• الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا، وَأَتَمَّ نِعْمَتَهُ عَلَى الْمُسْلِمِيْنَ بِإِكْمَالِ الدِّيْنِ، وَلَمْ يَجْعَلْ عَلَى عِبَادِهِ فِي هَذِهِ الْمِلَّةِ القَيِّمَةِ إِصْرًا وَلَا حَرَجًا، فَأَنْعِمْ بِالْحَنِيْفِيَّةِ السَّمْحَةِ شَرِيْعَةً وَمَنْهَجًا، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ، مَنِ اسْتَهْدَاهُ هَدَاهُ، وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَيْهِ كَفَاهُ، وَمَنْ رَجَاهُ كَانَ حَيْثُ رَجَا، ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢]، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً شَهِدَ اللهُ بِهَا وَأَشْهَدَ عَلَيْهَا مَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ الْعِلْمِ أُولِي الْبَصَائِرِ وَالْحِجَى، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْبَشِيْرُ النَّذِيْرُ، وَالسِّرَاجُ الْمُنِيْرُ، وَبَدْرُ الدُّجَى، الَّذِي بدَّدَ اللهُ بِهِ ظَلَامَ الشِّرْكِ وَالْجَهْلِ حِيْنَ سَجَى، مَنْ أَطَاعَهُ أَفْلَحَ وَنَجَا، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، أَعْذِبِ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَشْرَبًا، فَبِهِمْ نَفَّسَ اللهُ عَنِ رَسُولِهِ كُرَبًا، وَأَنشَأَ لَهُ فَرَجًا، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا تَتَابَعَ الدَّهْرُ شُهُورًا وَحِجَجًا، أَمَّا بَعْدُ:
• فَيَقُولُ اللهُ ﷿ فِي كِتَابِهِ الْكَرِيْمِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤) شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٥].
• فَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ أَنْ رَّخَّصَ لِلْمَرِيْضِ وَالْمُسَافِرِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ أَنْ يُفْطِرَا،
[ ١٢٠ ]
وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمَا قَضَاءَ مَا أَفْطَرا مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، وَهَذِهِ أَهَمُّ مَسَائِلِ وَأَحْكَامِ هَذَا الْبَابِ:
الأُولى: أَنَّ هَذِهِ الرُّخْصَةَ لِلْمَرِيْضِ وَالْمُسَافِرِ في الْجُمْلَةِ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ، أَمَّا مِنَ الْكِتَابِ فَالْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ، وَفِي السُّنَّةِ أَحَادِيْثُ كَثِيْرَةٌ فِي التَّرْخِيْصِ لِلْمُسَافِرِ فِي الْفِطْرِ، مِنْهَا مَا سَيَأْتِي فِي أَثْنَاءِ الْمَسَائِلِ.
• وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمُ: ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ رُشْدٍ، وابْنُ قُدَامَةَ، والنَّوَوِيُّ ﵏. (^١)
الثَّانِيَةُ: أَنَّ الْمَرَضَ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ رُخْصَةً فِي الْفِطْرِ مِنْ عَدَمِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
١) الْمَرَضُ الْيَسِيْرُ، الَّذِي لَا يَشُقُّ مَعَهُ الصِّيَامُ مَشَقَّةً ظَاهِرَةً، وَلَا يُخْشَى مَعَهُ إبْطَاءُ بُرْءٍ وَلَا زِيَادَةُ أَلَمٍ، كَصُدَاعٍ يَسِيْرٍ، وَوَجَعِ ضِرْسٍ يَسِيْرٍ، وَحُمَّى خَفِيفَةٍ، وَشِبْهِهَا، فَلَا يَجُوزُ فِيْهِ الْفِطْرُ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ إِنَّمَا شُرِعَتْ لِدَفْعِ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ عَنِ الْمَرِيْضِ، وَهِيَ مُنتَفِيَةٌ هُنَا.
٢) وَالْمَرَضُ الَّذِي يَشُقُّ مَعَهُ الصَّوْمُ، لَكِن لَا يَضُرُّهُ، وَلَا يَتَسَبَّبُ فِي زِيَادَةَ الْمَرَضِ، وَلَا تَأْخِيْرِ البُرْءِ، فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْفِطْرُ؛ أَخْذًا بِالرُّخْصَةِ، وَيُكْرَهُ لَهُ الصَّوْمُ.
• فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ. (^٢)
٣) وَالْمَرَضُ الَّذِي يَشُقُّ مَعَهُ الصَّوْمُ، وَيَضُرُّهُ، وَيُسَبِّبُ لَهُ زِيَادَةَ الْمَرَضِ، أَوْ تَأْخِيْرَ الْبُرْءِ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْفِطْرُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ الصَّوْمُ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ [النساء: ٢٩].
_________________
(١) "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٣٣٨)، و"بداية المجتهد" (ج ٢/ صـ: ٥٧)، و"المغني" (ج ٣/ صـ: ١١٦، و١٥٥)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٢٦١).
(٢) "المسند" (رَقْم: ٥٨٦٦، و٥٨٧٣)، وصححه ابن خزيمة (رَقْم: ٩٥٠، و٢٠٢٧)، وابن حبان (رَقْم: ٢٧٤٢، و٣٥٦٨)، والألباني ﵀. • وله شواهد، راجع: "الإرواء" (رَقْم: ٥٦٤)، و"تحقيق المسند" (ج ١٠/ صـ: ١٠٧ - ١٠٨).
