• الْحَمْدُ للهِ الْعَزِيْزِ الْوَهَّابِ، أَغَاثَ الْأَرْضَ بِالْمَاءِ الْمُنَزَّلِ مِنَ السَّحَابِ، وَأَغَاثَ الْقُلُوبَ بِإِنزَالِهِ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ، ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: ٢٩]، أَحْمَدُهُ عَلَى مَا وَفَّقَ بِكِتَابِهِ للصَّوَابِ، وَأَزَاحَ بِهِ الشَّكَّ وَالِارْتِيَابَ، وَجَعَلَهُ لِلْهُدَى أَعْظَمَ الْأَسْبَابِ، وَأشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَالنُّورُ لَهُ حِجَابٌ، وَهُوَ الرَّحِيْمُ التَّوَّابُ، وَعَدَ مَنْ أَحْسَنَ بِجَزِيْلِ الثَّوَابِ، وَتَوَعَّدَ مَنْ أَسَاءَ بِأَلِيْمِ الْعِقَابِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، خَيْرُ مَنْ أُوتِيَ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ، وَسَيِّدُ مَنْ تَضَرَّعَ لِرَبِّهِ وَأَناَبَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْآلِ وَالْأَصْحَابِ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الْحِسَابِ، أَمَّا بَعْدُ:
• فَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ مِنْ جُمْلَةِ فَضَائِلِ شَهْر رَمَضَانَ: أَنَّ اللهَ أَنْزَلَ فِيْهِ الْقُرْآنَ، وَهُوَ كَلَامُ اللهِ ﷿، تَكَلَّمَ بِهِ بِحَرْفٍ وَصَوْتٍ، وَتَعَبَّدَ الْعِبَادَ بِتِلَاوَتِهِ، وَهُوَ أَشْرَفُ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَقَدْ حَثَّ عَلَى تِلَاوَتِهِ وَرَغَّبَ فِيْهَا، وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْأَجْرَ الْعَظِيْمَ، قَالَ ﷿: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: ١٢١].
• قَالَ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀ فِي "مَجَالِسِ شَهْرِ رَمَضَانَ" (صـ: ٢٦): تِلَاوَةُ كِتَابِ اللهِ عَلَى نَوْعَيْنِ: تِلَاوَةٌ حُكْميَّةٌ، وَهِيَ تَصْدِيقُ أَخْبَارِهِ وتَنْفيذُ أحْكَامِهِ بِفِعْلِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيْهِ.
• وَالنَّوْعُ الثَّانِي: تِلَاوَةٌ لَفْظِيَّةٌ، وَهِيَ قِرَاءَتُهُ، وَقَدْ جَاءَتِ النُّصُوصُ الْكَثِيْرَةُ بِفضْلِها، إِمَّا فِي جَمِيْعِ الْقُرْآنِ، وَإمَّا فِي سُوَرٍ أَوْ آيَاتٍ مُعَيَّنَةٍ مِنْهُ. ا. هـ.
• وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-
[ ٢٤٥ ]
يَقُولُ: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٨٠٤).
• وَعَنْ عُثْمَانَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٥٠٢٧).
• وَفِي رِوَايَةٍ (رَقْم: ٥٠٢٨): «إِنَّ أَفْضَلَكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ».
• وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الْمَاهِرُ بِالْقُرْآنِ مَعَ السَّفَرَةِ الْكِرَامِ الْبَرَرَةِ، وَالَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَيَتَتَعْتَعُ فِيهِ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَاقٌّ، لَهُ أَجْرَانِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٧٩٨) بهَذَا اللَّفْظِ.
• وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٤٩٣٧) بِلَفْظِ: «مَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ، وَهُوَ حَافِظٌ لَهُ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَمَثَلُ الَّذِي يَقْرَأُ، وَهُوَ يَتَعَاهَدُهُ، وَهُوَ عَلَيْهِ شَدِيدٌ فَلَهُ أَجْرَانِ».
• وَعَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ التَّمْرَةِ، لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، كَمَثَلِ الْحَنْظَلَةِ، لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)
• وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا حَسَدَ إِلَّا عَلَى اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ هَذَا الْكِتَابَ، فَقَامَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَتَصَدَّقَ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)
• وَعَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ، أَنَّ نَافِعَ بْنَ عَبْدِ الْحَارِثِ، لَقِيَ عُمَرَ ﵁ بِعُسْفَانَ، وَكَانَ عُمَرُ ﵁ يَسْتَعْمِلُهُ عَلَى مَكَّةَ، فَقَالَ: مَنِ اسْتَعْمَلْتَ عَلَى أَهْلِ الْوَادِي، فَقَالَ: ابْنَ أَبْزَى، قَالَ: وَمَنِ ابْنُ أَبْزَى؟ قَالَ: مَوْلًى مِنْ مَوَالِينَا، قَالَ: فَاسْتَخْلَفْتَ عَلَيْهِمْ مَوْلًى؟
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٥٤٢٧)، ومسلم (رَقْم: ٧٩٧).
(٢) البخاري (رَقْم: ٥٠٢٥)، ومسلم (رَقْم: ٨١٥).
[ ٢٤٦ ]
قَالَ: إِنَّهُ قَارِئٌ لِكِتَابِ اللهِ ﷿، وَإِنَّهُ عَالِمٌ بِالْفَرَائِضِ، قَالَ عُمَرُ ﵁: أَمَا إِنَّ نَبِيَّكُمْ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَدْ قَالَ: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا، وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٨١٧).
• وَعَنْ أَنَسِ ﵁، عَنْ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ لِلَّهِ أَهْلِينَ مِنَ النَّاسِ». قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَنْ هُمْ؟ قَالَ: «هُمْ أَهْلُ الْقُرْآنِ، أَهْلُ اللَّهِ وَخَاصَّتُهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ١٢٢٧٩، و١٢٢٩٢)، وَابْنُ مَاجَهْ (رَقْم: ٢١٥). (^١)
• وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْتَقِ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُ بِهَا». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ. (^٢)
• وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يَجِيءُ الْقُرْآنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَالرَّجُلِ الشَّاحِبِ، يَقُولُ لِصَاحِبِهِ: هَلْ تَعْرِفُنِي؟ أَنَا الَّذِي كُنْتُ أُسْهِرُ لَيْلَكَ، وَأُظْمِئُ هَوَاجِرَكَ، وَإِنَّ كُلَّ تَاجِرٍ مِنْ وَرَاءِ تِجَارَتِهِ، وَأَنَا لَكَ الْيَوْمَ مِنْ وَرَاءِ كُلِّ تَاجِرٍ، فَيُعْطَى الْمُلْكَ بِيَمِينِهِ، وَالْخُلْدَ بِشِمَالِهِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ، وَيُكْسَى
_________________
(١) وصححه الحاكم (رَقْم: ٢٠٤٦)، والألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (رَقْم: ١٤٣٢)، والوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٧٧).
(٢) "مسند أحمد" (رَقْم: ٦٧٩٩)، و"سنن أبي داود" (رَقْم: ١٤٦٤)، و"سنن الترمذي" (رَقْم: ٢٩١٤)، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح»، وصححه أيضًا: ابن حبان (رَقْم: ٧٦٦)، والحاكم (رَقْم: ٢٠٣٠)، والذهبي، وحسن إسناده وصححه لغيره: الألباني ﵀ في "الصحيحة" (رَقْم: ٢٢٤٠)، وفي "صحيح أبي داود" (رَقْم: ١٣١٧)، وحسنه العلامة الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٧٩٢).
