• الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ أَكْمَلَ لَنَا الدِّيْنَ الْقَوِيْمَ وَشَرَعَهُ، وَأَنْعَمَ عَلَيْنَا بِشَهْرِ رَمَضَانَ، فَمَا أَعْظَمَ فَضْلَهُ عَلَيْنَا وَأَوْسَعَهُ! وَأَوْدَعَ لَنَا فِيْهِ مِنْ أَصْنَافِ الْعَمَلِ الصَّالِحِ وَنَوَّعَهُ، فَالْمُفْلِحُ فِيْهِ مَنْ بَادَرَ بِالْأَعْمَالِ وَحَرَصَ عَلَى الْمَنفَعَةِ، وَالْمَحْرُومُ مَنْ غُبِنَ خَيْرَ هَذَا الشَّهْرِ وَضَيَّعَهُ، أَحْمَدُهُ ﷾ حَمْدَ عَبْدٍ أَبْدَى فِي عَفْوِ رَبِّهِ وَرَحْمَتِهِ رَجَاءَهُ وَمَطْمَعَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَلَا يَرْضَى أَنْ يُشْرَكَ أَحَدٌ مَعَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، حَوَى حُسْنَ الْخُلُقِ أَجْمَعَهُ، مَا كَانَ أَعْظَمَ تَقْوَاهُ لِرَبِّهِ وَأَوْرَعَهُ، وَأَسْبَقَهُ إِلَى الْخَيْر وَأَسْرَعَهُ، لَا جَرَمَ أَنَّ اللهَ رَفَعَهُ وَشَفَّعَهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الْمُقْتَفِيْنَ خُطَاهُ، وَالْمُقْتَدِيْنَ بِهُدَاهُ، فَلَا غَرْوَ إِنْ كَانُوا مَعْدِنَ الشَّرَفِ وَمَنبَعَهُ، وَصَحْبِهِ الَّذِيْنَ حَازُوا مِنْ قَصَبِ السَّبْقِ مَا لَا قُدْرَةَ لِمُنصِفٍ أَنْ يَدْفَعَهُ، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا تَوَالَتِ الْفُصُولُ الْأَرْبَعَةُ، أَمَّا بَعْدُ:
• [إِخْوَانِي: هَا هُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ قَدْ مَضَى مِنْهُ الشَّطْرُ، فَاسْتَدْرِكُوا بَاقِيَ الشَّهْرِ؛ فَإِنَّهُ أَشْرَفُ أَوْقَاتِ الدَّهْرِ، وَاحْصُرُوا النُّفُوسَ عَنْ هَوَاهَا بِالْقَهْرِ، وَقَدْ سَمِعْتُمْ بِالْحُورِ الْعِينِ، فَاهْتَمُّوا بِالْمَهْرِ.
• وَاعْلَمُوا أَنَّ النِّصْفَ الأَخِيرَ أَفْضَلُ مِنَ الأَوَّلِ؛ لأَنَّ فِيهِ الْعَشْرَ وَلَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَالأَعْمَالُ تُضَاعَفُ بِشَرَفِ وَقْتِهَا وَمَكَانِهَا.
قَدْ بَلَغَ الشَّهْرُ إِلَى نِصْفِهِ … وَلَيْسَ عَنِّي الشَّهْرُ بِالرَّاضِي
ظَلَمْتُ صَوْمَ الشَّهْرِ فِي حَقِّهِ … يَا وَيْلَتَا! إِنْ عَدَلَ الْقَاضِي
أَتُرَى صَحَّ لَكَ صَوْمُ يَوْم؟! أَتُرَى تَسْلَمُ فِي شَهْرِكَ مِنْ لَوْمٍ؟!
أَيُّهَا الرَّاقِدُ عَنْ فُرْصَتِهِ … مَا يَرُوعُ السَّيْفَ حَتَّى يُشْهَرَا
[ ١٥٠ ]
وَأَبَي الْمَجْدَ لَقَدْ فَازَ بِهِ … سَالِكٌ فِيهِ الطَّرِيقَ الأَوْعَرَا] (^١)
• فَيَنبَغِيْ لَكَ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ أَنْ تَسْتَغِلَّ أَوْقَاتَ هَذَا الشَّهْرِ بِالْمُبَادَرَةِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالحِةِ، وَهَذِهِ وَقْفَةٌ مَعَ بَعْضِهَا:
الأُولى: التَّوْبةُ: وَهِيَ وَاجِبَةٌ مِنْ كُلِّ ذَنبٍ فِي كُلِّ أَوَانٍ، لَا سِيَّمَا فِي رَمَضَانَ، قَالَ ﷿: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٣١].
وَقَالَ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].
• وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٢٧٠٢) عَنِ الْأَغَرِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ».
الثَّانِيَةُ: المحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَوَاتِ فِي أَوْقَاتِهَا وَأَدَاؤُهَا مَعَ الجَمَاعَةِ فِي المسَاجِدِ؛ قَالَ اللهُ ﷿: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣].
• وَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «رَأْسُ الأَمْرِ الإِسْلَامُ، وَعَمُودُهُ الصَّلَاةُ، وَذِرْوَةُ سَنَامِهِ الجِهَادُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيْثِ مُعَاذٍ ﵁. (^٢)
• وَقَالَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»، رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٨٢) مِنْ حَدِيْثِ جَابِرٍ ﵁.
• وَأَدَاؤُهَا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَاجِبٌ، وَيَأْثَمُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا لِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ؛ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ، فَتُقَامَ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا فَيُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، ثُمَّ أَنْطَلِقَ مَعِي بِرِجَالٍ مَعَهُمْ حُزَمٌ مِنْ حَطَبٍ إِلَى قَوْمٍ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ بِالنَّارِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. (^٣)
_________________
(١) "التبصرة" (ج ٢/ صـ: ٨٥ - ٨٦).
(٢) "المسند" (رَقْم: ٢٢٠١٦)، و"سنن الترمذي" (رَقْم: ٢٦١٦). وراجع: "الإرواء" (رَقْم: ٤١٣).