[ ١٢١ ]
• قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: «وَالنَّهْيُ هُنَا يَشْمَلُ إِزْهَاقَ الرُّوحِ، وَيَشْمَلُ مَا فِيْهِ الضَّرَرُ». (^١)
• قُلْتُ: وَكَذَا عُمُومُ قَوْلِهِ ﷾: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]، وَقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)
٤) وَالْمَرَضُ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، أَيْ: لَا يُؤَمَّلُ شِفَاؤُهُ، فَحُكْمُ صَاحِبِهِ حُكْمُ الشَّيْخِ الْكَبِيْرِ، وَالْمَرْأَةِ الْعَجُوزِ اللَّذَيْنِ لَا يَسْتَطِيْعَانِ الصَّوْمَ؛ لِكِبَرِهِمَا، فَلِهَؤُلَاءِ الْفِطْرُ؛ لِقَوْلِ اللهِ ﷾: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
• وَقَدْ نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذَا، مِنْهُمُ: ابْنُ الْمُنذِرِ، وَالنَّوَوِيُّ. (^٣)
• وَفِي وُجُوبِ الْإِطْعَامِ عَلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ الْأَصْنَافِ - أَعْنِي الشَّيْخَ الْكَبِيْرَ، وَالْمَرْأَةَ الْعَجُوزَ، وَالْمَرِيْضَ الَّذِي لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، - خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ.
• فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ إِطْعَامُ مِسْكِيْنٍ عَنْ كُلِّ يَوْمِ يُفْطِرُ فِيْهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷿: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: ١٨٤].
• فَعَنْ عَطَاءٍ، أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، يَقْرَأُ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطَوَّقُونَهُ فَلَا يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: «لَيْسَتْ بِمَنْسُوخَةٍ هُوَ الشَّيْخُ الكَبِيرُ، وَالمَرْأَةُ الكَبِيرَةُ لَا يَسْتَطِيعَانِ أَنْ يَصُومَا، فَيُطْعِمَانِ مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رقم: ٤٥٠٥).
_________________
(١) "الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ٣٤٠).
(٢) البخاري (رَقْم: ١٩٧٥، و٥١٩٩، و٦١٣٤)، ومسلم (رَقْم: ١١٥٩) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄.
(٣) "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٢٥٨).
[ ١٢٢ ]
• ومعنى: (يُطَوَّقُونَهُ)، أي: يُكَلَّفُونَهُ، أَيْ: يُكَلَّفُونَ إِطَاقَتَهُ.
• قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ: «وَهَذِه قِرَاءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ».
• قُلْتُ: وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَقْرَأُ كَذَلِكَ، وَكَذَا نَقَلَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ، قَالَ: وَكُلُّهُمْ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْآيَةَ مَحْكَمَةٌ فِي الشَّيْخِ وَالْعَجُوزِ وَالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ الَّذِينَ يُكَلَّفُونَ الصِّيَامَ وَلَا يُطِيقُونَهُ. ا. هـ. (^١)
• قُلْتُ: وَهَذِهِ الْقِرَاءَةُ شَاذَّةٌ، غَيْرُ مُتَوَاتِرَةٍ، مُخَالِفَةٌ لِرَسْمِ الْمَصَاحِفِ الْعُثْمَانِيَّةِ.
• وَالصَّوَابُ فِي الآيَةِ أَنَّهَا مَنسُوخَةٌ، خِلَافًا لِمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄، وَفَهِمَهُ، وَقَدْ خَالَفَهُ الْأَكْثَرُ، فَقَالُوا بِالنَّسْخِ، مِنْهُمُ ابْنُ عُمَرَ ﵄، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رقم: ١٩٤٩، و٤٥٠٦)، وَكذا قَالَ بِنَسْخِهَا سَلَمَةُ ابْنُ الْأَكْوَعِ ﵁، وَحَدِيْثُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي الْمَجْلِسِ الْأَوَّلِ فِي فَضْلِ شَهْرِ رَمَضَانَ.
• فَمَا دَامَ الْقَوْلُ بِنَسْخِهَا هُوَ الصَّحِيْحَ الثَّابِتَ؛ فَلَا دَلَالَةَ فِيْهَا عَلَى مَا ذَكَرُوهُ؛ فَيَبْقَى الْأَصْلُ بَرَاءَةَ الذِّمَّةِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ الْأَصْنَافِ إِطْعَامٌ، وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ التَّابِعِيْنَ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ، وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَأَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ الْمُنذِرِ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ حَزْمٍ. (^٢)
• قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ﵀: وَأَمَّا الْفِدْيَةُ فَلَمْ تَجِبْ بِكِتَابٍ مُجْتَمَعٍ عَلَى تَأْوِيلِهِ، وَلَا سُنَّةٍ يَفْقَهُهَا مَنْ تَجِبُ الْحُجَّةُ بِفِقْهِهِ، وَلَا إِجْمَاعٍ فِي ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَلَا عَنْ مَنْ بَعْدَهُمْ، وَالْفَرَائِضُ لَا تَجِبُ إِلَّا مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ، وَالذِّمَّةُ بَرِيئَةٌ. ا. هـ.
_________________
(١) "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٣٦٤).
(٢) "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٣٥٩ - ٣٦٣)، و"المحلى" (ج ٤/ صـ: ٤١١)، و"فتح المنان ببيان المنسوخ من القرآن" (صـ: ٤٩ - ٥٢).
