• الْحَمْدُ للهِ الَّذِي لَا زَالَ يُسْبِغُ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ خِزَائِنِ رَحْمَتِهِ ويُفِيْضُ، لَا يُهِيْضُ النَّاسُ مَا يَجْبُرُهُ، وَلَا يَجْبُرُونَ مَا يُهِيْضُ، لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ، وَلَيْسَ لِمَا قَضَاهُ نَقْضٌ وَلَا تَقْوِيْضٌ، يَعْلَمُ مَا تَزْدَادُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَغِيْضُ، كَتَبَ عَلَى بِنتِ آدَمَ أَنْ تَحِيْضَ، وَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَحْكَامًا، وَرَكَّبَ فِيْنَا عُقُولًا وَأَفْهَامًا، فَلَكَمْ أُورِدَ عَلَى الْفِقْهِ فِي الدِّيْنِ مِنْ حَضٍّ وَتَحْرِيْضٍ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، عَالِمُ الْجَهْرِ وَالْإِسْرَارِ، ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨]، عَظُمَ لُطْفُهُ بِعِبَادِهِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَفْرَدَ أَحْكَامًا لِذَوِي الْأَعْذَارِ، كَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ وَالْمُسَافِر وَالْمَرِيضِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَنَارَ اللهُ بِهِ السَّبِيْلَ الْمُوْصِلَةَ إِلَيْهِ، فَهِي بِنُورِ هَدْيِهِ لَوَامِعُ بِيْضٌ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ أُولِي الْمَنَاقِبِ الْمَشْهُورَةِ، وَالْفَضَائِلِ الْمَنشُورَةِ الَّتِي أَغْنَاهُمُ اللهُ بِهَا عَنْ كُلِّ مَدْحٍ وَتَقْرِيْضِ، فَلَا يُبْغِضُهُمْ إِلَّا كُلُّ بَغِيْضٍ تَرَدَّى فِي الْحَضِيْضِ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَان، مَا جَرَى عَلَى الْأَلْسُنِ نَثْرٌ أَوْ قَرِيْضٌ، أَمَّا بَعْدُ:
• فَقَد تَقَدَّمَ أَنَّ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ مِنْ مُبْطِلَاتِ الصِّيَامِ، وَهَذِهِ أَهَمُّ مَسَائِلِهِمَا الْمُتَعَلِّقَةِ بِالصِّيَامِ:
الأُولى: أَنَّ الْحَيْضَ وَالنِّفَاسَ يُبْطِلَانِ الصِّيَامَ وَيَمْنَعَانِهِ، وَأَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ تَقْضِيَانِ الصَّوْمَ وَلَا تَقْضِيَانِ الصَّلَاةَ، وَهَذَا بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.
• أما النصُّ فَحَدِيْثُ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَلَيْسَ إِذَا حَاضَتْ لَمْ تُصَلِّ وَلَمْ تَصُمْ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رقم: ٣٠٤، و١٩٥١).
• وعَنْ مُعَاذَةَ، قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵄، فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْحَائِضِ تَقْضِي الصَّوْمَ، وَلَا تَقْضِي الصَّلَاةَ؟! فَقَالَتْ: أَحَرُورِيَّةٌ أَنْتِ؟ قُلْتُ: لَسْتُ بِحَرُورِيَّةٍ، وَلَكِنِّي
[ ١١٢ ]
أَسْأَلُ. قَالَتْ: «كَانَ يُصِيبُنَا ذَلِكَ، فَنُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّوْمِ، وَلَا نُؤْمَرُ بِقَضَاءِ الصَّلَاةِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رقم: ٣٣٥)، وَرَوَى الْبُخَارِيُّ (رقم: ٣٢١) نَحْوَهُ دُونَ ذِكْرِ الصَّوْمِ.
• وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ، مِنْهُمُ: التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ الْمُنْذِرِ، وَابْنُ جَرِيْرٍ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَابْنُ قُدَامَةَ، وَالنَّوَوِيُّ ﵏. (^١)
• قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ لَا يَحِلُّ لَهُمَا الصَّوْمُ، وَأَنَّهُمَا يُفْطِرَانِ رَمَضَانَ، وَيَقْضِيَانِ، وَأَنَّهُمَا إذَا صَامَتَا لَمْ يُجْزِئْهُمَا الصَّوْمُ.
• وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: لَا يَصِحُّ صَوْمُ الْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِمَا، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمَا، وَيَجِبُ قَضَاؤُهُ، وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، وَلَوْ أَمْسَكَتْ لَا بِنِيَّةِ الصَّوْمِ لَمْ تَأْثَمْ، وَإِنَّمَا تَأْثَمُ إذَا نَوَتْهُ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْعَقِدُ. ا. هـ.
• وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: وَحُكْمُ النُّفَسَاءِ حُكْمُ الْحَائِضِ فِي جَمِيعِ مَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا، وَيَسْقُطُ عَنْهَا، لَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا. ا. هـ. (^٢)
• قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀: وَأَمَّا إيجَابُ الصَّوْمِ - يَعْنِي قَضَاءَهُ - عَلَى الْحَائِضِ دُونَ الصَّلَاةِ فَمِنْ تَمَامِ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَحِكْمَتِهَا وَرِعَايَتِهَا لِمَصَالِحِ الْمُكَلَّفِينَ؛ فَإِنَّ الْحَيْضَ لَمَّا كَانَ مُنَافِيًا لِلْعِبَادَةِ لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ فِعْلُهَا، وَكَانَ فِي صَلَاتِهَا أَيَّامَ الطُّهْرِ مَا يُغْنِيهَا عَنْ صَلَاةِ أَيَّامِ الْحَيْضِ، فَيَحْصُلُ لَهَا مَصْلَحَةُ الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ الطُّهْرِ؛ لِتَكَرُّرِهَا كُلَّ يَوْمٍ، بِخِلَافِ الصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لَا يَتَكَرَّرُ، وَهُوَ شَهْرٌ وَاحِدٌ فِي الْعَامِ، فَلَوْ سَقَطَ عَنْهَا فِعْلُهُ بِالْحَيْضِ لَمْ يَكُنْ لَهَا سَبِيلٌ إلَى تَدَارُكِ نَظِيرِهِ، وَفَاتَتْ عَلَيْهَا مَصْلَحَتُهُ، فَوَجَبَ عَلَيْهَا أَنْ تَصُومَ شَهْرًا فِي
_________________
(١) "التمهيد" (ج ٢٢/ صـ: ١٠)، و"المغني" (ج ٣/ صـ: ١٥٢) و"المجموع" (ج ٢/ صـ: ٣٥١، وج ٦ / صـ: ٢٥٧).
(٢) "المغني" (ج ١/ صـ: ٢٥٤).
[ ١١٣ ]
طُهْرِهَا؛ لِتُحَصِّلَ مَصْلَحَةَ الصَّوْمِ الَّتِي هِيَ مِنْ تَمَامِ رَحْمَةِ اللَّهِ بِعَبْدِهِ وَإِحْسَانِهِ إلَيْهِ بِشَرْعِهِ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ا. هـ. (^١)
الثَّانِيَةُ: إذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ أَوِ النُّفَسَاءُ فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ فَلَا يَلْزَمُهَا إمْسَاكُ بَقِيَّتِهِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ.
• قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ مِنَ الْإِمْسَاكِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ صِيَامُ ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَّا مِنَ الْفَجْرِ، وَلِأَنَّ هَؤُلَاءِ يُبَاحُ لَهُمُ الْفِطْرُ أَوَّلَ النَّهَارِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا مَعَ عِلْمِهِمْ بِأَنَّهُ رَمَضَانُ، وَاللَّهُ إِنَّمَا أَوْجَبَ الْإِمْسَاكَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ مِنَ الْفَجْرِ، وَهَؤُلَاءِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْوُجُوبِ، فَلَمْ يَكُونُوا مُطَالَبِيْنَ بِالْإِمْسَاكِ الْمَأْمُورِ بِهِ.