[ ٢٤٧ ]
وَالِدَاهُ حُلَّتَانِ، لَا تَقُومُ لَهُمَا الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، فَيَقُولَانِ: يَا رَبُّ، أَنَّى لَنَا هَذَا؟ فَيُقَالُ لَهُمَا: بِتَعْلِيمِ وَلَدِكُمَا الْقُرْآن». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي "الْأَوْسَطِ" (رَقْم: ٥٧٦٤). (^١)
• وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَلَهُ بِهِ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: الم حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ». رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ. (^٢)
• ثُمَّ اعْلَمُوا أَيُّها الْمُؤْمِنُونَ أَنَّ هَذَا الْقُرْآنَ إِنَّما أَنْزَلَهُ اللهُ ﷿؛ لِلتَّذَكُّرِ، وَتَدَبُّرِ آيَاتِهِ، وَالْعَمَلِ بِهِ، كَمَا قَالَ ﷿: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
_________________
(١) وفي إسناده شريك النخعي، وهو ضعيف؛ لسوء حفظه، قال الألباني ﵀ في "الصحيحة" (رَقْم: ٢٨٢٩): لكن الحديث حسن أو صحيح؛ لأن له شاهدًا من حديث بريدة بن الحصيب ﵁ مرفوعًا بتمامه، أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف" (ج ١٠/ صـ: ٤٩٢ - ٤٩٣)، وأبو القاسم الأصبهاني في "الترغيب" (رَقْم: ٢٢٩٩)، وفيه بشير بن المهاجر، وهو صدوق لين الحديث، كما في "التقريب". ا. هـ المراد. وحسنه ابن كثير ﵀ في أول تفسير سورة البقرة.
(٢) "سنن الترمذي" (رَقْم: ٢٩١٠)، من طريق محمد بن كعب القرظي، قال: سمعت عبد الله بن مسعود ﵁ يقول: …، فذكره، وذكر الترمذي أنه يروى من غير وجه عن ابن مسعود، وقال: «رفعه بعضهم، ووقفه بعضهم عن ابن مسعود»، ثم قال: «هذا حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه». وصححه أيضًا الحاكم (رَقْم: ٢٠٤٠، و٢٠٨٠) من طريق أبي الأحوص، عنه. وقد جوَّد إسناد الترمذيِّ: الألبانيُّ ﵀ في "الصحيحة" (رَقْم: ٣٣٢٧)، وقال: وَأَقَرَّهُ - يعني الترمذي في تصحيح الحديث - جماعةٌ من الحفاظ، منهم المنذري في "الترغيب" (ج ٢/ صـ: ٢٠٥)، وابن تيمية في "الفتاوى" (ج ١٢/ صـ: ١٣، وج ٢٣/ صـ: ٢٨٢). وقال: ولست أشكُّ في أصحيَّةِ كثير من الطرق الموقوفة، ولا أرى أي تعارض بين المرفوعات والموقوفات حتى يصار إلى الترجيح؛ لأن الموقوف هنا في حكم المرفوع؛ لأنه لا يقال بمجرد الرأي، كما هو ظاهر، وهذا هو ملحظ الترمذي ومن وافقه حين صححوه، وهم على علم بالطرق الموقوفة دون ريب. ا. هـ.
[ ٢٤٨ ]
[ص: ٢٩]. وَقَالَ: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٤٤].
• وَقَالَ ﷿: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠].
• وَقَدْ ذَمَّ اللهُ الَّذِيْنَ لَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ، فَقَالَ ﷿: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢].
• وَقَالَ ﷿: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: ٢٤].
• وَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي ذَمِّ الْخَوَارِجِ: «يَقْرَءُونَ القُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُم». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيْثِ أَبِي سَعِيْدٍ ﵁. (^١)
• وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نَهْيُهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ لَمْ يَفْقَهْهُ». (^٢)
• وَمَا ذَاكَ إِلَّا لِمُرَاعَاةِ تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ، الَّذِي هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ.
• وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ عَنْ عَطَاءٍ، قَالَ دَخَلْتُ أَنَا وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ عَلَى عَائِشَةَ ﵂، فَقَالَتْ لِعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ: «قَدْ آنَ لَكَ أَنْ تَزُورَنَا!». فقَالَ: أَقُولُ يَا أُمَّهْ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُ: زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا. قَالَ: فَقَالَتْ: «دَعُونَا مِنْ رَطَانَتِكُمْ هَذِهِ» قَالَ ابْنُ عُمَيْرٍ: أَخْبِرِينَا بِأَعْجَبِ شَيْءٍ رَأَيْتِهِ مِنْ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. قَالَ: فَسَكَتَتْ، ثُمَّ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةٌ مِنَ اللَّيَالِي قَالَ: «يَا عَائِشَةُ، ذَرِينِي أَتَعَبَّدِ اللَّيْلَةَ لِرَبِّي». قُلْتُ: وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّ قُرْبَكَ وَأُحِبُّ مَا سَرَّكَ. قَالَتْ: فَقَامَ، فَتَطَهَّرَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، قَالَتْ: فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ حِجْرَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، قَالَتْ: ثُمَّ بَكَى، فَلَمْ يَزَلْ يَبْكِي حَتَّى بَلَّ الْأَرْضَ، فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤْذِنُهُ بِالصَّلَاةِ، فَلَمَّا رَآهُ يَبْكِي قَالَ: يَا رَسُولَ
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٣٦١٠، و٦٩٣٤، و٧٥٦٢)، ومسلم (رَقْم: ٨٢٢).
(٢) تقدم تخريجه والكلام في فقهه في المجلس الرابع عشر، فراجعه.
[ ٢٤٩ ]
اللَّهِ، لِمَ تَبْكِي وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلَا أَكُونُ عَبْدًا شَكُورًا، لَقَدْ نَزَلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ آيَةٌ وَيْلٌ لِمَنْ قَرَأَهَا وَلَمْ يَتَفَكَّرْ فِيهَا: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩٠]». (^١)
• قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي "الْفَوَائِدِ" (صـ: ٣): قَاعِدَةٌ جَلِيْلَةٌ: إِذَا أَرَدتَّ الِانْتِفَاعَ بِالْقُرْآنِ فَاجْمَعْ قَلْبَكَ عِنْد تِلَاوَته وَسَمَاعِهِ، وَأَلْقِ سَمْعَكَ وَاحْضُرْ حُضُورَ مَنْ يُخَاطِبُهُ بِهِ مَنْ تَكَلَّمَ بِهِ سُبْحَانَهُ مِنْهُ إِلَيْهِ، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ [ق: ٣٧].
• وَذَلِكَ أَنْ تَمام التَّأْثِير لَمَّا كَانَ مَوْقُوفًا عَلَى مُؤَثِّرٍ مُقْتَضِ وَمَحَلٍّ قَابِلٍ وَشَرْطٍ لِحُصُولِ الْأَثَرِ وَانْتِفَاء الْمَانِع الَّذِي يمْنَع مِنْهُ تَضَمَّنَتِ الْآيَةُ بَيَانَ ذَلِك كُلِّهِ بِأَوْجَزِ لَفْظٍ وَأَبْيَنِهِ وَأَدَلِّهِ عَلَى الْمُرَادِ، فَقَوْلُهُ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾؛ إِشَارَةٌ إِلَى مَا تقدَّمَ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَى هَهُنَا، وَهَذَا هُوَ الْمُؤَثِّرُ، وَقَوْلُهُ: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧]، فَهَذَا هُوَ الْمَحَلُّ الْقَابِلُ وَالْمُرَادُ بِهِ الْقَلْبُ الْحَيُّ الَّذِي يَعْقِلُ عَنْ اللهِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ [يس: ٦٩ - ٧٠]، أَيْ: حَيَّ الْقَلْبِ.
• وَقَوْلُهُ: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ﴾، أَيْ: وجَّهَ سَمْعَهُ وَأَصْغَى حَاسَّةَ سَمْعِهِ إِلَى مَا يُقَالُ لَهُ، وَهَذَا شَرْطُ التَّأثُّرِ بالْكَلَامِ.
