• الْحَمْدُ للهِ الْغَفُورِ الْوَدُودِ، الَّذِيْ أَخْرَجَنَا مِنَ الْعَدَمِ إِلَى حَيِّزِ الْوُجُودِ، وَلَمْ يَزَلْ يُسْبِغُ نِعَمَهُ عَلَى عِبَادِهِ وَيَجُودُ، جَعَلَنَا مِنْ أَهْلِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، وَالْقَائِمَيْنَ عَلَى مَا شَرَعَهُ وَمَا حَدَّهُ لَنَا مِنَ الْحُدُودِ، وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا، وَمَا كُنَّا لِنَقْوَى لَوْلَا حَوْلُهُ وَقُوَّتُهُ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْ أَسْرِ الشَّيْطَانِ وَشَرَكِهِ وَالْقُيُودِ، نَحْمَدُهُ ﷾ حَمْدًا غَيْرَ مَحْصُورٍ وَلَا مَعْدُودٍ، وَنَسْأَلُهُ ﷿ أَنْ يُبَلِّغَنَا الْمَأْمُولَ مِنْ رِضَاهُ وَالْمَقْصُودَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، الْمُسْتَعَانُ الْمَعْبُودُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَاحِبُ الْمَقَامِ الْمَحْمُودِ، وَالْحَوْضِ الْمَوْرُودِ، وَالْوَسِيْلَةِ فِي جَنَّاتِ الْخُلُودِ، صَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِيْنَ كَانُوا للهِ وَلِرَسُوْلِهِ نِعْمَ الْأَنصَارُ وَالْجُنُودُ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ الْمَشْهُودِ، أَمَّا بَعْدُ:
• فَإِنَّ اللهَ ﷾ إِنَّمَا خَلَقَ الْجِنَّ وَالْإِنسَ لِعِبَادَتِهِ، كَمَا قَالَ ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].
• قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ الْمُبَارَكِ الْعَظِيْمِ النَّفْعِ "رِيَاضِ الصَّالِحِيْنَ": «وَهَذا تَصْريحٌ بِأَنَّهُمْ خُلِقوا لِلعِبَادَةِ، فَحَقَّ عَلَيْهِمُ الاعْتِنَاءُ بِمَا خُلِقُوا لَهُ، وَالإعْرَاضُ عَنْ حُظُوظِ الدُّنْيَا بالزَّهَادَةِ، فَإِنَّهَا دَارُ نَفَادٍ لَا مَحَلُّ إخْلَادٍ، وَمَرْكَبُ عُبُورٍ لَا مَنْزِلُ حُبُورٍ، ومَشْرَعُ انْفصَامٍ لَا مَوْطِنُ دَوَامٍ؛ فلِهذا كَانَ الأَيْقَاظُ مِنْ أَهْلِهَا هُمُ الْعُبَّادُ، وَأعْقَلُ النَّاسِ فيهَا هُمُ الزُّهَّادُ، قالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: ٢٤]».
[ ٢٣١ ]
• وَقَدْ جَعَلَ اللهُ ﷾ لِلْمُكَلَّفِ مِنَ الْأَسْبَابِ مَا يُعِيْنُهُ عَلَى طَّاعَةِ رَبِّهِ وَعِبَادَتِهِ، وَالثَّبَاتِ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَلْقَاهُ، وَهَذِهِ أَهَمُّ تِلْكَ الْأَسْبَابِ وَالْمُعِيْنَاتِ الَّتِي تُعِيْنُ عَلَى عِبَادَةِ اللهِ ﷾، لَا سِيَّما فِي هَذَا الشَّهْرِ الْمُبَارَكِ، شَهْرِ رَمَضَانَ:
الأُولَى: الاسْتِعَانَةُ بِاللَّهِ ﷿، كَمَا فِي قَوْلِهِ ﷿: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥].
• فَذِكْرُ الاسْتِعَانَةِ بَعْدَ الْعِبَادَةِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ هُوَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ؛ لِلتَّنبِيْهِ عَلَى فَضْلِ وَشَرَفِ الْخَاصِّ، وَذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَا سَبِيْلَ إِلَى عِبَادَةِ اللهِ ﷿ إِلَّا بِعَوْنِهِ وَتَوْفِيْقِهِ.
إِذَا لَمْ يَكُنْ عَوْنٌ مِنَ اللهِ لِلْفَتَى … فَأَوَّلُ مَا يَجْنِي عَلَيْهِ اجْتِهَادُهُ
• وَلِهَذَا قَالَ قَتَادَةُ ﵀ فِي تَفْسِيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ: «يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُخْلِصُوا لَهُ الْعِبَادَةَ، وَأَنْ تَسْتَعِينُوهُ عَلَى أَمَرَكُمْ». أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَفْسِيْرِهِ (ج ١/ صـ: ٢٩).
• قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀: وَقُدِّمَ الْمَفْعُولُ، وَهُوَ: ﴿إِيَّاكَ﴾، وَكُرِّرَ؛ لِلِاهْتِمَامِ وَالْحَصْرِ، أَيْ: لَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاكَ، وَلَا نَتَوَكَّلُ إِلَّا عَلَيْكَ، وَهَذَا هُوَ كَمَالُ الطَّاعَةِ، وَالدِّينُ يَرْجِعُ كُلُّهُ إِلَى هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ، وَهَذَا كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْفَاتِحَةُ سِرُّ الْقُرْآنِ، وَسِرُّهَا هَذِهِ الْكَلِمَةُ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، فَالْأَوَّلُ تَبَرُّؤٌ مِنَ الشِّرْكِ، وَالثَّانِي تَبَرُّؤٌ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ، وَالتَّفْوِيْضُ إِلَى اللَّهِ ﷿.