[ ١٢٣ ]
• وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، أنه لَمَّا ضَعُفَ عَنْ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَكَبِرَ عَنْهُ، فَأَمَرَ بِمَسَاكِينَ، فَأُطْعِمُوا خُبْزًا وَلَحْمًا، حَتَّى أُشْبِعُوا. (^١)
وَفِي رِوَايَةٍ: ضَعُفَ عَامًا قَبْلَ مَوْتِهِ، فَأَفْطَرَ، وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُطْعِمُوا مَكَانَ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، فَأَطْعَمَ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا. (^٢)
• فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِالْحِيطَةِ، وَيُطْعِمَ إِنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى ذَلِكَ - مِنْ غَيْرِ إِيْجَابٍ عَلَيْهِ - فَهُوَ مَسْلَكٌ حَسَنٌ، واللهُ أَعْلَمُ.
• وَعَلَى الْقَوْلِ بِالْإِطْعَامِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ عَلَى الصَّحِيْحِ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الْمَسَاكِيْنِ بِقَدْرِ الْأَيَّامِ، ثَلَاثِيْنَ، أَوْ تِسْعَةً وَعِشْرِيْنَ، فَيَجُوزُ دَفْعُهَا لِأَقَلَّ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ، أَوْ لِمِسْكِيْنٍ وَاحِدٍ؛ إِذْ لَا دَلِيْلَ عَلَى الِاشْتِرَاطِ الْمَذْكُورِ، وَإِنَّمَا يُشْتَرَطُ اعْتِبَارُ الْعَدَدِ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِيْنِ، وَكَفَّارَةِ الْمُجَامِعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَكَفَّارَةِ الظِّهَارِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (^٣)
• وَأَمَّا قِرَاءَةُ: ﴿مَسَاكِيْنَ﴾ بِالْجَمْعِ (^٤) فَإِنَّهَا كَمَا قَالَ الْحَافِظُ فِي "الْفَتْحِ" (ج ٨/ صـ: ١٨١): «لِمُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ، وَمَنْ أَفْرَدَ فَمَعْنَاهُ: فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِمَّنْ يُطِيقُ
_________________
(١) رواه إسماعيل بن جعفر (رَقْم: ١١٢) - وعنه أبو عبيد في "الناسخ والمنسوخ" (رَقْم: ٩٢) - عن حميد، عن أنس، عنه، وإسناده صحيح. • وروى عبد الرزاق (رَقْم: ٧٥٧٠) عن معمر، عن ثابت، عنه، نحوه، مختصرًا، وإسناده صحيح.
(٢) البيهقي في "الكبرى" (رَقْم: ٨٣٢٠) من طريق قتادة، عنه. وعلق البخاري هذا الأثر عنه مختصرًا، في كتاب التفسير من صحيحه، وراجع: "تغليق التعليق" (ج ٤/ صـ: ١٧٧ - ١٧٨).
(٣) راجع: "فتاوى الشيخ الفوزان" (ج ٢/ صـ: ٤٢٤).
(٤) قرأ نافع وابن ذكوان عن ابن عامر وأبو جعفر: ﴿فديةُ طعام مساكين﴾. ﴿فديةُ﴾ بغير تنوين، و﴿طعام﴾ بالخفض، و﴿مَسَاكِيْنَ﴾، بالجمع. • وقرأ هشام عن ابن عامر: ﴿فديةٌ﴾ بالتنوين، و﴿طعامُ﴾ بالرفع، و﴿مَسَاكِيْنَ﴾، بالجمع. • وقرأ بقية العشرة: ﴿فديةٌ﴾ بالتنوين، و﴿طعامُ﴾ بالرفع، و﴿مِسْكِيْنٍ﴾، بالإفراد.
[ ١٢٤ ]
الصَّوْمَ، وَيُسْتَفَادُ مِنَ الْإِفْرَادِ أَنَّ الْحُكْمَ لِكُلِّ يَوْمٍ يُفْطَرُ فِيهِ إِطْعَامُ مِسْكِينٍ، وَلَا يُفْهَمُ ذَلِكَ مِنَ الْجَمْعِ».
الثَّالِثَةُ: لِلْمَرِيْضِ الَّذِيْ أَطْبَقَ عَلَيْهِ الْمَرَضُ تَرْكُ تَبْيِيْتِ النِّيَّةِ مِنَ اللَّيْلِ، فَإِنْ كَانَ مَرَضُهُ يَتَرَدَّدُ عَلَيْهِ فَالْعِبْرَةُ بِوَقْتِ الشُّرُوعِ فِي الصَّوْمِ، فَإِنْ كَانَ صَحِيْحًا وَقْتَ الشُّرُوعِ لَزِمَتْهُ النِّيَّةُ، وَإِلَّا فَلَا.
وَأَمَّا مَنْ أَصْبَحَ صَحِيْحًا، ثُمَّ مَرِضَ، فَلَهُ الْفِطْرُ بِلَا خِلَافٍ. (^١)
الرَّابِعَةُ: يَلْحقُ بِالْمَرِيْضِ: الْحَامِلُ وَالْمُرْضِعُ، إذَا خَافَتَا عَلَى أَنْفُسِهِمَا، فَلَهُمَا الْفِطْرُ، وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: لَا نَعْلَمُ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتِلَافًا؛ لِأَنَّهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْمَرِيضِ الْخَائِفِ عَلَى نَفْسِهِ. ا. هـ. (^٢)
• وَلَيْسَ عَلَيْهِمَا إِطْعَامُ؛ إِذْ لَا دَلِيْلَ عَلَيْهِ، وَكَذَا إِنْ خَافَتَا عَلَى وَلَدَيْهِمَا أَفْطَرَتَا، وَعَلَيْهِمَا الْقَضَاءُ، فَقَطْ.