(٣) البخاري (رَقْم: ٦٤٤، و٦٥٧، و٢٤٢٠، و٧٢٢٤)، ومسلم (رَقْم: ٦٥١)، واللفظ له.
[ ١٥١ ]
• وَالصَّلَاةُ أَعْظَمُ شَأْنًا مِنَ الصِّيَامِ، فَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَصُومُ وَهُوَ لَا يُصَلِّي! لَوْ كَانَ صِيَامُهُ نَافِعًا لَحَمَلَهُ عَلَى التَّقْوَى، وَمِنْ أَعْظَمِ التَّقْوَى وَأَوْجَبِهَا: أَدَاءُ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ.
الثَّالِثَةُ: الصِّيَامُ.
الرَّابِعَةُ: حِفْظُ اللِّسَانِ وَسَائِرِ الجَوَارِحِ مِنَ الذُّنُوبِ وَالآثَامِ.
الخَامِسَةُ: القِيَامُ (صَلاةُ التراويح).
السَّادِسَةُ: تَعْجِيْلُ الْفِطْرِ وَالصَّلاةِ بَعْدَ التَّحَقُّقِ مِنْ غُرُوبِ الشَّمْسِ.
السَّابِعَةُ: السِّوَاكُ.
• وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الْخَمْسَةِ، وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ أَحْكَامٍ.
الثَّامِنَةُ: تِلاوَةُ الْقُرْآنِ وَتَدَبُّرُهُ.
التَّاسِعَةُ: الْبَذْلُ وَالإنفَاقُ فِي وُجُوهِ الْبِرِّ.
• وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ هَاتَيْنِ أيضًا، وَسَيَأْتِي - إِنْ شَاءَ اللهُ - مَزِيْدُ بَيَانٍ لِذَلِكَ.
الْعَاشِرَةُ: تَفْطِيْرُ الصَّائِمِ، قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَنْ فَطَّرَ صَائِمًا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِهِ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ الصَّائِمِ شَيْئًا». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ١٧٠٣٣، و٢١٦٧٦)، وَالتِّرْمِذِيُّ (رَقْم: ٨٠٧)، وَابْنُ مَاجَهْ (رَقْم: ١٧٤٦)، مِنْ حَدِيْثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁. (^١)
• قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ ﵀: «يُسْتَحَبُّ أَنْ يَدْعُوَ الصَّائِمَ وَيُفَطِّرَهُ فِي وَقْتِ الْفِطْرِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِي اسْتِحْبَابِهِ؛ لِلْحَدِيثِ». (^٢)
_________________
(١) وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح». • وصححه أيضًا: ابن خزيمة (رَقْم: ٢٠٦٤)، وابن حبان (رَقْم: ٣٤٢٩)، والألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (رَقْم: ١٠٧٨). • وراجع: "تحقيق المسند" (ج ٢٨/ صـ: ٢٦١ - ٢٦٢).
(٢) "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣٦٣).
[ ١٥٢ ]
• وَسُئِلَ الْإِمَامُ ابْنُ بَازٍ ﵀: هَلِ الْمَقْصُودُ بِالصَّائِمِ: الْفَقِيْرُ؟ أَوْ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْأَقَارِبُ وَالْأَصْدِقَاءُ؟ وَهَلْ صِيَامُ التَّطَوُّعِ فِيْهِ نَفْسُ الْأَجْرِ إِذَا فَطَّرَ صَائِمًا؟
• فَأَجَابَ ﵀: الْحَدِيْثُ عَامٌّ، يَعُمٌّ الْغَنِيَّ وَالْفَقِيْرَ، وَالْفَرْضَ وَالنَّفْلَ، وَفَضْلُ اللهِ وَاسِعٌ، ﷾. ا. هـ. (^١)
• وَقَالَ الْإِمَامُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: ظَاهِرُ الْحَدِيْثِ: أَنَّهُ إِذَا فَطَّرَ صَائِمًا وَلَوْ بِتَمْرَةٍ وَاحِدَةٍ فَإِنَّ لَهُ مِثْلَ أَجْرِهِ، وَلِهَذَا يَنبَغِيْ لِلْإِنسَانِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى تَفْطِيْرِ الصُّوَّامِ بِقَدْرِ الْمُسْتَطَاعِ، لَاسِيَّما مَعَ حَاجَتِهِمْ وَفَقْرِهِمْ. ا. هـ. (^٢)
• وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْطِرَ عَلَى رُطَبٍ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى تَمْرٍ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَى مَاءٍ؛ هَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِثُبُوتِ حَدِيْثِ أَنَسِ بْنَ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٌ، فَعَلَى تَمَرَاتٍ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَسَا حَسَوَاتٍ مِنْ مَاءٍ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَغَيْرُهُمْ، وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْحُفَّاظِ، وَأَعَلَّهُ أَبُو حَاتِمٍ، وَأَبُوْ زُرْعَةَ الرَّازِيَّانِ. (^٣)
_________________
(١) "مجموع فتاواه" (ج ٢٥/ صـ: ٢٠٧).
(٢) "مجموع فتاواه ورسائله" (ج ٢٠/ صـ: ٩٣).
(٣) "المسند" (رَقْم: ١٢٦٧٦)، و"سنن أبي داود" (رَقْم: ٢٣٥٦)، و"سنن الترمذي" (رَقْم: ٦٩٦)، وغيرهم من طريق عبد الرزاق، عن جعفر، عن ثابت، عن أنس، به. • قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب»، وقال الدارقطني (رَقْم: ٢٢٧٨): «هذا إسناد صحيح». وكذا قال الضياء في "المختارة" (ج ٤/ صـ: ٤١١ - ٤١٢) (رَقْم: ١٥٨٤، و١٥٨٥)، وصححه الحاكم (رَقْم: ١٥٧٦)، وحسنه الألباني في "الإرواء" (رَقْم: ٩٢٢)، و"الصحيحة" (رَقْم: ٢٨٤٠)، و"صحيح أبي داود" (رَقْم: ٢٠٤٠)، وذكره الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٢٠). • وأعله أبو حَاتِمٍ، وأبو زرعة، كما في "العلل" (رَقْم: ٦٥٢) لابن أبي حاتم، بقولهما: «لا نعلم روى هذا الحديث غير عبد الرزاق، ولا ندري من أين جاء عبد الرزاق؟!»، أي: بهذا الحديث.
