• الْحَمْدُ للهِ شَدِيْدِ الْمِحَالِ، ذِي الْجَبَرُوتِ وَالْجَلَالِ، الْكَبِيْرِ الْمُتَعَال، عَظِيْمِ الْمَنِّ وَالْإِفْضَالِ، وَاسِعِ الْعَطَاءِ وَالْإجْزَال، الْمُتَفَرِّدِ بِنُعُوتِ الْكَمَالِ، بِيَدِهِ الرَّفْعُ وَالْخَفْضُ، وَالْبَسْطُ وَالْقَبْضُ، وَالْإِمْسَاكُ وَالْإِرْسَالُ، ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ [الرعد: ١١]، ضَرَبَ لِعِبَادِهِ الْأَمْثَالَ، وأَرْسَى الْجِبَالَ، وَأَنشَأَ السَّحَابَ الثِّقَالَ، وَجَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا، وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ، أَوَّلُهَا الْهِلَالُ، مَنَّ عَلَيْنَا بِشَهْرِ رَمَضَانَ فَيَا فَلَاحَ مَنْ عَلَى الْخَيْرِ لَازَمَ فِيْهِ الْإِقْبَالَ، وَيَا حِرْمَانَ مَنْ أَعْرَضَ أَوْ فَرَّطَ وَجَنَى عَلَى عَمَلِهِ بِمَا يُوجِبُ النَّقْضَ وَالْإِبْطَالَ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَأَعُوذُ بِهِ مِنْ أَحْوَالِ أَهْلِ الضَّلَالِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا بَيْعٌ فِيْهِ وَلَا خِلَالٌ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، حَمِيْدُ الْخِصَالِ، وَسَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ، الشَّفِيْعُ إِلَى رَبِّهِ فَي يوْمٍ تَعْظُمُ فِيْهِ الْأَهْوَالُ، وَتُعْرَضُ الْأَعْمَالُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيْعِ الصَّحْبِ وَالآلِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا تَتَابَعَتِ الْأَيَّامُ وَاللَّيَالِ، أَمَّا بَعْدُ:
• فَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّوْمَ هُوَ التَعَبُّدُ للهِ ﷾ بِالْإِمْسَاكِ عَنِ الْمُفطِّرَاتِ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَغَيْرِهَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
• وَهَذِهِ الْمُفَطِّرَاتُ الَّتِي تُبْطِلُ الصِّيَامَ هِيَ: ١. الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ عَمْدًا، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا. ٢. وَالْجِمَاعُ عَمْدًا، وَمَا كَانَ فِي مَعْنَاهُ، مِمَّا يَحْصُلُ بِهِ قَضَاءُ شَهْوَةٍ. ٣. وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ. ٤. وَالرِّدَّةُ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ. ٥. وَنِيَّةُ قَطْعِ الصِّيَامِ، وَالْخُرُوجِ مِنْهُ.
• وَهَذَا الْأَخِيْرُ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَجْلِسِ السَّابِقِ، وَسَنَذْكِرُ بَقِيَّةَ هَذِهِ الْمُفطِّرَاتِ بِالتَّفْصِيْلِ، وَاحِدًا تِلْوَ الآخِرِ، وسَنَبْدَأُ فِي هَذَا الْمَجْلِسِ - إِنْ شَاءَ اللهُ - بِأُوْلَاهَا، وَهِيَ: الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ عَمْدًا، وَهُمَا مِنَ الْمُفَطِّرَاتِ بِالْكِتَابِ والسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.
[ ٨٤ ]
• أَمَّا مِنَ الْكِتَابِ فَقَوْلُهُ ﷿: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧].
• وَأَمَّا مِنَ السُّنَّةِ فَحَدِيْثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)
• وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمُ: ابْنُ قُدَامَةَ. (^٢)
• وَإذا طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْفِظَ مَا فِي فَمِهِ مِنْ أَكْلٍ، أَوْ يَمُجَّ مَا فِيْهِ مِنْ مَشْرُوبٍ؛ لِهَذِهِ الْأَدِلَّةِ الْمَذْكُوْرَةِ.
• هَذَا فِي الْمُتَعَمِّدِ، أَمَّا النَّاسِي، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، وَلَا يُفْطِرُ بِه، وَعَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ صَوْمَهُ؛ لقوله ﷿: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
• وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ نَسِيَ وَهُوَ صَائِمٌ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ، فَإِنَّمَا أَطْعَمَهُ اللهُ وَسَقَاهُ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٣)
• وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ (رقم: ٧٢١): «فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقٌ رَزَقَهُ اللَّهُ».
• وَعَلَيْهِ إِذَا ذَكَرَ أَنْ يَلْفِظَ مَا فِي فِيهِ فَوْرًا، وَعَلَى مَنْ رَآهُ أَنْ يُذَكِّرَهُ، فَإِنْ أَكَلَ بَعْدَ ذَلِكَ عَمْدًا؛ ظَنًّا مِنْهُ أَنَّهُ قَدْ أَفْطَرَ فِي هَذَا الْحَالِ، فَعَلَيْهِ الْقَضَاءُ في أَصَحِّ قَوْلَيْ أَهْلِ الْعِلْم.
• فَإِنْ كَانَ جاهلًا بِكَوْنِهِمَا مِنَ الْمُفَطِّرَاتِ فَعَلَى مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ ﵀: «إذَا أَكَلَ الصَّائِمُ أَوْ شَرِبَ أَوْ جَامَعَ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ، فَإِنْ كَانَ قَرِيبَ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ أَوْ نَشَأَ بِبَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ، بِحَيْثُ يَخْفَى عَلَيْهِ كَوْنُ هَذَا مُفَطِّرًا لَمْ يُفْطِرْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَأْثَمُ، فَأَشْبَهَ النَّاسِيَ الَّذِي ثَبَتَ فِيهِ النَّصُّ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِطًا لِلْمُسْلِمِينَ بِحَيْثُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ تَحْرِيمُهُ أَفْطَرَ؛ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ».
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٨، و٤٥١٤)، ومسلم (رَقْم: ١٦).
(٢) "المغني" (ج ٣/ صـ: ١١٩).
(٣) البخاري (رَقْم: ١٩٣٣)، ومسلم (رَقْم: ١١٥٥).
