• الْحَمْدُ للهِ الَّذِي حَضَّ عِبَادَهُ عَلَى عَمَلِ الصَّالِحَاتِ وَحَثَّ، وَشَرَعَ زَكَاةَ الْفِطْرِ فِي خِتَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ؛ طُعْمَةً لِلْمَسَاكِيْنِ وَطُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَسْتَعِيْذُ بِهِ مِنْ شَرِّ نَفْسِي وَشَرِّ الشَّيْطَانِ إِذَا هَمَزَ وَنَفَخَ وَنَفَثَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، شَفَى اللهُ بِهِ مِنَ الْعِيِّ، وَطَهَّرَ بِهِ مِنَ دَنَسِ الْغَيِّ، وَطَيَّبَ بِهِ مِنَ الْخَبَثِ، وَهُوَ خَيْرُ مَنْ وَحَّدَ وَصَلَّى وَزَكَّى وَصَامَ وَقَضَى التَّفَثَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِيْنَ سَارَعَ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ إِلَى الْخَيْرِ وَانبَعَثَ، وَمَا تَخَلَّفَ عَنِ السَّبْقِ وَلَا نَكَثَ، أَمَّا بَعْدُ:
• [عِبَادَ اللهِ، إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ قَدْ عَزَمَ عَلَى الرَّحِيْلِ، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا الْقَلِيْلُ، فَمَنْ مِنكُمْ أَحْسَنَ فِيْهِ فَعَلَيْهِ التَّمَامَ، وَمَنْ فَرَّطَ فَلْيَخْتِمْهُ بِالْحُسْنَى، وَالْعَمَلُ بِالْخِتَامِ، فَاغْتَنِمُوا مِنْهُ مَا بِقَي مِنَ اللَّيَالِي الْيَسِيْرَةِ وَالْأَيَّامِ، وَاسْتَوْدِعُوهُ عَمَلًا صَالِحًا يَشْهَدْ لَكُمْ بِهِ عِنْدَ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ]. (^١)
• أَخِي الْمُسْلِمُ، إِنَّ اللهَ ﷿ قَدْ شَرَعَ لَكَ عَقِبَ صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ فِي خِتَامِهِ زَكَاةَ الْفِطْرِ، وَإِلَيْكَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ أَهَمَّ أَحْكَامِهَا:
الأوَّلُ: أُضِيفَتِ الزَّكَاةُ إِلَى الْفِطْرِ؛ لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ، قَالَهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي "الْمُغْنِي" (ج ٣/ صـ: ٧٩).
• وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الْمُرَادُ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ: صَدَقَةُ النُّفُوسِ، مَأْخُوذَةٌ مِنَ الْفِطْرَةِ الَّتِي هِيَ أَصْلُ الْخِلْقَةِ.
_________________
(١) "لطائف المعارف" (صـ: ٢١٦).
[ ٣١٧ ]
• قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرِ ﵀: وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ: «زَكَاةُ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ». ا. هـ. (^١)
الثَّانِي: حُكْمُهَا: هِيَ فَرِيْضَةٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مُسْلِمَةٍ، يَأْثَمُ مَنْ تَرَكَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إِخْرَاجِهَا، وَالدَّلِيْلُ حَدِيْثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى العَبْدِ وَالحُرِّ، وَالذَّكَرِ وَالأُنْثَى، وَالصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ مِنَ المُسْلِمِينَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)
• وَلَا تَجِبُ عَلَى الْجَنِيْنِ، نَقَلَ ابْنُ الْمُنذِرِ الْإجْمَاعَ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «وَانفَرَدَ ابْنُ حَنبَلٍ، فَكَانَ يُحِبُّهُ، وَلَا يُوجِبُهُ». (^٣)
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ آدَمِيٌّ، تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لَهُ، وَيَرِثُ، فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِ الْأَخْبَارِ، وَيُقَاسُ عَلَى الْمَوْلُودِ.
• ثُمَّ رَدَّ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ بِقَوْلِهِ: وَلَنَا أَنَّهُ جَنِينٌ، فَلَمْ تَتَعَلَّقِ الزَّكَاةُ بِهِ، كَأَجِنَّةِ الْبَهَائِم؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ لَهُ أَحْكَامُ الدُّنْيَا إلَّا فِي الْإِرْثِ وَالْوَصِيَّةِ، بِشَرْطِ أَنْ يَخْرُجَ حَيًّا.
• وَقَالَ أَيْضًا: يُسْتَحَبُّ إخْرَاجُهَا عَنْهُ؛ لِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ يُخْرِجُهَا عَنْهُ، وَلِأَنَّهَا صَدَقَةٌ عَمَّنْ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ، فَكَانَتْ مُسْتَحَبَّةً، كَسَائِرِ صَدَقَاتِ التَّطَوُّعِ. ا. هـ. (^٤)
• قُلْتُ: أَمَّا أَثَرُ عُثْمَانَ فَإِنَّهُ ضَعِيْفٌ، لَا يَثْبُتُ عَنْهُ، كَمَا فِي "الْإِرْوَاءِ" (رَقْم: ٨٤١).
• قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: وَالْإِخْرَاجُ عَنْهُ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيْهِ نَظَرٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ إِنسَانًا، قَالَ تَعَالَى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة:
_________________
(١) "الفتح" (ج ٣/ صـ: ٣٦٧)، والطريق التي ذكرها هي لمسلم (رَقْم: ٩٨٤) (١٢، و١٦) من حديث ابن عمر ﵄.
(٢) البخاري (رَقْم: ١٥٠٣)، ومسلم (رَقْم: ٩٨٤).
(٣) "الإجماع" (صـ: ٤٧).
(٤) "المغني" (ج ٣/ صـ: ٩٩).
[ ٣١٨ ]
٢٨]، فَهُوَ مَيِّتٌ لَا حَيَاةَ فِيْهِ، فَالَّذِيْ يَظْهَرُ لِي أَنَّنَا إِذَا قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِ إِخْرَاجِهَا عَنِ الْجَنِيْنِ فَإِنَّمَا تُخْرَجُ عَمَّن نُفِخَتْ فِيْهِ الرُّوحُ، وَلَا تُنفَخُ الرُّوحُ إِلَّا بَعْدَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ؛ لِحَدِيْثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يُرْسَلُ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ، وَيُؤْمَرُ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: بِكَتْبِ رِزْقِهِ، وَأَجَلِهِ، وَعَمَلِهِ، وَشَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ». ا. هـ. (^١)
الثَّالِثُ: ضَابِطُ لُزُومِها: تَلْزَمُ الْإِنسَانَ الَّذِيْ يَمْلِكُ مَا يَزِيْدُ عَنْ قُوتِ يَوْمِ الْعِيْدِ وَلَيْلَتِهِ.
الرَّابِعُ: عَمَّن يُّخْرِجُهَا؟: يُخْرِجُهَا عَنْ نَفْسِهِ وَعَمَّن تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ، كأَوْلَادِهِ، وَزَوْجَتِهِ الْمُسْلِمَةِ غَيْرِ النَّاشِزِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ.
• وَأَمَّا عَبْدُهُ وَأَمَتُهُ الْمُسْلِمَانِ فَيُخْرِجُهَا عَنْهُمَا عَلَى كُلِّ حَالٍ، بِلَا خِلَافٍ، إلا شُذُوذًا مِنْ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَقَدْ نَقَلَ فِيْهِ ابْنُ الْمُنذِرِ وَالنَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ. (^٢)
• وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيْثُ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «لَيْسَ فِي الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةَ الْفِطْرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٩٨٢) (١٠).
الخَامِسُ: تُشْترَطُ لَهَا النِّيَّة، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ فِي زَكَاةِ الْأَمْوَالِ.
• وَاشْتِرَاطُ النِّيَّةِ هُنَا فِيْمَا لَوْ أَخْرَجَ عَمَّن لَا تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ إِذْنِ الْمُخْرَجِ عَنْهُ، وَنِيَّتِهِ قَبْلَ إِخْرَاجِهَا.
• فَأَمَّا مَنْ تَلْزَمُهُ فِطْرَتُهُ فَإِنَّهُ يُجْزِئُ إِخْرَاجُهَا عَنْهُ بِغَيْرِ إِذْنِهِ.
السَّادِسُ: وَقْتُهَا: مِنْ طُلُوعِ فَجْرِ يَوْمِ الْعِيْدِ وَيَنتَهِي بِالشُّرُوعِ فِي صَلَاةِ الْعِيْدِ؛ فَلِلْبُخَارِيِّ (رَقْم: ١٥٠٣) عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «وَأَمَرَ - يَعْنِي النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى الصَّلَاةِ».
_________________
(١) "الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ١٦١).
(٢) "المجموع" (ج ٦/ صـ: ١٢٠).
[ ٣١٩ ]
• وَلِحَدِيْثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ (رَقْم: ١٦٠٩)، وَابْنِ مَاجَهْ (رَقْم: ١٨٢٧)، وَفِيْهِ: «مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ، وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنَ الصَّدَقَاتِ».
• وَإِنْ كَانَ تَأْخِيْرُهَا لِعُذْرٍ فَلَا بَأْسَ بِإِخْرَاجِهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ.
• وَأَجَازَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ تَقْدِيْمَهَا قَبْلَ الْعِيْدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ؛ لِمَا فِي صَحِيْحِ الْبُخَارِيِّ (رَقْم: ١٥١١) عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: كَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ.
• وَالْأَحْوَطُ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيْثِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ مَرْفُوعًا.