[ ١٥٣ ]
الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: الْعُمْرَةُ: قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيْثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. (^١)
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: الْقُعُودُ فِي المَسْجِدِ بَعْدَ صَلاةِ الْفَجْرِ، وَالاشْتِغَالُ بِذِكْرِ اللَّهِ ﷿ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ؛ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «مَنْ صَلَّى الغَدَاةَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كَانَتْ لَهُ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، تَامَّةٍ تَامَّةٍ تَامَّةٍ». (^٢)
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: السُّحُورُ وَتَأْخِيْرُهُ، قَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «تَسَحَّرُوا؛ فَإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيْثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁. (^٣)
• وَهَذَا الْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ، بِالْإِجْمَاعِ، فَقَدْ نَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الْإِجْمَاعَ عَلَى اسْتِحْبَابِ السُّحُورِ، وَعَدَمِ وُجُوبِهِ، مِنْهُم: ابْنُ الْمُنذِرِ، وَابْنُ قُدَامَةَ، وَالنَّوَوِيُّ. (^٤)
• وَالصَّارِفُ لِلْأَمْر الْمَذْكُورِ فِي حَدِيْثِ أَنَسٍ ﵁ هُوَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَنِ الْوِصَالِ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ: فَإِنَّكَ يَا رَسُولَ اللهِ تُوَاصِلُ، قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «وَأَيُّكُمْ مِثْلِي؟ إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي»، فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنِ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا، ثُمَّ يَوْمًا، ثُمَّ رَأَوُا الْهِلَالَ، فَقَالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدتُّكُمْ». كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا. (^٥)
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ١٨٦٣)، ومسلم (رَقْم: ١٢٥٦).
(٢) رواه الترمذي (رَقْم: ٥٨٦) من حديث أنس ﵁، وله شاهد من حديث أبي أمامة ﵁، راجع "الصحيحة" (رَقْم: ٣٤٠٣).
(٣) البخاري (رَقْم: ١٩٢٣)، ومسلم (رَقْم: ١٠٩٥).
(٤) "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٧٣)، و"شرح مسلم" (ج ٧/ صـ: ٢٠٦)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣٦٠)، وراجع: "الفتح" (ج ٤/ صـ: ١٣٩).
(٥) البخاري (رَقْم: ١٩٦٥، و٦٨٥١، و٧٢٤٢)، ومسلم (رَقْم: ١١٠٣).
[ ١٥٤ ]
• قَالَ الْحَافِظُ ﵀: فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ السُّحُورَ لَيْسَ بِحَتْمٍ؛ إِذْ لَوْ كَانَ حَتْمًا مَا وَاصَلَ بِهِمْ؛ فَإِنَّ الْوِصَالَ يَسْتَلْزِمُ تَرْكَ السُّحُورِ، سَوَاءٌ قُلْنَا: الْوِصَالُ حَرَامٌ، أَوْ لَا. ا. هـ.
• قُلْتُ: وَالْوِصَالُ فِي حَقِّ غَيْرِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- مَكْرُوهٌ كَرَاهَةَ تَنزِيْهٍ، فِي أَصَحِّ أَقْوَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ؛ إِذْ لَوْ كَانَ يَحْرُمُ عَلَيْهِمْ مَا وَاصَلَ بِهِمْ، وَلَمَا حَمَلَهُمْ عَلَى فِعْلِ مُحَرَّمٍ. قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلَوْ فَهِمُوا مِنْهُ التَّحْرِيمَ لَمَا اسْتَجَازُوا فِعْلَهُ. ا. هـ. (^١)
• وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نَهَى عَنِ الحِجَامَةِ وَالْمُوَاصَلَةِ، وَلَمْ يُحَرِّمْهُمَا؛ إِبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٢٣٠٧١)، وَأَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ٢٣٧٤) بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ، وَالْجَهَالَةُ بِالصَّحَابِيِّ لَا تَضُرُّ؛ لِأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ عُدُولٌ.
• قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَحَقِيقَةُ الْوِصَالِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ أن يَصُومَ يَوْمَيْنِ فَصَاعِدًا، وَلَا يَتَنَاوَلَ فِي اللَّيْلِ شَيْئًا، لَا مَاءً وَلَا مَأْكُولًا، فَإِنْ أَكَلَ شَيْئًا يَسِيرًا أَوْ شَرِبَ فَلَيْسَ وِصَالًا، وَكَذَا إنْ أَخَّرَ الْأَكْلَ إلَى السَّحَرِ لِمَقْصُودٍ صَحِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ بِوِصَالٍ. ا. هـ. (^٢)
• وَالْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنِ الْوِصَالِ: شَفَقَتُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَلَى أُمَّتِهِ؛ لِئَلَّا يَتَكَلَّفُوا مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ، وَيَضُرُّ بِأَبْدَانِهِمْ؛ وَلِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْوِصَالِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ، وَهِيَ: الْمَلَلُ مِنَ الْعِبَادَةِ، وَالتَّعَرُّضُ لِلتَّقْصِيرِ فِي بَعْضِ وَظَائِفِ الدِّينِ، مِنْ إِتْمَامِ الصَّلَاةِ بِخُشُوعِهَا وَأَذْكَارِهَا وَآدَابِهَا، وَمُلَازَمَةِ الْأَذْكَارِ، وَسَائِرِ الْوَظَائِفِ الْمَشْرُوعَةِ فِي نَهَارِهِ وَلَيْلِه، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ. (^٣)
_________________
(١) "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٧٦).
(٢) "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣٥٧).