• وَإِنَّمَا قَدَّمَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ عَلَى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾؛ لِأَنَّ الْعِبَادَةَ لَهُ هِيَ الْمَقْصُودَةُ، وَالِاسْتِعَانَةُ وَسِيلَةٌ إِلَيْهَا، وَالِاهْتِمَامُ وَالْحَزْمُ هُوَ أَنْ يُقَدَّمَ مَا هُوَ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. ا. هـ.
• وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ قَدْ قِيْلَ: إنَّهَا تجْمَعُ سِرَّ الْكُتُبِ الْمُنَزَّلَةِ مِنَ السَّمَاءِ كُلِّها؛ لأنَّ الْخَلقَ إِنَّمَا خُلِقُوا؛ لِيُؤْمَرُوا بالْعَبَادَةِ، كَمَا قَالَ ﷿: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦]، وَإِنَّمَا أُرْسِلَتِ الرُّسُلُ وأُنزلَتِ الْكُتُبُ لِذَلِكَ، فَالْعِبَادَةُ حقُّ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ، وَلَا قُدْرَةَ لِلْعِبَادِ عَلَيْهَا بِدُونِ إِعَانَةِ اللَّهِ لَهُمْ؛ فَلِذَلِكَ كَانَتْ
[ ٢٣٢ ]
هَذِهِ الْكَلِمَةُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ عَبْدِهِ، لِأَنَّ الْعِبَادَةَ حَقُّ اللَّهِ عَلَى عَبْدِهِ، وَالْإِعَانَةُ مِنَ اللَّهِ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى عبْدِهِ. ا. هـ. (^١)
• وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٣٩٥) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «قَالَ اللهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: ٢]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: حَمِدَنِي عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: ٣]، قَالَ اللهُ تَعَالَى: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي، وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: ٤]، قَالَ: مَجَّدَنِي عَبْدِي - وَقَالَ مَرَّةً: فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي - فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥]، قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ، فَإِذَا قَالَ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، قَالَ: هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ».
وَفِيهِ أَيْضًا (رَقْم: ٢٦٦٤) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ، خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ بِاللهِ وَلَا تَعْجِزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ».
• قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَالْمُرَادُ بِالْقُوَّةِ هُنَا: عَزِيمَةُ النَّفْسِ، وَالْقَرِيحَةُ فِي أُمُورِ الْآخِرَةِ، فَيَكُونُ صَاحِبُ هَذَا الْوَصْفِ أَكْثَرَ إِقْدَامًا عَلَى الْعَدُوِّ فِي الْجِهَادِ، وَأَسْرَعَ خُرُوجًا إِلَيْهِ وَذَهَابًا فِي طَلَبِهِ، وَأَشَدَّ عَزِيمَةً فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالصَّبْرِ عَلَى
_________________
(١) "تفسير ابن رجب ﵀ " (ج ١/ صـ: ٦٩). • ولشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم كلام نحوه، راجع: "مجموع الفتاوى" (ج ٨/ صـ: ٧٦، و١٠/ صـ: ١٨، و١٤/ صـ: ٧، و٢٢/ صـ: ٦٠٧)، و"مدارج السالكين" (ج ١/ صـ: ٩٥، وما بعدها).
[ ٢٣٣ ]
الْأَذَى فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَاحْتِمَالِ الْمَشَاقِّ فِي ذَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَرْغَبَ فِي الصَّلَاةِ وَالصَّوْمِ وَالْأَذْكَارِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ، وَأَنْشَطَ طَلَبًا لَهَا وَمُحَافَظَةً عَلَيْهَا. ا. هـ.
• وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ ﵀: فَإِنَّ الْحِرْصَ عَلَى مَا يَنْفَعُ الْعَبْدَ هُوَ طَاعَةُ اللهِ وَعِبَادَتُهُ، إِذْ النَّافِعُ لَهُ هُوَ طَاعَةُ اللهِ، وَلَا شَيْءَ أَنْفَعُ لَهُ من ذَلِكَ، وَكُلُّ مَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى الطَّاعَةِ فَهُوَ طَاعَةٌ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِنسِ الْمُبَاح. ا. هـ. (^١)
• وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَخَذَ بِيَدِهِ، وَقَالَ: «يَا مُعَاذُ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ»، فَقَالَ: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ: لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ: اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وَشُكْرِكَ، وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَغَيْرُهُ. (^٢)
• وَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا الدُّعَاءِ، كَمَا عِنْدَ الْبَزَّارِ (رَقْم: ٢٠٧٥) مِنْ حَدِيْثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁. (^٣)
الثَّانِيَةُ: الاسْتِعَانَةُ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ، كَمَا قَالَ ﷿: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ٤٥ - ٤٦].
• وَالصَّبْرُ، قِيْلَ: الْمُرَادُ بِهِ الصَّوْمُ، كَمَا جَاءَ فِي حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، يَقُولُ: «شَهْرُ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةُ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صَوْمُ الدَّهْرِ».
