• الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَفَّقَ لِسُلُوكِ سَبِيْلِهِ أَقْدَامَ السَّالِكِيْنَ، وَأَزَاغَ عَنْهَا الْأَشْقِيَاءَ الْهَالِكِيْنَ، وَعَدَ الْمُؤْمِنِيْنَ بِالنَّصْرِ وَالتَّمْكِيْنِ، وَتَوَعَّدَ بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ الْمُشْرِكِيْنَ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ لِلنَّصْر أَسْبَابًا، وَلِلتَّمْكِيْنِ فِي الْأَرْضِ أَبْوَابًا، وَجَعَلَ الْقِيَامَ بِنَصْرِهِ جِمَاعَ ذَلِكَ وَرُكْنَهُ الرَّكِيْنَ، وَجَعَلَ مِنْ جُمْلَةِ ذَلِكَ دَعَوَاتِ الضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِيْنِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحَدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً لَسْنَا مُرْتَابِيْنَ فِيْهَا وَلَا شَاكِّيْنَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، الْمُؤَيَّدُ بِالْوَحْيِ مِنْ رَبِّهِ، عَلَّمَهُ شَدِيْدُ الْقُوَى مَكِيْنٌ، مَضَى يَدْعُو وَيُجَاهِدُ فِي اللهِ حَقَّ جِهَادِهِ، لَا يَهِنُ وَلَا يَضْعُفُ وَلَا يَسْتَكِيْنُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ الَّذِيْنَ كَانُوا بِسُنَّتِهِ مُتَمَسِّكِيْنَ، هَبُّوا لِنُصْرَةِ الدِّيْنِ كَالْبَرَاكِيْنِ، وَكَانُوا فِي حُلُوقِ أَعْدَاءِ اللهِ شَجًا وَسَكَاكِيْنَ، وَأَغَاظَ اللهُ بِهِمُ الْخَرَّاصِيْنَ الْأَفَّاكِيْنَ، أَمَّا بَعْد:
• فَإِنَّ وَعْدَ اللهِ ﷿ حَقٌّ، ﴿لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: ٦].
• وَقَدْ وَعَدَ اللهُ ﷿ هَذِهِ الْأُمَّةَ الْمُؤْمِنَةَ بِالنَّصْرِ وَالتَّمْكِيْنِ وَالِاسْتِخْلَافِ فِي الْأَرْضِ، فَقَالَ ﷿: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥].
• وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ٢٨٨٩) عَنْ ثَوْبَانَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «إِنَّ اللهَ زَوَى لِيَ الْأَرْضَ، فَرَأَيْتُ مَشَارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا، وَإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا».
• وَعَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ﵁، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ
[ ١٧٧ ]
-صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «لَيَبْلُغَنَّ هَذَا الْأَمْرُ مَا بَلَغَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، وَلَا يَتْرُكُ اللهُ بَيْتَ مَدَرٍ وَلَا وَبَرٍ إِلَّا أَدْخَلَهُ اللهُ هَذَا الدِّينَ، بِعِزِّ عَزِيزٍ أَوْ بِذُلِّ ذَلِيلٍ، عِزًّا يُعِزُّ اللهُ بِهِ الْإِسْلَامَ، وَذُلًّا يُذِلُّ اللهُ بِهِ الْكُفْرَ». رَوَاهُ أَحْمَدُ. (^١)
• وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-: «بَشِّرْ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِالسَّنَاءِ وَالرِّفْعَةِ، وَالدِّينِ، وَالنَّصْرِ، وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ، فَمَنْ عَمِلَ مِنْهُمْ عَمَلَ الْآخِرَةِ لِلدُّنْيَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي الْآخِرَةِ نَصِيبٌ». رَوَاهُ أَحْمَدُ. (^٢)
• وَلَا شَكَّ أَنَّ لِلنَّصْرِ أَسْبَابًا، مَنْ أَخَذَ بِهَا نَصَرَهُ اللهُ، وَمَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا؛ تَخَلَّفَ عَنْهُ النَّصْرُ، وَهَذِهِ أَهَمُّ أَسْبَابِ النَّصْرِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيْمِ:
الأَوَّلُ: الإِخْلاصُ، وَتحْقِيقُ التوْحِيْدِ، وَعِبَادَةُ اللهِ، وَعَدَمُ الإِشْرَاكِ به، قَالَ ﷿: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٥٥].