(٣) راجع: "شرح مسلم"، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣٥٨).
[ ١٥٥ ]
• وَيَجُوزُ الْوِصَالُ إِلَى السَّحَرِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ؛ لِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٩٦٣، و١٩٦٧) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ﵁، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ، فَلْيُوَاصِلْ حَتَّى السَّحَرِ»، قَالُوا: فَإِنَّكَ تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «إِنِّي لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إِنِّي أَبِيتُ لِي مُطْعِمٌ يُطْعِمُنِي، وَسَاقٍ يَسْقِينِ».
• وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ خِلَافُ الْأَوْلَى، وَلَا فَضِيْلَةَ فِيْهِ، بَلْ يُفَوِّتُ مُسْتَحَبًّا، وَهُوَ تَعْجِيْلُ الْفِطْرِ.
• قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبرِّ: الْمُوَاصِلُ لَا يَنْتَفِعُ بِوِصَالِهِ؛ لِأَنَّ اللَّيْلَ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلصِّيَامِ.
• قاَلَ: وَلَا مَعْنَى لِطَلَبِ الْفَضْلِ فِي الْوِصَالِ إِلَى السَّحَرِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ؛ لِقَوْلِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا عَجَّلُوا الْفِطْرَ». ا. هـ. (^١)
• وَقَوْلُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي»، مَعْنَاهُ: أَنَّ اللهَ يَجْعَلُ فِيْهِ قُوَّةَ مَنْ طَعِمَ وَشَرِبَ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَكَلَ حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ مُّوَاصِلًا.
• وَفِي حَدِيْثِ أَنَسٍ ﵁: «إِنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)
• وَهَذَا مِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا التَّأْوِيلَ وَيَقْطَعُ كُلَّ نِزَاعٍ، فَإِنَّ (ظَلَّ) لَا يَكُونُ إِلَّا فِي النَّهَارِ، وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ الْحَقِيقِيُّ فِي النَّهَارِ، بِلَا شَكٍّ. قَالَهُ النَّوَوِيُّ ﵀.
• وَقَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀: الْمُرَادُ بِهِ: مَا يُغَذِّيهِ اللَّهُ بِهِ مِنْ مَعَارِفِهِ، وَمَا يُفِيضُ عَلَى قَلْبِهِ مِنْ لَذَّةِ مُنَاجَاتِهِ، وَقُرَّةِ عَيْنِهِ بِقُرْبِهِ، وَتَنَعُّمِهِ بِحُبِّهِ وَالشَّوْقِ إِلَيْهِ، وَتَوَابِعِ ذَلِكَ مِنَ الْأَحْوَالِ.
• قَالَ: وَقَدْ يُقَوِّي هَذَا الْغِذَاءُ حَتَّى يُغْنِيَ عَنْ غِذَاءِ الْأَجْسَامِ مُدَّةً مِنَ الزَّمَانِ، كَمَا قِيلَ:
لَهَا أَحَادِيثُ مِنْ ذِكْرَاكَ تَشْغَلُهَا … عَنِ الشَّرَابِ وَتُلْهِيهَا عَنِ الزَّادِ
_________________
(١) "الاستذكار" (ج ٣/ صـ: ٣٣٦)، والحديث متفق عليه عن سهل بن سعد ﵄، وقد تقدم.
(٢) البخاري (رَقْم: ٧٢٤١)، ومسلم (رَقْم: ١١٠٤).
[ ١٥٦ ]
لَهَا بِوَجْهِكَ نُورٌ تَسْتَضِيءُ بِهِ … وَمِنْ حَدِيثِكَ فِي أَعْقَابِهَا حَادِي
إِذَا شَكَتْ مِنْ كَلَالِ السَّيْرِ أَوْعَدَهَا … رُوحُ الْقُدُومِ فَتَحْيَا عِنْدَ مِيعَادِ
• وَمَنْ لَهُ أَدْنَى تَجْرِبَةٍ وَشَوْقٍ يَعْلَمُ اسْتِغْنَاءَ الْجِسْمِ بِغِذَاءِ الْقَلْبِ وَالرُّوحِ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ الْغِذَاءِ الْحَيَوَانِيِّ، وَلَا سِيَّمَا الْمَسْرُورُ الْفَرْحَانُ الظَّافِرُ بِمَطْلُوبِهِ الَّذِي قَدْ قَرَّتْ عَيْنُهُ بِمَحْبُوبِهِ، وَتَنَعَّمَ بِقُرْبِهِ، وَالرِّضَى عَنْهُ، وَأَلْطَافُ مَحْبُوبِهِ وَهَدَايَاهُ وَتُحَفُهُ تَصِلُ إِلَيْهِ كُلَّ وَقْتٍ، وَمَحْبُوبُهُ حَفِيٌّ بِهِ، مُعْتَنٍ بِأَمْرِهِ، مُكْرِمٌ لَهُ غَايَةَ الْإِكْرَامِ، مَعَ الْمَحَبَّةِ التَّامَّةِ لَهُ، أَفَلَيْسَ فِي هَذَا أَعْظَمُ غِذَاءٍ لِهَذَا الْمُحِبِّ؟ فَكَيْفَ بِالْحَبِيبِ الَّذِي لَا شَيْءَ أَجَلُّ مِنْهُ وَلَا أَعْظَمُ وَلَا أَجْمَلُ وَلَا أَكْمَلُ وَلَا أَعْظَمُ إِحْسَانًا إِذَا امْتَلَأَ قَلْبُ الْمُحِبِّ بِحُبِّهِ، وَمَلَكَ حُبُّهُ جَمِيعَ أَجْزَاءِ قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ، وَتَمَكَّنَ حُبُّهُ مِنْهُ أَعْظَمَ تَمَكُّنٍ، أَفَلَيْسَ هَذَا الْمُحِبُّ عِنْدَ حَبِيبِهِ يُطْعِمُهُ وَيَسْقِيهِ لَيْلًا وَنَهَارًا؟. ا. هـ. (^١)
• وَمِمَّا وَرَدَ فِي فَضْلِ السُّحُورِ أَيْضًا: قَوْلُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «فَصْلُ مَا بَيْنَ صِيَامِنَا وَصِيَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ: أَكْلَةُ السَّحَرِ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ١٠٩٦) مِنْ حَدِيثِ عَمْرو بْنِ الْعَاصِ ﵁.
• وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِهَذَا الْحَدِيْثِ عَلَى أَنَّ السُّحُورَ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ. (^٢)
• وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَهُوَ يَتَسَحَّرُ، فَقَالَ: «إِنَّهَا بَرَكَةٌ أَعْطَاكُمُ اللَّهُ إِيَّاهَا، فَلَا تَدَعُوهُ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٢٣١١٣، و٢٣١٤٢)، وَالنَّسَائِيُّ (رَقْم: ٢١٦٢). (^٣)
_________________
(١) "زاد المعاد" (ج ٢/ صـ: ٣١ - ٣٢).
(٢) راجع: "شرح السيوطي على مسلم" (ج ٣/ صـ: ١٩٧)، و"فيض القدير" (ج ٦/ صـ: ٣٩٥).
(٣) وحسن إسناده الألباني ﵀ في "صحيح الترغيب والترهيب" (رَقْم: ١٠٦٩)، وصححه على شرط الشيخين: الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٤٦٩).
[ ١٥٧ ]
• وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «السَّحُورُ أَكْلُهُ بَرَكَةٌ، فَلَا تَدَعُوهُ، وَلَوْ أَنْ يَجْرَعَ أَحَدُكُمْ جُرْعَةً مِنْ مَاءٍ، فَإِنَّ اللهَ ﷿ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُتَسَحِّرِينَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ١١٠٨٦، و١١٣٩٦). (^١)
• وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «نِعْمَ سَحُورُ الْمُؤْمِنِ التَّمْرُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ٢٣٤٥). (^٢)
• قَالَ النَّوَوِيُّ: «يَحْصُلُ السُّحُورُ بِكَثِيرِ الْمَأْكُولِ وَقَلِيلِهِ، وَيَحْصُلُ بِالْمَاءِ أَيْضًا». (^٣)
• وَقَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: «يَحْصُلُ السُّحُورُ بِأَقَلِّ مَا يَتَنَاوَلُهُ الْمَرْءُ مِنْ مَأْكُولٍ وَمَشْرُوبٍ». ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيْثَ. (^٤)
• وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيْرُ السُّحُورِ، فَعَنْ أَنَسٍ ﵁، عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﵁، قَالَ: «تَسَحَّرْنَا مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، ثُمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاةِ». قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَ الأَذَانِ وَالسُّحُورِ؟ قَالَ: «قَدْرُ خَمْسِينَ آيَةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٥)
• قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: «وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَأْخِيرِ السُّحُورِ إِلَى قُبَيْلِ الْفَجْرِ».
• وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ أُمِرْنَا أَنْ نُؤَخِّرَ سُحُورَنَا، وَنُعَجِّلَ فِطْرَنَا، وَأَنْ نُمْسِكَ بِأَيْمَانِنَا عَلَى شَمَائِلِنَا فِي صَلَاتِنَا». رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ، وَغَيْرُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْمَجْلِسِ السَّادِسِ.
• وَاسْتِحْبَابُ تَأْخِيْرِ السُّحُورِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ (^٦)، مَا لَمْ يُخْشَ طُلُوعُ الْفَجْرِ؛ فَإن خَشِيَ طُلُوعَهُ فَلْيُبَادِرْ، قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: فَمَثَلًا إِذَا كَانَ يَكْفِيْهِ رُبُعُ سَاعَةٍ فِي
_________________
(١) وراجع: "الصحيحة" (رَقْم: ١٦٥٤، و٣٤٠٩).
(٢) وصححه ابن حبان (رَقْم: ٣٤٧٥)، والألباني ﵀ في "الصحيحة" (رَقْم: ٥٦٢).
(٣) "المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣٦٠).
(٤) "فتح الباري" (ج ٤/ صـ: ١٤٠).
(٥) البخاري (رَقْم: ١٩٢١)، ومسلم (رَقْم: ١٠٩٧).
(٦) "بداية المجتهد" (ج ٢/ صـ: ٦٩)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣٦٠).
[ ١٥٨ ]
السُّحُورِ فَيَتسَحَّرُ إِذَا بَقِيَ رُبُعُ سَاعَةٍ، وَإِذَا كَانَ يَكْفِيْهِ خَمْسُ دَقَائِقَ فَيَتَسَحَّرُ إِذَا بَقِيَ خَمْسُ دَقَائِقَ؛ أَيْ: يَكُونُ مَا بَيْنَ ابْتِدَائِهِ إِلَى انتِهَائِهِ كَمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَقْتِ الْفَجْرِ. ا. هـ. (^١)
• قُلْتُ: وَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ فَرَاغِهِمْ مِنَ السُّحُورِ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِنَحْوِ سَاعَةٍ وَنِصْفٍ!، أَوْ سَاعَةٍ!، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ؛ يُفَوِّتُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْفَضِيْلَةَ.
• وَالْحِكْمَةُ فِي تَأْخِيْرِهِ كَوْنُ ذَلِكَ أَبْلَغَ فِي الْمَقْصُود؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالسُّحُورِ التَّقَوِّي عَلَى الصَّوْمِ، وَمَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى الْفَجْرِ كَانَ أَعْوَنَ عَلَى الصَّوْمِ؛ فَتَقِلُّ الْمُدَّةُ الَّتِي يُمْسِكُ فِيْهَا. (^٢)
• أَمَّا إِيْقَاعُ الْأَذَانِ قَبْلَ دُخُولِ الْفَجْرِ، وَتَعْجِيْلُ السُّحُورِ بِزَعْمِ الْاحْتِيَاطِ للصَّوْمِ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ مُنكَرَةٌ، تَقَدَّمَ التَّنبِيْهُ عَلَيْهَا.
