• الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَسْبَغَ نِعَمَهُ عَلَى عِبَادِهِ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً جِسَامًا عِظَامًا، فَلَا يُحْصَى مَا أَفَاضَ عَلَى عِبَادِهِ إِفْضَالًا وَإِنْعَامًا، وَأشْهد أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَمْ يَزَلْ حَيًّا قيَّامًا، مَلِكًا قُدُّوسًا سَلَامًا، حَكِيمًا خَبِيْرًا عَلَّامًا، نَحْمَدُهُ عَلَى مَا مَنَّ بِهِ عَلَيْنَا مِنْ نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ صِرَاطِ اللهِ الْمُسْتَقِيم، وَمَا شَرَعَهُ لَنَا مِنْ النَّهْجِ الْقَوِيم وَأَحْكَمَهُ إِحْكَامًا، وَفصَّل فِيهِ مَا أَبَاحَ لِعَبَادِهِ حَلَالًا وَحَظَرَ عَلَيْهِمْ حَرَامًا، وَجَعَلَ لَهُ خَمَسَةَ أَرْكَانٍ تَمامًا: تَوْحِيدًا وَصَلَاةَ وَزَكَاةً وَصِيَامًا، وَحَجَّ بَيْتِهِ الْحَرَام الَّذِي جَعَلَهُ اللهُ لِلنَّاسِ قِيَامًا، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَصَفْوَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ وَخَلِيْلُهُ، أَكْرَمَهُ اللهُ إِكْرَامًا، فَكَانَ لِلنَّبِيِّينَ خِتَامًا، ولِلْمُتقين إِمَامًا، شَرَحَ اللهُ بِهِ صُدُورَ مَنْ شَاءَ مِنْ عِبَادِهِ وَأَنَارَ لَهُمْ بَصَائِرَ وَأَحْلَامًا، وَفَجَّرَ يَنَابِيعَ الْهِدَايَةِ فِي قُلُوبِهِمْ؛ تَوْفِيقًا مِنْهُ وَإِلْهَامًا، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِينَ كَانُوا لِدِيْنِهِ أَعْلَامًا، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا تَعَاقَبَ الدَّهْرُ لَيَاليَ وَأَيَّامًا وَشُهُورًا وَأَعْوَامًا، أَمَّا بَعْد:
• فَإِنَّ الصِّيَامَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ، وَمِنْ أَجَلِّ مَا يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إِلَى رَبِّه وَمَوْلَاهُ، وَهُوَ عِبَادَةٌ جَلِيْلَةٌ، وَرَدَتْ بِفَضْلِهِ أَدِلَّةٌ لَيْسَتْ قَلِيْلَةً، وَهَذِهِ بَعْضُ فَضَائِلِهِ:
• الفَضِيْلَةُ الأُوْلى: أَنَّ اللهَ ﷿ جَعَلَ صِيَامَ شَهْرِ رَمَضَانَ أَحَدَ الْأَرْكَانِ الْخَمْسَةِ الْعِظَام، الَّتِي بُنِيَ عَلَيْهَا دِيْنُ الْإِسْلَام، قَالَ ﷿: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].
• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ
[ ١٥ ]
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ، شَهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلَاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ». (^١)
• الفَضِيْلَة الثانِيَة: أنَّ اللهَ فَرَضَهُ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَم: قَالَ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤].
