• الْحَمْدُ للهِ الْوَهَّابِ الْكَرِيْمِ، الْوَاسِعِ الْعَلِيْمِ، الْمَنَّانِ الْحَكِيْمِ، مَنَّ عَلَى عِبَادِهِ بِالْخَيْرِ الْعَمِيمِ، وَغَرَسَ كَرَامَة الْمُؤْمِنِيْنَ بِيَدِهِ، وَخَتَمَ عَلَيْهَا فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ، وَأشْهَدُ أَنْ لَّا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيْمُ، ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: ١٠٥]، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ خَيْرُ دَاعٍ إِلَى صِرَاطِ اللهِ الْمُسْتَقِيْمِ، أَحْسَنُ النَّاسِ طَوِيَّةً، وَأَكْرَمُهُمْ سَجِيَّةً، وَحَسْبُهُ قَوْلُ رَبِّنَا: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]، عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيْمِ، أَمَّا بَعْدُ:
• فَقَد تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ هَذِهِ الْمَجَالِسِ أَنَّ مِنْ فَضَائِلِ شَهْرِ رَمَضَانَ: أَنَّ الْجُودَ فِيهِ آكَدُ الْجُودِ؛ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ جِبْرِيلُ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ». (^١)
• وَكَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَجْوَدَ النَّاسِ، فَفِيْ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ ﵁، قَالَ: «كَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَحْسَنَ النَّاسِ، وَأَشْجَعَ النَّاسِ، وَأَجْوَدَ النَّاسِ». (^٢)
• وَمَنْ جُودِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَنَّهُ كَانَ لَا يُسْأَلُ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، فَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، قَالَ: أُتِيَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بِمَالٍ مِنَ البَحْرَيْنِ، فَقَالَ: «انْثُرُوهُ فِي المَسْجِدِ»، وَكَانَ أَكْثَرَ مَالٍ أُتِيَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ
_________________
(١) رواه البخاري (رَقْم: ٦، و١٩٠٢، و٣٢٢٠، و٣٥٥٤، و٤٩٩٧)، ومسلم (رَقْم: ٢٣٠٨).
(٢) البخاري (رَقْم: ٢٨٢٠)، ومسلم (رَقْم: ٢٣٠٧).
[ ٢٦٦ ]
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إِلَى الصَّلَاةِ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ جَاءَ، فَجَلَسَ إِلَيْهِ، فَمَا كَانَ يَرَى أَحَدًا إِلَّا أَعْطَاهُ، إِذْ جَاءَهُ العَبَّاسُ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَعْطِنِي، فَإِنِّي فَادَيْتُ نَفْسِي وَفَادَيْتُ عَقِيلًا، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «خُذْ»، فَحَثَا فِي ثَوْبِهِ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ فَلَمْ يَسْتَطِعْ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ إِلَيَّ، قَالَ: «لَا». قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: «لَا». فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ ذَهَبَ يُقِلُّهُ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، اؤْمُرْ بَعْضَهُمْ يَرْفَعْهُ عَلَيَّ، قَالَ: «لَا». قَالَ: فَارْفَعْهُ أَنْتَ عَلَيَّ، قَالَ: «لَا». فَنَثَرَ مِنْهُ، ثُمَّ احْتَمَلَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى كَاهِلِهِ، ثُمَّ انْطَلَقَ، فَمَا زَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يُتْبِعُهُ بَصَرَهُ حَتَّى خَفِيَ عَلَيْنَا؛ عَجَبًا مِنْ حِرْصِهِ، فَمَا قَامَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَثَمَّ مِنْهَا دِرْهَمٌ. عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٤٢١، و٣١٦٥)، وَهُوَ صَحِيْحٌ.
• وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، أَنَّ نَاسًا مِنَ الأَنْصَارِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ، ثُمَّ سَأَلُوهُ، فَأَعْطَاهُمْ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ، فَقَالَ: «مَا يَكُونُ عِنْدِي مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ أَدَّخِرَهُ عَنْكُمْ، وَمَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ اللَّهُ، وَمَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ١٤٦٩)، وَمُسْلِمٌ (رَقْم: ١٠٥٣).
• وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ (رَقْم: ٦٤٧٠): «فَلَمْ يَسْأَلْهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ إِلَّا أَعْطَاهُ حَتَّى نَفِدَ مَا عِنْدَهُ».
• وَقَالَ أَنَسٍ ﵁: مَا سُئِلَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَلَى الْإِسْلَامِ شَيْئًا إِلَّا أَعْطَاهُ، قَالَ: فَجَاءَهُ رَجُلٌ، فَأَعْطَاهُ غَنَمًا بَيْنَ جَبَلَيْنِ، فَرَجَعَ إِلَى قَوْمِهِ، فَقَالَ: «يَا قَوْمِ أَسْلِمُوا؛ فَإِنَّ مُحَمَّدًا يُعْطِي عَطَاءً، لَا يَخْشَى الْفَاقَةَ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٢٣١٢).
• وَفِي رِوَايَةٍ: «فَوَاللَّهِ إِنَّ مُحَمَّدًا لَيُعْطِي عَطَاءً، مَا يَخَافُ الْفَقْرَ».
• قَالَ أَنَسٌ: «إِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيُسْلِمُ مَا يُرِيدُ إِلَّا الدُّنْيَا، فَمَا يُسْلِمُ حَتَّى يَكُونَ الْإِسْلَامُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا».
[ ٢٦٧ ]
• قَالَ ابْنُ رَجَبٍ ﵀: فَدَلَّكَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- أَجْوَدُ بَنِي آدَمَ عَلَى الْإِطْلَاقِ، كَمَا أَنَّهُ أَفْضَلُهُمْ وَأَعْلَمُهُمْ وَأَشْجَعُهُمْ وَأَكْمَلُهُمْ فِي جَمِيْعِ الْأَوْصَافِ الْحَمِيْدَةِ، وَكَانَ جُودُهُ بِجَمِيْعِ أَنْوَاعِ الْجُودِ مِنْ بَذْلِ الْعِلْمِ وَالْمَالِ، وَبَذْلِ نَفْسِهِ للهِ تَعَالَى فِي إِظْهَارِ دِيْنِهِ وَهِدَايَةِ عِبَادِهِ وَإِيْصَالِ النَّفْعِ إِلَيْهِمْ بِكُلِّ طَرِيْقٍ: مِنْ إِطْعَامِ جَائِعِهِمْ، وَوَعْظِ جَاهِلِهِمْ، وَقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ، وَتَحَمُّلِ أَثْقَالِهِمْ، وَلَمْ يَزَلْ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- عَلَى هَذِهِ الْخِصَالِ الْحَمِيْدَةِ مُنذُ نَشَأَ؛ وَلِهَذَا قَالَتْ لَهُ خَدِيْجَةُ ﵂ فِي أَوَّلِ مَبْعَثِهِ: «وَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ». (^١)
• ثُمَّ تَزَايَدَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ فِيْهِ بَعْدَ الْبِعْثَةِ وَتَضَاعَفَتْ أَضْعَافًا كَثِيْرَةً، وَكَانَ جُودُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كُلُّهُ للهِ وَفِي ابْتِغَاءِ مَرْضَاتِهِ؛ فَإِنَّهُ كَانَ يَبْذُلُ الْمَالَ إِمَّا لِفَقِيرٍ أَوْ مُحْتَاجٍ أَوْ يُنفِقُهُ فِي سَبِيْلِ اللهِ أَوْ يَتَأَلَّفُ بِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ مَنْ يَقْوَى الْإِسْلَامُ بِإِسْلَامِهِ وَكَانَ يُؤْثِرُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَأَوْلَادِهِ، فَيُعْطِي عَطَاءً يَعْجِزُ عَنْهُ الْمُلُوكُ مِثْلُ كِسْرَى وَقَيْصَرَ، وَيَعِيْشُ فِي نَفْسِهِ عَيْشَ الْفُقَرَاءِ، فَيَأْتِي عَلَيْهِ الشَّهْرُ وَالشَّهْرَانِ لَا يُوْقَدُ فِي بَيْتِهِ نَارٌ، (^٢) وَرُبَّمَا رَبَطَ
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٣، و٤٩٥٣، و٦٩٨٢)، ومسلم (رَقْم: ١٦٠).