• وَلْيُعْلَمْ أَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ السُّحُورِ يَبْدَأُ بِدُخُولِ آخْرِ اللَّيْلِ، قُبَيْلَ الصُّبْحِ، فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُشْرَعُ فِيْهِ إِيْقَاعُ الْأَذَانِ الْأَوَّلِ؛ وَالسُّحُورُ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّحَرِ، وَالسَّحَرُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ: آخِرُ اللَّيْلِ، وَحَدَّهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ بِالسُّدُسِ الْأَخِيْرِ، فَيَكُونُ بِتَقْدِيْرِ سَاعَاتِنَا هَذِهِ: قَبْلَ الْفَجْرِ بِنَحْوِ سَاعَةٍ وَخَمْسٍ وَأَرْبَعِيْنَ دَقِيْقَةً، أَوْ سَاعَةٍ وَنِصْفٍ، تَقْرِيْبًا، أَوْ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
• وَمَنْ خَشِيَ أَنْ يَنَامَ عَنْ سَحُورِهِ اسْتُحِبَّ لَهُ اتِّخَاذُ مُنَبِّهٍ؛ لِإِيْقَاظِهِ؛ فَعَن زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا تَسُبُّوا الدِّيكَ؛ فَإِنَّهُ يُوقِظُ لِلصَّلَاةِ». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٢١٦٧٩)، وَأَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ٥١٠١). (^٣)
_________________
(١) "الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ٤٣٤).
(٢) "المغني" (ج ٣/ صـ: ١٧٤)، و"المجموع" (ج ٦/ صـ: ٣٥٩)، و"الفتح" (ج ٤/ صـ: ١٣٨)، و"الشرح الممتع" (ج ٦/ صـ: ٤٣٤).
(٣) وصححه ابن حبان (رَقْم: ٥٧٣١)، والألباني في "صحيح الترغيب والترهيب" (رَقْم: ٢٧٩٧)، والوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٣٥٦).
[ ١٥٩ ]
• وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ (رَقْم: ١٧٠٣٤): قَالَ: لَعَنَ رَجُلٌ دِيكًا صَاحَ عِنْدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا تَلْعَنْهُ؛ فَإِنَّهُ يَدْعُو إِلَى الصَّلَاةِ».
• قَالَ الْعَلَامَةُ ابْنُ عُثَيْمِيْنٍ ﵀: وَفِي هَذَا الْحَدِيْثِ دَلِيْلٌ عَلَى أَنَّهُ يَنبَغِي لِلْإِنسَانِ أَنْ يَتَّخِذَ مَا يُوقِظُهُ للصَّلَاةِ، وَذلِكَ مِثْلُ السَّاعَاتِ الْمُنَبِّهَةِ؛ فَإِنَّ الْإِنسَانَ يَنبَغِي لَهُ أَنْ يَقْتَنِيَ مِنْ هَذِهِ السَّاعَاتِ؛ حَتَّى تُنَبِّهَهُ للصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُدْرِكُ فِيهِ الصَّلَاةَ، وَكَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ يَتَهَاوَنُ فِي هَذَا الْأَمْرِ، يَنَامُ مُعْتَمِدًا عَلَى أَنَّهُ سَيَقُومُ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ، وَلَكِن يَغْلِبُهُ النَّوْمُ، فَإِذَا عَلِمْتَ مِنْ نَفْسِكَ هَذَا فَاجْعَلْ لِنَفْسِكَ مُنَبِّهًا يُنَبِّهُكَ للصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْمَأْمُورُ إِلَّا بِهِ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ، وَأَنْتَ مُثَابٌ عَلَى هَذَا. (^١)
• وَقَالَ شيْخُنَا زَائِدٌ الْوُصَابِيُّ - سَدَّدَهُ اللهُ وَحَفِظَهُ -: وَمِثْلُ هَذَا السُّحُورُ أَيْضًا؛ فَإِنَّهُ عِبَادَةٌ، فَكَم مِنَ النَّاسِ مَنْ يَنَامُ، وَلَا يَسْتَيْقِظُ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ، فَيَصُومُ بِدُونِ سُحُورٍ، فَاقْتِنَاءُ مِثْلِ هَذِهِ الْمُنَبِّهَاتِ أَمْرٌ طَيِّبٌ، يُعِيْنُكَ عَلَى فِعْلِ هَذِهِ السُّنَّةِ، وَهُوَ تَنَاوُلُ السَّحُورِ، لَكِن يَجْتَنِبُ الْمُنَبِّهَاتِ الَّتِي فِيْهَا جَرَسٌ. ا. هـ. (^٢)
• قُلْتُ: وَسَوَاءٌ آلَاتُ التَّنبِيْهِ، أَوِ الْمُنَبِّهَاتُ الَّتِي فِي الْجَوَّالَاتِ، وَأَشَدُّ مِنَ الْجَرَسِ: الْأَغَانِي، فَلَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ الْأَغَانِي نَغَمَاتٍ لِلتَّنبِيْهِ.
وَلَا يَنبَغِي كَذَلِكَ اتِّخَاذُ الْأَذَانِ أَوِ الْقُرْآنِ مُنَبِّهًا؛ لِأَنَّ هَذِهِ شَعَائِرُ، يَجِبُ تَعْظِيْمُهَا.
تَنبِيْهٌ: السُّحُورُ بِضَمِّ السِّيْنِ، هُوَ الْفِعْلُ نَفْسُهُ، أَيِ: التَّسَحُّرُ، وَالسَّحُورُ بِفَتْحِ السِّيْنِ: اسْمُ الَّذِي يُتَسَحَّرُ بِهِ، أَيْ: مِنْ مَأْكُولٍ أَوْ مَشْرُوبٍ. (^٣)
_________________
(١) "شرح رياض الصالحين" (رَقْم: ١٧٣٠).
(٢) "مسك الختام" (ج ٢/ صـ: ٤٣٦).