• ولَوْلَا أنَّهُ عِبَادَةٌ عَظِيْمَةٌ، لَا غِنَى لِلْخلْقِ عَنْ التَّعَبُّد بها للهِ وَعَمَّا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ ثوابٍ مَا فَرَضَهُ اللهُ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَم. (^٢)
° الْفَضِيْلَةُ الثَّالِثَةُ: أَنَّ اللهَ ﷿ اخْتَصَّهُ لِنَفْسِهِ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِثَوَابٍ مُعَيَّن، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «قَالَ اللهُ ﷿: كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ». (^٣)
• وَفِي رِوَايَةٍ: «يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَأَكْلَهُ وَشُرْبَهُ مِنْ أَجْلِي». (^٤)
• وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمِ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ يُضَاعَفُ، الْحَسَنَةُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعمِائَة ضِعْفٍ، قَالَ اللهُ ﷿: إِلَّا الصَّوْمَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِه». (^٥)
• فَالْعَطِيَّةُ بِقَدْرِ مُعْطِيهَا، فَيَكُونُ أَجْرُ الصَّائِمِ عَظِيمًا كَثِيرًا بِلَا حِسَابٍ، وَالصِّيَامُ صَبْرٌ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَصَبْرٌ عَنْ مَحَارِم اللهِ، وَصَبْرٌ عَلَى أقْدَارِ اللهِ الْمُؤْلِمَةِ مِنَ الجُوعِ وَالْعَطَشِ وَضَعْفِ البَدَنِ والنَّفْسِ، فَقَدِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ أنْوَاعُ الصَّبْر الثَّلَاثَةُ، وَتَحقَّقَ أَنْ
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٨، و٤٥١٤)، ومسلم (رَقْم: ١٦).
(٢) "مجالس شهر رمضان" (صـ: ١٠).
(٣) البخاري (رَقْم: ١٩٠٤، و٥٩٢٧)، ومسلم (رَقْم: ١١٥١).
(٤) البخاري (رَقْم: ٧٤٩٢) وهذا لفظه، ومسلم (رَقْم: ١١٥١) (١٦٤)، ولفظه: «يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي».
(٥) مسلم (رَقْم: ١١٥١) (١٦٤).
[ ١٦ ]
يَكُونَ الصَّائِمُ مِنَ الصَّابِرِينَ، وَقَدْ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: ١٠]. (^١)
• وَإِنَّمَا كَانَ لِلصِّيَامِ مِثْلُ هَذَا الْفَضْلِ عِنْدَ اللهِ ﷾؛ [لِشَرَفِهِ عِندَهُ، وَمَحَبَّتهِ لَهُ، وَظُهُورِ الْإِخْلَاصِ لَهُ سُبْحَانَهُ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ سِرٌّ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ، لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ إِلَّا اللهُ، فَإِنَّ الصَّائِمَ يَكُونُ فِي الْمَوْضِعِ الْخَالِي مِنَ النَّاسِ مُتَمَكِّنًا مِنْ تَنَاوُلِ مَا حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ بِالصِّيَامِ، فَلَا يَتَنَاوَلُهُ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ رَبًّا يطَّلِعُ عَلَيْهِ فِي خَلْوَتِهِ، وَقَدْ حَرَّمَ عَلَيْهِ ذَلِكَ فَيَتْرُكُهُ للهِ؛ خَوْفَا مِنْ عِقَابِهِ وَرَغْبَةً فِي ثَوَابِهِ، فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ شَكَرَ اللهُ لَهُ هَذَا الْإِخْلَاصَ، وَاخْتَصَّ صِيَامَهُ لِنَفْسِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ أَعْمَالِهِ]. (^٢)
• فَالصِّيَامُ إِحْسَانٌ، وَالْإِحْسَانُ أَعْلَى مَرَاتِبِ الْإِيْمَانِ، فَالصِّيَامُ يُعَوِّدُ صَاحِبَهُ عَلَى الْإِخْلَاصِ؛ لَأَنَّهُ لَا يَطَّلِعُ عَلَى حَقِيْقَةِ صِيَامِ الْعَبْدِ إِلَّا رَبُّهُ وَمَوْلَاهُ، مَعَ أَنَّ جِنسَ الصَّلَاةِ أَعْظَمُ مِنْ جِنسِ الصِّيَامِ، فَقَدْ يُرَائِي الْمُصَلِّي بِصَلَاتِهِ، قَال ﷿: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
• وَقَالَ ﷿: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧].
• وَقد يُرَائِي الْمُزَكِّي بِزَكَاتِهِ، قَالَ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: ٢٦٤].
• وَقَالَ ﷿ فِي الْمُنَافِقِيْنَ: ﴿وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٣٨].
