• الْحَمْدُ للهِ الَّذِيْ ذلَّ لجَبَرُوتِهِ كُلُّ شَيْءٍ وَخَضَعَ، أَتْقَنَ مَا صَنَعَ، وسَوَّى مَا خَلَقَ وَأَبْدَعَ، ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾ [الأنعام: ٩٨]، الْحَمْدُ للهِ مَا قَامَ قَائِمٌ بِاللَّيْلِ وَهَجَعَ، وَقَنَتَ لِرَبِّهِ وَسَجَد وَرَكَعَ، وَتَضَرَّعَ إِلَيْهِ وَخَشَعَ، وَتَرَقْرَقَ الدَّمْعُ فِي عَيْنَيْهِ وَهَمَعَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيْكَ لَهُ، لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ، وَلَا رَافِعَ لِمَا خَفَضَ وَلَا خَافِضَ لِمَا رَفَعَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمُبَلِّغُ عَنْ رَبِّهِ مَا أَذِنَ مِنَ الدِّيْنِ وَشَرَعَ، خَيْرُ إِمَامٍ يُتَّبَعُ، وَسَيِّدُ أَهْلِ الزُّهْدِ وَالْوَرَع، القَائِمُ لِرَبِّه حَتَّى تَفَطَّرَ قَدَمُهُ وَانصَدَعَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحَابَتِهِ الْقَائِمِيْنَ بِالسُّنَنِ الْمُنَابِذِيْنَ لِلْبِدَع، وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ مَا أَفَلَ نَجْمٌ وَطَلَعَ، وَانشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الْفَجْرِ وَسَطَعَ، أَمَّا بَعْدُ:
• فَهَذِهِ جُمْلَةٌ مِنْ أَحْكَامِ قِيَامِ اللَّيْلِ لَاحِقَةٌ، تُضَافُ إِلَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الجَلْسَةِ السَّابِقَةِ، مِنْهَا:
• أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي قِيَامِ اللَّيْلِ مِنَ أَدْعِيَةِ الاسْتِفْتَاحِ مَا يَخُصُّهُ سِوَى مَا هُوَ عَامٌّ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ، فَعَن ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَتَهَجَّدُ، قَالَ: «اللَّهُمَّ لَكَ الحَمْدُ أَنْتَ قَيِّمُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، [وَلَكَ الحَمْدُ لَكَ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ،] وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، [وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ مَلِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ]، وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ رَبُّ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنَّ، (وَلَكَ الْحَمْدُ، أَنْتَ قَيَّامُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ،) وَلَكَ الحَمْدُ أَنْتَ الحَقُّ وَوَعْدُكَ الحَقُّ، وَلِقَاؤُكَ حَقٌّ، وَقَوْلُكَ حَقٌّ، وَالجَنَّةُ حَقٌّ، وَالنَّارُ حَقٌّ، [وَالنَّبِيُّونَ حَقٌّ، وَمُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حَقٌّ]، وَالسَّاعَةُ حَقٌّ، اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ،
[ ٥١ ]
وَبِكَ آمَنتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ، فَاغْفِرْ لِي مَا قَدَّمْتُ وَمَا أَخَّرْتُ، وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ، [أَنْتَ المُقَدِّمُ، وَأَنْتَ المُؤَخِّرُ، (أَنْتَ إِلَهِي) لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، [أَوْ: لَا إِلَهَ غَيْرُكَ]». (^١)
• قَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عُثَيْمِينٍ ﵀: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَقُولُ دُعَاءَ الاِسْتِفْتَاحِ الَّذِيْ يَكُونُ فِي التَّهَجُّدِ بَعْدَ ركْعَتَي الِاسْتِفْتَاحِ؛ لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ خَفِيْفَتَانِ، وَدُعَاءُ الِاسْتِفْتَاحِ الَّذِيْ فِي التَّهَجُّدِ طَوِيْلٌ. (^٢)
• وَقَالَ ﵀: اسْتِفْتَاحُ صَلَاةِ التَّرَاوِيْحِ لَيْسَ كَاسْتِفْتَاحِ صَلَاةِ التَّهَجُّدِ الَّذِيْ يَكُونُ بَعْدَ النَّوْمِ، بَلْ هُوَ اسْتِفْتَاحٌ كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ. (^٣)
• وَقَالَ: أَكْثَرُ الَّذِيْنَ يُصَلُّونَ التَّراوِيْحَ يَسْتَفْتِحُونَ فِي أَوَّلِ تَسْلِيْمَةٍ فَقَطْ، فَسُبْحَانَ اللهِ!! لِمَاذَا تَتْرُكُ الِاسْتِفْتَاحَ؟ أَلَيْسَتِ التَّسْلِيْمَةُ الثَّانِيَةُ مُسْتَقِلَّةً عَنِ الْأُولَى؟ بَلَى، لَوْ بَطَلَتِ الثَّانِيَةُ لَمْ تَبْطُلِ الْأُولَى، فَإِذَا كَانَتْ مُسْتَقِلَّةً عَنْهَا فَإِنَّ الْمَشْرُوعَ فِي الْأُولَى يَكُونُ مَشْرُوعًا فِي الثَّانِيَةِ. ا. هـ. (^٤)
• وَمِنْ ذَلِكَ: الْحِرْصُ عَلَى الْخُشُوعِ، وَالْإِطَالَةِ فِي الْقِيَامِ بِالْقَدْرِ الَّذِي لَا يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ، فَرَوَى مَالِكٌ في "الْمُوَطَّأ" (ج ٢/ صـ: ١٥٨) (رَقْم: ٣٧٩) عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ، عَنِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ؛ أَنَّهُ قَالَ: أَمَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ وَتَمِيمًا الدَّارِيَّ أَنْ يَقُومَا لِلنَّاسِ بِإِحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً.