• وَلِأَنَّ اللهَ إِنَّمَا أَوْجَبَ عَلَى الْمُسَافِرِ وَكَذَلِكَ الْحَائِضِ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، بَدَلًا عَنِ الَّتِي أَفْطَرَهَا، وَلَوْ أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْإِمْسَاكَ لَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا أَوْجَبَهُ اللهُ؛ لِأَنَّنَا حِينَئِذٍ أَوْجَبْنَا إِمْسَاكَ هَذَا الْيَوْمِ مَعَ وُجُوبِ قَضَائِهِ، فَأَوْجَبْنَا عَلَيْهِ أَمْرَيْنِ مَعَ أَنَّ الْوَاجِبَ أَحَدُهُمَا، وَهُوَ الْقَضَاءُ عِدَّةً مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ، وَهَذَا مِنْ أَظْهَرِ الْأَدِلَّةِ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ. (^٢)
الثَّالِثَةُ: إِذَا طَهُرَتِ الْحَائِضُ أَوِ النُّفَسَاءُ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَخَّرَتْ غُسْلَهَا إِلَى مَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَلَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ عَلَى صِيَامِهَا، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا، كَمَا تَقَدَّمَ نَظِيْرُهُ فِي الْجُنُبِ إِذَا أَصْبَحَ مِنْ جِمَاعٍ أَوِ احْتِلَامٍ.
الرَّابِعَةُ: يَجُوزُ لِلْمَرَأَةِ أَنْ تَسْتَعْمِلَ دَوَاءً يَقْطَعُ حَيْضَهَا مِنْ أَجْلِ أَنْ تَصُومَ، جَاءَ في "فَتَاوَى اللَّجْنَةِ الدَّائِمَةِ" (الْمَجْمُوعَةِ الْأُوْلَى) (ج ٥/ صـ: ٤٤): يَجُوزُ أَنْ تَسْتَعْمِلَ الْمَرْأَةُ أَدْوِيَةً فِي رَمَضَانَ؛ لِمَنْعِ الْحَيْضِ، إِذَا قَرَّرَ أَهْلُ الْخِبْرَةِ الْأُمَنَاءُ مِنَ الْأَطِبَّاءِ وَمَنْ فِي حُكْمِهِمْ
_________________
(١) "إعلام الموقعين" (ج ٢/ صـ: ٤٦)، وراجع: "الشرح الممتع" (ج ١/ صـ: ٤٧٦).
(٢) "مجموع فتاواه" (ج ١٩/ صـ: ١٠٢ - ١٠٣)، وراجع: "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٢٥٧) للنووي ﵀.
[ ١١٤ ]
أَنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّهَا، وَلَا يُؤَثِّرُ عَلَى جِهَازِ حَمْلِهَا، وَخَيْرٌ لَهَا أَنْ تَكُفَّ عَنْ ذَلِكَ، وَقَدْ جَعَلَ اللهُ لَهَا رُخْصَةً فِي الْفِطْرِ إِذَا جَاءَهَا الْحَيْضُ فِي رَمَضَانَ، وَشَرَعَ لَهَا قَضَاءَ الْأَيَّامِ الَّتِي أَفْطَرَتْهَا، وَرَضِيَ لَهَا بِذَلِكَ دِيْنًا.
• فَإِذَا اسْتَعْمَلَتْهُ وَانقَطَعَ حَيْضُهَا وَجَبَ عَلَيْهَا مَا يَجِبُ عَلَى الْمَرْأَةِ الطَّاهِرَةِ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَغَيْرِهِمَا، وَأُبِيْحَ لَهَا مَا أُبِيْحَ للطَّاهِرَةِ.
الْخَامِسَةُ: قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالَ أَصْحَابُنَا - يَعْنِي: الشَّافِعِيَّةَ -: شُرُوطُ صِحَّةِ الصَّوْمِ أَرْبَعَةٌ: النَّقَاءُ عَنْ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ، وَالْإِسْلَامُ، وَالتَّمْيِيزُ، وَالْوَقْتُ الْقَابِلُ لِلصَّوْمِ.
• قَالَ: وَالْوَقْتُ الْقَابِلُ للصَّوْمِ احْتِرَازًا عَنْ الْعِيدِ وَالتَّشْرِيقِ. ا. هـ. (^١)
• قُلْتُ: وَخَامِسُهَا تَبْيِيْتُ النِّيَّةِ قَبْلَ الْفَجْرِ، كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ، فَلَا يَنبَغِي إِغْفَالُهَا.