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (ج ١٠/ صـ: ٣١).
(٢) "سنن أبي داود" (رَقْم: ١٥٢٢)، ورواه أيضًا: أحمد (رَقْم: ٢٢١١٩، و٢٢١٢٦)، والنسائي (رَقْم: ١٣٠٣)، وصححه ابن خزيمة (رَقْم: ٧٥١)، وابن حبان (رَقْم: ٢٠٢٠، و٢٠٢١)، والحاكم (رَقْم: ١٠١٠، و٥١٩٤) على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، فوهما؛ لأن فيه عقبة بن مسلم، وليس من رجالهما، وهو ثقة. وصحح الحديث أيضًا: الألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (رَقْم: ١٥٩٦)، والوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١١٠٧).
(٣) وذكره العلامة الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٨٦٧).
[ ٢٣٤ ]
• وَمِنْ حَدِيْثِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي أُقَيْشٍ، سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُوْلُ: «مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنْ وَحَرِ صَدْرِهِ فَلْيَصُمْ شَهْرَ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ».
• وَفِي رِوَايَةٍ: «صَوْمُ شَهْرِ الصَّبْرِ، وَثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، يُذْهِبْنَ وَحَرَ الصَّدْرِ».
• وَقَدْ تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُمَا فِي ذِكْرِ فَضَائِلِ الصِّيَامِ.
• وَالصَّوَابُ أَنَّهُ عَامٌّ، يَشْمَلُ أَنْوَاعَ الصَّبْرِ الثَّلَاثَةَ، وَهِيَ: الصَّبْرُ عَلَى طَاعَةِ اللهِ، وَالصَّبْرُ عَنْ مَحَارِم اللهِ، وَالصَّبْرُ عَلَى أقْدَارِ اللهِ الْمُؤْلِمَةِ، وَمِنْ أَوْلَى مَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْعُمُومِ: الصَّوْمُ، فَقَدِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ أنْوَاعُ الصَّبْر الثَّلَاثَةُ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي فَضَائِلِ الصِّيَامِ.
• وَأَمَّا الصَّلَاةُ فَإِنَّهَا مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى الثَّبَاتِ فِي الْأَمْرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥]، قَالَهُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀.
• وَقَالَ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة: ١٥٣].
• وَعَنْ صُهَيْبٍ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إِذَا صَلَّى هَمَسَ شَيْئًا، لَا نَفْهَمُهُ، وَلَا يُحَدِّثُنَا بِهِ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فَطِنْتُمْ لِي؟»، قَالَ قَائِلٌ: نَعَمْ. قَالَ: «فَإِنِّي قَدْ ذَكَرْتُ نَبِيًّا مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أُعْطِيَ جُنُودًا مِنْ قَوْمِهِ؟ فَقَالَ: مَنْ يُكَافِئُ هَؤُلَاءِ، أَوْ مَنْ يَقُومُ لِهَؤُلَاءِ، فَأَوْحَى اللهُ إِلَيْهِ: اخْتَرْ لِقَوْمِكَ بَيْنَ إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ أُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ، أَوِ الْجُوعَ، أَوِ الْمَوْتَ، فَاسْتَشَارَ قَوْمَهُ فِي ذَلِكَ، فَقَالُوا: أَنْتَ نَبِيُّ اللهِ، نَكِلُ ذَلِكَ إِلَيْكَ، فَخِرْ لَنَا، فَقَامَ إِلَى صَلَاتِهِ، وَكَانُوا يَفْزَعُونَ إِذَا فَزِعُوا إِلَى الصَّلَاةِ، فَصَلَّى، قَالَ: أَمَّا عَدُوٌّ مِنْ غَيْرِهِمْ فَلَا، أَوِ الْجُوعُ فَلَا، وَلَكِنِ الْمَوْتُ. فَسُلِّطَ عَلَيْهِمُ الْمَوْتُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، فَمَاتَ مِنْهُمْ سَبْعُونَ أَلْفًا، فَهَمْسِي الَّذِي تَرَوْنَ أَنِّي
[ ٢٣٥ ]
أَقُولُ: اللهُمَّ يَا رَبِّ، بِكَ أُقَاتِلُ، وَبِكَ أُصَاوِلُ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ. (^١)
• وَالشَّاهِدُ مِنْهُ قَوْلُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَكَانُوا يَفْزَعُونَ إِذَا فَزِعُوا إِلَى الصَّلَاةِ».
الثَّالِثَةُ: اسْتِحْضَارُ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، وَثَمَرَةِ النَّصَبِ وَالتَّعَبِ وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ عَلَى طَاعَةِ اللهِ ﷿، وَاسْتِحْضَارُ عُقُوبَةِ اللهِ ﷿ لِلْعُصَاةِ وَالْمُفَرِّطِيْنَ.