(٢) رواه البخاري (رَقْم: ٢٥٦٧، و٦٤٥٩)، ومسلم (رَقْم: ٢٩٧٢) عن عروة، عن عائشة ﵂، أنها قالت لعروة: «ابْنَ أُخْتِي، إن كنا لننظر إلى الهلال، ثم الهلال، ثلاثة أهلة في شهرين، وما أوقدت في أبيات رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- نار»، فقلت يا خالة: ما كان يعيشكم؟ قالت: «الأسودان: التمر والماء، إلا أنه قد كان لرسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- جيران من الأنصار، كانت لهم منائح، وكانوا يمنحون رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- من ألبانهم، فيسقينا». • وفي رواية للبخاري (رَقْم: ٦٤٥٨): «إلا أن نؤتى بِاللُّحَيْمِ».
[ ٢٦٨ ]
عَلَى بَطْنِهِ الْحَجَرَ مِنَ الْجُوعِ، (^١) وَكَانَ قَدْ أَتَاهُ صَبِيٌّ مَرَّةً، فَشَكَتْ إِلَيْهِ فَاطِمَةُ مَا تَلْقَى مِنْ خِدْمَةِ الْبَيْتِ وَطَلَبَتْ مِنْهُ خَادِمًا يَكْفِيْهَا مُؤْنَةَ بَيْتِهَا، فَأَمَرَهَا أَنْ تَسْتَعِيْنَ بِالتَّسْبِيْحِ وَالتَّكْبِيْرِ وَالتَّحْمِيْدِ عِنْدَ نَوْمِهَا. (^٢)
• وَقَالَ: «لَا أُعْطِيْكِ وَأَدَعُ أَهْلَ الصُّفَّةِ تَطْوَى بُطُونُهُمْ مِنَ الْجُوعِ». (^٣)
• وَكَانَ جُودُهُ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَتَضَاعَفُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى غَيْرِهِ مِنَ الشُّهُورِ، كَمَا أَنَّ جُودَ رَبِّهِ يَتَضَاعَفُ فِيْهِ أَيْضًا؛ فَإِنَّ اللهَ جَبَلَهُ عَلَى مَا يُحِبُّهُ مِنَ الْأَخْلَاقِ الْكَرِيْمَةِ، وَكَانَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَبْلِ الْبِعْثَةِ.
• وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- هَذَا الْكِتَابُ لَهُ خُلُقًا، (^٤) بِحَيْثُ يَرْضَى لِرِضَاهُ، وَيَسْخَطُ لِسَخَطِهِ، وَيُسَارِعُ إِلَى مَا حَثَّ عَلَيْهِ، وَيَمْتَنِعُ مِمَّا زَجَرَ عَنْهُ؛ فَلِهَذَا كَانَ يَتَضَاعَفُ جُودُهُ وَإِفْضَالُهُ فِي هَذَا الشَّهْرِ؛ لِقُرْبِ عَهْدِهِ بِمُخَالَطَةِ جِبْرِيْلَ ﵇ وَكَثْرَةِ مُدَارَسَتِهِ لَهُ هَذَا الْكِتَابَ الْكَرِيْمَ الَّذِي يَحُثُّ عَلَى الْمَكَارِمِ وَالْجُودِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمُخَالَطَةَ تُؤَثِّرُ وَتُورِثُ أَخْلَاقًا مِنَ الْمُخَالَطَةِ.