[ ٨٥ ]
• وَكَذَلِكَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْفِظَ مَا يَبْقَى بَيْنَ أَسْنَانِهِ أَثْنَاءَ صِيَامِهِ؛ فَإِنِ ازْدَرَدَهُ مُتَعَمِّدًا فَإِنَّهُ يُفْطِرُ بِذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ جَاهِلًا بِالْحُكْمِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
• أَمَّا مَا لَا يَقْدِرُ عَلَى الامْتِنَاعِ مِنْهُ مِمَّا يَجْرِي مَعَ الرِّيْقِ؛ فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ؛ بِالْإِجْمَاعِ. (^١)
• وَمَنْ شَكَّ فِي طُلُوعِ الْفَجْرِ فَلَهُ أَنْ يَأْكُلَ حَتَّى يَتَيَقَّنَ طُلُوعَ الْفَجْرِ، هَذَا قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِقَوْلِهِ ﷿: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ [البقرة: ٢٨٦].
• وَعَنْ مُسْلِمِ بْنِ صُبَيْحٍ، قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لابْنِ عَبَّاسٍ: أَرَأَيْتَ إِذَا شَكَكْتُ فِي الْفَجْرِ، وَأَنَا أُرِيْدُ الصِّيَامَ؟ قَالَ: «كُلْ مَا شَكَكْتَ حَتَّى لَا تَشُكَّ». (^٢)
• فَإِنْ ظَنَّ أَنَّ الْفَجْرَ لَمْ يَطْلُعْ، فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ، ثُمَّ بَانَ لَهُ أَنَّهُ قَدْ طَلَعَ، فَصَوْمُهُ صَحِيْحٌ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عَلَى الْأَرْجَحِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، لَكِن يَنبَغِي التَّحَرِّي وَعَدَمُ التَّسَاهُلِ فِي ذَلِكَ.
• وَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِلْفَجْرِ وَالْإِنَاءُ فِي يَدِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمُؤَذِّنُ مِمَّنْ يَتَحَرَّى الْوَقْتَ، وَلَا يُؤَذِّنُ إِلَّا لِدُخُولِهِ فَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَ أَوْ يَتَعَاطَى شَيْئًا مِنَ الْمُفَطِّرَاتِ، وَأَمَّا حَدِيْثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ النِّدَاءَ وَالْإِنَاءُ عَلَى يَدِهِ، فَلَا يَضَعْهُ حَتَّى يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ»؛ فَإِنَّهُ حَدِيْثٌ مُعَلٌّ، وَاللَّهُ أَعْلَمٌ. (^٣)
_________________
(١) "الإشراف" (ج ٣/ صـ: ١٣٤) لابن المنذر ﵀.
(٢) "المصنف" (رَقْم: ٧٣٦٨)، ومن طريقه البيهقي (رَقْم: ٨٠٣٨)، بإسناد صحيح. ورواه ابن أبي شيبة (رَقْم: ٩١٥٠، و٩١٦٠) من طريق مسلم بن صبيح، به. وأخرج عبد الرزاق نحوه (رَقْم: ٧٣٦٧) من طريق عطاء، عنه، به.
(٣) رواه أحمد (رَقْم: ٩٤٧٤، و١٠٦٢٩)، وأبو داود (رَقْم: ٢٣٥٠) من طريق حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، به، وصححه الحاكم (رَقْم: ٧٢٩، و٧٤٠، و١٥٥٢) على شرط مسلم، ووافقه الذهبي!، وتعقبهما الألباني ﵀ في "الصحيحة" (رَقْم: ١٣٩٤) بقوله: «وفيه نظر؛ فإن محمد بن عمرو إنما أخرج له مسلم مقرونًا بغيره، فهو حسن!». • ورواه حماد، عن عمار بن أبي عمار، عن أبي هريرة ﵁، مرفوعًا، رواه أحمد (رَقْم: ١٠٦٣٠). • قال الألباني ﵀: «وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم». ثم ذكر له شواهد عِدَّةً. • وأما أبو حاتم ﵀ فقال - كما في "العلل" (رَقْم: ٣٤٠، و٧٥٩) لابنه -: هذان الحديثان ليسا بصحيحين؛ أما حديث عمار: فعن أبي هريرة ﵁، موقوف، وعمار ثقة، والحديث الآخر ليس بصحيح. ا. هـ. • وذكره العلامة الوادعي ﵀ بطريقيه في "أحاديث معلة ظاهرها الصحة" (رَقْم: ٤٦٨)، ونقل كلام أبي حاتم هذا.
[ ٨٦ ]
• وَمِنَ الْمُفَطِّرَاتِ الَّتِي تُلْحَقُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ أَيْضًا: الشَّمَّةُ وَالدُّخَانُ، وَهُمَا مُحَرَّمَانِ عَلَى الصَّائِمِ وَعَلَى غَيْرِهِ.
• وَأَمَّا الْبَخُورُ فَلَا يَضُرُّ التَّبَخُّرُ بِهِ بِلَا شَكٍّ، وَكَذِلَكَ اسْتِنشَاقُهُ لَا يُفَطِّرُ عَلَى الصَّحِيْحِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا، وَلَا فِي مَعْنَاهُمَا، وَقَدْ كَانَ الدُّخَانُ الْمُتَصَاعِدُ مِنْ أَلْسِنَةِ لَهَبِ مَا يُوْقِدُ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مِمَّا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى، فَلَوْ كَانَ مُفَطِّرًا لَبَيَّنَهُ.
وَعَلَي هَذَا فَإِنَّ تَعْلِيْلَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِكَوْنِ الْبَخُورِ مُفَطِّرًا بِأَنَّ لَهُ جِرْمًا يَصِلُ إِلَى الْمَعِدَةِ تَعْلِيْلٌ عَلِيْلٌ؛ لِمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وبِاللَّهِ التَّوْفِيْقُ.
• وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ شُرْبِ الدُّخَانِ مُفَطِّرًا أَنْ يَكُونَ الْبَخُورُ كَذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْبَخُورَ يُفَارِقُ الدُّخَانَ مِنْ وَجْهَيْنِ:
الأَوَّل: الاخْتِلَافُ فِي اسْتِعْمَالِهِمَا؛ وَلِهَذَا يُقَالُ فِي اسْتِعْمَالِ الدُّخَانِ: (شُرْبُ الدُّخَانِ)، بَيْنَمَا لَا يُقَالُ ذَلِكَ فِي الْبَخُورِ؛ والدُّخَانُ يُجْذَبُ فِي الْأَصْلِ عَنْ طَرِيْقِ الْفَمِ، بِخِلَافِ اسْتِنشَاقِ الْبَخُورِ؛ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِيْهِ اسْتِنشَاقُهُ عَنْ طَرِيْقِ الْأَنفِ.
الثَّانِي: الْبَخُورُ مُبَاحٌ بِالْإِجْمَاعِ، بَلْ يُسْتَحَبُّ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الطِّيْبِ، وَالدُّخَانُ الْمَشْرُوبُ مِنَ الْمُسْتَخْبَثَاتِ الَّتِي تَضُرُّ بِالْبَدَنِ وَالْمَالَ وَالدِّيْنِ وَالْمُجْتَمَعِ، وَهُوَ إِنَّمَا حَدَثَ بَعْدَ الْأَلْفِ مِنَ
[ ٨٧ ]
الْهِجْرَةِ (عَامَ ١٠١٠ هـ تَقْرِيْبًا)؛ وَلِهَذَا لَمْ يَكُنْ فِيْهِ نصٌّ لِلْمُتَقَدِّمِيْنَ؛ لِعَدَمِ وُجُودِهِ فِي زَمَنِهِمْ. (^١)
• وَمِنَ الْمُفَطِّرَاتِ الَّتِي تُلْحَقُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ أَيْضًا: مَا لَا يُغَذِّي الْبَدَنَ، كَالْخَشَبِ وَالتُّرَابِ، وَالخَرَزِ وَنَحْوِهِ، إِذَا ابْتَلَعَهُ الصَّائِمُ مُتَعَمِّدًا، فَإِنَّهُ يُفْطِرُ بِذَلِكَ؛ لِعُمُومِ الْأَدِلَّةِ؛ فَإِنَّهُ وَصَلَ إِلَى الْجَوْفِ عَنْ طَرِيْقِ الْفَمِ؛ ولِأَنَّهُ يُثْقِلُ الْمَعِدَةَ، وَيَكْسِرُ سَوْرَةَ الْجُوعِ. (^٢)
• وَمِنَ الْمُفَطِّرَاتِ الَّتِي تُلْحَقُ بِالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ أَيْضًا: الْحُقَنُ الْمُغَذِّيَةُ؛ لِأَنَّهَا تُغَذِّيْ الْبَدَنَ، وَتُعْطِي قُوَّةَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ، فَكَانَتْ فِي مَعْنَاهُمَا.
• أَمَّا الْحُقَنُ غَيْرُ الْمُغَذِّيَةِ الَّتِي تُوصَفُ لِلْمريض عَنْ طَرِيْقِ الْعضَلِ أَوِ الْوَرِيْدِ فَلَيْسَتْ مُفَطِّرَةً.
• وَكَذَلِكَ حَقْنُ الدَّمِ فِي الصَّائِمِ لَا يُفَطِّر، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: «ظَهَرَ لِي أَنَّ حَقْنَ الدَّمِ لَا يُفَطِّرُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَكْلًا وَلَا شُرْبًا وَلَا بِمَعْنَاهُمَا، وَالْأَصْلُ بَقَاءُ صِحَّةِ الصَّوْمِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ فَسَادُهُ؛ لِأَنَّ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْمُقَرَّرَةِ أَنَّ الْيَقِيْنَ لَا يَزُولُ بِالشَّكِّ». (^٣)
• وَأَمَّا غَسِيْلُ الْكلَى، وَهُو إِخْرَاجُ دَمِ الْمَرِيْضِ بِالْفَشَلِ الْكلَوِيِّ إِلَى آلَةٍ؛ لِتَنقِيَتِهِ، ثُمَّ يُعَادَ إِلَى الْجِسْمِ بَعْدَ ذَلِكَ، وَقَدْ أُضِيْفَ إِلَى الدَّمِ بَعْضُ الْمَوَادِّ الْكِيْمِيَائِيَّةِ وَالْغِذَائِيَّةِ، كَالسُّكَّرِيَّاتِ وَالْأَمْلَاح، فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِنَ الْمُفَطِّرَاتِ. (^٤)
_________________
(١) "فتح العلي المالك" (ج ١/ صـ: ١٨٩).
(٢) "المحلى" (ج ٤/ صـ: ٣٢٦)، و"الذخيرة" (ج ٢/ صـ: ٥٠٧) للقرافي ﵀، و"الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ٣٦٧).
(٣) حاشية "مجالس شهررمضان" (صـ: ٧٧).
(٤) "فتاوى اللجنة الدائمة" (م. الأولى) (ج ١٠/ صـ: ١٩٠ - ١٩١)، و(م. الثانية) (ج ٩/ صـ: ١٠٧).
[ ٨٨ ]
• وَلَيْسَتِ الْحِجَامَةُ من الْمُفَطِّراتِ عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيْحِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، وَفي مَعْنَاهَا: الْفَصْدُ وَالتَّشْريطُ وَسَحْبُ الدَّمِ، وَأَمَّا حَدِيْثُ: «أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ» (^١)؛ فَإِنَّهُ مَنسُوخٌ بِعِدَّةِ أَحَادِيْثَ، وَهِيَ:
١. حَدِيْثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄: «أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٣٨، و١٩٣٩، و٥٦٩٤).
٢. وَسُئِلَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ﵁: أَكُنْتُمْ تَكْرَهُونَ الحِجَامَةَ لِلصَّائِمِ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-؟ قَالَ: «لَا، إِلَّا مِنْ أَجْلِ الضَّعْفِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أيضًا (رَقْم: ١٩٤٠).
٣. وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نَهَى عَنِ الحِجَامَةِ وَالْمُوَاصَلَةِ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُمَا؛ إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٢٣٠٧١)، وَأَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ٢٣٧٤) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ، وَالْجَهَالَةُ بِالصَّحَابِيِّ لَا تَضُرُّ؛ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ عُدُولٌ.