• وَهَذَا بَابٌ يَطُولُ جِدًّا، سَوَاءٌ مَا يَتَعَلَّقُ بِثَوَابِ الطَّاعَةِ، وَعِقَابِ الْمَعْصِيَةِ عُمُومًا، أَوْ مَا وَرَدَ مَخْصُوصًا بِأَعْمَالٍ مُعَيَّنَةٍ، وَحَسْبُنَا فِي هَذَا الْمَقَامِ أَنْ نَقْتَصِرَ عَلَى:
• قَوْلِهِ ﷿: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ [آل عمران: ٥٦ - ٥٧]، وَقَوْلِهِ ﷿: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٩٧]، وَقَوْلِهِ ﷿: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤]، وَقَوْلِهِ ﷿: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩) وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: ٣٧ - ٤١].
• قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀: وَقَدْ أَجْمَعَ عُقَلَاءُ كُلِّ أُمَّةٍ عَلَى أَنَّ النَّعِيْمَ لَا يُدْرَكُ بِالنَّعِيْمِ، وَأَنَّ مَنْ آثَرَ الرَّاحَةَ فَاتَتْهُ الرَّاحَةُ، وَأَنَّ بِحَسَبِ رُكُوبِ الْأَهْوَالِ وَاحْتِمَالِ الْمَشَاقِّ
_________________
(١) "المسند" (رَقْم: ١٨٩٣٧، و٢٣٩٢٧). وصححه ابن حبان (رَقْم: ١٩٧٥)، والضياء في "المختارة" (ج ٨/ صـ: ٥٩ - ٦١) (رَقْم: ٥١، و٥٢، و٥٣)، والألباني في "الصحيحة" (رَقْم: ١٠٦١)، والوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٥٠٨).
[ ٢٣٦ ]
تَكُونُ الْفَرْحَةُ وَاللَّذَّةُ، فَلَا فَرْحَةَ لِمَنْ لَا هَمَّ لَهُ، وَلَا لَذَّة لِمَنْ لَا صَبْرَ لَهُ، وَلَا نَعِيْمَ لِمَنْ لَا شَقَاءَ لَهُ، وَلَا رَاحَة لِمَنْ لَا تَعَبَ لَهُ، بَلْ إِذَا تَعِبَ الْعَبْدُ قَلِيلًا اسْتَرَاحَ طَويْلًا، وَإِذا تَحَمَّلَ مَشَقَّةَ الصَّبْر سَاعَةً قَادَهُ لِحَيَاةِ الْأَبَدِ، وَكُلُّ مَا فِيهِ أَهْلُ النَّعيم الْمُقِيم فَهُوَ صَبْرُ سَاعَةٍ، وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ، وَلَا قُوَّة إِلَّا بِاللَّهِ، وَكُلَّمَا كَانَتِ النُّفُوسُ أَشْرَفَ وَالْهِمَّةُ أَعْلَى كَانَ تَعَبُ الْبَدَنِ أَوْفَرَ، وَحَظُّهُ مِنَ الرَّاحَةِ أَقَلَّ، كَمَا قَالَ الْمُتَنَبِّي:
وَإِذَا كَانَتِ النُّفُوسُ كِبَارًا … تَعِبَتْ فِي مُرَادِهَا الْأَجْسَامُ
• وَقَالَ ابْن الرُّومِيِّ:
قَلْبٌ يُطِلُّ عَلَى أَفْكَارِهِ وَيَدٌ … تُمْضِي الْأُمُورَ وَنَفسٌ لَهْوُهَا التَّعَبُ
• وَقَالَ مُسلم فِي صَحِيحِهِ: قَالَ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيْرٍ: لَا يُنَالُ الْعِلْمُ بِرَاحَةِ الْبَدَنِ. وَلَا رَيْبَ عِنْدَ كُلِّ عَاقِلٍ أَنَّ كَمَالَ الرَّاحَةِ بِحَسَبِ التَّعَبِ، وَكَمَالَ النَّعيمِ بِحَسَبِ تَحَمُّلِ الْمَشَاقِّ فِي طَرِيْقِهِ، وَإِنَّمَا تَخْلُصُ الرَّاحَةُ وَاللَّذَّةُ وَالنَّعِيمُ فِي دَار السَّلَام، فَأَمَّا فِي هَذِهِ الدَّار فَكَلَّا، وَلَمَّا.
• وَقَالَ أَيْضًا: وَعَلَى حَسَبِ مُلَاحَظَةِ حُسْنِ الْجَزَاءِ وَالْوُثُوقِ بِهِ وَمُطَالَعَتِهِ يُخَفَّفُ حِمْلُ الْبَلَاءِ؛ لِشُهُودِ الْعِوَضِ، وَهَذَا كَمَا يَخِفُّ عَلَى كُلِّ مُتَحَمِّلٍ مَشَقَّةً عَظِيمًا حَمْلُهَا، لِمَا يُلَاحِظُهُ مِنْ لَذَّةِ عَاقِبَتِهَا وَظَفَرِهِ بِهَا، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَتَعَطَّلَتْ مَصَالِحُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَمَا أَقْدَمَ أَحَدٌ عَلَى تَحَمُّلِ مَشَقَّةٍ عَاجِلَةٍ إِلَّا لِثَمَرَةٍ مُؤَجَّلَةٍ، فَالنَّفْسُ مُولَعَةٌ بِحُبِّ الْعَاجِلِ، وَإِنَّمَا خَاصَّةُ الْعَقْلِ: تَلَمُّحُ الْعَوَاقِبِ، وَمُطَالَعَةُ الْغَايَاتِ.