_________________
(١) "مجالس شهر رمضان" (صـ: ١٢).
(٢) المصدر السابق.
[ ١٧ ]
• وَقَدْ يُرَائِي بِالْحَجِّ، وَفِي سَائِرِ الْعِبَادَاتِ، لَكِنَّهُ لَوْ أَكَلَ وَشِرَبَ، وَقَضَى شَهْوَتَهُ فِي النَّهَارِ، وَتَظَاهَرَ لِلنَّاسِ بِالصِّيَامِ؛ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ أَتَى بِرُكْنِ الصِّيَامِ أَصْلًا!.
• قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي "غَرِيبِ الْحَدِيثِ" (ج ١/ صـ: ٣٢٥ - ٣٢٦): وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ أَعْمَالَ الْبرِّ كُلَّهَا لله تَعَالَى، وَهُوَ يَجزي بهَا، فَنَرَى - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّهُ إِنَّمَا خَصَّ الصَّوْمَ بِأَنْ يَكُونَ هُوَ الَّذِي يتَوَلَّى جَزَاءَهُ؛ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يَظْهَرُ مِنْ ابْن آدَمَ بِلِسَانٍ وَلَا فِعْلٍ، فَتَكْتُبَهُ الْحَفَظَةُ، وإِنَّمَا هُوَ نَيَّةٌ بِالْقَلْبِ، وَإِمْسَاكُ عَنْ حَرَكَةِ الْمَطْعَم وَالْمشْرَب وَالنِّكَاح. ا. هـ.
• وَقَالَ الْحَافِظُ فِي "الْفَتْحِ" (ج ٤/ صـ: ١٧٠ - ١٧١): فَدُخُولُ الرِّيَاءِ فِي الصَّوْمِ إِنَّمَا يَقَعُ مِنْ جِهَةِ الْإِخْبَارِ، بِخِلَافِ بَقِيَّةِ الْأَعْمَالِ؛ فَإِنَّ الرِّيَاءَ قَدْ يَدْخُلُهَا بِمُجَرَّدِ فِعْلِهَا، وَقَدْ حَاوَلَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ إِلْحَاقَ شَيْءٍ مِنَ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ بِالصَّوْمِ، فَقَالَ: إَنَّ الذِّكْرَ بِـ: (لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) يُمْكِنُ أَنْ لَا يَدْخُلَهُ الرِّيَاءُ؛ لِأَنَّهُ بِحَرَكَةِ اللِّسَانِ خَاصَّةً، دُونَ غَيْرِهِ مِنْ أَعْضَاءِ الْفَمِ، فَيُمْكِنُ لِلذَّاكِرِ أَنْ يَقُولَهَا بِحَضْرَةِ النَّاسِ، وَلَا يَشْعُرُونَ مِنْهُ بِذَلِكَ. ا. هـ.
• قُلْتُ: لَكِنْ قَدْ يُتَعَقَّبُ هَذَا الْإِلْحَاقُ بِأَنَّهُم قَدْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِم انشِغَالُ ذِهْنِهِ؛ فَيَعْلَمُونَ حِينَهَا أَنَّهُ فِي شَأْنٍ، إِمَّا فِي تَفَكُّرٍ، أَوْ ذِكْرِ بِالْقَلْبِ، فَيَطَّلِعُونَ عَلَى جُزْءٍ مِنْ عِبَادَتِهِ الَّتِي أَرَادَ أَنْ يُخْفِيَهَا عَنْهُمْ، فَظَهَرَ بِذَلِكَ اخْتِصَاصُ الصَّوْمِ بِهَذِهِ الْفَضِيْلَةِ.
• وَلأَحْمَدَ (رَقْم: ٢٢٢٧٦)، وَالنَّسَائِيِّ (رَقْم: ٢٢٢٢) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ﵁، أَنَّهُ سَأَلَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: أَيُّ الْعَمَلِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ». (^١)
_________________
(١) وصححه ابن خزيمة (رَقْم: ١٨٩٣)، وابن حبان (رَقْم: ٣٤٢٥، و٣٤٢٦)، والحاكم (رَقْم: ١٥٣٣)، والألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (رَقْم: ٩٨٦) وذكره العلامة الوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٤٨٨).