_________________
(١) أخرجه أحمد (رَقْم: ٢٢٣٨٢، و٢٢٤١٠، و٢٢٤٣٢، و٢٢٤٥٠)، وأبو داود (رَقْم: ٢٣٦٧، و٢٣٧١)، وابن ماجه (رَقْم: ١٦٨٠) من حديث ثوبان ﵁، بإسناد على شرط مسلم، وصححه ابن خزيمة (رَقْم: ١٩٦٣، و١٩٨٣)، وابن حبان (رَقْم: ٣٥٣٢)، والحاكم (رَقْم: ١٥٥٨، و١٥٥٩، و١٥٦٠، و)، وهو في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٩٣). • وجاء أيضًا من حديث شداد بن أوس ﵁، أخرجه أحمد (رَقْم: ١٧١١٢، و١٧١١٧، و١٧١١٩، و١٧١٢٤، و١٧١٢٥، و١٧١٢٦، و١٧١٢٧، و١٧١٢٩، و١٧١٣٨، و٢٢٤٤٩)، وأبو داود (رَقْم: ٢٣٦٩)، وابن ماجه (رَقْم: ١٦٨١)، وصححه ابن حبان (رَقْم: ٣٥٣٣، و٣٥٣٤)، والحاكم (رَقْم: ١٥٦٣، و١٥٦٤، و١٥٦٥)، ووافقه الذهبي، وهو في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٤٧٢). • وصحح الحديثين أيضًا: الإمام الألباني ﵀ في "الإرواء" (رَقْم: ٩٣١). وقد جاء عن جمع آخرين من الصحابة، راجع: "تحقيق المسند" (ج ١٤/ صـ: ٣٧٣ - ٣٧٧).
[ ٨٩ ]
٤. وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁: «أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- رَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ لِلصَّائِمِ». رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي "الْكُبْرَى"، وَابْنُ خُزَيْمَةَ، وَغَيْرُهُمَا. (^١)
• قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: وَلَفْظَةُ «أَرْخَصَ» لَا تَكُونُ إلَّا بَعْدَ نَهْيٍ؛ فَصَحَّ بِهَذَا الْخَبَرِ نَسْخُ الْخَبَرِ الْأَوَّل.
• وَذَكَرَ لَهُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي "الْإْرْوَاءِ" (رَقْم: ٩٣١) طُرُقًا، ثُمَّ قَالَ: «فَالْحَدِيْثُ بِهَذِهِ الطُّرُقِ صَحِيْحٌ لَا شَكَّ فِيْهِ، وَهُوَ نَصٌّ فِى النَّسْخِ، فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ». (^٢)
• وَكَذَلِكَ الدَّمُ الَّذِي يَخْرُجُ مِنَ الْإِنسَانِ بِسَبَبِ جُرْحٍ أَوْ رُعَافٍ، وَدَمُ الاسْتِحَاضَةِ، لَا يُفَطِّرَانِ.
• وَلَا بَأْسَ أَنْ يَتَذَوَّقَ الصَّائِمُ الطَّعَامَ لِحَاجَةٍ، كَأَنْ يَكُونَ طَبَّاخًا، وَيُكْرَهُ لَهُ ذَلِكَ لِغَيْرِ حَاجَةٍ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمُجَّ مَا تَذَوَّقَهُ، وَلَا يَضُرُّهُ ذَلِكَ، فَإِنْ بَلَعَهُ مُتَعَمِّدًا أَفْطَرَ بِذَلِكَ.
وَأَمَّا الْعِلْكُ - بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ، وَإِسْكَانِ اللَّامِ، وَهُوَ اللُّبَانُ - فَهُوَ عَلَى قِسْمَيْنِ:
الأَوَّلُ: الَّذِي يَتَفَتَّتُ وَيَتَحَلَّلُ مِنْهُ أَجْزَاءٌ، بِحَيْثُ لَا يُؤْمَنُ نُزُولُ شَيْءٍ مِنْهُ إِلَى الْجَوْفِ مَعَ الرِّيْقِ، فَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ يُفَطِّرُ، سَوَاءٌ أَكَانَ لَهُ طَعْمٌ، أَمْ لَا.
الثَّانِي: الصَّلْبُ الَّذِيْ لَا يَتَفَتَّتُ، بَلْ يَزْدَادُ صَلَابَةً كُلَّمَا مُضِغَ، فَهَذَا إِنْ كَانَ لَهُ حَلَاوَةٌ كَانَ مُفَطِّرًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَلَاوَةٌ فَلَيْسَ بِمُفَطِّرٍ، قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀ فِي "الشَّرْحِ الْمُمْتِعِ" (ج ٦/ صـ: ٤٢٥): «وَلَكِن مَعَ ذَلِكَ لَا يَنبَغِيْ أَنْ يَمْضَغَهُ أَمَامَ النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ يُسَاءُ بِهِ
_________________
(١) "السنن الكبرى" (رَقْم: ٣٢٢٤، و٣٢٢٨)، و"صحيح ابن خزيمة" (رَقْم: ١٩٦٧، و١٩٦٩)، ورواه أيضًا: الدارقطني (رَقْم: ٢٢٦٢، و٢٢٦٣، و٢٢٦٨)، وقال في رواته: «كلهم ثقات».
(٢) وراجع: "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٣٢٤)، و"المحلى" (ج ٤/ صـ: ٣٣٥ - ٣٣٧)، و"الفتح" (ج ٤/ صـ: ١٧٨).
[ ٩٠ ]
الظَّنُّ إِذَا مَضَغَهُ أَمَامَ النَّاسِ، فَمَا الَّذِيْ يُدْرِيْهِمْ أَنَّهُ عِلْكٌ قَوِيٌّ أَوْ غَيْرُ قَوِيٍّ، أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ فِيْهِ طَعْمٌ أَوْ فِيْهِ طَعْمٌ، وَرُبَّمَا يَقْتَدِيْ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ، فَيَمْضَغُ الْعِلْكَ دُونَ اعْتِبَارِ الطَّعْمِ».