عَلَى قَدْرِ أَهْلِ الْعَزْمِ تَأْتِي الْعَزَائِمُ … وَتأتي علَى قَدْرِ الكِرامِ المَكارمُ
وَتَعْظُمُ فِي عَيْنِ الصَّغِيرِ صِغَارُهَا … وَتَصْغُرُ فِي عَيْنِ الْعَظِيْمِ الْعَظَائِمُ
• وَالْقَصْدُ: أَنَّ مُلَاحَظَةَ حُسْنِ الْعَاقِبَةِ تُعِينُ عَلَى الصَّبْرِ فِيمَا تَتَحَمَّلُهُ بِاخْتِيَارِكَ
[ ٢٣٧ ]
وَغَيْرِ اخْتِيَارِكَ. ا. هـ. (^١)
الرَّابِعَةُ: قِصَرُ الأَمَلِ؛ فَإِنَّهُ يَبْعَثُ عَلَى تَذَكُّرِ الْمَوْتِ وَالْآخِرَةِ وَالْعَمَلِ لَهَا.
• قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀: فَأَمَّا قِصَرُ الْأَمَلِ، فَهُوَ: الْعِلْمُ بِقُرْبِ الرَّحِيلِ، وَسُرْعَةِ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الْحَيَاةِ، وَهُوَ مِنْ أَنْفَعِ الْأُمُورِ لِلْقَلْبِ، فَإِنَّهُ يَبْعَثُهُ عَلَى مُعَاصَفَةِ الْأَيَّامِ، وَانْتِهَازِ الْفُرَصِ الَّتِي تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ، وَمُبَادَرَةِ طَيِّ صَحَائِفِ الْأَعْمَالِ، وَيُثِيرُ سَاكِنَ عَزَمَاتِهِ إِلَى دَارِ الْبَقَاءِ، وَيَحُثُّهُ عَلَى قَضَاءِ جَهَازِ سَفَرِهِ، وَتَدَارُكِ الْفَارِطِ، وَيُزَهِّدُهُ فِي الدُّنْيَا، وَيُرَغِّبُهُ فِي الْآخِرَةِ، فَيَقُومُ بِقَلْبِهِ إِذَا دَاوَمَ مُطَالَعَةَ قِصَرِ الْأَمَلِ شَاهِدٌ مِنْ شَوَاهِدِ الْيَقِينِ، يُريْهِ فَنَاءَ الدُّنْيَا، وَسُرْعَةَ انْقِضَائِهَا، وَقِلَّةَ مَا بَقِيَ مِنْهَا، وَأَنَّهَا قَدْ تَرَحَّلَتْ مُدْبِرَةً، وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا صُبَابَةٌ كَصُبَابَةِ الْإِنَاءِ يَتَصَابُّهَا صَاحِبُهَا، وَأَنَّهَا لَمْ يَبْقَ مِنْهَا إِلَّا كَمَا بَقِيَ مِنْ يَوْمٍ صَارَتْ شَمْسُهُ عَلَى رُءُوسِ الْجِبَالِ، وَيُرِيهِ بَقَاءَ الْآخِرَةِ وَدَوَامَهَا، وَأَنَّهَا قَدْ تَرَحَّلَتْ مُقْبِلَةً، وَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا وَعَلَامَاتُهَا، وَأَنَّهُ مِنْ لِقَائِهَا كَمُسَافِرٍ خَرَجَ صَاحِبُهُ يَتَلَقَّاهُ، فَكُلٌّ مِنْهُمَا يَسِيرُ إِلَى الْآخَرِ، فَيُوشِكُ أَنْ يَلْتَقِيَا سَرِيعًا.
• قَالَ: وَيَكْفِي فِي قِصَرِ الْأَمَلِ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: ٢٠٥ - ٢٠٧]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: ٤٦]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٣ - ١١٤]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا﴾ [طه:
_________________
(١) "مدارج السالكين" (ج ٢/ صـ: ١٦٦)، وفي البيتين الأخيرين اختلاف يسير، أصلحته من ديوان المتنبي.
[ ٢٣٨ ]
١٠٣ - ١٠٤]، وَمَرَّ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِبَعْضِ أَصْحَابِهِ، وَهُمْ يُعَالِجُونَ خُصًّا لَهُمْ قَدْ وَهَى، فَهُمْ يُصْلِحُونَهُ، فَقَالَ: «مَا هَذَا؟». قَالُوا: خُصٌّ لَنَا قَدْ وَهَى، فَنَحْنُ نُعَالِجُهُ، فَقَالَ: «مَا أَرَى الْأَمْرَ إِلَّا أَعْجَلَ مِنْ هَذَا». (^١)
• قَالَ: وَقِصَرُ الْأَمَلِ بِنَاؤُهُ عَلَى أَمْرَيْنِ: تَيَقُّنِ زَوَالِ الدُّنْيَا وَمُفَارَقَتِهَا، وَتَيَقُّنِ لِقَاءِ الْآخِرَةِ وَبَقَائِهَا وَدَوَامِهَا، ثُمَّ يُقَايِسُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَيُؤْثِرُ أَوْلَاهُمَا بِالْإِيثَارِ. (^٢)
• وَقَالَ ﵀: وَمِفْتَاحُ الِاسْتِعْدَادِ لِلْآخِرَةِ: قِصَرُ الْأَمَلِ، وَمِفْتَاحُ كُلِّ خَيْرٍ: الرَّغْبَةُ فِي اللهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ، وَمِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ: حُبُّ الدُّنْيَا وَطُولُ الْأَمَلِ. ا. هـ. (^٣)
• وَقَالَ: فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنفَعُ مِنْ قِصَرِ الْأَمَلِ، وَلَا أَضَرَّ مِنَ التَّسْوِيْفِ وَطُوْلِ الْأَمَلِ. (^٤)
• وَفِي صَحِيْحِ الْبُخَارِيِّ (رَقْم: ٦٤١٦) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: أَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِمَنْكِبِي، فَقَالَ: «كُنْ فِي الدُّنْيَا كَأَنَّكَ غَرِيبٌ أَوْ عَابِرُ سَبِيلٍ».
• وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ يَقُولُ: «إِذَا أَمْسَيْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلَا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ».
_________________
(١) رواه أحمد (رَقْم: ٦٥٠٢)، وأبو داود (رَقْم: ٥٢٣٥، و٥٢٣٦)، والترمذي (رَقْم: ٢٣٣٥)، وابن ماجه (رَقْم: ٤١٦٠)، بإسناد صحيح على شرط الشيخين، كما قال النووي في"الرياض" (رَقْم: ٤٧٩) والوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٧٨٨). وصححه أيضًا: ابن حبان (رَقْم: ٢٩٩٦، و٢٩٩٧)، والألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (رَقْم: ٣٣٤٣). والخُصُّ هو: البيت المُتَّخَذُ من القَصَب.
(٢) "مدارج السالكين" (ج ١/ صـ: ٤٤٨ - ٤٤٩).
(٣) "حادي الأرواح" (صـ: ٦٩).
(٤) "طريق الهجرتين" (صـ: ٢٧٤).
[ ٢٣٩ ]
الخَامِسَةُ: مُجَالَسَةُ الصَّالِحِيْنَ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «إِنَّمَا مَثَلُ الْجَلِيسِ الصَّالِحِ، وَالْجَلِيسِ السَّوْءِ، كَحَامِلِ الْمِسْكِ، وَنَافِخِ الْكِيرِ، فَحَامِلُ الْمِسْكِ: إِمَّا أَنْ يُحْذِيَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَبْتَاعَ مِنْهُ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ مِنْهُ رِيحًا طَيِّبَةً، وَنَافِخُ الْكِيرِ: إِمَّا أَنْ يُحْرِقَ ثِيَابَكَ، وَإِمَّا أَنْ تَجِدَ رِيحًا خَبِيْثَةً». (^١)
• وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ. (^٢)
• وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ ﷿ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ شَيْئًا، فَأَرَادَ بِهِ خَيْرًا، جَعَلَ لَهُ وَزِيرَ صِدْقٍ، فَإِنْ نَسِيَ ذَكَّرَهُ، وَإِنْ ذَكَرَ أَعَانَهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٢٤٤١٤)، وَأَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ٢٩٣٢)، وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ (رَقْم: ٤٤٩٤)، وَالْأَلْبَانِيُّ في "الصَّحِيْحَةِ" (رَقْم: ٤٨٩).
السَّادِسَةُ: التَّعَاوُنُ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، قَالَ ﷿: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: ٢].
• وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٢٦٦٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَاللهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ».
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٢١٠١، و٥٥٣٤)، ومسلم (رَقْم: ٢٦٢٨).
(٢) "المسند" (رَقْم: ٨٠٢٨، و٨٤١٧)، و"سنن أبي داود" (رَقْم: ٤٨٣٣)، و"سنن الترمذي" (رَقْم: ٢٣٧٨)، وقال: «حديثٌ حسنٌ غريبٌ»، وصححه الحاكم (رَقْم: ٧٣١٩، و٧٣٢٠)، ووافقه الذهبي، وحسنه الألباني في "الصحيحة" (رَقْم: ٩٢٧)، والوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٢٧٢).
[ ٢٤٠ ]
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «الْمُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا». (^١)
السَّابِعَةُ: الاقْتِصَارُ عَلَى الْقَدْرِ الَّذِي يُطَاقُ مِنَ الْعَمَلِ، وَإِعْطَاءُ الْجَسَدِ حَقَّهُ.
• قَالَ ﷿: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦].
• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ، فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا، وَإِنَّ أَحَبَّ الأَعْمَالِ إِلَى اللَّهِ مَا دَامَ وَإِنْ قَلَّ». (^٢)
• قَالَتْ: وَكَانَ أَحَبَّ الدِّينِ إِلَيْهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ. (^٣)
• وَقَالَتْ: «كَانَ عَمَلُهُ دِيْمَةً، وَأَيُّكُمْ يَسْتَطِيعُ مَا كَانَ رَسُولُ اللهِ يَسْتَطِيعُ». (^٤)
• وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٢٦٧٠) عَنْ عَبْدِ اللهِ بن مسعود ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ»، قَالَهَا ثَلَاثًا.
• وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَإِذَا حَبْلٌ مَمْدُودٌ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَقَالَ: «مَا هَذَا الحَبْلُ؟» قَالُوا: هَذَا حَبْلٌ لِزَيْنَبَ، فَإِذَا فَتَرَتْ تَعَلَّقَتْ، فَقَالَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا، حُلُّوهُ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ نَشَاطَهُ، فَإِذَا فَتَرَ فَلْيَقْعُدْ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٥)
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٤٨١، و٢٤٤٦، و٦٠٢٦)، ومسلم (رَقْم: ٢٥٨٥).