_________________
(١) رواه مسلم (رَقْم: ٢٠٤٠) (٦) عن أنس بن مالك، قال: جئت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يومًا، فوجدته جالسًا مع أصحابه يحدثهم، وقد عصب بطنه بعصابة على حجر، فقلت لبعض أصحابه: لم عصب رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- بطنه؟ فقالوا: «من الجوع».
(٢) البخاري (رَقْم: ٣١١٣، و٣٧٠٥، و٥٣٦١، و٥٣٦٢، و٦٣١٨)، ومسلم (رَقْم: ٢٧٢٧) عن علي ﵁.
(٣) رواه أحمد (رَقْم: ٥٩٦)، بإسناد قوي، وصححه الضياء في "المختارة" (ج ٢/ صـ: ٨٨ - ٨٩) (رَقْم: ٤٦٥، و٤٦٦، و٤٦٧).
(٤) في صحيح مسلم (رَقْم: ٧٤٦) عن سعد بن هشام بن عامر، أنه سأل عائشة ﵂، فقال: يا أم المؤمنين، أنبئيني عن خلق رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، قالت: «ألست تقرأ القرآن؟» قلت: بلى، قالت: «فإن خلق نبي الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كان القرآن».
[ ٢٦٩ ]
• كَانَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ قَدِ امْتَدَحَ مَلِكًا جَوَادًا، فَأَعْطَاهُ جَائِزَةً سَنِيَّةً، فَخَرَجَ بِهَا مِنْ عِندِهِ، وَفَرَّقَهَا كُلَّهَا عَلَى النَّاسِ، فَأَنشَدَ:
لَمَسْتُ بِكَفِّي كَفَّهُ أَبْتَغِي الْغِنَى … وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ الْجُودَ مِنْ كَفِّهِ يُعْدِي
• فَبَلَغَ ذَلِكَ الْمَلِكَ، فَأَضْعَفَ لَهُ الْجَائِزَةَ.
• وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشُّعَرَاءِ يَمْتَدِحُ بَعْضَ الْأَجْوَادِ - وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إِلَّا لِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-:
تَعَوَّدَ بَسْطَ الْكَفِّ حَتَّى لَوَ انَّهُ … ثَنَاهَا لِقَبْضٍ لَمْ تُجِبْهُ أَنَامِلُهْ
تَرَاهُ إِذَا مَا جِئْتَهُ مُتَهَلِّلًا … كَأَنَّكَ تُعْطِيْهِ الَّذِي أَنْتَ سَائِلُهْ
هُوَ الْبَحْرُ مِنْ أَيِّ النَّوَاحِي أَتَيْتَهُ … فَلُجَّتُهُ الْمَعْرُوفُ وَالْجُودُ سَاحِلُهْ
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي كَفِّهِ غَيْرُ رُوحِهِ … لَجَادَ بِهَا فَلْيَتَّقِ اللهَ سَائِلُهْ (^١)
• وَقَالَ: وَفِي تَضَاعُفِ جُودِهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِخُصُوصِهِ فَوَائِدُ كَثِيْرَةٌ:
• مِنَهَا: شَرَفُ الزَّمَانِ، وَمُضَاعَفَةُ أَجْرِ الْعَمَلِ فِيْهِ.
• وَمِنْهَا: إِعَانَةُ الصَّائِمِيْنَ وَالْقَائِمِيْنَ وَالذَّاكِرِيْنَ عَلَى طَاعَتِهِمْ.
• وَمِنْهَا: أَنَّ شَهْرَ رَمَضَانَ شَهْرٌ يَجُودُ اللهُ فِيْهِ عَلَى عِبَادِهِ بِالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ وَالْعِتْقِ مِنَ النَّارِ، لَا سِيَّمَا فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَرْحَمُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ، كَمَا قَالَ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّمَا يَرْحَمُ اللَّهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ». (^٢)، فَمَنْ جَادَ عَلَى عِبَادِ اللهِ جَادَ اللهُ عَلَيْهِ بِالْعَطَاءِ وَالْفَضْلِ، وَالْجَزَاءُ مِنْ جِنسِ الْعَمَلِ.