• وَأَمَّا الرِّيْقُ الَّذِيْ لَا يَفُارِقُ الْفَمَ، فَابْتِلَاعَهُ لَا يُفَطِّرُ بِالْإِجْمَاعِ، إِذَا كَانَ عَلَى الْعَادَةِ؛ لِأَنَّهُ يَعْسُرُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ، (^١) وَعَلَى الرَّاجِحِ إِذَا تَعَمَّدَ جَمْعَهُ فِي الْفَمِ، ثُمَّ ابْتَلَعَهُ؛ لِأَنَّهُ أَشْبَهَ مَا لَمْ يَجْمَعْهُ. (^٢)
• وَهَذَا إِذَا تَمَحَّضَ الرِّيقُ، فَأَمَّا لَوِ اخْتَلَطَ بِغَيْرِهِ، وَتَغَيَّرَ لَوْنُهُ فَإِنَّهُ يُفْطِرُ بِابْتِلَاعِهِ.
• وَكَذَا لَوِ انفَصَلَ عَنِ الْفَمِ، ثُمَّ ابْتَلَعَهُ، بِأَنْ خَرَجَ عَنْ فِيهِ، ثُمَّ رَدَّهُ بِلِسَانِهِ أَوْ غَيْرِ لِسَانِهِ، وَابْتَلَعَهُ؛ أَفْطَرَ بِذَلِكَ، وَكَذَا لَوِ ابْتَلَعَ رِيْقَ غَيْرِهِ، كَرِيْقِ امْرَأَتِهِ؛ أَفْطَرَ بِذَلِكَ.
• قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: قَالَ أَصْحَابُنَا - يَعْنِي: الشَّافِعِيَّةَ -: حَتَّى لَوْ خَرَجَ إلَى ظَاهِرِ الشَّفَةِ، فَرَدَّهُ وَابْتَلَعَهُ أَفْطَرَ؛ لِأَنَّهُ مُقَصِّرٌ بِذَلِكَ، وَلِأَنَّهُ خَرَجَ عَنْ مَحَلِّ الْعَفْوِ. ا. هـ.
• وَأَمَّا النُّخَامَةُ - وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: النُّخَاعَةُ - فَحُكْمُهَا حُكْمُ الرِّيْقِ فِي كَوْنِهَا غَيْرَ مُفَطِّرَةٍ، عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ، إِلَّا إِذَا انفَصَلَتْ مِنْ فِيْهِ، ثُمَّ ابْتَلَعَهَا بَعْدَ ذَلِكَ.
• قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: بَلْعُ النُّخَامَةِ حَرَامٌ عَلَى الصَّائِمِ وَغَيْرِ الصَّائِمِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا مُسْتَقْذَرَةٌ، وَرُبَّما تَحْمِلُ أَمْرَاضَا، فَإِذَا رَدَدتَّها إِلَى الْمَعِدَةِ قَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ ضَرَرٌ عَلَيْكَ. ا. هـ. (^٣)
• وَلَوْ دَخَلَ إِلَى حَلْقِ الصَّائِمِ شَيْءٌ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، كَذُبَابٍ، أَوْ غُبَارٍ، أَوْ نَحْوِهِمَا لم يَضُرَّهُ، فَإِنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى جَوْفِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
_________________
(١) نقل الإجماع: ابن حزم في "المحلى" (ج ٤/ صـ: ٣٠٤)، والنووي في "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣١٧).
(٢) "المغنى" (ج ٣/ صـ: ١٢٢).
(٣) "الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ٤٢٣).
[ ٩١ ]
• وَكَذَا لَوْ دَخَلَ الْمَاءُ إِلَى حَلْقِهِ حَالَ الْمَضْمَضَةِ أَوِ الاسْتِنشَاقِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ، لَكِن لَا يُبَالِغْ فِيهما حَالَ صِيَامِهِ؛ فَعَن لَقِيطِ بْنِ صَبِرَة ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ لَهُ: «وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ. (^١)
• وَأَمَّا السِّوَاكُ فَإِنَّ الاسْتِيَاكَ بِهِ لَا يَضُرُّ، سَوَاءٌ أَكَانَ يَابِسًا أَمْ رَطْبًا، بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ للصَّائِمِ وَغَيْرِهِ، أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ، وَمَا رُوِيَ فِي كَرَاهَتِهِ للصَّائِمِ آخِرَ النَّهَارِ لَا يَثْبُتُ؛ وَإِنَّمَا يَضُرُّ تَعَمُّدُ ابْتِلَاعِ شَيْءٍ مِنْ قِشْرِهِ أَوْ رُطُوبَتِهِ إِنْ كَانَ رَطْبًا، فَيَجِبُ تَجَنُّبُ ذَلِكَ، وَمَنْ وَقَعَ لَهُ ذَلِكَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
• وَلَيْسَ لِلسِّوَاكِ تَأْثِيْرٌ عَلَى خُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ الَّذِيْ هُوَ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيْحِ الْمِسْكِ؛ لِأَنَّ مَنشَأَ الْخُلُوفِ مِنَ الْمَعِدَةِ؛ لِخُلُوِّهَا مِنَ الطَّعَامِ، لَا مِنَ الْفَمِ.
• وَكَذَلِكَ مَعْجُونُ الْأَسْنَانِ يَجُوزُ لِلصَّائِمِ اسْتِعْمَالُهُ، بِشَرْطِ أَنْ يَتَحَرَّزَ مِنْ نُزُولِ شَيْءٍ مِنْهُ إِلى حَلْقِهِ، وَلَوْ أَخَّرَهُ إِلَى اللَّيْلِ فَهُوَ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ رُبَّما غَلَبَ عَلَيْهِ لِقُوَّةِ نُفُوذِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (^٢)
• وَكَذَلِكَ قَلْعُ الضِّرْسِ، أَوْ مُعَالَجَتُهُ، وغَسِيْلُ الْفَمِ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْأَدْوِيَةِ، بِشَرْطِ أَنْ يَمُجَّهُ وَلَا يَذْهَبَ إِلَى حَلْقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ مُتَعَمِّدًا، وَالْكُحْلُ، وَقَطْرَةُ الْعَيْنِ، وَقَطْرَةُ الْأُذُنِ، وَقَطْرَةُ الْأَنفِ إِذَا تَحَرَّزَ مِنْ وُصُولِ شَيْءٍ إِلَى جَوْفِهِ، وَمَا يَدْخُلُ فِي الْإِحْلِيْلِ (الذَّكَرِ)،
_________________
(١) "المسند" (رَقْم: ١٦٣٨٣، و١٧٨٤٦)، وسنن أبي داود (رَقْم: ١٤٢، و٢٣٦٦)، وسنن الترمذي (رَقْم: ٧٨٨)، وسنن النسائي (رَقْم: ٨٧)، وسنن ابن ماجه (رَقْم: ٤٤٨)، وصححه جماعة، منهم: ابن خزيمة (رَقْم: ١٥٠، و١٦٨)، وابن حبان (رَقْم: ١٠٥٤، و١٠٨٧، و٤٥١٠)، والحاكم (رَقْم: ٥٢٢، و٥٢٣، و٥٢٤، و٥٢٥، و٧٠٩٤)، ووافقه الذهبي، ومحدثا العصر الإمامان: الألباني ﵀ في "صحيح أبي داود" (رَقْم: ١٣٠)، والوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٠٩٦).