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ١١٢٠، و٦٣١٧، و٧٣٨٥، و٧٤٤٢، و٧٤٩٩)، ومسلم (رَقْم: ٧٦٩)، وما بين المعكوفين تفرد به البخاري دون مسلم، وما بين القوسين تفرد به مسلم دون البخاري. • وفي رواية مسلم: كان يقول إذا قام إلى الصلاة من جوف الليل: …، فذكره.
(٢) "لقاءات الباب المفتوح".
(٣) "جلسات رمضانية".
(٤) "اللقاء الشهري".
[ ٥٢ ]
•قَالَ: وَقَدْ كَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ بِالْمِئِينَ، حَتَّى كُنَّا نَعْتَمِدُ عَلَى الْعِصِيِّ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ، وَمَا كُنَّا نَنْصَرِفُ إِلاَّ فِي فُرُوعِ الْفَجْرِ.
• قَالَ الْأَلْبَانِيُّ ﵀ فِي "صَلَاةِ التَّرَاوِيْحِ" (صـ: ٥٣): «سَنَدُهُ صَحِيْحٌ جِدًّا».
• ورَوَى مَالِكٌ أَيْضًا (ج ٢/ صـ: ١٥٩) (رقم: ٣٨١) عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ؛ أَنَّهُ سَمِعَ الْأَعْرَجَ يَقُولُ: وَكَانَ الْقَارِئُ يَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فِي ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، فَإِذَا قَامَ بِهَا فِي ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً رَأَى النَّاسُ أَنَّهُ قَدْ خَفَّفَ.
• إِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، وَالْأَعْرَجُ تَابِعِيٌّ جَلِيْلٌ.
• ورَوَى أَيْضًا (ج ٢/ صـ: ١٦٠) (رَقْم: ٣٨٢) عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ: كُنَّا نَنْصَرِفُ فِي رَمَضَانَ، فَنَسْتَعْجِلُ الْخَدَمَ بِالطَّعَامِ، مَخَافَةَ الْفَجْرِ. (^١)
• وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ: دَعَا عُمَرُ الْقُرَّاءَ فِي رَمَضَانَ، فَأَمَرَ أَسْرَعَهُمْ قِرَاءَةً أَنْ يَقْرَأَ ثَلَاثِينَ آيَةً، وَالْوَسَطَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ آيَةً، وَالْبَطِيءَ عِشْرِينَ آيَةً. (^٢)
• وَسُئِلَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْه: كَمْ يَقْرَأُ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ؟ فَلَمْ يُرَخِّصْ فِي دُونِ عَشْرِ آيَاتٍ.
• فَقِيْلَ لَهُ: إِنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَ؟ فَقَالَ: لَا رَضُوا، فَلَا تَؤُمَّهُمْ إِذَا لَمْ يَرْضَوْا بِعَشْرِ آيَاتٍ مِنَ الْبَقَرَةِ، ثُمَّ إِذَا صِرْتَ إِلَى الْآياَتِ الْخِفَافِ فَبِقَدْرِ عَشْرِ آيَاتٍ مِنَ الْبَقَرَةِ. (^٣)
_________________
(١) وأبو بكر هذا هو ابن محمد بن عمرو بن حزم، تَابِعِيٌّ.