(٣) راجع: "الزاهر" (ج ١/ صـ: ٤٠)، و"غريب الحديث" (ج ٣/ صـ: ١٣٠)، و"طِلْبَة الطَّلَبَة" (صـ: ٢) (سحر).
[ ١٦٠ ]
• وَيُسَمَّيَ السُّحُورُ أَيْضًا فَلَاحًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيْثِ أَبِي ذَرٍّ ﵁ فِي قِيَامِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي رَمَضَانَ؛ لِأَنَّ الْمُتَسَحِّرَ تَبْقَى مَعَهُ قُوَّتُهُ عَلَى الصَّوْمِ. (^١)
الرَّابعَةَ عَشْرَةَ: الدُّعَاءُ: لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ثَلَاثَةٌ لَا يُرَدُّ دُعَاؤُهُمْ: الْإِمَامُ الْعَادِلُ، وَالصَّائِمُ حَتَّى يُفْطِرَ، وَدَعْوَةُ الْمَظْلُوم». رَوَاهُ أَحْمَدُ (رَقْم: ٩٧٤٣)، وَالتِّرْمِذِيُّ (رَقْم: ٣٥٩٨) وَابْنُ مَاجَهْ (رَقْم: ١٧٥٢) مِنْ حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁. (^٢)
• وَقَوْلُهُ: «حَتَّى يُفْطِرَ»: أَيْ: مَادَامَ صَائِمًا، بِخِلَافِ مَا يَظُنُّهُ كَثِيْرٌ مِنَ النَّاسِ مِنْ أَنَّ وَقْتَ إِجَابَةِ دَعْوَةِ الصَّائِمِ حَالَ إِفْطَارِهِ!.
• وَلَمْ يَثْبُتْ ذِكْرٌ مَخْصُوصٌ يُقَالُ عِنْدَ إْفْطَارِ الصَّائِمِ، وَأَمْثَلُ مَا وَرَدَ فِي الْبَابِ حَدِيْثُ ابْنِ عُمَرَ ﵄، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إِذَا أَفْطَرَ قَالَ: «ذَهَبَ الظَّمَأُ وَابْتَلَّتِ الْعُرُوقُ، وَثَبَتَ الْأَجْرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ». رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَحَسَّنَهُ بَعْضُهُمْ، وفِي سَنَدِهِ مَقَالٌ. (^٣)
_________________
(١) "مقاييس اللغة"، و"المحكم" (فلح).
(٢) وصححه ابن خزيمة (رَقْم: ١٩٠١)، وابن حبان (رَقْم: ٣٤٢٨)، والعلَّامة الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٣٥٨).
(٣) "سنن أبي داود" (رَقْم: ٢٣٥٧) من طريق الحسين بن واقد، عن مروان بن سالم المقفع، عن ابن عمر ﵄، به. • وأخرجه البزار (رَقْم: ٥٣٩٥)، ثم قال: «لا نعلمه يروى عن النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إلا من هذا الوجه، بهذا الإسناد». • وأخرجه الدارقطني (رَقْم: ٢٢٧٩)، ثم قال: «تفرد به الحسين بن واقد، وإسناده حسن». • وكذا قال الألباني ﵀ في "الإرواء" (رَقْم: ٩٢٠). • واستدركه الحاكم على الشيخين (رَقْم: ١٥٣٦)، ثم قال: «هذا حديث صحيح على شرط البخاري، فقد احتج بالحسين بن واقد ومروان بن المقفع». • وتصحف: [البخاري] في المطبوع منه إلى: [الشيخين!]، و[احتج] إلى: [احتجا!]. • والحسين بن واقد من رجال مسلم، وفيه كلام يسير، ولا ينزل حديثه عن رتبه الحسن، لكنه تفرد بهذا الحديث عن مروان بن سالم المقفع، ومروان هذا تفرد ابن حبان بتوثيقه (ج ٥/ صـ: ٤٢٤)، وقد روى عنه سوى الحسين بن واقد: عزرة بن ثابت. • قال الحافظ أبو عبد الله بن مندة - كما في "تهذيب الكمال" (ج ٢٧/ صـ: ٣٩١) -: «هذا حديث غريب، لم نكتبه إلا من حديث الحسين بن واقد». • وذكره الذهبي في "الميزان" (ج ٤/ صـ: ٩١) في ترجمة مروان هذا، أي: استنكره عليه، كما هي عادته.
[ ١٦١ ]
الخَامِسَةَ عَشْرَةَ: الاجْتِهَادُ فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ.
السَّادِسَةَ عَشْرَةَ: الاعْتِكَافُ فِي الْعَشْرِ الأَواخِر أيضًا.
السَّابعَةَ عَشْرَةَ: تحَرِّي لَيْلَةِ الْقَدْرِ.
الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ: زَكَاةُ الْفِطْرِ.
• وَسَيَأْتِي - إِن شَاءَ اللهُ- بَسْطُ الْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ الْأَخِيْرَةِ.
قُلْ لِّلْمُؤَمِّل إِنَّ الْمَوْتَ فِي أَثَرِكْ … وَلَيْسَ يَخْفَى عَلَيْكَ الأَمْرُ مِنْ نَظَرِكْ
فِيمَنْ مَضَى لَكَ إِنْ فَكَّرْتَ مُعْتَبَرٌ … وَمَنْ يَمُتْ كُلَّ يَوْمٍ فَهْوَ مِنْ نُذُرِكْ
دَارٌ تُسَافِرُ عَنْهَا مِنْ غَدٍ سَفَرًا … فَلَا تَؤُوْبُ إِذَا سَافَرْتَ مِنْ سَفَرِكْ
تُمْسِي غَدًا سَمَرًا لِلذَّاكِرِينَ كَمَا … كَانَ الَّذِينَ مَضَوْا بِالأَمْسِ مِنْ سَمَرِكْ
• [يَا مُضَيِّعَ الزَّمَانِ فِيمَا يَنْقُصُ الْإِيمَانَ، مَا أُرَاكَ فِي رَمَضَانَ إِلَّا كَجُمَادَى وَشَعْبَانَ، أَمَا يَشُوقُكَ إِلَى الْخَيْرِ مَا يَشُوقُ، أَمَا يَعُوقُكَ عَنِ الضَّيْرِ مَا يَعُوقُ، مَتَى تَصِيرُ سَابِقًا يَا مَسْبُوقُ؟!].