(٢) "فتاوى ابن باز" (ج ١٥/ صـ: ٢٦١)، و"فتاوى ابن عثيمين" (ج ١٩/ صـ: ٣٥٤).
[ ٩٢ ]
وَفَتْحَةِ الشَّرْجِ، وَالْمِهْبَلِ وَالرَّحِمِ مِنْ تَحَامِيْلَ أَوْ غَسُولٍ، أَوْ قَسْطَرَةٍ، وَنَحْوِهَا، وَدَوَاءُ الْجَائِفَةِ وَالْمَأْمُومَةِ، وَدَوَاءُ الرَّبْوِ الَّذِيْ يَسْتَنشِقُهُ الْمُصَابُ بِهِ عَنْ طَرِيْقِ أَنفِهِ إِلَى رِئَتَيْهِ، وَالْأُكْسُجِيْنُ، وَمَا يَمْتَصُّهُ الْجِلْدُ، كَالدِّهَانَاتِ، وَالْأَقْرَاصُ الَّتِي تُسْتَعْمَلُ تَحْتَ اللِّسَانِ؛ لِعِلَاجِ الذَّبْحَةِ الصَّدْرِيَّةِ، إِذَا تَجَنَّبَ نَفَاذَهَا إِلَى الْحَلْقِ، وِإِدْخَالُ الْمَنَاظِيْرِ فِي الْعَمَلِيَّاتِ الْجِرَاحِيَّةِ، بِاسْتِثْنَاءِ مِنظَارِ الْمَعِدَةِ إِذَا صَاحَبَهُ دُخُولُ سَوَائِلَ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَيْسَتْ أَكْلًا وَلَا شُرْبًا وَلَا فِي مَعْنَاهُمَا. (^١)
• وَكَذَا الْقَيْءُ لَيْسَ مِنَ الْمُفَطِّرَاتِ، فَإِنْ ذَرَعَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ فَإِنَّهُ لَا يُفْطِرُ بِالْإِجْمَاعِ. (^٢)
• وَكَذَا مَنِ اسْتقَاءَ عَمْدًا، لَا يُفْطِرُ بِهِ أَيْضًا عَلَى الْقَوْلِ الصَّحِيْحِ، وَأَمَّا حَدِيْثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: «مَنْ ذَرَعَهُ القَيْءُ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ قَضَاءٌ، وَمَنْ اسْتَقَاءَ عَمْدًا فَلْيَقْضِ»؛ فَإِنَّهُ حَدِيْثٌ مُعَلٌّ، لَا يَثْبُتُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (^٣)
_________________
(١) "مسك الختام" (ج ٢/ صـ: ٤٦٠ - ٤٦٦).
(٢) نقله ابن المنذر والخطابي، كما في "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٣٢)، وابن عبد البر في "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٣٤٧). وذكر ابن رشد في "البداية" (ج ٢/ صـ: ٥٤) خلافًا عن ربيعة الرأي، فالله أعلم.
(٣) رواه أحمد (رَقْم: ١٠٤٦٣)، والترمذي (رَقْم: ٧٢٠)، وابن ماجه (رَقْم: ١٦٧٦) من طريق هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة ﵁، به، وصححه ابن حبان (رَقْم: ٣٥١٨)، والحاكم (رَقْم: ١٥٥٦، و١٥٥٧)، والألباني في "الإرواء" (رَقْم: ٩٢٣)، وفي "الصحيحة" (رَقْم: ٩٢٣). لكن قد نقل الترمذي عن إمام المحدثين البخاري قوله: «لا أراه محفوظًا، وقد روي هذا الحديث من غير وجه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ولا يصح إسناده». • وقال الدارمي - كما في "التلخيص" (ج ٢/ صـ: ٣٦٣) -: زعم أهل البصرة أن هشامًا أَوْهَمَ فيه، وقال أبو داود: وبعض الحفاظ لا يراه محفوظًا، وأنكره أحمد، وقال في رواية: «ليس من ذا شيء». قال الخطابي: يريد أنه غير محفوظ. ا. هـ.
[ ٩٣ ]
• وَأَمَّا حَدِيْثَا أَبي الدَّرْدَاءِ، وَثَوْبَانَ ﵄: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَاءَ فَأَفْطَرَ» (^١)؛ فَلَيْسَ فِيْهِمَا ذِكْرُ الاسْتِقَاءِ، وَإِنَّمَا ذِكْرُ الْقَيْءِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ؛ وَلِهَذَا تَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيْثَ، فقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالطَّحَاوِيُّ: وَإِنَّمَا مَعْنَى هَذَا: أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ صَائِمًا مُتَطَوِّعًا، فَقَاءَ، فَضَعُفَ، فَأَفْطَرَ.
• لَكِنْ إِنْ قَاءَ أَوِ اسْتَقَاءَ ثُمَّ أَعَادَهُ إِلَى جَوْفِهِ مُتَعَمِّدًا فَإِنَّهُ يُفْطِرُ بِذَلِكَ، مَعَ كَوْنِ إِعَادَتِهِ مُحَرَّمًا عَلَى الصَّائِمِ وَعَلَى غَيْرِهِ، وَالْأَسْلَمُ وَالْأَحْوَطُ أَنْ لَا يَتَعَمَّدَ الْقَيْءَ.