[ ١٨ ]
• وَفِي رِوَايَةٍ لَهُما: قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْنِي بِعَمَلٍ، قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ». قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مُرْنِي بِعَمَلٍ، قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصَّوْمِ؛ فَإِنَّهُ لَا عِدْلَ لَهُ». (^١)
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا أيضًا: مُرْنِي بِأَمْرٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهِ، قَالَ: «عَلَيْكَ بِالصِّيَامِ؛ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ». (^٢)
° الفَضِيْلة الرَّابعَة: أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ مَحْوِ السَّيِّئَاتِ وَمُضَاعَفَةِ الْحَسَنَاتِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَاتِ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ». (^٣)
• «إِيْمَانًا»، أَيْ: بِاللَّهِ، وَرِضًا بِفَرْضِ الصَّوْمِ، «وَاحْتِسَابًا»، أَيْ: لِلْأَجْرِ عِنْدَ اللهِ.
• وَلِمُسْلِمٍ عَنْهُ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَقُولُ: «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ، وَالْجُمُعَةُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَمَضَانُ إِلَى رَمَضَانَ، مُكَفِّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَنَبَ الْكَبَائِرَ». (^٤)
• وَرَوَى أَحْمَدُ (رَقْم: ٨٣٩٩) عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: كَانَ رَجُلَانِ مِنْ بَلِيٍّ، حَيٍّ مِنْ قُضَاعَةَ، أَسْلَمَا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَاسْتُشْهِدَ أَحَدُهُمَا، وَأُخِّرَ الْآخَرُ سَنَةً، قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ: فَأُرِيتُ الْجَنَّةَ، فَرَأَيْتُ الْمُؤَخَّرَ مِنْهُمَا، أُدْخِلَ قَبْلَ الشَّهِيدِ، فَتَعَجَّبْتُ لِذَلِكَ، فَأَصْبَحْتُ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أَوْ ذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ
_________________
(١) "المسند" (رَقْم: ٢٢١٤٩)، و"المجتبى" (رَقْم: ٢٢٢٣).
(٢) "المسند" (رَقْم: ٢٢١٤١)، و"المجتبى" (رَقْم: ٢٢٢١).
(٣) رواه البخاري (رَقْم: ٣٨، و١٩٠١، و٢٠١٤)، ومسلم (رَقْم: ٧٦٠).
(٤) مسلم (رَقْم: ٢٣٣).
[ ١٩ ]
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَلَيْسَ قَدْ صَامَ بَعْدَهُ رَمَضَانَ، وَصَلَّى سِتَّةَ آلَافِ رَكْعَةٍ، أَوْ كَذَا وَكَذَا رَكْعَةً صَلَاةَ السَّنَةِ؟». (^١)
• وَفِي رِوَايَةٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ، عن طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللهِ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «صَلَّى أَلْفًا وَثَمَانِ مِائَةِ صَلَاةٍ، وَصَامَ رَمَضَانَ». (^٢)
° الفَضِيْلَة الخَامِسَة: أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ دُخُولِ الْجَنَّةِ، فَللْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَّسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ، وَأَقَامَ الصَّلَاةَ، وَصَامَ رَمَضَانَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الجَنَّةَ، جَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ جَلَسَ فِي أَرْضِهِ الَّتِي وُلِدَ فِيهَا». (^٣)
_________________
(١) وإسناده حسن، وهو في "الصحيحة" (رَقْم: ٢٥٩١) للألباني ﵀.