(٢) رواه عبد الرزاق في "المصنف" (رَقْم: ٧٧٣٢) عن الثوري، عن القاسم، عنه، به، وإسناده صحيح. • ورواه ابن أبي شيبة (رَقْم: ٧٧٥٤)، وابن شبة في "تاريخ المدينة" (ج ٢/ صـ: ٧١٥)، والفريابي في "الصيام" (رَقْم: ١٨٦، و١٨٧)، والبيهقي في "الكبرى" (رَقْم: ٤٢٩٥) من طريق عاصم الأحول، عنه، به، وإسناده صحيح أيضًا.
(٣) "مسائل أحمد وإسحاق" (رَقْم: ٣٥٤٤) برواية إسحاق بن منصور.
[ ٥٣ ]
• قَالَ ابْنُ رَجَبٍ فِي "لَطَائِفِ الْمَعَارِفِ" (صـ: ١٧٠): يَعْنِي فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَكَذَلِكَ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يَقْرَأَ دُونَ عَشْرِ آيَاتٍ. وَسُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ﵀ عَمَّا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي السَّرِيْعِ الْقِرَاءَةِ وَالْبَطِيءِ، فَقَالَ: فِي هَذَا مَشَقَّةٌ عَلَى النَّاسِ، وَلَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ اللَّيَالِي الْقِصَارِ، وَإِنَّمَا الْأَمْرُ عَلَى مَا يَحْتَمِلُهُ النَّاسُ، وَقَالَ أَحْمَدُ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ وَكَانَ يُصَلِّي بِهِمْ فِي رَمَضَانَ: هَؤُلَاءِ قَوْمٌ ضَعْفَى، اقْرَأْ خَمْسًا، سِتًّا، سَبْعًا، قَالَ: فَقَرَأْتُ، فَخَتَمْتُ لَيْلَةَ سَبْعِ وَعِشْرِيْنَ.
وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُرَاعِي فِي الْقِرَاءَةِ حَالَ الْمَأْمُومِينَ، فَلَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ. ا. هـ.
• أَمَّا إِذَا صَلَّى مُنفَرِدًا، أَوْ كَانَ مَعَهُ مَنْ يُوَافِقُهُ، مِمَّنْ تَوَافَرَتْ هِمَمُهُمْ عَلَى إِطَالَةِ الْقِيَامِ، فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ؛ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِذَا أَمَّ أَحَدُكُمُ النَّاسَ، فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ الصَّغِيرَ، وَالْكَبِيرَ، وَالضَّعِيفَ، وَالْمَرِيضَ، فَإِذَا صَلَّى وَحْدَهُ فَلْيُصَلِّ كَيْفَ شَاءَ». (^١)
• وفيهما عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ قَالَ: «أَفَلَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا». (^٢)
• وَلَهُمَا نَحْوُهُ مِنْ حَدِيْثِ الْمُغِيْرَةِ بْنِ شُعْبَةَ ﵁، وَفِيْهِ: قَامَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ. (^٣)
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٧٠٣)، ومسلم (رَقْم: ٤٦٧)، وذكر: (الصغير) انفرد به مسلم. ونحوه في البخاري (رَقْم: ٩٠، و٧٠٢، و٧٠٤، و٦١١٠، و٧١٥٩)، ومسلم (رَقْم: ٤٦٦) من حديث أبي مسعود البدري ﵁.
(٢) البخاري (رَقْم: ٤٨٣٧)، ومسلم (رَقْم: ٢٨٢٠).
(٣) البخاري (رَقْم: ٤٨٣٦)، ومسلم (رَقْم: ٢٨١٩).