(٢) البخاري (رَقْم: ٥٨٦١)، ومسلم (رَقْم: ٧٨٢).
(٣) البخاري (رَقْم: ٤٣)، ومسلم (رَقْم: ٧٨٥).
(٤) البخاري (رَقْم: ١٩٨٧، و٦٤٦٦)، ومسلم (رَقْم: ٧٨٣).
(٥) البخاري (رَقْم: ١١٥٠)، ومسلم (رَقْم: ٧٨٤).
[ ٢٤١ ]
• وَفِي صَحِيْحِ الْبُخَارِيِّ (رقم: ٣٩) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ الدِّينَ يُسْرٌ، وَلَنْ يُشَادَّ الدِّينَ أَحَدٌ إِلَّا غَلَبَهُ، فَسَدِّدُوا وَقَارِبُوا، وَأَبْشِرُوا، وَاسْتَعِينُوا بِالْغَدْوَةِ وَالرَّوْحَةِ وَشَيْءٍ مِنَ الدُّلْجَةِ».
• قَالَ ابْنُ الِقَيِّمِ ﵀: يَعْنِي: اسْتَعِينُوا عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ بِالْأَعْمَالِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ؛ فَإِنَّ الْمُسَافِرَ يَسْتَعِينُ عَلَى قَطْعِ مَسَافَةِ السَّفَرِ بِالسَّيْرِ فِيهَا.
• قَالَ: وَمَا أَمَرَ اللَّهُ بِأَمْرٍ إِلَّا وَلِلشَّيْطَانِ فِيهِ نَزْعَتَانِ: إِمَّا إِلَى تَفْرِيطٍ وَإِضَاعَةٍ، وَإِمَّا إِلَى إِفْرَاطٍ وَغُلُوٍّ، وَدِينُ اللَّهِ وَسَطٌ بَيْنَ الْجَافِي عَنْهُ وَالْغَالِي فِيهِ، كَالْوَادِي بَيْنَ جَبَلَيْنِ، وَالْهُدَى بَيْنَ ضَلَالَتَيْنِ، وَالْوَسَطِ بَيْنَ طَرَفَيْنِ ذَمِيمَيْنِ، فَكَمَا أَنَّ الْجَافِيَ عَنِ الْأَمْرِ مُضَيِّعٌ لَهُ، فَالْغَالِي فِيهِ: مُضَيِّعٌ لَهُ، هَذَا بِتَقْصِيرِهِ عَنِ الْحَدِّ، وَهَذَا بِتَجَاوُزِهِ الْحَدَّ.
• وَقَدْ نَهَى اللَّهُ ﷿ عَنِ الْغُلُوِّ، بِقَوْلِهِ: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٧٧].
• وَالْغُلُوُّ نَوْعَانِ: نَوْعٌ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ مُطِيعًا، كَمَنْ زَادَ فِي الصَّلَاةِ رَكْعَةً، أَوْ صَامَ الدَّهْرَ مَعَ أَيَّامِ النَّهْيِ، أَوْ رَمَى الْجَمَرَاتِ بِالصَّخَرَاتِ الْكِبَارِ الَّتِي يُرْمَى بِهَا فِي الْمَنْجَنِيقِ، أَوْ سَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَشْرًا، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ عَمْدًا.
• وَغُلُوٌّ يُخَافُ مِنْهُ الِانْقِطَاعُ وَالِاسْتِحْسَارُ، كَقِيَامِ اللَّيْلِ كُلِّهِ، وَسَرْدِ الصِّيَامِ الدَّهْرَ أَجْمَعَ، بِدُونِ صَوْمِ أَيَّامِ النَّهْيِ، وَالْجَوْرِ عَلَى النُّفُوسِ فِي الْعِبَادَاتِ وَالْأَوْرَادِ. ا. هـ.
• وَعَنْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ لَهُ: «إِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)
• وَإِعْطَاءُ الْجَسَدِ حَقَّهُ يَكُونُ بِأُمُورٍ، مِنْهَا:
١. عَدَمُ إِجْهَادِهِ فَوْقَ طَاقَتِهِ.
٢. وَأَخْذُ الرَّاحَةِ لَهُ.
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ١٩٧٥، و٥١٩٩، و٦١٣٤)، ومسلم (رَقْم: ١١٥٩).
[ ٢٤٢ ]
٣. وَتَنظِيْمُ الْغِذَاءِ، بِتَجَنُّبِ الْقَدْرِ الزَّائِدِ عَلَى الْمَعِدَةِ، وَتَجْوِيْدِهِ بَانتِقَاءِ النَّافِعِ مِنْهُ، وَمَا أَحْوَجَ النَّاسَ إِلَى هَذَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِنَّهُمْ سَيَتَجَنَّبُونَ بِهِ مَضَرَّةَ التُّخَمَةِ، ويَنتَفِعُونَ بِهِ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ.