_________________
(١) "لطائف المعارف" (صـ: ١٦٤ - ١٦٦).
(٢) البخاري (رَقْم: ١٢٨٤، و٥٦٥٥، و٦٦٥٥، و٧٣٧٧، و٧٤٤٨)، ومسلم (رَقْم: ٩٢٣) عن أسامة بن زيد ﵄.
[ ٢٧٠ ]
• وَمِنْهَا: أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ مِنْ مُوجِبَاتِ الْجَنَّةِ، كَمَا فِي حَدِيْثِ عَلِيِّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى بُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا، وَظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا»، قَالُوا: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ أَطَابَ الكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ». (^١)
• وَهَذِهِ الْخِصَالُ كُلُّهَا تَكُونُ فِي رَمَضَانَ، فَيَجْتَمِعُ فِيْهِ لِلْمُؤْمِنِ الصِّيَامُ وَالْقِيَامُ وَالصَّدَقَةُ وَطِيْبُ الْكَلَامِ؛ فَإِنَّهُ يُنْهَى فِيْهِ الصَّائِمُ عَنِ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ.
• وَمِنْهَا: أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الصِّيَامِ وَالصَّدَقَةِ أَبْلَغُ فِي تَكْفِيْرِ الْخَطَايَا وَاتِّقَاءِ جَهَنَّمَ وَالْمُبَاعَدَةِ عَنْهَا، وَخُصُوصًا إِنْ ضُمَّ إِلَى ذَلِكَ قِيَامُ اللَّيْلِ.
• وَمِنْهَا: أَنَّ الصِّيَامَ لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ فِيْهِ خَلَلٌ أَوْ نَقْصٌ، وَتَكْفِيْرُ الصِّيَامِ لِلذُّنُوبِ مَشْرُوطٌ بِالتَّحَفُّظِ مِمَّا يَنبَغِي التَّحَفُّظُ مِنْهُ، فَالصَّدَقَةُ تَجْبُرُ مَا فِيْهِ مِنَ النَّقْصِ وَالْخَلَلِ.
• وَمِنْهَا: أَنَّ الصَّائِمَ يَدَعُ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ للهِ، فَإِذَا أَعَانَ الصَّائِمِيْنَ عَلَى التَّقَوِّيْ عَلَى طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ كَانَ بِمَنزِلَةِ مَنْ تَرَكَ شَهْوَةً للهِ وَآثَرَ بِهَا أَوْ وَاسَى مِنْهَا.
• قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: أُحِبُّ لِلرَّجُلِ الزِّيَادَةَ فِي الْجُودِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ؛ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَلِحَاجَةِ النَّاسِ فِيْهِ إِلَى مَصَالِحِهِمْ، وَلِتَشَاغُلِ كَثِيْرٍ مِنْهُمْ بِالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ عَنْ مَكَاسِبِهِمْ. وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا أَيْضًا. ا. هـ مُلَخَّصًا. (^٢)
_________________
(١) رواه الترمذي (رَقْم: ١٩٨٤، و٢٥٢٧)، وصححه ابن خزيمة (رَقْم: ٢١٣٦). • وله شاهد من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، أخرجه أحمد (رَقْم: ٦٦١٥)، وصححه الحاكم (رَقْم: ٢٧٠، و١٢٠٠) على شرط مسلم، ووافقه الذهبي، إلا أن فيه رجلًا لم يخرج له مسلم، وهو ثقة، وليس في حديثه هذا ذكر الصيام. • وله أيضًا شواهد عن أبي هريرة، وعبد الله بن سلام، وأبي مالك الأشعري ﵃، تقدم ذكرها في مجلس فضائل الصيام.
(٢) "لطائف المعارف" (صـ: ١٦٤ - ١٦٩).