• [أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ شَهْرَكُمْ هَذَا قَدِ انْتَصَفَ، فَهَلْ فِيكُمْ مَنْ قَهَرَ نَفْسَهُ وَانْتَصَفَ، وَهَلْ فِيكُمْ مَنْ قَامَ فِيهِ بِمَا عَرَفَ، وَهَلْ تَشَوَّفَتْ هِمَمُكُمْ إِلَى نَيْلِ الشَّرَفِ، أَيُّهَا الْمُحْسِنُ فِيمَا
[ ١٦٢ ]
مَضَى مِنْهُ دُمْ، أَيُّهَا الْمُسِيءُ وَبِّخْ نَفْسَكَ عَلَى التَّفْرِيطِ وَلُمْ، إِذَا خَسِرْتَ فِي هَذَا الشَّهْرِ فَمَتَى تَرْبَحُ؟! وَإِذَا لَمْ تُسَافِرْ فِيْهِ نَحْوَ الْفَوَائِدِ فَمَتَى تَبْرَحُ؟!
• يَا هَذَا، قَدِّمْ دُسْتُورَ الْحِسَابِ قَبْلَ الْغُرُوبِ، فَإِنْ وَجَدْتَ خَلَلًا فَارْقَعْهُ بِرُقْعَةِ اسْتِغْفَارٍ، فَإِذَا جَاءَ السَّحَرُ فَاعْقِدْ عُقَدَ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا عِنْدَ نِيَّةِ الصَّوْمِ، وَتَجَرَّعْ جُرْعَةَ دَمْعَةٍ فِي إِنَاءِ رَكْعَةٍ؛ فَإِنَّكَ لَمْ تَطَّلِعْ عَلَى خَفَايَا مَا أُعِدَّ لِلصَّائِمِينَ مِنْ مَسْتُورٍ، ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧].] (^١)
• يَا هَذَا، [كَمْ مَأْخُوذٍ عَلَى الزَّلَلِ خُتِمَ لَهُ بِسُوءِ الْعَمَلِ، نَزَلَ بِهِ الْمَوْتُ، فَيَا هَوْلَ مَا نَزَلَ، فَأَسْكَنَهُ الْقَبْرَ فَكَأَنْ لَمْ يَزَلْ، وَهَذَا مَصِيرُ الْغَافِلِ لَوْ غَفَلَ، ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣].
• كَمْ نَائِمٍ عَلَى فِرَاشِ التَّقْصِيرِ، مُغْتَرٍّ بِعُمُرٍ قَصِيرٍ، صَاحَ بِهِ النَّذِيرُ، فَاسْتَلَبَهُ الْخَطَأَ وَالتَّبْذِيرَ، فَلَمَّا أَحَسَّ الْبَأسَ ثَارَتْ مِنْ نِيرَانِ النَّدَمِ شُعَلٌ، ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣].
• كَمْ مُسْتَحِلٍّ شَرَابَ الْهَوَى، شَرِبَ مِنْ كَأْسِهِ حَتَّى ارْتَوَى، بَيْنَا هُوَ عَلَى جَادَّةِ إِعْرَاضِهِ هَوَى، فَمَا نَفَعَهُ عِنْدَ الْمَوْتِ مَا حَوَى، وَلَا مَا شَرِبَ وَلَا مَا أَكَلَ، ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣].
• لَا تَغْتَرَّ بِنَعِيمِ الْقَوْمِ، فَإِنَّ غَدًا بَعْدَ الْيَوْمِ، دَعْهُمْ فَمَا يُؤَثِّرُ فِيهِمُ اللَّوْمُ، وَهَلْ يَنْفَعُ التَّحْرِيْكُ مَيْتًا وَهَلْ؟! ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣].
• يَجْمَعُونَ الْحُطَامَ بِكَسْبِ الْحَرَامِ، وَيَتَفَكَّرُونَ فِي نَصْبِ شَرَكِ الآثَامِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ، يَرْقُدُونَ فِي اللَّيْلِ وَفِكْرُهُمْ فِي الْوَيْلِ طَوِيلٌ لَا يَنَامُ، وَلِلأَقْدَامِ فِيمَا لَا يَحِلُّ إِقْدَامٌ، تَسْعَى فِي هَوَاهَا سَعْيَ الرَّمَلِ، ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣].
_________________
(١) "التبصرة" (ج ٢/ صـ: ٨١، و٨٣).
[ ١٦٣ ]
• مَا عِنْدَهُمْ خَبَرٌ مِنَ السَّاعَةِ، وَالْعُمْرُ يَمْضِي سَاعَةً فَسَاعَةً، خَسِرُوا فِي أَشْرَفِ تِجَارَةٍ وَأَغْلَى بِضَاعَةٍ، يَتَثَاقَلُونَ تَثَاقُلَ عُطَارِدَ فِي الطَّاعَةِ، فَإِذَا لَاحَ الذَّنْبُ فَزُحَلُ، ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣].
• كَيْفَ بِكَفٍّ يَعْيَا وَيَعِيثُ!، كَيْفَ بِنَفْسٍ نُحَذِّرُهَا شَرَّ الْخَطَايَا وَفِعْلُهَا خَبِيثٌ!، كَيْفَ نُخَوِّفُهَا قَلِيلَ الذَّنْبِ وَلِسَانُ الْحَالِ يَسْتَغِيثُ: أَنَا الْغَرِيقُ فَمَا خَوْفِي مِنَ الْبَلَلِ!، ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ [الحجر: ٣].] (^١)
اللهُمَّ إِنَّا نَعُوذُ بِكَ مِنَ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ، أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
* * *
_________________
(١) "التبصرة" (ج ١/ صـ: ٢٦٦ - ٢٦٧).
[ ١٦٤ ]