الخامِسَةُ: أَنَّ الصِّيَامَ فِي السَّفَرِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ:
الحالُ الأَوَّلُ: أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ مَشَقَّةً ظَاهِرَةً، بِحَيْثُ يَلْحَقُهُ الضَّرَرُ؛ فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُفْطِرَ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَصُومَ؛ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ١١١٤) عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ، فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ».
• وَفِي رِوَايَةٍ: فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ شَقَّ عَلَيْهِمِ الصِّيَامُ، وَإِنَّمَا يَنْظُرُونَ فِيمَا فَعَلْتَ، فَدَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ بَعْدَ الْعَصْرِ.
_________________
(١) "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٢٥٨).
(٢) "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٤٩).
[ ١٢٥ ]
الحالُ الثاني: عِنْدَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ، فَيَجِبُ أَيْضًا الْفِطْرُ، وَيَحْرُمُ الصَّوْمُ؛ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ (رقم: ١١٢٠) عن أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إِلَى مَكَّةَ وَنَحْنُ صِيَامٌ، قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّكُمْ قَدْ دَنَوْتُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ». فَكَانَتْ رُخْصَةً، فَمِنَّا مَنْ صَامَ، وَمِنَّا مَنْ أَفْطَرَ، ثُمَّ نَزَلْنَا مَنْزِلًا آخَرَ، فَقَالَ: «إِنَّكُمْ مُصَبِّحُو عَدُوِّكُمْ، وَالْفِطْرُ أَقْوَى لَكُمْ، فَأَفْطِرُوا». وَكَانَتْ عَزْمَةً، فَأَفْطَرْنَا، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُنَا نَصُومُ، مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ.
الحالُ الثالِثُ: أَنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ مَشَقَّةً يَحْتَمِلُهَا، وَلَا يَلْحَقُهُ مَعَهَا الضَّرَرُ؛ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ الْفِطْرُ؛ أَخْذًا بِالرُّخْصَةِ، وَيُكْرَهُ لَهُ الصَّوْمُ؛ لِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرْيْبًا.
• وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي سَفَرٍ، فَرَأَى زِحَامًا وَرَجُلًا قَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟»، فَقَالُوا: صَائِمٌ، فَقَالَ: «لَيْسَ مِنَ البِرِّ الصَّوْمُ فِي السَّفَرِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٤٦)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١١١٥).
• وَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي السَّفَرِ، فَمِنَّا الصَّائِمُ وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، قَالَ: فَنَزَلْنَا مَنْزِلًا فِي يَوْمٍ حَارٍّ، أَكْثَرُنَا ظِلًّا صَاحِبُ الْكِسَاءِ، وَمِنَّا مَنْ يَتَّقِي الشَّمْسَ بِيَدِهِ، قَالَ: فَسَقَطَ الصُّوَّامُ، وَقَامَ الْمُفْطِرُونَ، فَضَرَبُوا الْأَبْنِيَةَ، وَسَقَوُا الرِّكَابَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ذَهَبَ الْمُفْطِرُونَ الْيَوْمَ بِالْأَجْرِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)
الحالُ الرَّابعُ: أَنْ لَا يَشُقَّ عَلَيْهِ الصِّيَامُ، فَالصَّوْمُ أَفْضَلُ فِي حَقِّهِ مِنَ الْفِطْرِ، عَلَى الصَّحِيْحِ، وَقَدْ رَجَّحَهُ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀ مِنْ أَرْبَعَةِ وُجُوهٍ:
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٢٨٩٠)، ومسلم (رَقْم: ١١١٩).
[ ١٢٦ ]
١. أَنَّهُ فِعْلُ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قَالَ: «خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي حَرٍّ شَدِيدٍ، حَتَّى إِنْ كَانَ أَحَدُنَا لَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ، وَمَا فِينَا صَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللهِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)
٢. وَأَنَّهُ أَسْرَعُ فِي إِبْرَاءِ الذِّمَّةِ.
٣. وَأَنَّهُ أَيْسَرُ عَلَى الْمُكَلَّفِ، وَأَنشَطُ لَهُ إِذَا صَامَ مَعَ النَّاسِ، وَمَا كَانَ أَيْسَرَ فَهُوَ أَوْلَى.
٤. وَأَنَّهُ يُصَادِفُ صِيَامُهُ رَمَضَانَ، وَرَمَضَانُ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ. (^٢)
السَّادِسَةُ: أَنَّهُ لَا يَنبَغِي أَنْ يَعِيْبَ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ؛ فَعَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي رَمَضَانَ، فَلَمْ يَعِبِ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٤٧)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١١١٨).
• وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَدْ صَامَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٤٨، و٤٢٧٩)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١١١٣).
• وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِهِ: «لَا تَعِبْ عَلَى مَنْ صَامَ، وَلَا عَلَى مَنْ أَفْطَرَ».
• وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ١١١٦) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: «كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي رَمَضَانَ، فَمِنَّا الصَّائِمُ، وَمِنَّا الْمُفْطِرُ، فَلَا يَجِدُ الصَّائِمُ عَلَى الْمُفْطِرِ، وَلَا الْمُفْطِرُ عَلَى الصَّائِمِ، يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ قُوَّةً، فَصَامَ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ، وَيَرَوْنَ أَنَّ مَنْ وَجَدَ ضَعْفًا، فَأَفْطَرَ، فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ».
• قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ ﵀: وَيَجُوزُ الْفِطْرُ لِلْمُسَافِرِ بِاتِّفَاقِ الْأُمَّةِ، سَوَاءٌ كَانَ قَادِرًا عَلَى الصِّيَامِ أَوْ عَاجِزًا، وَسَوَاءٌ شَقَّ عَلَيْهِ الصَّوْمُ أَوْ لَمْ يَشُقَّ، بِحَيْثُ لَوْ
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ١٩٤٥)، ومسلم (رَقْم: ١١٢٢).
(٢) "الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ٣٣٠)، و"مجموع فتاواه" (ج ١٥/ صـ: ٤٣٧، وج ٢٠/ صـ: ٢٣٥).
[ ١٢٧ ]
كَانَ مُسَافِرًا فِي الظِّلِّ وَالْمَاءِ وَمَعَهُ مَنْ يَخْدُمُهُ جَازَ لَهُ الْفِطْرُ وَالْقَصْرُ، وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْفِطْرَ لَا يَجُوزُ إلَّا لِمَنْ عَجَزَ عَنْ الصِّيَامِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ عَلَى الْمُفْطِرِ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ مِنْ ذَلِكَ، وَمَنْ قَالَ: إنَّ الْمُفْطِرَ عَلَيْهِ إثْمٌ فَإِنَّهُ يُسْتَتَابُ مِنْ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحْوَالَ خِلَافُ كِتَابِ اللَّهِ، وَخِلَافُ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَخِلَافُ إجْمَاعِ الْأُمَّةِ. ا. هـ. (^١)
• وَسَوَاءٌ فِي الْأَخْذِ بِالرُّخْصَةِ: مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ فِي السَّفَرِ، أَوْ مَنْ سَافَرَ فِي أَثْنَاءِ الشَّهْرِ، أَوْ مَنْ أَصْبَحَ فِي الْحَضَرِ صَائِمًا، ثُمَّ سَافَرَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
• أَمَّا الْحَالَةُ الْأُولَى، فَقَدْ نُقِلَ فِيْهَا الْإِجْمَاعُ، وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَعَلَى الصَّحِيْحِ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْل الْعِلْمِ، وَفِيْهَا خِلَافٌ يَسِيْرٌ، مَنقُولٌ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِيْنَ، وَأَمَّا الثَّالِثَةُ فَقَدْ خَالَفَ فِيْهَا الْجُمْهُورُ، وَالصَّحِيْحُ خِلَافُ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷿: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٤]. (^٢)
السَّابِعَةُ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يُفْطِرَ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَبْرُزَ عَنْ مَكَانِ إِقَامَتِهِ وتَغِيبَ عنه بُيُوتُ الْقَرْيَة أَوِ الْمَحِلَّةِ الَّتِي هُوَ فِيْهَا، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ﵀: وَالْمُقِيمُ إِذَا نَوَى السَّفَرَ لَمْ يَكُنْ مُسَافِرًا حَتَّى يَأْخُذَ فِي سَفَرِهِ وَيَبْرُزَ عَنِ الْحَضَرِ. ا. هـ.
• وَأَمَّا مَا رَوَاهُ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّهُ قَالَ: أَتَيْتُ أَنَسَ بْنِ مَالِكٍ ﵁ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يُرِيدُ سَفَرًا، وَقَدْ رُحِلَتْ لَهُ رَاحِلَتُهُ، وَلَبِسَ ثِيَابَ السَّفَرِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ، فَأَكَلَ، فَقُلْتُ لَهُ: سُنَّةٌ؟ قَالَ: «سُنَّةٌ». ثُمَّ رَكِبَ. فَهُوَ حَدِيْثٌ مُعَلٌّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (^٣)
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (ج ٢٥/ صـ: ٢١٠).
(٢) راجع: "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٣٠٠)، و"بداية المجتهد" (ج ٢/ صـ: ٥٩ - ٦٠)، و"المغني" (ج ٣/ صـ: ١١٦ - ١١٧)، و"تفسير القرطبي" (ج ٢/ صـ: ٢٩٩)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٢٦٣).
(٣) رواه الترمذي (رَقْم: ٧٩٩، و٨٠٠)، وصححه الإمام الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٧٦)، وللشيخ الألباني ﵀ رسالة مستقلة في تصحيح هذا الحديث والرد على من ضعفه، وهي مطبوعة في نحو ستين صفحة. • وقد أعل هذا الحديث: الإمام الحافظ أبو حاتم الرازي، كما في "العلل" (رَقْم: ٦٩٩) لابنه، وصحح روايةً من طريق أخرى، فيها قوله: «ليس بسُنَّةٍ». • وكذا أعله الحافظ العراقي، والشيخ الهرري بكلام نفيس، نقله الألباني في مقدمة رسالته المذكورة.