وَسَادِسُهَا: الْعَقْلُ، فَتِلْكَ سِتَّةٌ كَامِلَةٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
السَّادِسَةُ: أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ كَالطَّاهِرَةِ فِي أَدَاءِ الْعِبَادَاتِ، لَا تَمْتَنِعُ مِنْ صَلَاةٍ وَلَا صِيَامٍ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا مَا يَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ، نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ. (^٢)
• والتَّفْرِيقُ بَيْنَ الْحَيْضَةِ وَالاسْتِحَاضَةِ أَمْرٌ يُشْكِلُ عَلَى كَثِيْرٍ مِنَ النِّسَاءِ؛ بِسَبَبِ الْجَهْلِ وَعَدَمِ السُّؤَالِ، وَالْوَاجِبُ الْعِنَايَةُ بِهَذَا الْأَمْرِ؛ لِأَنَّ الْإِخْلَالَ بِهِ يَقُودُ إِلَى مَحَاذِيْرَ شَرْعِيَّةٍ عِدَّةٍ، مِنْهَا تَرْكُ الْمُسْتَحَاضَةِ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ بغير عُذْرٍ، أَوْ إِحْدَاثُهُمَا فِي وَقْتِ الْحَيْضَةِ.
• وَمِمَّا يَنبَغِي مَعْرِفَتُهُ فِي هَذَا الْبَابِ:
• أَنَّهُ لَا حَدَّ لِأَقَلِّ الْحَيْضِ وَلَا لِأَكْثَرِهِ، وَلَا لِأَقَلِّ الطُّهْرِ بَيْنَ الْحَيْضَتَيْنِ وَلَا لِأَكْثَرِهِ، وَإِن كَانَ للْمَرْأَةِ الْمُسْتَحَاضَةِ عَادَةٌ مَكَثَتْ قَدْرَهَا، ثُمَّ اغْتَسَلَتْ وَصَلَّتْ وَصَامَتْ إِنْ كَانَ عَلَيْهَا صَوْمٌ، أَوْ أَرَادَتِ التَّنَفُّلَ.
_________________
(١) "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٢٥٤، و٣٧٨).
(٢) راجع: "التمهيد" (ج ١٦/ صـ: ٦٨)، و"شرح النووي على مسلم" (رَقْم: ٣٣٣).
[ ١١٥ ]
• فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ، فَلَا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلَاةَ؟ فَقَالَ: «لَا، إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ، وَلَيْسَ بِالْحَيْضَةِ، فَإِذَا أَقْبَلَتِ الْحَيْضَةُ فَدَعِي الصَّلَاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي». (^١)
• وَيُمْكِنُ التَّمْيِيْزُ بَيْنَ دَمِ الْحَيْضِ وَبَيْنَ دَمِ الاسْتِحَاضَةِ بِأَرْبَعِ عَلَامَاتٍ:
١) اللَّوْنُ، فَدَمُ الْحَيْضِ أَسْوَدُ، وَدَمُ الاسْتِحَاضَةِ أَحْمَرُ.
٢) وَالرَّائِحَةُ، فَدَمُ الْحَيْضِ مُنتِنٌ، وَدَمُ الاسْتِحَاضَةِ رِيْحُهُ رِيْحُ الدَّمِ الْمُعْتَادِ.
٣) وَاللُّزُوجَةُ، فَدَمُ الْحَيْضِ ثَخِيْنٌ، غَلِيْظٌ، وَدَمُ الاسْتِحَاضَةِ رَقِيْقٌ، كَالدَّمِ الْمُعْتَادِ.
٤) وَالتَّجَمُّدُ، فَدَمُ الْحَيْضِ يَتَجَمَّدُ بِبُطْءٍ، وَدَمُ الاسْتِحَاضَةِ سَرِيْعُ التَّجَمُّدِ. (^٢)
السَّابِعَةُ: أَنَّ أَقْصَى مُدَّةِ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا عَلَى قَوْلِ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، إِلَّا أَنْ تَطْهُرَ قَبْلَ ذَلِكَ، هَذَا هُوَ الصَّحِيْحُ؛ لِحَدِيْثِ أَبِي سَهْلٍ، عَنْ مُسَّةَ الأَزْدِيَّةِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَتْ النُّفَسَاءُ تَجْلِسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَرْبَعِينَ يَوْمًا». (^٣)
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٢٢٨، و٣٠٦، و٣٢٠)، ومسلم (رَقْم: ٣٣٣).
(٢) "الشرح الممتع" (ج ١٣/ صـ: ٣٦٦).