• وَيَجِبُ الْقَضَاءُ عَلَى مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا لِغَيْرِ عُذْرٍ، عَلَى قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، بَلْ نَقَلَ الْإجْمَاعَ عَلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنِ قُدَامَةَ. (^٢)
• وَيَعْضُدُهُ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَمْرُ الْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ بِقَضَاءِ يَوْمٍ مَكَانَهُ، كَمَا سَيَأْتِي.
• وَأَمَّا حَدِيْثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ مَرْفُوعًا: «مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ فِي غَيْرِ رُخْصَةٍ رَخَّصَهَا اللَّهُ لَهُ لَمْ يَقْضِ عَنْهُ صِيَامُ الدَّهْرِ». فَضَعِيْفٌ، لَا يَثْبُتُ. (^٣)
_________________
(١) رواه أحمد (رَقْم: ٢١٧٠١، و٢٢٣٨١، و٢٧٥٠٢)، وأبو داود (رَقْم: ٢٣٨١)، والترمذي (رَقْم: ٨٧)، وصححه ابن خزيمة (رَقْم: ١٩٥٦)، وابن حبان (رَقْم: ١٠٩٧)، والحاكم (رَقْم: ١٥٥٣)، والألباني في "صحيح أبي داود" (رَقْم: ٢٠٦٠)، والوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٩٥).
(٢) "الاستذكار" (١ ج/ صـ: ٧٧)، و"المغني" (ج ٣/ صـ: ١٣٠). • ونقل ابن حزم في "المحلى" (ج ٤/ صـ: ٣١١ - ٣١٢) الخلاف عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبي هريرة ﵃، ولم يصحَّ عن أحد منهم من جهة السند، فابن حزم ومن تبعه، كشيخ الإسلام ابن تيمية، والألباني محجوجون بهذا الإجماع قبلهم، والله أعلم.
(٣) رواه أحمد (رَقْم:: ٩٠١٤، و٩٧٠٦، و٩٩٠٨، و١٠٠٨٠، و١٠٠٨١، و)، وأبو داود (رَقْم: ٢٣٩٦)، والترمذي (رَقْم: ٧٢٣)، وابن ماجه (رَقْم: ١٦٧٢)، والنسائي في "الكبرى" (رَقْم: ٣٢٦٥، و٣٢٦٦، و٣٢٦٧، و٣٢٦٨، و٣٢٦٩، و٣٢٧٠)، وغيرهم، من طريق ابن الْمُطَوِّس، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، به. وابن الْمُطَوِّس وأبوه مجهولان. راجع: "ضعيف أبي داود" (رَقْم: ٤١٣).
[ ٩٤ ]
• قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀ فِي "الْمُحَلَّى" (ج ٤/ صـ: ٣٨٣ - ٣٨٤): وَمَنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ فِي يَوْمٍ مِنْ رَمَضَانَ عَاصِيًا لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يَحِلَّ لَهُ أَنْ يَأْكُلَ فِي بَاقِيهِ وَلَا أَنْ يَشْرَبَ، وَلَا أَنْ يُجَامِعَ، وَهُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى إنْ فَعَلَ، وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ غَيْرُ صَائِمٍ.
• قَالَ: وَأَمَّا مَنْ تَعَمَّدَ الْفِطْرَ عَاصِيًا فَهُوَ مُفْتَرَضٌ عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ، صَوْمُ ذَلِكَ الْيَوْمِ، وَمُحَرَّمٌ عَلَيْهِ فِيهِ كُلُّ مَا يَحْرُمُ عَلَى الصَّائِمِ وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ، وَلَا إجْمَاعٌ بِإِبَاحَةِ الْفِطْرِ لَهُ إذَا عَصَى بِتَعَمُّدِ الْفِطْرِ، فَهُوَ بَاقٍ عَلَى مَا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ، وَهُوَ مُتَزَيِّدٌ مِنْ الْمَعْصِيَةِ مَتَى مَا تَزَيَّدَ فِطْرًا، وَلَا صَوْمَ لَهُ مَعَ ذَلِكَ. ا. هـ.
• فَائِدَةٌ: قَالَ ابْنُ سِيْدَهْ - وَهُوَ مِنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ -: والفِطْرُ: نَقِيضُ الصَّومِ، وقَدْ أَفْطَرَ، وفَطَرَ، وأَفْطَرَهُ، وفَطَّرَهُ. ا. هـ. (^١)
• فَكَلَامُهُ يَقْتَضِي جَوَازَ أَنْ يُقَالَ لِلْمُفْطِرِ أَيْضًا: فَاطِرٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
• لَكِن قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْفَقِيْهُ الشَّافِعِيُّ أَبُو عَمْرو بْنُ الصَّلَاحِ ﵀ فِي "شَرْحِ مُشْكِلَاتِ الْوَسِيطِ" - فِيْمَا نَقَلَهُ عَنْهُ ابْنُ هِشَامٍ النَّحَوِيُّ ﵀ فِي "الْمَسَائِلِ السَّفَرِيَّةِ" (صـ: ٣٥) -: إِنَّهُ لَا يَقْبَلُ مَا تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ سِيْدَهْ؛ لِأَنَّهُ يَنقُلُ عَنْ الْعَرَبِ الَّذِينَ سمع مِنْهُم، فإنَّ زَمَانَهُ كَانَتْ اللُّغَة فِيهِ قَدْ فَسَدَتْ. ا. هـ.
• وَلِهَذَا قَالَ الصَّفَدِيُّ فِي "تَصْحِيْحِ التَّصْحِيْفِ وَتَحْرِيْرِ التَّحْرِيْفِ" (صـ: ٣٩٩): يَقُولُونَ: رَجُلٌ فَاطِرٌ، وَامْرَأَةٌ فَاطِرةٌ، وَالصَّوَابُ: مُفطِرٌ، ومُفطِرَةٌ. ا. هـ.