(٢) "المسند" (رَقْم: ١٣٨٩)، و"سنن ابن ماجه" (رَقْم: ٣٩٢٥)، وفيه انقطاع بين أبي سلمة وبين طلحة بين عبد الله؛ فإنه لم يدركه، لكن يشهد له ما قبله. ويشهد له أيضًا ما رواه أحمد (رقم: ١٦٠٧٤، و١٧٩٢١، ١٧٩٢٢، و١٧٩٢٣)، وأبو داود (رقم: ٢٥٢٤)، والنسائي (رقم: ١٩٨٥) عن عُبَيْد بن خالد السلمي ﵁، أن رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- آخى بين رجلين، فقُتِل أحدهما، ومات الآخر بعده، فصلينا عليه، فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ما قلتم؟». قالوا: دعونا له: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم ألحقه بصاحبه. فقال النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فأين صلاته بعد صلاته؟! وأين عمله بعد عمله؟! فلما بينهما كما بين السماء والأرض!». وفي رواية أبي داود: «ومات الآخر بعده بجمعة، أو نحوها». وفي رواية لأحمد: «وأين صومه بعد صومه؟». وصحح هذا الحديث - أعني حديث عبيد بن خالد ﵁ الألباني في "صحيح أبي داود" (رقم: ٢٢٧٨)، والوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رقم: ٩٠١).
(٣) البخاري (رَقْم: ٢٧٩٠، و٧٤٢٣).
[ ٢٠ ]
• وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا أَعَدَّهَا اللهُ لِمَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَلَانَ الْكَلَامَ، وَتَابَعَ الصِّيَامَ وَصَلَّى وَالنَّاسُ نِيَامٌ». (^١)
• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «مَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللهِ، بَاعَدَ اللهُ وَجْهَهُ عَنِ النَّارِ سَبْعِينَ خَرِيفًا». (^٢)
• قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: فِيهِ فَضِيلَةُ الصِّيَامِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ لَا يَتَضَرَّرُ بِهِ، وَلَا يُفَوِّتُ بِهِ حَقًّا، وَلَا يَخْتَلُّ بِهِ قِتَالُهُ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ مُهِمَّاتِ غَزْوِهِ، وَمَعْنَاهُ: الْمُبَاعَدَةُ عَنِ النَّارِ، وَالْمُعَافَاةُ مِنْهَا، وَالْخَرِيفُ: السَّنَةُ. ا. هـ.
• وَقِيْلَ أَيْضًا فِي مَعْنَى: «فِي سَبِيل اللهِ»، أَيْ: فِي طَاعَتِهِ، قَاصِدًا بِهِ وَجْهَ اللهِ تَعَالَى.
° الفَضِيْلَةُ السَّادِسَةُ: مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ، لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ». (^٣)
• وَخُلُوفُ الْفَمِ: رَائِحَةُ مَا يَتَصَاعَدُ مِنْهُ مِنَ الْأَبْخِرَةِ؛ لِخُلُوِّ الْمَعِدَةِ مِنَ الطَّعَامِ، وَهِيَ مُسْتَكْرَهَةٌ فِي مَشَامِّ النَّاس فِي الدُّنْيَا، لَكِنَّها طَيِّبَةٌ عِنْدَ اللهِ، حَيْثُ كَانَتْ نَاشِئَةً عَنْ
_________________
(١) حديث حسن صحيح: رواه أحمد (رَقْم: ٢٢٩٠٥)، وصححه ابن حبان (رَقْم: ٥٠٩). • وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، أخرجه أحمد (رَقْم: ٦٦١٥)، وصححه الحاكم (رَقْم: ٢٧٠، و١٢٠٠)، والعلامة الألباني ﵀ في "صحيح الترغيب والترهيب" (رَقْم: ٦١٧، و٦١٨).
(٢) البخاري (رَقْم: ٢٨٤٠)، ومسلم (رَقْم: ١١٥٣).
(٣) البخاري (رَقْم: ١٨٩٤، ١٩٠٤)، ومسلم (رَقْم: ١١٥١).