السَّابِعُ: مَكَانُ إِخْرَاجِهَا: هُوَ الْمَكَانُ الَّذِيْ يُدْرِكُكَ الْعِيْدُ وَأَنْتَ فِيْهِ، وَيَجُوزُ أَنْ تُوَكِّلَ غَيْرَكَ فِي إِخْرَاجِهَا عَنْكَ بِبَلَدِكَ.
الثَّامِنُ: جِنسُهَا، وَمِقْدَارُهَا: هِيَ صَاعٌ مِنْ غَالِبِ قُوْتِ أَهْلِ الْبَلَدِ مِنَ الطَّعَامِ، مِنَ الْبُرِّ، أَوِ الْأَرُزِّ، أَوِ التَّمْرِ، أَوِ الزَّبِيْبِ، أَوِ الْأَقِطِ (الْحَلِيْبِ الْمُجَفَّفِ)، أَوْ غَيْرِهَا.
• وَغَالِبُ طَعَامِ النَّاسِ الْآنَ: الْبُرُّ، وَالْأَرُزُّ.
• أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٥٠٦)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ٩٨٥) عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: «كُنَّا نُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ».
• قَالَ أَبُو سَعِيْدٍ ﵁ كَمَا فِي صَحِيْحِ الْبُخَارِيِّ (رَقْم: ١٥١٠) -: «وَكَانَ طَعَامَنَا الشَّعِيرُ وَالزَّبِيبُ وَالأَقِطُ وَالتَّمْرُ».
• وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَخْصِيْصَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ لَيْسَ لِكَوْنِهَا مَقْصُودَةً لِعَيْنِهَا، وَلَكِن لِأَنَّها كَانَتْ طَعَامَهُمْ ذَلِكَ الْوَقْتَ.
• وَيَجُوزُ إِخْرَاجُهَا مِنَ الدَّقِيْقِ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ؛ لِأَنَّ الطَّحْنَ إِنَّمَا فرَّق أَجْزَاءَهُ، وَكَفَى الْفَقِيْرَ مُؤْنَتَهُ، قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ فِي "الشَّرْحِ الْمُمْتِعِ" (ج ٦/ صـ: ١٧٩): وَلَكِنْ عَلَى أَنْ
[ ٣٢٠ ]
يَكُونَ الْمُعْتَبَرُ فِي الدَّقِيْقِ الْوَزْنَ؛ لِأَنَّ الْحَبَّ إِذَا طُحِنَ انتَشَرَتْ أَجْزَاؤُهُ، فَالصَّاعُ مِنَ الدَّقِيْقِ يَكُونُ صَاعًا إِلَّا سُدُسًا تَقْرِيبًا مِنَ الْحَبِّ، وَالصَّاعُ مِنَ الْحَبِّ (الْبُرِّ أَوِ الشَّعِيْرِ) يَكُونُ صَاعًا وَزِيَادَةً مِنَ الدَّقِيْقِ. ا. هـ.
• وَالْأَحْوَطُ إِخْرَاجُهُ حَبًّا؛ لِأَنَّهُ يُدَّخَرُ لِأَطْوَلَ مِمَّا يُدَّخَرُ الدَّقِيْقُ.
• وَالصَّاعُ: أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ أَوْ حَفَنَاتٍ بِالْيَدَيْنِ الْمُعْتَدِلَتَيْنِ الْمُمْتَلِئَتَيْنِ.
• قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينٍ ﵀: مِقْدَارُ صَدَقَةِ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنَ الطَّعَامِ بِالصَّاعِ النَّبَوِيِّ، الَّذِيْ زِنَتُهُ كِيْلُوَانِ وَأَرْبَعُونَ جِرَامًا بِالْبُرِّ (الْقَمْحِ) الْجَيِّدِ، أَوْ مَا يُوَازِنُهُ.
• وَقَالَ: فَإِذَا اتَّخَذْتَ إِنَاءً يَسَعُ كِيْلُوَيْنِ وَأَرْبَعِيْنَ جِرَامًا مِنَ الْبُرِّ الرَّزِيْنِ، ثُمَّ قِسْتَ بِهِ الْفِطْرَةَ فَقَدْ أَدَّيْتَ الصَّاعَ. ا. هـ. (^١)
• قُلْتُ: وَقُدِّرَ الصَّاعُ النَّبَوِيُّ كَيْلًا أَيْضًا بِمِلْءِ خَمْسِ عُلَبٍ مِنَ عُلَبِ الْأَنَانَاسِ مَمْسُوحَةً.
• وَلَا يُجْزِئُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ إِلَّا الطَّعَامُ، وَلَا يُجْزِئُ إِخْرَاجُهَا نُقُودًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَأَصْحَابَهُ لَمْ يُخْرِجُوهَا إِلَّا طَعَامًا، مَعَ قُدْرَتِهِمْ عَلَى إِخْرَاجِهَا نُقُودًا.