[ ١٢٨ ]
• نَقَلَ الْعَلَّامَةُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ عَنْ بَعْضِهِمْ قَوْلَهُ: وَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيْهِ حُجَّةٌ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيْهِ أَنَّهُ خَرَجَ بَعْدَ الصُّبْحِ، فَرَكِبَ، ثُمَّ أَكَلَ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ قَبْلِ الْفَجْرِ وَرَكِبَ السَّفِيْنَةَ، فَجَازَ لَهُ الْأَكْلُ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ مَنْ خَرَجَ قَبْلَ الْفَجْرِ جَازَ لَهُ الْأَكْلُ فِي نَفْسِ ذَلِكَ النَّهَارِ. ا. هـ.
الثَّامِنَةُ: اتَّفَقُوا فِي الَّذِي يُرِيدُ السَّفَرَ فِي رَمَضَانَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبَيِّتَ الْفِطْرَ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَكُونُ مُسَافِرًا بِالنِّيَّةِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ مُسَافِرًا بِالنُّهُوضِ فِي سَفَرِهِ، أَوِ الْأَخْذِ فِي أُهْبَتِهِ، وَلَيْسَتِ النِّيَّةُ فِي السَّفَرِ كَالنِّيَّةِ فِي الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ إِذَا نَوَى الْإِقَامَةَ كَانَ مُقِيمًا فِي الْحِينِ؛ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ لَا تَفْتَقِرُ إِلَى عَمَلٍ. قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ﵀. (^١)
التَّاسِعَةُ: وَمَتَى أَفْطَرَ الْمُسَافِرُ فَلَهُ فِعْلُ جَمِيعِ مَا يُنَافِي الصَّوْمَ، مِنْ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْجِمَاعِ وَغَيْرِهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهَا بِالصَّوْمِ، فَتَزُولُ بِزَوَالِهِ، كَمَا لَوْ زَالَ بِمَجِيءِ اللَّيْلِ. قَالَهُ ابْنُ قُدَامَةَ. (^٢)
• وَإِنْ قَدِمَ نَهَارًا مِنْ سَفَرٍ أَفْطَرَ فِيْهِ، فَوَجَدَ امْرَأَتَهُ قَدْ طَّهُرَتْ مِنْ حَيْضِهَا فَلَهُ أَنْ يَأْتِيَهَا.
• قَالَ الشَّافِعِيُّ: أُحِبُّ لَهُمَا أَنْ يَسْتَتِرَا بِالْأَكْلِ وَالْجِمَاعِ؛ خَوْفَ التُّهَمَةِ. ا. هـ. (^٣)
_________________
(١) "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٣٠٨)، و"التمهيد" (ج ٢٢/ صـ: ٤٩).
(٢) "المغني" (ج ٣/ صـ: ١١٩).
(٣) راجع: "التمهيد" (ج ٢٢/ صـ: ٥٣)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٢٦٣).
[ ١٢٩ ]
العَاشِرَةُ: إنَّ نَوَى الصَّوْمَ فِي سَفَرِهِ أَوْ مَرَضِهِ أَوْ صِغَرِهِ، ثُمَّ زَالَ عُذْرُهُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ. (^١)
الحادِيةَ عَشْرَةَ: لَا يَجُوزُ لِلْمُسَافِرِ وَلَا لِلْمَرِيضِ أَنْ يَصُومَا فِي رَمَضَانَ غَيْرَهُ مِنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ تَطَوُّعٍ، فَإِنْ صَامَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ لَا عَنْ رَمَضَانَ وَلَا عَمَّا نَوَى وَلَا غَيْرِهِ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيْفَةَ. (^٢)
الثَّانِيَة عَشْرَة: يُفْطِرُ مَنْ عَادَتُهُ السَّفَرُ إذَا كَانَ لَهُ بَلَدٌ يَأْوِي إلَيْهِ، كَالتَّاجِرِ الْجَلَّابِ الَّذِي يَجْلِبُ الطَّعَامَ وَغَيْرَهُ مِنْ السِّلَعِ، وَكَالْمُكَارِي الَّذِي يَكْرِي دَوَابَّهُ مِنْ الْجُلَّابِ وَغَيْرِهِمْ، وَكَالْبَرِيدِ الَّذِي يُسَافِرُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَنَحْوِهِمْ، وَكَذَلِكَ الْمَلَّاحُ الَّذِي لَهُ مَكَانٌ فِي الْبَرِّ يَسْكُنُهُ، فَأَمَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ فِي السَّفِينَةِ امْرَأَتُهُ وَجَمِيعُ مَصَالِحِهِ وَلَا يَزَالُ مُسَافِرًا فَهَذَا لَا يَقْصُرُ وَلَا يُفْطِرُ. قَالَهُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ ﵀. (^٣)
• وَقَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: أَصْحَابُ سَيَّارَاتِ الْأُجْرَةِ الَّذِيْنَ دَائِمَا فِي الْبَرِّ نَقُولُ: إِنْ كَانَ أَهْلُهُمْ مَعَهُمْ وَلَا يَنْوُونَ الْإِقَامَةَ بِبَلَدٍ فَهُمْ غَيْرُ مُسَافِرِيْنَ، لَا يَقْصُرُونَ وَلَا يُفْطِرُونَ فِي رَمَضَانَ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ أَهْلٌ فِي بَلَدٍ فَإِنَّهُمْ إِذَا غَادَرُوا بَلَدَ أَهْلِهِمْ فَهُمْ مُسَافِرُونَ يُفْطِرُونَ وَيَقْصُرُونَ.