• وَيَجِبُ عَلَى الذَّاهِبِ إِلَى الْمَسْجِدِ أَنْ يَتَجَنَّبَ رَائِحَةَ الْفِجْلِ وَالْكُرَّاثِ وَالْبَصَلِ، وَالثُّوْمِ، إما بِتَجَنُّبِ أَكْلِهَا، أَوْ إِزَالَةِ رَائِحَتِهَا بَعْدَ أَكْلِهَا؛ حَتَّى لَا تُوْجَدَ مِنْهُ فِي الْمَسْجِدِ، وَالْأَوَّلُ أَبْرَأُ، وَأَحْوَطُ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ ذَهَبَتْ رَائِحَتُهَا مِنَ الْفَمِ؛ فَرُبَّمَا تَجَشَّأَ رِيْحَهَا، فَكَانَ الْمَحْذُورُ!.
فَعَنْ جَابِرِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالثُّومَ وَالْكُرَّاثَ فَلَا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا، فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَتَأَذَّى مِمَّا يَتَأَذَّى مِنْهُ بَنُو آدَمَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٥٦٤).
• [سُبْحَانَ مَنْ وَفَّقَ لِلتَّوْبَةِ أَقْوَامًا، ثَبَّتَ لَهُمْ عَلَى صِرَاطِهَا أَقْدَامًا، كَفُّوا الأَكُفَّ عَنِ الْمَحَارِمِ احْتِرَامًا، وَأَتْعَبُوا فِي اسْتِدْرَاكِ الْفَارِطِ عِظَامًا، فَكَفَّرَ عَنْهُمْ ذُنُوبًا وَآثَامًا، وَنَشَرَ لَهُمْ بِالثَّنَاءِ عَلَى مَا عَمِلُوا أَعْلامًا، فَهُمْ عَلَى رِيَاضِ الْمَدَائِحِ بِتَرْكِ الْقَبَائِحِ يَتَقَلَّبُونَ، ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].
• كَشَفَ لَهُمْ سِتْرَ الدُّنْيَا فَرَأَوْا عُيُوبَهَا، وَأَلَاحَ لَهُمُ الأُخْرَى فَتَلَمَّحُوا غُيُوبَهَا، وَبَادَرُوا شَمْسَ الْحَيَاةِ يَخَافُونَ غُرُوبَهَا، وَاشْتَغَلُوا بِالطَّاعَاتِ فَحَصَّلُوا مَرْغُوبَهَا، وَحَثَّهُمُ الإِيمَانُ عَلَى الْخَوْفِ، فَمَا يَأْمَنُونَ، ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].
• نَدِمُوا عَلَى الذُّنُوبِ فَنَدَبُوا، وَسَافَرُوا إِلَى الْمَطْلُوبِ فَاغْتَرَبُوا، فَتَأَمَّلْ أَرْبَاحَهُمْ وَتَلَمَّحْ مَا كَسَبُوا، وَاعْلَمْ أَنَّ نَيْلَ النَّصِيبِ بِالنَّصَبِ يَكُونُ، ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].
• نَظَرُوا إِلَى الدُّنْيَا بِعَيْنِ الاعْتِبَارِ، فَعَلِمُوا أَنَّهَا لا تَصْلُحُ لِلْقَرَارِ، وَتَأَمَّلُوا أَسَاسَهَا فَإِذَا هُوَ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ، فَنَغَّصُوا بِالصِّيَامِ لَذَّةَ الْهَوَى بِالنَّهَارِ، وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ
[ ٢٤٣ ]
يَسْتَغْفِرُونَ، ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].
• هَجَرُوا الْمَنَازِلَ الأَنِيقَةَ، وَفَصَمُوا عُرَى الْهَوَى الْوَثِيقَةَ، وَبَاعُوا الْفَانِيَ بِالْبَاقِي وَكَتَبُوا وَثِيقَةً، وَحَمَّلُوا نَجَائِبَ الصَّبْرِ مَا هِيَ لَهُ مُطِيقَةٌ، وَطَلَبُوا الآخِرَةَ - وَاللَّهِ - عَلَى الْحَقِيقَةِ، هَكَذَا يَكُونُ ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].
• أَبْدَانُهُمْ قَلْقَى مِنَ الْجُوعِ وَالضَّرَرِ، وَأَجْفَانُهُمْ قَدْ حَالَفَتْ فِي اللَّيْلِ السَّهَرَ، وَالْقَوْمُ قَدْ تَأَهَّبُوا فَهُمْ عَلَى أَقْدَامِ السَّفَرِ، عَبَرُوا عَلَيْكُمْ وَمَرُّوا لَدَيْكُمْ وَمَا عِنْدَكُمْ خَبَرٌ!، وَتَرَنَّمَتْ حُدَاتُهُمْ لَوْ أَنَّكُمْ تَسْمَعُونَ!، ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].
يَا رَبِّ أَعِنَّا عَلَى السَّيْرِ فِي سِرْبِ النَّجَابَةِ، وَوَفِّقْنَا لِلتَّوْبَةِ وَالإِنَابَةِ، وَافْتَحْ لأَدْعِيَتِنَا أَبْوَابَ الإِجَابَةِ، يَا مَنْ إِذَا سَأَلَهُ الْمُضْطَرُّ أَجَابَهُ، يَا مَنْ يَقُولُ لِلشَّيْءِ: (كُنْ)، فَيَكُونُ، ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].] (^١)
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
* * *
_________________
(١) "التبصرة" (ج ١/ صـ: ٣٩ - ٤١).
[ ٢٤٤ ]