[ ٢٧١ ]
• وَاعْلَمْ أَنَّ الْجُودَ وَالْكَرَمَ مِنْ أَشْرَفِ خِصَالِ الْخَيْرِ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، وَهُوَ مُسْتَوٍ عَلَى سُوقِ الصَّبْرِ وَالْعِفَّةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالْعَدْلِ، قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ ﵀: وَحُسْنُ الْخُلُقِ يَقُومُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَرْكَانٍ، لَا يُتَصَوَّرُ قِيَامُ سَاقِهِ إِلَّا عَلَيْهَا: الصَّبْرِ، وَالْعِفَّةِ، وَالشَّجَاعَةِ، وَالْعَدْلِ.
• فَالصَّبْرُ: يَحْمِلُهُ عَلَى الِاحْتِمَالِ وَكَظْمِ الْغَيْظِ، وَكَفِّ الْأَذَى، وَالْحِلْمِ وَالْأَنَاةِ وَالرِّفْقِ، وَعَدَمِ الطَّيْشِ وَالْعَجَلَةِ.
• وَالْعِفَّةُ: تَحْمِلُهُ عَلَى اجْتِنَابِ الرَّذَائِلِ وَالْقَبَائِحِ مِنَ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَتَحْمِلُهُ عَلَى الْحَيَاءِ، وَهُوَ رَأْسُ كُلِّ خَيْرٍ، وَتَمْنَعُهُ مِنَ الْفَحْشَاءِ، وَالْبُخْلِ وَالْكَذِبِ، وَالْغَيْبَةِ وَالنَّمِيمَةِ.
• وَالشَّجَاعَةُ: تَحْمِلُهُ عَلَى عِزَّةِ النَّفْسِ، وَإِيثَارِ مَعَالِي الْأَخْلَاقِ وَالشِّيَمِ، وَعَلَى الْبَذْلِ وَالنَّدَى، الَّذِي هُوَ شَجَاعَةُ النَّفْسِ وَقُوَّتُهَا عَلَى إِخْرَاجِ الْمَحْبُوبِ وَمُفَارَقَتِهِ.
• قَالَ: وَالْعَدْلُ: يَحْمِلُهُ عَلَى اعْتِدَالِ أَخْلَاقِهِ، وَتَوَسُّطِهِ فِيهَا بَيْنَ طَرَفَيِ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ، فَيَحْمِلُهُ عَلَى خُلُقِ الْجُودِ وَالسَّخَاءِ الَّذِي هُوَ تَوَسُّطٌ بَيْنَ [الْبُخْلِ وَالْإِسْرَافِ]، وَعَلَى خُلُقِ الشَّجَاعَةِ، الَّذِي هُوَ تَوَسُّطٌ بَيْنَ الْجُبْنِ وَالتَّهَوُّرِ، وَعَلَى خُلُقِ الْحِلْمِ، الَّذِي هُوَ تَوَسُّطٌ بَيْنَ الْغَضَبِ وَالْمَهَانَةِ وَسُقُوطِ النَّفْسِ.
• وَمَنْشَأُ جَمِيعِ الْأَخْلَاقِ الْفَاضِلَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ. ا. هـ. (^١)
• وَالْكَرَمُ خُلُقُ يُحِبُّهُ اللهُ ﷿؛ لِأَنَّهُ كَرِيْمٌ، فَلَا أَكْرَمَ مِنْهُ ﷿، فَعَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ﵄، أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ كَرِيمٌ يُحِبُّ الْكَرَمَ، وَيُحِبُّ مَعَالِيَ الْأَخْلَاقِ وَيَكْرَهُ سَفْسَافَهَا». رَوَاهُ الْحَاكِمُ. (^٢)
_________________
(١) "مدارج السالكين" (ج ٢/ صـ: ٢٩٤)، وما بين المعكوفين أصلحته بما يُقَرِّب المعنى.
(٢) "المستدرك" (رَقْم: ١٥١، و١٥٢)، وهو في "الصحيحة" (رَقْم: ١٣٧٨) للألباني ﵀.
[ ٢٧٢ ]
• وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ فِي الْجُودِ أَنَّهُ بِالْمَالِ، لَكِنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ، فَقَدْ يَكُونُ بِالنَّفْسِ، قَالَ ﷿: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ﴾ [البقرة: ٢٠٧].
• وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١١١].
• وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهَا أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنْ هَذِهِ الْأَيَّامِ». يَعْنِي أَيَّامَ الْعَشْرِ الْأُولَى مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ؟ قَالَ: «وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، إِلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٩٦٩) وَأَبُو دَاوُدَ (رَقْم: ٢٤٣٨)، وَاللَّفْظُ لَهُ.
• وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ١٦٩٦) عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄، أَنَّ امْرَأَةً مِنْ جُهَيْنَةَ أَتَتْ نَبِيَّ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَهِيَ حُبْلَى مِنَ الزِّنَى، فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللهِ، أَصَبْتُ حَدًّا، فَأَقِمْهُ عَلَيَّ، فَدَعَا نَبِيُّ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَلِيَّهَا، فَقَالَ: «أَحْسِنْ إِلَيْهَا، فَإِذَا وَضَعَتْ فَأْتِنِي بِهَا»، فَفَعَلَ، فَأَمَرَ بِهَا نَبِيُّ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَشُكَّتْ عَلَيْهَا ثِيَابُهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، ثُمَّ صَلَّى عَلَيْهَا، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: تُصَلِّي عَلَيْهَا يَا نَبِيَّ اللهِ وَقَدْ زَنَتْ؟ فَقَالَ: «لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ قُسِمَتْ بَيْنَ سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَوَسِعَتْهُمْ، وَهَلْ وَجَدتَّ تَوْبَةً أَفْضَلَ مِنْ أَنْ جَادَتْ بِنَفْسِهَا لِلَّهِ تَعَالَى؟».
• قَالَ الشَّاعِرُ:
يَجُودُ بِالنَّفْسِ إِنْ ظَنَّ الْبَخِيْلُ بِهَا … وَالْجُودُ بِالنَّفْسِ أَقْصَى غَايَةِ الْجُودِ
[ ٢٧٣ ]
• وَقَدْ يَكُونُ بِالْعِلْمِ، وَفَضَائِلُ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ وَفَضَائِلُ نَشْرِهِ وَبَذْلِهِ لِلنَّاسِ كَثِيْرَةٌ مُسْتَفِيْضَةٌ، لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ ذِكْرِهَا.
• قَالَ الْأَلْبِيْرِيُّ ﵀ فِي شَأْنِ الْعِلْمِ:
يَزِيدُ بِكَثْرَةِ الإِنفَاقِ مِنْهُ … وَيَنقُصُ إِنْ بِهِ كَفًّا شَدَدتَّا
وَقَدْ حَمَلَ بعضُ السَّلَفِ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٧]، عَلَى بُخْلِ الْيَهُودِ بِإِظْهَارِ الْعِلْمِ الَّذِي عِنْدَهُمْ، مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَكِتْمَانِهِمْ ذَلِكَ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ٣٧].
• قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيةَ ﵀: «فَوَصَفَهُمْ بِالْبُخْلِ الَّذِي هُوَ الْبُخْلُ بِالْعِلْمِ وَالْبُخْلُ بِالْمَالِ، وَإِنْ كَانَ السِّيَاقُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبُخْلَ بِالْعِلْمِ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَكْبَرُ، وَكَذَلِكَ وَصَفَهُمْ بِكِتْمَانِ الْعِلْمِ فِي غَيْرِ آيَةٍ». (^١)
• وَقَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀: «وَلَا شَكَّ أَنَّ الْآيَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِذَلِكَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ السِّيَاقَ فِي الْبُخْلِ بِالْمَالِ، وَإِنْ كَانَ الْبُخْلُ بِالْعِلْمِ دَاخِلًا فِي ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْأَوْلى».