• وَقَالَ ﵀: فَإِذَا قَالَ قَائِلٌ: هَؤُلَاءِ الْمَلَّاحُونَ أَوِ السَّائِقُونَ لِسَيَّارَاتِ الْأُجْرَةِ دَائِمًا فِي سَفَرٍ، فَإِذَا قُلْنَا: أَنتُمْ مُسَافِرُونَ لَكُمُ الْفِطْرُ، فَمَتَى يَصُومُونَ؟
نَقُولُ: يُمْكِنُ أَنْ يَصُومُوا فِي سَفَرِهِمْ فِي أَيَّامِ الشِّتَاءِ؛ لِأَنَّها أَيَّامٌ قَصِيْرَةٌ وَبَارِدَةٌ، فَالصَّوْمُ فِيْهَا لَا يَشُقُّ. ا. هـ. (^٤)
_________________
(١) "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٤٦).
(٢) "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٢٦٣).
(٣) "مجموع الفتاوى" (ج ٢٥/ صـ: ٢١٣).
(٤) "الشرح الممتع" (ج ٤/ صـ: ٣٨٠).
[ ١٣٠ ]
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أَنَّ السَّفَرَ الَّذِي يُبِيْحُ الْفِطْرَ يَشْمَلُ كُلَّ سَفَرٍ، سَوَاءٌ أَكَانَ سَفَرَ طَاعَةٍ، كَالسَّفَرِ إِلَى الْحَجِّ أَوِ الْعُمْرَةِ، أَوِ لِطَلَبِ الْعِلْمِ، أَوْ سَفَرًا مُبَاحًا، كَالسَّفَرِ لِلتِّجَارَةِ، أَوْ سَفَرَ مَعْصِيَةٍ.
• أَمَّا السَّفَرُ الَّذِيْ تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ: فَإِن كَانَ فِي طَاعَةٍ فَالْإِجْمَاعُ مُنعَقِدٌ عَلَى جَوَازِ الْفِطْرِ فِيْهِ. (^١)
• وَإِنْ كَانَ فِي مُبَاحٍ أَوْمعْصِيَةِ؛ فَلِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷿: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيْفَةَ وَدَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ.
• قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ﵀: فَعَمَّ تَعَالَى الْأَسْفَارَ كُلَّهَا، وَلَمْ يَخُصَّ سَفَرًا مِنْ سَفَرٍ، ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: ٦٤]. ا. هـ. (^٢)
• وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ ﵀: وَالْحُجَّةُ مَعَ مَنْ جَعَلَ الْقَصْرَ وَالْفِطْرَ مَشْرُوعًا فِي جِنْسِ السَّفَرِ، وَلَمْ يَخُصَّ سَفَرًا مِنْ سَفَرٍ، وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ؛ فَإِنَّ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةَ قَدْ أَطْلَقَا السَّفَرَ. ا. هـ. (^٣)
• وَلَمْ يَردْ فِي تَحْدِيْدِ مَسَافَةِ السَّفَرِ الَّذِي يُبِيْحُ الْقَصَرَ وَالْفِطْرَ شَيْءٌ، فَالصَّوَابُ أَنَّ مَرَدَّهُ إِلَى الْعُرْفِ، فَمَا كَانَ سَفَرًا فِي عُرْفِ النَّاسِ فَهُوَ سَفَرٌ، وَهَذَا قَوْلُ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ، وَرَجَّحَهُ ابْنُ حَزْمٍ، وَابْنُ قُدَامَةَ، وَشَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيةَ، وَابْنُ الْقَيِّمِ، وَابْنُ عُثَيْمِيْنٍ، وَالْأَلْبَانِيُّ، وَالْوَادِعِيُّ، وَشَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ يَحْيَى بْنُ عَلِيٍّ الْحَجُوْرِيُّ حَفِظَهُ اللهُ، وَجَمَاعَةٌ. (^٤)
_________________
(١) راجع: "المجموع شرح المهذب" (ج ٦/ صـ: ٢٦١)، و"الفتاوى الكبرى" (ج ٢/ صـ: ٤٦٥).
(٢) "المحلى" (ج ٤/ صـ: ٣٨٤).
(٣) "مجموع الفتاوى" (ج ٢٤/ صـ: ١٠٩).
(٤) "المحلى" (ج ٣/ صـ: ١٩٢ - ٢١٥)، و"المغني" (ج ٢/ صـ: ١٨٩ - ١٩٠)، و"مجموع الفتاوى" (ج ٢٤/ صـ: ٤٠ - ٤١) لشيخ الإسلام ابن تيمية، و"زاد المعاد" (ج ١/ صـ: ٤٦٣)، و"الصحيحة" (ج ١/ صـ: ٣١٠ - ٣١١)، و"مجموع الفتاوى والرسائل" (ج ١٥/ صـ: ٢٦٣) لابن عثيمين ﵀.