[ ٥٤ ]
• وَلِلْبُخَارِيِّ: أَوْ سَاقَاهُ. (^١)
• وَلَهُمَا: حَتَّى انْتَفَخَتْ قَدَمَاهُ. (^٢)
• وَلَهُمَا أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مَسْعُودٍ ﵁، قَالَ: «صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لَيْلَةً، [فَأَطَالَ]، فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى هَمَمْتُ بِأَمْرِ سَوْءٍ»، قُلْنَا: وَمَا هَمَمْتَ؟ قَالَ: «هَمَمْتُ أَنْ أَقْعُدَ وَأَذَرَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-». (^٣)
• وَلِمُسْلِمٍ (رَقْم: ٧٧٢) عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَافْتَتَحَ الْبَقَرَةَ، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ عِنْدَ الْمِائَةِ، ثُمَّ مَضَى، فَقُلْتُ: يُصَلِّي بِهَا فِي رَكْعَةٍ، فَمَضَى، فَقُلْتُ: يَرْكَعُ بِهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ النِّسَاءَ، فَقَرَأَهَا، ثُمَّ افْتَتَحَ آلَ عِمْرَانَ، فَقَرَأَهَا، يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا، إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ، ثُمَّ رَكَعَ، فَجَعَلَ يَقُولُ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ»، فَكَانَ رُكُوعُهُ نَحْوًا مِنْ قِيَامِهِ، ثُمَّ قَالَ: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، رَبَّنَا لَكَ الْحَمْدُ»، ثُمَّ قَامَ طَوِيلًا قَرِيبًا مِمَّا رَكَعَ، ثُمَّ سَجَدَ، فَقَالَ: «سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى»، فَكَانَ سُجُودُهُ قَرِيبًا مِنْ قِيَامِه.
• قَالَ الْإِمَامُ الْأَلْبَانِيُّ ﵀: «وَكُلَّمَا أَطَالَ فَهُوَ أَفْضَلُ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يُبَالِغُ فِي الْإِطَالَةِ حَتَّى يُحْيِيَ اللَّيْلَ كُلَّهُ؛ اتِّبَاعَا لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-». (^٤)
• قُلْتُ: يَعْنِي مَا فِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٧٤٦) عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَامَ لَيْلَةً حَتَّى الصَّبَاح.
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ١١٣٠).
(٢) البخاري (رَقْم: ٦٤٧١)، وهو عنده بالشكِّ: «حتى ترم أو تتنتفخ قدماه»، ومسلم (رَقْم: ٢٨١٩)، وهذا لفظه.
(٣) البخاري (رَقْم: ١١٣٥)، وما بين المعكوفين له، ومسلم (رَقْم: ٧٧٣).
(٤) "قيام رمضان" (صـ: ٢٥).
[ ٥٥ ]
• وَمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ الْقِيَامُ مَشَقَّةً شَدِيْدِةً، أَوْ خَافَ زِيَادَةَ الْمَرَضِ أَوِ الْهَلَاكَ فَلْيَجْلِسْ، وَلَهُ الْأَجْرُ كَامِلًا؛ لَأَنَّهُ مَعْذُورٌ، وَإِنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ الرُّكُوعُ أَوِ السُّجُودُ أَوْمَأَ إِيْمَاءً، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ؛ فَفِي صَحِيْحِ الْبُخَارِيِّ (رَقْم: ١١١٥، و١١١٦) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄ وَكَانَ رَجُلًا مَبْسُورًا -، قَالَ: سَأَلْتُ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَنْ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَهُوَ قَاعِدٌ، فَقَالَ: «مَنْ صَلَّى قَائِمًا فَهُوَ أَفْضَلُ، وَمَنْ صَلَّى قَاعِدًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى نَائِمًا فَلَهُ نِصْفُ أَجْرِ القَاعِدِ». وَمَعْنَى: نَائِمًا، أَيْ: (مُضْطَجِعًا).
• وَلَهُ - فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ خاصةً، وَالَّتِي مِنْ جُمْلَتِهَا قِيَامُ اللَّيْلِ - أَنْ يَجْلِسَ حَتَّى مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْقِيَامِ، وَيَكُونُ لَهُ فِي هَذَا الْحَالِ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ.
• فَرَوَى مُسْلِمٌ (رَقْم: ٧٣٥) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ﵄، قَالَ: حُدِّثْتُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا نِصْفُ الصَّلَاةِ»، فَأَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُهُ يُصَلِّي جَالِسًا، فَوَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى رَأْسِهِ، فَقَالَ: «مَا لَكَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو؟»، قُلْتُ: حُدِّثْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّكَ قُلْتَ: «صَلَاةُ الرَّجُلِ قَاعِدًا عَلَى نِصْفِ الصَّلَاةِ»، وَأَنْتَ تُصَلِّي قَاعِدًا، قَالَ: «أَجَلْ، وَلَكِنِّي لَسْتُ كَأَحَدٍ مِنْكُمْ». وَلِأَبِي دَاوُدَ (رَقْم: ٩٥٠): فَوَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى رَأْسِي.