[ ٢١ ]
طَاعَتِهِ وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ، كَمَا أَنَّ دَمَ الشَّهِيدِ يَجِيءُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَثْعَبُ دَمًا، لَوْنُهُ لَوْنُ الدَّمِ، وَرِيحُهُ رِيحُ المِسْكِ. (^١)
• قَالَ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: وَفِي طِيْبِ رِيْحِ خُلُوفِ الصَّائِمِ عِنْدَ اللهِ ﷿ مَعْنَيَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصِّيَامَ لَمَّا كَانَ سِرًّا بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رَبِّهِ فِي الدُّنْيَا أَظْهَرَهُ اللهُ فِي الْآخِرَةِ لِلْخَلْقِ؛ لِيَشْتَهِرَ بِذَلِكَ أَهْلُ الصِّيَامِ، وَيُعْرَفُوا بِصِيَامِهِمْ بَيْنَ النَّاسَ؛ جَزَاءً لِإِخْفَائِهِمْ صِيَامَهُمْ فِي الدُّنْيَا.
وَالْمَعْنَى الثَّانِي: أَنَّ مَنْ عَبَدَ اللهَ وَأَطَاعَهُ وَطَلَبَ رِضَاهُ فِي الدُّنْيَا بِعَمَلٍ، فَنَشَأَ مِنْ عَمَلِهِ آثارٌ مَكْرُوهَةٌ لِلنُّفُوسِ فِي الدُّنْيَا؛ فَإِنَّ تِلْكَ الْآثَارَ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ عِنْدَ اللهِ، بَلْ هِيَ مَحْبُوبَةٌ لَهُ، وَطَيِّبَةٌ عِندَهُ؛ لِكَوْنِهَا نَشَأَتْ عَنْ طَاعَتِهِ وَاتِّبَاعِ مَرْضَاتِهِ، فَإِخْبَارُهُ بِذَلِكَ لِلْعَامِلِينَ فِي الدُّنْيَا فِيهِ تَطْيِيْبٌ لِقُلُوبِهِمْ؛ لِئَلَّا يُكْرَهَ مِنْهُمْ مَا وُجِدَ فِي الدُّنْيَا. ا. هـ. (^٢)
وَرَوَى أَحْمَدُ (رَقْم: ١٧١٧٠، و١٧٨٠٠)، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي سُنَنِهِ (رَقْم: ٢٨٦٣) عَنِ الْحَارِثِ الْأَشْعَرِيِّ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ أَمَرَ يَحْيَى بْنَ زَكَرِيَّا بِخَمْسِ كَلِمَاتٍ أَنْ يَعْمَلَ بِهَا، وَيَأْمُرَ بني إسرائيل أَنْ يَعْمَلُوا بِهَا، …»، فَذَكَرَ الْحَدِيْثَ، وَفِيْهِ: «وَآمُرُكُمْ بِالصِّيَامِ، فَإِنَّ مَثَلَ ذَلِكَ كَمَثَلِ رَجُلٍ فِي عِصَابَةٍ مَعَهُ صُرَّةٌ فِيهَا مِسْكٌ، فَكُلُّهُمْ يَعْجَبُ أَوْ يُعْجِبُهُ رِيحُهَا، وَإِنَّ رِيحَ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ المِسْكِ». (^٣)
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٢٨٠٣، و٥٥٣٣)، ومسلم (رَقْم: ١٨٧٦) عن أبي هريرة ﵁. • وراجع: "لطائف المعارف" (صـ: ١٦١)، و"مجالس شهر رمضان" (صـ: ٧).
(٢) "لطائف المعارف" (صـ: ١٦١، -١٦٢).
(٣) وصححه ابن خزيمة (رقم: ١٨٩٥)، وابن حبان (رقم: ٦٢٣٣)، والحاكم (رقم: ١٥٣٤)، والألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (رقم: ٥٥٢، و١٤٩٨)، والوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رقم: ٢٨٥).
[ ٢٢ ]
° الفَضِيْلَةُ السَّابعَةُ: أَنَّهُ جُنَّةٌ، أي: وِقَايَةٌ وَسَتْرٌ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ، وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثْ وَلَا يَصْخَبْ، [وَلَا يَجْهَلْ]، فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ، فَلْيَقُلْ إِنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ، [مَرَّتَيْنِ]». (^١)
• وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ (رقم: ٧٦٤): «وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ».
• وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ (رقم: ٢٢٣٤) مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂.
• وَرَوَى أَحْمَدُ (رقم: ١٦٢٧٨، و١٧٩٠٢)، والنَّسَائِيُّ (رقم: ٢٢٣١) عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ الثَّقَفِيِّ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ». (^٢)
• وَلِأَحْمَدَ (رقم: ١٧٩٠٩): «الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ، كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنَ الْقِتَالِ».
• قَالَ الْحَافِظُ فِي "الْفَتْحِ" (ج ٤/ صـ: ١٠٤): «وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ مُتَعَلَّقُ هَذَا السَّتْرِ، وَأَنَّهُ مِنَ النَّارِ، وَبِهَذَا جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ».
• وقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ: «مَعْنَى كَوْنِهِ جُنَّةً، أَيْ: يَقِي صَاحِبَهُ مَا يُؤْذِيهِ مِنَ الشَّهَوَاتِ». (^٣)
• وَقَالَ النَّوَوِيُّ: «وَمَعْنَاهُ: سُتْرَةٌ وَمَانِعٌ مِنَ الرَّفَثِ وَالْآثَامِ، وَمَانِعٌ أَيْضًا مِنَ النَّارِ».
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ١٩٠٤)، ومسلم (رَقْم: ١١٥١) (١٦٣) من حديث أبي هريرة ﵁. وما بين المعكوفين في الموضعين هو في رواية للبخاري (رَقْم: ١٨٩٤).
(٢) وهو في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٩٠٧) للإمام الوادعي ﵀.
(٣) "النهاية" (جنن).
[ ٢٣ ]
° الفَضِيْلَةُ الثامِنَةُ: مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «وَلِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا: إِذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ». (^١)
• وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ: «لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ: فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ، وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ».
• قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: «قَالَ الْعُلَمَاءُ: أَمَّا فَرْحَتُهُ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ فَبِمَا يَرَاهُ مِنْ جَزَائِهِ وَتَذَكُّرِ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ بِتَوْفِيقِهِ لِذَلِكَ، وَأَمَّا عِنْدَ فِطْرِهِ فَسَبَبُهَا تَمَامُ عِبَادَتِهِ».
° الفَضِيْلَةُ التاسِعَةُ: مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ بَابًا يُقَالُ لَهُ الرَّيَّانُ، يَدْخُلُ مِنْهُ الصَّائِمُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ أَحَدٌ غَيْرُهُمْ، يُقَالُ: أَيْنَ الصَّائِمُونَ؟ فَيَدْخُلُونَ مِنْهُ، فَإِذَا دَخَلَ آخِرُهُمْ، أُغْلِقَ فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُ أَحَدٌ». (^٢)
• وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (رَقْم: ٣٢٥٧): «فِي الجَنَّةِ ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ، فِيهَا بَابٌ يُسَمَّى الرَّيَّانَ، لَا يَدْخُلُهُ إِلَّا الصَّائِمُونَ».
• وَفِيهِمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، نُودِيَ مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ: يَا عَبْدَ اللَّهِ هَذَا خَيْرٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّلَاةِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الجِهَادِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصِّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرَّيَّانِ، وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصَّدَقَةِ»، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ﵁: بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ، فَهَلْ يُدْعَى أَحَدٌ مِنْ تِلْكَ الأَبْوَابِ كُلِّهَا؟ قَالَ: «نَعَمْ، وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ». (^٣)
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ١٩٠٤، و٧٤٩٢)، ومسلم (رَقْم: ١١٥١) (١٦٣).
(٢) البخاري (رَقْم: ١٨٩٦)، ومسلم (رَقْم: ١١٥٢).
(٣) البخاري (رَقْم: ١٨٩٧، و٣٦٦٦)، ومسلم (رَقْم: ١٠٢٧).