• [بَادِرُوا إِخْوَانِي شَهْرَكُمْ بِأَفْعَالِ الْخَيْرِ، وَأَفْرِدُوهَا عَنِ الْخَطَايَا؛ لِتَكُونَ وَحْدَهَا لَا غَيْرَ، وَاعْلَمُوا أَنَّ شَهْرَكُمْ هَذَا شَهْرُ إِنْعَامِ وَمَيْر، وَاهًا لأَوْقَاتِهِ مِنْ زَوَاهِرَ مَا أَشْرَفَهَا، وَلِسَاعَاتِهِ الَّتِي كَالْجَوَاهِرِ مَا أَظْرَفَهَا، أَشْرَقَتْ لَيَالِيهَا بِصَلاةِ التَّرَاوِيحِ، وَاسْتَنَارَتْ أَيَّامُهَا بِالصَّلاةِ وَالتَّسْبِيحِ، حِلْيَتُهَا الإِخْلاصُ وَالصِّدْقُ، وَثَمَرَتُهَا الْخَلاصُ وَالْعِتْقُ.] (^٢)
_________________
(١) "المحكم والمحيط الأعظم" (فطر).
(٢) "التبصرة" (ج ٢/ صـ: ٧٦).
[ ٩٥ ]
• أَيُّهَا الْمَرْءُ، [كَأَنَّكَ بِالْعُمْرِ قَدِ انْقَرَضَ، وَهَجَمَ عَلَيْكَ الْمَرَضُ، وَفَاتَ كُلُّ مُرَادٍ وَغَرَضٍ، وَإِذَا بِالتَّلَفِ قَدْ عَرَضَ أَخَّاذًا، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢].
• شَخَصَ الْبَصَرُ وَسَكَنَ الصَّوْتُ، وَلَمْ يُمْكِنِ التَّدَارُكُ لِلْفَوْتِ، وَنَزَلَ بِكَ مَلَكُ الْمَوْتِ، فَسَامَتِ الرُّوحُ وَحَاذَى، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢].
• عَالَجْتَ أَشَدَّ الشَّدَائِدِ، فَيَا عَجَبًا مِمَّا تُكَابِدُ، كَأَنَّكَ قَدْ سُقِيتَ سُمَّ الأَسَاوِدِ، فَقَطَّعَ أَفْلَاذًا، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢].
• بَلَغَتِ الرُّوحُ التَّرَاقِيَ، وَلَمْ تَعْرِفِ الرَّاقِيَ مِنَ السَّاقِي، وَلَمْ تَدْرِ عِنْدَ الرَّحِيلِ مَا تُلاقِي، عِيَاذًا بِاللَّهِ عِيَاذًا، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢].
• ثُمَّ دَرَجُوكَ فِي الْكَفَنِ، وَحَمَلُوكَ إِلَى بَيْتِ الْعَفَنِ، عَلَى الْعَيْبِ الْقَبِيحِ وَالأَفَنِ، وَإِذَا الْحَبِيبُ مِنَ التُّرَابِ قَدْ حَفَنَ، وَصِرْتَ فِي الْقَبْرِ جُذَاذًا، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢].
• وَتَسَرَّبَتْ عَنْكَ الأَقَارِبُ تَسْرِي، تَقُدُّ فِي مَالِكَ وَتَفْرِي، وَغَايَةُ أَمْرِهِمْ أَنْ تَجْرِيَ دُمُوعُهُمْ رَذَاذًا، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢].
• قَفَّلُوا الأَقْفَالَ وَبَضَّعُوا الْبِضَاعَةَ، وَنَسُوا ذِكْرَكَ يَا حَبِيبَهُمْ بَعْدَ سَاعَةٍ، وَبَقِيْتَ هُنَاكَ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ، لَا تَجِدُ وَزَرًا وَلَا مَعَاذًا، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢].
• ثُمَّ قُمْتَ مِنْ قَبْرِكَ فَقِيرًا، لَا تَمْلِكُ مِنَ الْمَالِ نَقِيرًا، وَأَصْبَحْتَ بِالذُّنُوبِ عَقِيرًا، فَلَوْ قَدَّمْتَ مِنَ الْخَيْرِ حَقِيرًا؛ صَارَ مَلْجَأً وَمَلَاذًا، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢].
• وَنُصِبَ الصِّرَاطُ وَالْمِيزَانُ، وَتَغَيَّرَتِ الْوُجُوهُ وَالأَلْوَانُ، وَنُودِيَ: شَقِيَ فُلانُ بْنُ فُلانٍ، وَمَا تَرَى لِلْعُذْرِ نَفَاذًا، ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢].
• كَمْ بَالَغَ عَذُولُكَ فِي الْمَلامِ، وَكَمْ قَعَدَ فِي زَجْرِكَ وَقَامَ، فَإِذَا قَلْبُكَ مَا اسْتَقَامَ،
[ ٩٦ ]
قُطِعَ الْكَلامُ عَلَى ذَا: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا﴾ [ق: ٢٢]. (^١)
للهِ دَرُّ رِجَالٍ وَاصَلُوا السَّهَرَا … وَاسْتَعْذَبُوا الْوَجْدَ وَالتَّبْرِيْحَ وَالْفِكَرَا
دَبُّوا إِلَى الْمَجْدِ وَالسَّاعُونَ قَدْ بَلَغُوا … جَهْدَ النُّفُوسِ وَشَدُّوا دُونَهُ الْأُزُرَا
وَسَاوَرُوا الْمَجْدَ حَتَّى مَلَّ أَكْثَرُهُمْ … وَعَانَقَ الْمَجْدَ مَنْ وَافَى وَمَنْ صَبَرَا
لَا تَحْسَبِ الْمَجْدَ تَمْرًا أَنْتَ آكِلُهُ … لَنْ تَبْلُغَ الْمَجْدَ حَتَّى تَلْعَقَ الصَّبِرَا
• اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الثَّبَاتَ فِي الْأَمْرِ، وَالْعَزِيمَةَ عَلَى الرُّشْدِ، وَنَسْأَلُكَ شُكْرَ نِعْمَتِكَ، وَحُسْنَ عِبَادَتِكَ، وَنَسْأَلُكَ مِنْ خَيْرِ مَا تَعْلَمُ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا تَعْلَمُ، وَنَسْتَغْفِرُكَ لِمَا تَعْلَمُ وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْك
* * *
_________________
(١) "التبصرة" (ج ٢/ صـ: ٢٥٨).
[ ٩٧ ]