• وَمِنْ صُوَرِ الْجُودِ أَيْضًا مَا فِي حَدِيْثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى، وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ، فَقَالَ: «وَمَا ذَاكَ؟»، قَالُوا: يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ وَلَا نَتَصَدَّقُ، وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ، فَقَالَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئًا تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ؟ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ» قَالُوا: بَلَى، يَا رَسُولُ اللهِ. قَالَ: «تُسَبِّحُونَ، وَتُكَبِّرُونَ، وَتَحْمَدُونَ، دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ مَرَّةً». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^٢)
_________________
(١) "اقتضاء الصراط المستقيم" (صـ: ٨٣ - ٨٤).
(٢) البخاري (رَقْم: ٨٤٣)، ومسلم (رَقْم: ٥٩٧).
[ ٢٧٤ ]
• وَلِلْبُخَارِيِّ: وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ.
• وَلِمُسْلِمٍ: فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالُوا: سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الْأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا، فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فَقَالَ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «ذَلِكَ فَضْلُ اللهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ».
• وَعَنْهُ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «كُلُّ سُلَامَى مِنَ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ، كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ فِيهِ الشَّمْسُ، تَعْدِلُ بَيْنَ الِاثْنَيْنِ صَدَقَةٌ، وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ فَتَحْمِلُهُ عَلَيْهَا، أَوْ تَرْفَعُ لَهُ عَلَيْهَا مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ، وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إِلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ، وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ». مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. (^١)
• وَعَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁، أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالُوا لِلنَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: «أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ١٠٠٦).
• وَعَنْهُ ﵁، قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «لَا تَحْقِرَنَّ مِنَ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا، وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاكَ بِوَجْهٍ طَلْقٍ». رَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ٢٦٢٦).
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٢٨٩١، و٢٩٨٩)، ومسلم (رَقْم: ١٠٠٩).
[ ٢٧٥ ]
• وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٦٠٢١)، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ (رَقْم: ١٠٠٥) مِنْ حَدِيْثِ حُذَيْفَةَ ﵁.
• [صَدَقُوا فِي الْمَحَبَّةِ وَالْوَلاءِ، وَصَبَرُوا عَلَى نُزُولِ الْبَلاءِ، وَقَامُوا فِي دَيَاجِي الظَّلْمَاءِ، يَشْكُرُونَ عَلَى سَوَابِغِ النَّعْمَاءِ، فَأَرْبَحَهُمْ فِي الْمُعَامَلَةِ رَبُّ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، ﴿يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾.
• بَذَلُوا الْمَالَ وَمَالُوا إِلَى السَّخَاءِ، وَطَرَقُوا بَابَ الْفَضْلِ بِأَنَامِلِ الرَّجَاءِ، وَتَلَمَّحُوا وَعْدَ الصَّادِقِ بِجَزِيلِ الْعَطَاءِ، وَتَأَهَّبُوا لِلْحُضُورِ يَوْمَ اللِّقَاءِ، وَقَدَّمُوا الأَمْوَالَ ثِقَةً بِالْجَزَاءِ، ﴿يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
• أَنَاخُوا بِبَابِ الطَّبِيبِ طَلَبًا لِلشِّفَاءِ، وَصَبَرُوا رَجَاءَ الْعَافِيَةِ عَلَى شُرْبِ الدَّوَاءِ، فَإِنِ ابْتُلُوا صَبَرُوا، وَإِنْ أُعْطُوا شَكَرُوا، فَالأَمْرُ عَلَى السَّوَاءِ.
• تَاللَّهِ لَقَدْ شَغَلَهُمْ حُبُّهُ عَنِ الآبَاءِ وَالأَبْنَاءِ، وَلَقَدْ عَامَلُوهُ بِإِيثَارِ الْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ، ﴿يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ [آل عمران: ١٣٤].] (^١)
• اللَّهُمَّ أَعْظِمِ النَّفْعَ بِنَا، وَاجْعَلْنَا مُبَارَكِيْنَ أَيْنَمَا كُنَّا، وَاغْفِرْ لَنَا مَا كَانَ مِنَّا.
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ.
* * *
_________________
(١) "التبصرة" (ج ١/ صـ: ٥٣ - ٥٤).
[ ٢٧٦ ]