• وَحَدِيثُ عِمْرَانَ يَشْمَلُ الْفَرَضَ وَالنَّفْلَ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ التَّنَفُّلِ مُضْطَجِعًا؛ فَالْمُفْتَرِضُ الَّذِيْ يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَحَامَلَ فَيَقُومَ مَعَ مَشَقَّةٍ، لَهُ نِصْفُ أَجْرِ الْقَائِمِ؛ تَرْغِيْبَا لَهُ فِي الْقِيَامِ، مَعَ جَوَازِ قُعُودِهِ.
• قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ ﵀: فَلَوْ تَحَامَلَ هَذَا الْمَعْذُورُ وَتَكَلَّفَ الْقِيَامَ - وَلَوْ شَقَّ عَلَيْهِ - كَانَ أَفْضَلَ؛ لِمَزِيدِ أَجْرِ تَكَلُّفِ الْقِيَامِ، فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ أَجْرُهُ عَلَى ذَلِكَ نَظِيرَ أَجْرِهِ عَلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ، فَيَصِحُّ أَنَّ أَجْرَ الْقَاعِدِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَجْرِ الْقَائِمِ، وَمَنْ صَلَّى النَّفْلَ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ أَجْزَأَهُ وَكَانَ أَجْرُهُ عَلَى النِّصْفِ مِنْ أَجْرِ الْقَائِمِ
[ ٥٦ ]
بِغَيْرِ إِشْكَال. ا. هـ. (^١)
• وَفِي صَحِيْحِ الْبُخَارِي (رقم: ٤٨٣٧) عَنْ عَائِشَةِ ﵂ فِي قِيَامِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قَالَتْ: «فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جَالِسًا، فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ قَامَ فَقَرَأَ ثُمَّ رَكَعَ».
• وَقَدْ اعْتَادَ بَعْضُ النَّاسِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيْحِ أَنْ يَنتَظِرَ رُكُوعَ الْإِمَامِ، فَإِذَا رَكَعَ دَخَلَ مَعَهُ فِي صَلَاتِهِ، وَيَصْنَعُ هَذَا بَيْنَ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، فَيُفَوِّتُ عَلَى نَفْسِهِ أَجْرًا، وَلَوْ أَنَّهُ دَخَلَ مَعَهُ فِي تَكْبِيْرَةِ الْإِحْرَامِ، ثُمَّ جَلَسَ حَتَّى يَرْكَعَ، فَيَقُومَ، فَيَرْكَعَ مَعَهُ؛ لَكَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِ.
• وَمِنْ أَحْكَامِ الْقِيَامِ أَيْضًا: التَّرَسُلُّ فِي الْقِرَاءَةِ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيْثِ حُذَيْفَةَ ﵁: «إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ، وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ، وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ».
• قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: «فِيهِ اسْتِحْبَابُ هَذِهِ الْأُمُورِ لِكُلِّ قَارِئٍ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا، وَمَذْهَبُنَا اسْتِحْبَابُهُ لِلْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَالْمُنْفَرِدِ».
• وَزَادَ فِي "الْمَجْمُوعِ" (٤/ صـ: ٦٦): «وَسَوَاءٌ صَلَاةُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ؛ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ، فَاسْتَوَوْا فِيهِ».
• قُلْتُ: وَتَقْيِيْدُه بِالنَّفْلِ أَقْرَبُ؛ وُقُوفًا عِنْدَ الدَّلِيْلِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (^٢)
• وَمِنْ أَحْكَامِ الْقِيَامِ أَيْضًا: مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْوِتْرِ بِـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وَ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وَ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، فَإِذَا سَلَّمَ قَالَ: سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ،
_________________
(١) "الفتح" (ج ٢/ صـ: ٥٨٥)، وراجع: "أصل صفة الصلاة" (ج ١/ صـ: ٩٥ - ٩٦).
(٢) راجع: "أصل صفة الصلاة" (ج ٢/ صـ: ٥٠٢ - ٥٠٣) للإمام الألباني ﵀.
[ ٥٧ ]
سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ، وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَه. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُما. (^١)
• وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ (رَقْم: ١٧٥٣): يَمُدُّ صَوْتَهُ فِي الثَّالِثَةِ، ثُمَّ يَرْفَعُ.
• وَيَعْنِي بِالْوِتْرِ: الثَّلَاثَ الرَّكَعَاتِ الْأَخِيْرَةَ.
• وَرَوَاهُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى ﵁، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-. أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ. (^٢)
• وفي رِوَايَةٍ: وَيَقْنُتُ قَبْلَ الرُّكُوعِ. (^٣)
• وَيَدْعُو فِي الْقُنُوتِ بِحَدِيْثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄، قَالَ: عَلَّمَنِي رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ: «اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْتَ، وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ، إِنَّكَ
_________________
(١) "المسند" (رَقْم: ١٥٣٥٤، و١٥٣٥٦، و١٥٣٥٨، و١٥٣٥٩، و١٥٣٦١، و١٥٣٦٢)، و"سنن النسائي" (رَقْم: ١٧٣٢، و١٧٣٣، و١٧٣٤، و١٧٣٦، و١٧٤٠، و١٧٤١، و١٧٥٠، و١٧٥١، و١٧٥٢). وصححه الحاكم (١٠٠٩)، ووافقه الذهبي، وكذا صححه: الألباني في "مشكاةالمصابيح" (ج ٥/ صـ: ١٧٤)، والوادعي -رحمهما الله- في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٨٩٠).
(٢) النسائي (رَقْم: ١٧٢٩)، وأخرجه أبو داود (رَقْم: ١٤٢٣، و١٤٣٠)، وابن ماجه (رَقْم: ١١٧١) مختصرًا. وأخرجه عبد الله بن أحمد في "زوائد المسند" (رَقْم: ٢١١٤٢)، دون ذكر مَدِّ الصوت أو رفعه، وصححه: الألباني في "صحيح أبي داود" (ج ٥/ صـ: ١٧٤)، والوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٩).
(٣) النسائي (رَقْم: ١٦٩٩)، وابن ماجه (رَقْم: ١١٨٢).
[ ٥٨ ]
تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْكَ، وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْتَ، وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ. (^١)
• وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ يَقُولُ فِي آخِرِ وِتْرِهِ: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سُخْطِكَ، وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ. (^٢)
• وَقَوْلُهُ: «فِي آخِرِ وِتْرِه»، يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُنُوتِ بَعْدَ الرُّكُوعِ، وَهُوَ الْأَقْرَبُ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْقُعُودِ قَبْل السَّلَامِ، وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ السَّلَامِ مِنَ الْوِتْرِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ، كَالْبَيْهَقِيِّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
• وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ أَنَّهُمْ - يَعْنِي فِي عَهْدِ عُمَرَ ﵁ كَانُوا يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي النِّصْفِ: «اللَّهُمَّ قَاتِلِ الْكَفَرَةَ الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ وَيُكَذِّبُونَ
_________________
(١) "المسند" (رَقْم: ١١٧٨)، و"سنن أبي داود" (رَقْم: ١٤٢٥)، و"سنن الترمذي" (رَقْم: ٤٦٤)، و"سنن النسائي" (رَقْم: ١٧٤٥، و١٧٤٦)، و"سنن ابن ماجه" (رَقْم: ١١٧٨). • قال الترمذي: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلَا نَعْرِفُ عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي القُنُوتِ فِي الوِتْرِ شَيْئًا أَحْسَنَ مِنْ هَذَا». وصححه الإمامان: الألباني ﵀ في "الإرواء" (رَقْم: ٤٢٩)، وفي "صحيح أبي داود" (رَقْم: ١٢٨١)، والوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٣٠٨)، وكذا شيخنا العلامة المحدث الفقيه يحيى بن علي الحجوري حفظه الله.
(٢) "المسند" (رَقْم: ٧٥١، و٩٥٧)، و"سنن أبي داود" (رَقْم: ١٤٢٧)، و"سنن الترمذي" (رَقْم: ٣٥٦٦)، وعنده: (في وتره)، و"سنن النسائي" (رَقْم: ١٧٤٧)، و"سنن ابن ماجه" (رَقْم: ١١٧٩). قال الترمذي: «هذا حديث حسن غريب». وصححه الحاكم (رَقْم: ١١٥٠)، ووافقه الذهبي، وحسنه الضياء في "المختارة" (ج ٢/ صـ: ٢٥١ - ٢٥٢) (رَقْم: ٦٢٧، و٦٢٨، و٦٢٩، و٦٣٠)، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود" (رَقْم: ١٢٨٢)، وفي "الإرواء" (رَقْم: ٤٣٠)، وذكره الوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ٩٥٧).