[ ٢٤ ]
° الفَضِيْلَة العَاشِرَة: أَنَّهُ يُذْهِبُ وَحَرَ الصَّدْرِ، أَيْ: غِلَّهُ، وَحِقْدَهُ، وَفَسَادَهُ، فَعَن رَجُلٍ مِنْ بَنِي أُقَيْشٍ، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ وَحَرِ صَدْرِهِ فَلْيَصُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ. (^١)
• وَفِي رِوَايَةٍ: «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ». (^٢)
وَشَهْرُ الصَّبْرِ هُوَ: شَهْرُ رَمَضَانَ.
° الفَضِيْلَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ عن أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنْ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «شَهْرُ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ». (^٣)
• [فَاللَّهَ اللهَ عِبَادَ اللهِ، اغْتَنِمُوا شَهْرَ الْمَتَابِ، وَمَا وَعدكُم فِيهِ مِنْ جَزِيلِ الثَّوَاب وَمن الْعَفْوِ عَنْ الْأَوْزَارِ وَعِتْق الرِّقَاب.
أَيْنَ مَنْ يَرْكَبُ الذُّنُوبَ اغْتِرَارًا … لَا يخَافُونَ سَطْوَةَ الْقَهَّارِ
قَدْ أَهَلَّ الْهَلَالُ مِنْ رَمَضَانٍ … شَهْر زُلْفَى وَتَوْبَةٍ وَادِّكَارِ
فَاذْكُرُوا اللهَ فِيهِ ذِكْرًا كَثِيْرًا … وَاسْتَجِيْرُوهُ مِنْ عَذَاب النَّار
_________________
(١) "المسند" (رَقْم: ٢٠٧٣٧)، وانظر إلى التعليق التالي.
(٢) "المسند" (رَقْم: ٢٠٧٣٨، و٢٣٠٧٠، و٢٣٠٧٧). • وصححه ابن حبان (رَقْم: ٦٥٥٧)، والألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (رَقْم: ١٠٣٢)، والوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٤٥٨).
(٣) "المسند" (رَقْم: ٧٥٧٧، و٨٩٨٦، و١٠٦٦٣)، و"سنن النسائي" (رَقْم: ٢٤٠٨)، وصححه ابن حبان (رَقْم: ٣٦٥٩)، وقال الألباني في "الإرواء" (ج ٤/ صـ: ٩٩): «إسناده صحيح على شرط مسلم». • وذكره العلامة الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٣٣٩).
[ ٢٥ ]
وَارْجِعُوا عَنْ ذُنُوبِكُمْ بِمَتَابٍ … صَادِق وَأَقْلِعُوا عَنْ الْإِصْرَار
رُبَّ مَنْ كَانَ مُسْرِفًا مُسْتَمِرًّا … فِي خَطَايَاهُ مُكْثِرَ الْأَوْزَارِ
ثمَّ إِنْ الْإِلَهَ تَابَ عَلَيْهِ … فَاقْتَضَى حَمْدَهُ سَبِيلَ الْخِيَار
فَاعْمَلُوا أَيُّهَا المُسِيْئُونَ وَادْعُوا … رَبَّكُمْ جَهْرَةً وَفِي الْإِسْرَار
وَاحْذَرُوا غَفلَةَ الْقُنُوطِ وَدَاوُوا … دَاءَهَا بِالرُّجُوعِ لِلْغَفَّار
تَجدُوا اللهَ فِي الْمعَادِ كَرِيمًا … مَاحِيًا لِلذُّنُوبِ وَالْآصَار] (^١)
اللَّهُمَّ أَكْرِمْنَا بِطَاعَتِكَ، وَلَا تُذِلَّنَا بِمَعْصِيَتِكَ، وَاجْعَلْنَا مِنَ المُسَارِعِيْنَ إِلَى مَغْفِرَتِكَ
وَجَنَّتِكَ، وَأَعِنَّا عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ؛ بِفَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ.
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوْبُ إِلَيْكَ.
* * *
_________________
(١) "بستان الواعظين" (صـ: ٢١٥).
[ ٢٦ ]