التَّاسِعُ: الْحِكْمَةُ مِنْهَا: هِيَ: مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ١٦٠٩)، وَابْنُ مَاجَهْ (رَقْم: ١٨٢٧) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- زَكَاةَ الْفِطْرِ؛ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِيْنِ».
الْعَاشِرُ: مَصْرِفُهَا: هُمُ الْفُقَرَاءُ والْمَسَاكِيْنُ فِي بَلَدِ مَنْ يُخْرِجُهَا، دُونَ بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ الَّتِي هِيَ مَصْرِفُ زَكَاةِ الْأَمْوَالِ، وَالْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ٦٠].
_________________
(١) "مجموع فتاواه ورسائله" (ج ١٨/ صـ: ٢٧٧، وصـ: ٥٥٩).
[ ٣٢١ ]
• وَالدَّلِيْلُ عَلَى أَنَّها لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِيْنِ خَاصَّةً، دُونَ بَقِيَّةِ الْأَصْنَافِ: مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيْثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- زَكَاةَ الْفِطْرِ؛ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِيْنِ».
• قَالَ الشَّوْكَانِيُّ ﵀: قَوْلُهُ: «وَطُعْمَةً»، بِضَمِّ الطَّاءِ، وَهُوَ: الطَّعَامُ الَّذِي يُؤْكَلُ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِطْرَةَ تُصْرَفُ فِي الْمَسَاكِينِ دُونَ غَيْرِهِمْ مِنْ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ. ا. هـ.
• وَهُوَ تَرْجيِحُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيةَ، وَابْنِ عُثَيْمِينٍ -رحمهما الله-. (^١)
• وَلَا حَرَجَ فِي قَبُولِهَا؛ فَإِنَّهَا حَقٌّ فَرَضَهُ اللهُ لَهُمْ.
• وَيَجُوزُ نَقْلُهَا إِلَى فُقَرَاءِ بَلَدٍ أُخْرَى أَهْلُهَا أَشَدُّ حَاجَةً.
• وَيَجُوزُ دَفْعُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنِ الشَّخْصِ الْوَاحِدِ لِوَاحِدٍ، أَوْ لِعِدَّةِ أَشْخَاصٍ، أَوْ عَنْ عِدَّةِ أَشْخَاصٍ لِعدَّةٍ أَوْ لِوَاحِدٍ.
• [إِخْوَانِي: إِنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ قَدْ قَرُبَ رَحِيلُهُ، وَأَزِفَ تَحْوِيلُهُ، وَهُوَ ذَاهِبٌ عَنْكُمْ بِأَفْعَالِكُمْ، وَقَادِمٌ عَلَيْكُمْ غَدًا بِأَعْمَالِكُمْ، فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَاذَا أَوْدَعْتُمُوهُ؟ وَبِأَيِّ الأَعْمَالِ وَدَّعْتُمُوهُ؟
• أَتُرَاهُ يَرْحَلُ حَامِدًا صَنِيعَكُمْ؟ أَوْ ذَامًّا تَضْيِيعَكُمْ؟ مَا كَانَ أَعْظَمَ بَرَكَاتِ سَاعَاتِهِ! وَمَا كَانَ أَحْلَى جَمِيعَ طَاعَاتِهِ!.
• أَيْنَ الْمُخْلِصُ الْمُتَعَبِّدُ؟!، أَيْنَ الرَّاهِبُ الْمُتَزَهِّدُ؟!، أَيْنَ الْمُنْقَطِعُ الْمُتَفَرِّدُ؟!، أَيْنَ الْعَامِلُ الْمُجَوِّدُ؟!، رَحَلَ عَنْكَ شَهْرُ الصِّيَامِ، وَوَدَّعَكَ زَمَانُ اجْتِمَاعِ النَّاسِ فِي الْمَسَاجِدِ
_________________
(١) راجع: "مجموع الفتاوى" (ج ٢٥/ صـ: ٧٣)، و"نيل الأوطار" (ج ٤/ صـ: ٢١٨)، و"الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ١٨٤).
[ ٣٢٢ ]
لِلْقِيَامِ، أَفَتُشْرِقُ شَمْسُ الإِيقَاظِ وَأَنْتَ فِي عِدَادِ النِّيَامِ؟! فَاسْتَدْرِكْ مَا قَدْ بَقِيَ مِنَ الأَيَّامِ!]. (^١)
• اللَّهُمَّ نَقِّنَا مِنَ الْخَبَثِ، وَطَهِّرْنَا مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَزَكِّنَا وَتَقَبَّلْ مِنَّا وَتُبْ عَلَيْنَا
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
* * *
_________________
(١) "التبصرة" (ج ٢/ صـ: ١٠٢).
[ ٣٢٣ ]