[ ٥٩ ]
رُسُلَكَ، وَلَا يُؤْمِنُونَ بِوَعْدِكَ، وَخَالِفْ بَيْنَ كَلِمَتِهِمْ، وَأَلْقِ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ، وَأَلْقِ عَلَيْهِمْ رِجْزَكَ وَعَذَابَكَ، إِلَهَ الْحَقِّ»، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَيَدْعُو لِلْمُسْلِمِينَ بِمَا اسْتَطَاعَ مِنْ خَيْرٍ، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ. قَالَ: وَكَانَ يَقُولُ إِذَا فَرَغَ مِنْ ذَلِكَ، وَمَسْأَلَتِهِ: «اللَّهُمَّ إِيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، وَنَرْجُو رَحْمَتَكَ رَبَّنَا، وَنَخَافُ عَذَابَكَ الْجِدَّ، إِنَّ عَذَابَكَ لِمَنْ عَادَيْتَ مُلْحِقٌ»، ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَهْوِي سَاجِدًا. رَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ (رَقْم: ١١٠)، بِإِسْنَادٍ صَحِيْحٍ.
• ورَوَى مَالِكٌ في "الموطأ" (ج ٢/ صـ: ١٥٨) (رَقْم: ٣٨١) عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ، أَنَّهُ سَمِعَ الْأَعْرَجَ يَقُولُ: «مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلاَّ وَهُمْ يَلْعَنُونَ الْكَفَرَةَ فِي رَمَضَانَ».
• وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ.
• وَثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّهُ كَانَ لَا يَقْنُتُ إِلَّا فِي النِّصْفِ الثَّانِي مِنْ رَمَضَانَ. (^١)
• وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀ فِي "الْأُمِّ" (ج ١/ صـ: ١٥٦).
• وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي "مَسَائِلِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ" (صـ: ٩٥): قُلْتُ لِأَحْمَدَ: الْقُنُوتُ فِي الْوِتْرِ، السَّنَةَ كُلَّهَا؟ قَالَ: «إِنْ شَاءَ». قُلْتُ: فَمَا تَخْتَارُ أَنْتَ؟ قَالَ: أَمَّا أَنَا مَا أَقْنُتُ إِلَّا فِي النِّصْفِ الْبَاقِي، إِلَّا أَنْ أُصَلِّيَ خَلْفَ إِمَامٍ يَقْنُتُ، فَأَقْنُتُ مَعَهُ. (^٢)
_________________
(١) أخرجه ابن أبي شيبة (رَقْم: ٧٠٠٥)، وأحمد - كما في "مسائله" (صـ: ٩٦) برواية ابنه عبد الله، وابن المنذر في "الأوسط" (رَقْم: ٢٧٠٩)، والبيهقي في "الكبرى" (رَقْم: ٤٣٠٣) وفي "المعرفة" (رَقْم: ٥٤٢٠) من طريق نافع، عنه.
(٢) ومثله في "مسائل الإمام أحمد" (رَقْم: ٣٢٠، و٣٣٧) برواية ابنه عبد الله، و"مسائل الإمام أحمد" (رَقْم: ٤٢٣)، برواية ابنه صالح.
[ ٦٠ ]
• وقَالَ أَيْضًا (صـ: ٩٦): سَمِعْتُ أَحْمَدَ، سُئِلَ: يَرْفَعُ يَدَهُ فِي الْقُنُوتِ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يُعْجِبُنِي»، وَرَأَيْتُ أَحْمَدَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْقُنُوتِ. وَسَمِعْتُ أَحْمَدَ سُئِلَ عَنِ الْقُنُوتِ؟ فَقَالَ: «الَّذِي يُعْجِبُنَا: أَنْ يَقْنُتَ الْإِمَامُ وَيُؤَمِّنَ مَنْ خَلْفَهُ».
• وَمِمَّا يَنبَغِي التَّنبِيْهُ عَلَيْهِ بِشَأْنِ الْقُنُوتِ الشَّائِعِ الْآنَ بَيْنَ أَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْمَسَاجِدِ أَرْبَعَةُ أُمُوْرٍ، هِيَ خِلَافُ السُّنَّةِ:
أَوَّلُهَا: الْإِطَالَةُ فِيْهِ.
وَثَانِيْهَا: تَكَلُّفُ الدُّعَاءِ الْمَسْجُوعِ.
• فَعَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَسْتَحِبُّ الْجَوَامِعَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَيَدَعُ مَا سِوَى ذَلِكَ». (^١)
• وَحَدِيثَا الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَبِيْهِ فِي الْبَابِ مِنْ جَوَامِعِ الْأَدْعِيَةِ، وَللَّهِ الْحَمْدُ.