• وَقَوْلُهُ: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾، أَيْ: شَاهِدُ الْقَلْبِ، حَاضِرٌ غَيْرُ غَائِبٍ. ا. هـ.
• وَقَالَ فِي "مَدَارِجِ السَّالِكِيْنَ" (ج ١/ صـ: ٤٤١) - بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ هَذِهِ الْآيَةَ -: وَالنَّاسُ ثَلَاثَةٌ: رَجُلٌ قَلْبُهُ مَيِّتٌ، فَذَلِكَ الَّذِي لَا قَلْبَ لَهُ، فَهَذَا لَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ذِكْرَى فِي حَقِّهِ.
_________________
(١) "صحيح ابن حبان" (رَقْم: ٢٦٠)، وجوَّد إسناده العلامة الألباني في "الصحيحة" (رَقْم: ٦٨)، وحسنه العلامة الوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٦٢٧).
[ ٢٥٠ ]
• الثَّانِي: رَجُلٌ لَهُ قَلْبٌ حَيٌّ مُسْتَعِدٌّ، لَكِنَّهُ غَيْرُ مُسْتَمِعٍ لِلْآيَاتِ الْمَتْلُوَّةِ الَّتِي يُخْبِرُ بِهَا اللَّهُ عَنِ الْآيَاتِ الْمَشْهُودَةِ؛ إِمَّا لِعَدَمِ وُرُودِهَا، أَوْ وُصُولِهَا إِلَيْهِ، وَلَكِنَّ قَلْبَهُ مَشْغُولٌ عَنْهَا بِغَيْرِهَا، فَهُوَ غَائِبُ الْقَلْبِ، لَيْسَ حَاضِرًا، فَهَذَا أَيْضًا لَا تَحْصُلُ لَهُ الذِّكْرَى مَعَ اسْتِعْدَادِهِ وَوُجُودِ قَلْبِهِ.
• الثَّالِثُ: رَجُلٌ حَيُّ الْقَلْبِ مُسْتَعِدٌّ، تُلِيَتْ عَلَيْهِ الْآيَاتُ، فَأَصْغَى بِسَمْعِهِ، وَأَلْقَى السَّمْعَ وَأَحْضَرَ قَلْبَهُ، وَلَمْ يَشْغَلْهُ بِغَيْرِ فَهْمِ مَا يَسْمَعُهُ، فَهُوَ شَاهِدُ الْقَلْبِ، مُلْقٍ السَّمْعَ، فَهَذَا الْقِسْمُ هُوَ الَّذِي يَنْتَفِعُ بِالْآيَاتِ الْمَتْلُوَّةِ وَالْمَشْهُودَةِ.
• فَالْأَوَّلُ: بِمَنْزِلَةِ الْأَعْمَى الَّذِي لَا يُبْصِرُ.
• وَالثَّانِي: بِمَنْزِلَةِ الْبَصِيرِ الطَّامِحِ بِبَصَرِهِ إِلَى غَيْرِ جِهَةِ الْمَنْظُورِ إِلَيْهِ، فَكِلَاهُمَا لَا يَرَاهُ.
• وَالثَّالِثُ: بِمَنْزِلَةِ الْبَصِيرِ الَّذِي قَدْ حَدَّقَ إِلَى جِهَةِ الْمَنْظُورِ، وَأَتْبَعَهُ بَصَرَهُ، وَقَابَلَهُ عَلَى تَوَسُّطٍ مِنَ الْبُعْدِ وَالْقُرْبِ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يَرَاهُ.
• فَسُبْحَانَ مَنْ جَعَلَ كَلَامَهُ شِفَاءً لِمَا فِي الصُّدُورِ. ا. هـ.
• وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَا سَبِيْلَ إِلَى تَدَبُّرِ الْقُرْآنِ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ مَعَانِيْهِ وَأَحْكَامِهِ، وَلَا سَبِيْلَ إِلَى كَمَالِ تَدَبُّرِهِ إِلَّا بِمَعْرِفَةِ خَاصِّهِ وَعَامِّهِ، وَمُطْلَقِهِ وَمُقَيَّدِهِ، وَمُبَيَّنِهِ وَمُجْمَلِهِ، وَنَاسِخِهِ وَمَنسُوخِهِ، وَأَسْبَابِ نُزُولِهِ، فَلْتُصْرَفِ الْهِمَمُ إِلَى مِثْلِ هَذِهِ الْمَعْرِفَةِ؛ فَإِنَّها مِنْ أَولَى مَا يَنبَغِي عَلَى الْمُشْتَغِلِ بِالْعِلْمِ أَنْ يَصْرِفَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ هِمَّتَهُ.
• فَمَا أَكْثَرَ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، لَكِن لَوْ أُوقِفَ كَثِيْرٌ مِنْهُمْ عَلَى مَا فِيْهِ، وَسُئِلَ عَنْهُ لَانقَطَعَ وَتَحَيَّر!، فَلَوْ سُئِلَ عَنْ مِثْلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ﴾ [الفلق: ٣]، أَوْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢]، أَوْ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا﴾ [العاديات: ١]، أَوْ قَوْلِهِ تَعَالَى فِي شَأْنِ مُوْسَى: ﴿وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي﴾ [طه: ١٨]؛ لَمَا أَجَابَ بِالصَّوَابِ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ!.
• فَالْفَهْمَ الْفَهْمَ عِبَادَ اللهِ، وَالتَّدَبُّرَ التَّدَبُّرَ، وَالتَّذَكُّرَ التَّذَكُّرَ.
[ ٢٥١ ]
• [﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢]، يَا مَشْغُولًا بِذُنُوبِهِ، مَغْمُورًا بِعُيُوبِهِ، غَافِلًا عَنْ مَطْلُوبِهِ، أَمَا نَهَاهُ الْقُرْآنُ عَنْ حُوْبِهِ؟! ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢].
• أَنَسِيَ الْعَاصِي قَبِيْحَ مَكْتُوبِهِ؟! لَا بُدَّ مِنْ سُؤَالِهِ عَنْ مَطْعُومِهِ وَمَشْرُوبِهِ، وَحَرَكَاتِهِ وَخُطُوَاتِهِ فِي مَرْغُوبِهِ، أَلا يَذْكُرُ فِي زَمَانِ رَاحَتِهِ أَحْيَانَ كُرُوبِهِ؟! أَلَا يَدَّخِرُ مِنْ خِصْبِهِ لأَيَّامِ جُدُوبِهِ،؟! أَلا يَتَفَكَّرُ فِي فِرَاقِهِ لِمَحْبُوبِهِ؟! أَلا يَتَذَكَّرُ النَّعْشَ قَبْلَ رُكُوبِهِ؟! كَيْفَ يَغْفُلُ مَنْ هُوَ فِي صَفِّ حُرُوبِهِ؟! رُبَّ إِشْرَاقٍ لَمْ يُدْرَكْ زَمَنُ غُرُوبِهِ! إِلَى مَتَى فِي حِرْصِهِ عَلَى الْفَانِي وَدَؤُوْبِهِ؟! مَتَى يَرُدُّ يُوسُفُ قَلْبَهُ عَلَى يَعْقُوبِهِ؟! لَقَدْ وَعَظَهُ الزَّمَانُ بِفُنُونِ ضُرُوبِهِ، وَحَذَّرَهُ اسْتِلابَهُ بِأَنْوَاعِ خُطُوبِهِ، وَلَقَدْ زَجَرَهُ الْقُرْآنُ بِتَخْوِيفِهِ مَعَ لَذَّةِ أُسْلُوبِهِ، ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾] (^١)
اللَّهُمَّ فَقِّهْنَا فِي الدِّيْنِ، وَعَلِّمْنَا التَّأْوِيْلَ، وَارْزُقْنَا تِلَاوَةَ كِتَابِكَ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ.
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
* * *
_________________
(١) "التبصرة" (ج ١/ صـ: ٩٩).
[ ٢٥٢ ]