحَاجِرُهُمْ، طَالَمَا أَزْعَجَتْهُمْ مَوَاعِظُهُمْ وَزَوَاجِرُهُمْ، طَالَمَا صَدَقَتْ مُعَامَلَتُهُمْ وَمَتَاجِرُهُمْ، فَغَدًا يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْوِلْدَانُ وَالْحُورُ الْعِينُ، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾.
• نَظَرَ إِلَيْهِمْ مَوْلاهُمْ فَارْتَضَاهُمْ، وَأَنْعَمَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَارَهُمْ وَاصْطَفَاهُمْ، وَأَعْطَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ مُنَاهُمْ، وَمَنَحَهُمْ ما لَا يُحْصَى مِنَ الْخَيْرِ وَحَبَاهُمْ، فَإِذَا قَدِمُوا عَلَيْهِ أَطْعَمَهُمْ وَسَقَاهُمْ، وَأَجْلَسَهُمْ عَلَى مَوَائِدِ الْفَوَائِدِ مِنْ زَوَائِدِ التَّمْكِينِ، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾.
• لَقَدْ لَذَّ نَعِيمُهُمْ وَطَابَ، وَصِينَ حَرِيمُهُمْ يَوْمَ الثَّوَابِ، وَدَامَ تَكْرِيمُهُمْ وَزَالَ الْعِتَابُ، وَتَوَفَّرَ تَعْظِيمُهُمْ بَيْنَ الأَحْبَابِ، فَأَشْرَقَت دِيَارُهُمْ وَفُتِحَتِ الَأَبْوَابُ، وَطَافَ عَلَيْهِمُ الْوِلْدَانُ فِي الْمَقَامِ الأَمِينِ، ﴿بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ﴾ [الواقعة: ١٨].] (^١)
• اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْجَنَّةَ وَنَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ، يَا رَحِيْمُ يَا غَفَّارُ.
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
* * *
_________________
(١) "التبصرة" (ج ١/ صـ: ٢٤٨).
[ ٢٠٠ ]