وَثَالِثُهَا: تَكَلُّفُ الْبُكَاءِ، فَلَرُبَّمَا مَرَّ أَحَدُهُمْ عَلَى آيِ الْقُرْآنِ دُونَ تَدَبُّرٍ أَوْ خُشُوعٍ أَوْ بُكَاءٍ، فَإِذَا حَضَرَ الدُّعَاءُ تَبَاكَوْا!.
وَرَابِعُهَا: التَّغَنِّي بِالدُّعَاءِ، كَالتَّغَنِّي بِالْقُرْآن، وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهِ، وَهَذَا خِلَافُ الْمَشْرُوعِ؛ فَإِنَّ اللهَ ﷿ يَقُولُ: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ [الأعراف: ٥٥].
• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى ﵁، قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي غَزَاةٍ، فَجَعَلْنَا لَا نَصْعَدُ شَرَفًا، وَلَا نَعْلُو شَرَفًا، وَلَا نَهْبِطُ فِي وَادٍ إِلَّا رَفَعْنَا أَصْوَاتَنَا بِالتَّكْبِيرِ، قَالَ: فَدَنَا مِنَّا رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا
_________________
(١) رواه أحمد (رَقْم: ٢٥١٥١)، وأبو داود (رَقْم: ١٤٨٢)، وصححه ابن حبان (رَقْم: ٨٦٧)، والحاكم (رَقْم: ١٩٧٨) وصحح إسناده على شرط مسلم: الألباني ﵀ في "صحيح أبي داود" (رَقْم: ١٣٣٢)، والوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٥٤٧).
[ ٦١ ]
النَّاسُ، ارْبَعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ، فَإِنَّكُمْ لَا تَدْعُونَ أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا، إِنَّمَا تَدْعُونَ سَمِيعًا بَصِيرًا [قَرِيبًا]». (^١)
• زَادَ مُسْلِمٌ: «وَالَّذِي تَدْعُونَهُ أَقْرَبُ إِلَى أَحَدِكُمْ مِنْ عُنُقِ رَاحِلَةِ أَحَدِكُمْ».
• عَلَى أَنَّهُ يَنبَغِي اغْتِنَامُ السُّجُودِ بِالدُّعَاءِ فِيْهِ، بِخَلَافِ مَا عَلَيْهِ الْكَثِيْرُ مِنْ تَخْفِيْفِ السُّجُودِ وَتَرْكِ الدُّعَاءِ فِيْهِ؛ فَلِمُسْلِمٍ (رَقْم: ٤٨٢) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ، وَهُوَ سَاجِدٌ، فَأَكْثِرُوا الدُّعَاءَ».
• وَلَهُ أَيْضًا (رَقْم: ٤٧٩) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «فَأَمَّا الرُّكُوعُ فَعَظِّمُوا فِيهِ الرَّبَّ ﷿، وَأَمَّا السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعَاءِ، فَقَمِنٌ أَنْ يُسْتَجَابَ لَكُمْ».
قُلْ لِأَهل الذُّنُوب وَالآثَامِ … قَابِلُوا بِالْمَتَابِ شَهْرَ الصِّيَامِ
وَأَقِلُّوا الْكَلَامَ فِيْهِ نَهَارًا … وَاقْطَعُوا لَيْلَهُ بِطُولِ الْقِيَامِ
وَاطْلُبُوا الْعَفْوَ مِنْ إِلَهٍ عَظِيم … لَيْسَ يَخْفَى عَلَيْهِ فِعْلُ الْأَنَامِ
كَمْ لَهُ فِيهِ مِنْ إِزَاحَةِ ذَنْب … وَخَطَايَا مِنَ الذُّنُوب عِظَام
كَمْ لَهُ فِيهِ مِنْ أَيَادٍ حِسَانٍ … عِنْد عَبْدٍ يَرَاهُ تَحْتَ الظَّلَامِ
كَمْ لَهُ فِيهِ مِنْ عَتيقٍ سَعِيْدٍ … آمِنٍ فِي الْقِيَامِ خِزْيَ الْمقَامِ] (^٢)
اللهُمَّ إِنّا نعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ، الْقَبْرِ اللهُمَّ آتِ نُفُوسَنَا تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا، أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا، اللهُمَّ إِنَّا
_________________
(١) البخاري (رقم: ٤٢٠٥، و٦٣٨٤، و٧٣٨٦)، ومسلم (رقم: ٢٧٠٤).
(٢) "بستان الواعظين" (صـ: ٢١٣ - ٢١٤).
[ ٦٢ ]
نَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا.
وَصَلَّى اللهُ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوْبُ إِلَيْكَ.
* * *
[ ٦٣ ]