[ ١٣١ ]
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: مَنْ قَصَدَ بِسَفَرِهِ التَّحَيُّلَ عَلَى الْفِطْرِ، لَمْ يَجُزْ لَهُ الْفِطْرُ؛ لِأَنَّ التَّحَيُّلَ عَلَى فَرَائِضِ اللهِ لَا يُسْقِطُهَا. (^١)
الخامِسَةَ عَشْرَةَ: إِنْ تَمَكَّنَ الْمُسَافِرُ وَالْمَرِيْضُ مِنَ الصِّيَامِ، وَزَالَ عُذْرُهُمَا لَزِمَهُمَا قَضَاءُ مَا أَفْطَرَاهُ بِالنَّصِّ وِالْإِجْمَاعِ، فَأَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ ﷿: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
• وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، مِنْهُمْ: ابْنُ حَزْمٍ، وَابْنُ رُشْدٍ، وَابْنُ قُدَامَةَ. (^٢)
• وإِذَا تَمَاثَلَ الْمَرِيْضُ الَّذِي لَمْ يَكُنْ يُرْجَى بُرْؤُهُ وَقَدَرَ عَلَى الصِّيَامِ، لَزِمَهُ الْقَضَاءُ عَلَى أَصَحِّ قَوْلَي أَهْلِ الْعِلْمِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷾: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. (^٣)
• فَإِنْ مَاتَ هَؤُلَاءِ قَبْلَ تَمَكُّنِهِمْ مِنْ الْقَضَاءِ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ شَيْءٌ.
• وَإِنْ زَالَ عُذْرُهُمْ وَقَدَرُوا عَلَى قَضَاءِ مَا عَلَيْهِمْ مِنَ الصِّيَامِ، مَعَ تَمَكُّنِهِم مِنْ ذَلِكَ، لَكِنَّهُمْ لَمْ يَفْعَلُوا؛ اسْتُحِبَّ لِأَوْلِيَاءِهِمُ الصَّوْمُ عَنْهُمْ؛ لِحَدِيْثِ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عَنْهُ وَلِيُّهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٥٢)، وَمُسْلِمٌ (رِقْم: ١١٤٧).
• وَهَذَا الْحَدِيْثُ يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ فِي ذِمَّتِهِ، كَقَضَاءٍ مِنْ رَمَضَانَ، أَوْ نَذْرٍ، أَوْ كَفَّارَةٍ، عَلَى أَصَحِّ الْأَقْوَالِ.
• وَيُسْتَحَبُّ لِلْوَلِيِّ هذا الصِّيَامُ، وَلَا يَجِبُ عَلَىْهِ؛ لقوله ﷿: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤، والإسراء: ١٥، وفاطر: ١٨، والزمر: ٧].
_________________
(١) "مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين" (ج ٢٠/ صـ: ١٠٦).
(٢) "المحلى" (ج ٤/ صـ: ٣١٣)، و"بداية المجتهد" (ج ٢/ صـ: ٦٠)، و"المغني" (ج ٣/ صـ: ١٤٦).
(٣) راجع: "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٣٦٢)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٢٥٧).
[ ١٣٢ ]
• أَيُّهَا النَّاسُ، [لَقَدْ دَعَاكُمْ إِلَى الْبِدَارِ مَوْلاكُمْ، وَفَتَحَ بَابَ الإِجَابَةِ ثُمَّ اسْتَدْعَاكُمْ، وَدَلَّكُمْ عَلَى مَنَافِعِكُمْ وَهُدَاكُمْ، فَالْتَفِتُوا عَنِ الْهَوَى فَقَدْ آذَاكُمْ، وَحُثُّوا حَزْمَ جَزْمِكُمْ، وَصُبُّوا ذَنُوبَ الْحُزْنِ عَلَى ذَنْبِكُمْ، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
• بَابُهُ مَفْتُوحٌ لِلطَّالِبِينَ، وَجَنَابُهُ مَبْذُولٌ لِلرَّاغِبِينَ؛ وَفَضْلُهُ يُنَادِي الْغَافِلِينَ، وَإِحْسَانُهُ يَدْعُو الْجَاهِلِينَ، فَاخْرُجُوا مِنْ دَائِرَةِ الْمُذْنِبِينَ، وَبَادِرُوا مُبَادَرَةَ التَّائِبِينَ، وَتَعَرَّضُوا لِنَسَمَاتِ الرَّحْمَةِ؛ تَخَلَّصُوا مِنْ كَرْبِكُمْ، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
• كَمْ شُغِلْتُمْ بِالْمَعَاصِي فَذَهَبَ الْفَرْضُ، وَبَارَزْتُمْ بِالْخَطَايَا وَنَسِيتُمُ الْعَرْضَ، وَأَعْرَضْتُمْ مَعَ أَنَّ الشَّعْرَ قَدِ ابْيَضَّ، وَحَضَّكُمْ عَلَى اكْتِسَابِ حَظِّكُمْ فَهَلْ نَفَعَ الْحَضُّ؟ وَطَالَتْ آمَالُكُمْ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ الشَّبَابُ الْغَضُّ، وَلَقَدْ أُنْذِرَ الْبَعْضُ بِالْبَعْضِ، فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ مِنْ سِجْنِ الْهَوَى فَلَقَدْ ضَاقَ طُولُهُ وَالْعَرْضُ، ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾ [آل عمران: ١٣٣]. (^١)
عَجِبْتُ لمَنْ لَهُ حَدٌّ وَقَدٌّ … وَيَنْبُو نَبْوَةَ القَضْمِ الكَهَامِ
وَمَنْ يَجِدُ الطَّرِيقَ إلى المَعَالي … فَلَا يَذَرُ المَطِيَّ بِلَا سَنَامِ
وَلَمْ أَرَ في عُيُوبِ النَّاسِ عَيْبًا … كَنَقصِ الْقَادِرِينَ عَلَى التَّمَامِ
اللهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى، وَالْعَفَافَ وَالْغِنَى
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
* * *
_________________
(١) "التبصرة" (ج ١/ صـ: ٥٠).
[ ١٣٣ ]