(٣) رواه أحمد (رَقْم: ٢٦٥٦١، و٢٦٥٨٤، و٢٦٥٩٢، و٢٦٦٣٨)، وأبو داود (رَقْم: ٣١١)، والترمذي (رَقْم: ١٣٩)، وابن ماجه (رَقْم: ٦٤٨). • وأبو سهل هو كثير بن زياد، ثقة، وَقد أعلَّ جماعةٌ هذا الحديثَ بجهالة مُسَّةَ هذه، والجواب عن ذلك ما قاله ابن الملقن في "البدر المنير" (ج ٣/ صـ: ١٤١): قد روى عنها جماعات: كثير بن زياد، والحكم بن عتيبة، وزيد بن علي بن الحسين، رواه البيهقي عن الحاكم، وروى أيضًا محمد بن كناسة، عن محمد بن عبيد الله العرزمي، عن الحسن، عن مسة أيضًا، فهؤلاء أربعة رووا عنها، فارتفعت جهالة عينها. • وأما جهالةُ حالها، فهي مرتفعة ببناء البخاري على حديثها، وتصحيح الحاكم لإسناده، فأقل أحواله أن يكون حسنًا، لا جرم قال النوويُّ في "خلاصته": قول جماعة من مصنفي الفقهاء: إن هذا الحديث ضعيف؛ مردود عليهم. ا. هـ. • وقد صحح هذا الحديثَ: الحاكمُ (رَقْم: ٦٢٢)، ووافقه الذهبي، وقوَّاه البيهقي، وحسنه النووي في "المجموع" (ج ٢/ صـ: ٥٢٥)، وأقره الحافظ ابن حجر، وكذا حسنه الألباني في "الإرواء" (رَقْم: ٢٠١)، وفي "صحيح أبي داود" (رَقْم: ٣٢٩)، وقال في "الثمر المستطاب" (صـ: ٤٧): له شواهد كثيرة، لا ينزل بها عن مرتبة الحسن لغيره. ا. هـ. • ثم ذكر له شواهد مرفوعة، وموقوفة، فيها ذكر التوقيت بأربعين يومًا، فلتراجع، وليراجع أيضًا: "تحقيق المسند" (ج ٤٤/ صـ: ١٨٦ - ١٨٨).
[ ١١٦ ]
• قَالَ التِّرْمِذِيُّ ﵀: وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَالتَّابِعِينَ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ عَلَى أَنَّ النُّفَسَاءَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إِلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَغْتَسِلُ وَتُصَلِّي، فَإِذَا رَأَتِ الدَّمَ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ فَإِنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ العِلْمِ قَالُوا: لَا تَدَعُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الأَرْبَعِينَ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الفُقَهَاءِ، وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، وَابْنُ المُبَارَكِ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ، وَإِسْحَاقُ. ا. هـ.
• وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ ﵀: وَالْأَدِلَّةُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ أَكْثَرَ النِّفَاسِ أَرْبَعُونَ يَوْمًا مُتَعَاضِدَةٌ، بَالِغَةٌ إلَى حَدِّ الصَّلَاحِيَّةِ وَالِاعْتِبَارِ، فَالْمَصِيرُ إلَيْهَا مُتَعَيِّنٌ، فَالْوَاجِبُ عَلَى النُّفَسَاءِ وُقُوفُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، إلَّا أَنْ تَرَى الطُّهْرَ قَبْلَ ذَلِكَ. ا. هـ. (^١)
• وَأَمَّا أَقَلُّ النِّفَاسِ، فَلَا حَدَّ لِأَقَلِّهِ.
• وَأَمَّا الرِّدَّةُ فَإِنَّهَا تُبْطِلُ الصَّوْمَ وَتُحْبِطُ الْعِبَادَةَ إِذَا اتَّصَلَتْ بَالْمَوْتِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ. (^٢)
_________________
(١) "نيل الأوطار" (ج ١/ صـ: ٣٥٢).
(٢) "المجموع" (ج ٢/ صـ: ٦٣).
[ ١١٧ ]
• أَمَّا النَّصُّ فَقَوْلُهُ ﷿: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥].
• وقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ﵀: لَا نَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي أَنَّ مِنْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ فِي أَثْنَاءِ الصَّوْمِ أَنَّهُ يُفْسِدُ صَوْمَهُ، وَعَلَيْهِ قَضَاءُ ذَلِكَ الْيَوْمِ إذَا عَادَ إلَى الْإِسْلَامِ، سَوَاءٌ أَسْلَمَ فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ، أَوْ بَعْدَ انْقِضَائِهِ، وَسَوَاءٌ كَانَتْ رِدَّتُهُ بِاعْتِقَادِهِ مَا يَكْفُرُ بِهِ، أَوْ شَكِّهِ فِيمَا يَكْفُرُ بِالشَّكِّ فِيهِ، أَوْ بِالنُّطْقِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ، مُسْتَهْزِئًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَهْزِئٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦]؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ مِنْ شَرْطِهَا النِّيَّةُ، فَأَبْطَلَتْهَا الرِّدَّةُ، كَالصَّلَاةِ وَالْحَجِّ، وَلِأَنَّهُ عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ، فَنَافَاهَا الْكُفْرُ، كَالصَّلَاةِ. ا. هـ. (^١)
• إِخْوَانِي، احْرِصُوا عَلَى أَوْقَاتِ هَذَا الشَّهْرِ وَاغْتَنِمُوهَا، وَاعْرِفُوا حَقَّهَا وَلَا تُضَيِّعُوهَا.
• [آهٍ لِنَفْسِ لَا تَعْقِلُ أَمْرَهَا، ثُمَّ قَدْ جَهِلَتْ قَدْرَهَا، تُضَيِّعُ فِي الْمَعَاصِي عُمْرَهَا، وَتَخُوضُ مِنَ الذُّنُوبِ غَمْرَهَا، أَسَفًا لأَيَّامٍ مَضَتْ فِي الذُّنُوبِ وَتَوَلَّتْ، تَحَكَّمَتْ فِيهَا النَّفْسُ فَأَفْسَدَتْهَا إِذْ تَوَلَّتْ، وَعَلَى سَاعَاتٍ فِي طِلابِ الْهَوَى هَوَتْ وَاضْمَحَلَّتْ، حَسْرَةٌ عَنْ حَسِيرٍ ذَهَبَتْ وَحَلَّتْ، آهٍ لِشَيْبٍ كَانَ الشَّبَابُ مِنْهُ أَصْلَحَ، وَلِذِي عَيْبٍ مَا قَرَمَهُ الْعِتَابُ وَلَا أَصْلَحَ، وَلِمُفَرِّطٍ يَخْسَرُ كُلَّ يَوْمٍ وَلا يَرْبَحُ، وَلِمُتَخَبِّطٍ فِي ظَلامِ الظُّلْمِ وَالصَّبَاحُ قَدْ أَصْبَحَ.
قَدْ تَنَاهَتْ فِي بَلائِي حِيلَتِي … وَبَلائِي كُلُّهُ مِنْ قِبَلِي
كُلَّمَا قُلْتُ تَجَلَّتْ غُمَّتِي … عُدْتُ فِي ثَانِيَةٍ لا تَنْجَلِي
لَعِبَتْ بِي شَهَوَاتِي وَانْقَضَتْ … لِي حَيَاتِي فِي غُرُورِ الأَمَلِ
_________________
(١) "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٣٣).
[ ١١٨ ]
وَأَحَلَّتْ بِي ذُنُوبِي سَقَمًا … كَيْفَ لِي بِالْبُرْءِ مِنْهُ كَيْفَ لِي
قَدْ رَمَتْنِي سَيِّئَاتِي وَالْهَوَى … بِسِهَام فَأَصَابَتْ مَقْتَلِي
وَأَتَى شَيْبِي وَحَالِي كَالَّذِي … كُنْتُ فِيهِ فِي الزَّمَانِ الأَوَّلِ] (^١)
• اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَنَا خَطِيئَاتِنَا وَجَهْلَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرنَا، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنَّا، اللهُمَّ اغْفِرْ لَنَا جِدَّنا وَهَزْلَنَا، وَخَطَئَنَا وَعَمْدَنَا، وَكُلُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا، اللهُمَّ اغْفِرْ لَنَا مَا قَدَّمْنَا وَمَا أَخَّرْنَا، وَمَا أَسْرَرْنَا وَمَا أَعْلَنَّا، وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّا، أَنْتَ الْمُقَدِّمُ وَأَنْتَ الْمُؤَخِّرُ، وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِير
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
* * *
_________________
(١) "التبصرة" (ج ١/ صـ: ٣٧٣).
[ ١١٩ ]