_________________
(١) "المسند" (رَقْم: ١٦٩٥٧)، بإسناد صحيح على شرط مسلم، وصححه الحاكم (رَقْم: ٨٣٢٦) على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي!، وذكره الألباني في "الصحيحة" (رَقْم: ٣). • وله شاهد من حديث المقداد بن الأسود ﵁، أخرجه أحمد (رَقْم: ٢٣٨١٤)، وصححه ابن حبان (رَقْم: ٦٦٩٩، و٦٧٠١)، والحاكم (رَقْم: ٨٣٢٤) على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وكذا صححه العلامة الوادعي ﵀ في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١١٤٢).
(٢) "المسند" (رَقْم: ٢١٢٢٠)، وكذا رواه عبد الله بن الإمام أحمد في "زوائد المسند" (رَقْم: ٢١٢٢١، و٢١٢٢٢، و٢١٢٢٣، و٢١٢٢٤)، وصححه ابن حبان (رَقْم: ٤٠٥)، والحاكم (رَقْم: ٧٨٦٢، و٧٨٩٥)، ووافقه الذهبي، وكذا صححه الضياء المقدسي في "المختارة" (ج ٣/ صـ: ٣٥٨ - ٣٥٩) (رَقْم: ١١٥٢، و١١٥٣، و١١٥٤)، والألباني في "أحكام الجنائز" (صـ: ٥٢)، و"صحيح الترغيب والترهيب" (رَقْم: ١٣٣٢).
[ ١٧٨ ]
الثَّانِي: تَحْقِيْقُ الإيمَانِ، قَالَ ﷿: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: ٥٥].
• وَقَالَ ﷿: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧].
• وَقَالَ ﷿: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: ١٧١ - ١٧٣].
• وَقَالَ ﷿: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾ [غافر: ٥١].
• وَقَالَ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١٣) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ فَأَصْبَحُوا ظَاهِرِينَ﴾ [الصف: ١٠ - ١٤].
• وَأنصَارُ اللهِ هُمْ: أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَمَنْ وَالَاهُمْ وَأَحَبَّهُمْ، وَسَلَكَ طَرِيْقَتَهُمْ فِي التَّأَسِّي بِرَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-.
الثَّالِثُ: تَقْوَى اللهِ ﷿؛ فَإِنَّهُ الْقَائلُ: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦]، وَقَالَ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ١٢٣].
الرَّابِعُ: نُصْرَةُ اللَّهِ، قَالَ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: ٧]، وَقَالَ ﷿: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ
[ ١٧٩ ]
إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: ٤٠ - ٤١].
• وَنُصْرَةُ اللهِ ﷿ تَكُونُ بِتَقْوَاهُ وَاتِّبَاعِ رِضَاهُ، وَهُوَ غَنِيٌّ عَنْ عِبَادِهِ، لَا تَنفَعُهُ طاَعَةُ الْمُطِيْعِيْنَ، وَلَا تَضُرُّهُ مَعْصِيَةُ الْعَاصِيْنَ، وَإِنَّمَا يَنفَعُونَ أَنفُسَهُمْ أَوْ يَضُرُّونَهَا، قَالَ ﷿: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦]، وَقَالَ ﷿: ﴿وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾ [العنكبوت: ٦]، وَقَالَ ﷿ فِي الْحَدِيْثِ الْقُدْسِيِّ: «يَا عِبَادِي، إِنَّكُمْ لَنْ تَبْلُغُوا ضَرِّي فَتَضُرُّونِي، وَلَنْ تَبْلُغُوا نَفْعِي، فَتَنْفَعُوني». (^١)
الخَامِسُ: الصَّبْرُ، قَالَ ﷿: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ [القصص: ٥ - ٦]، وَقَالَ ﷿: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الأعراف: ١٢٨]، وَقَالَ ﷿: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ (١٢٤) بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوِّمِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٤ - ١٢٥]، وَقَالَ ﷿: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١٢٠]، وَقَالَ ﷿: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦].
السَّادِسُ: ذِكْرُ اللَّهِ ﷿، فَإِنَّهُ الْقَائِلُ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأنفال: ٤٥].
_________________
(١) رواه مسلم (رَقْم: ٢٥٧٧) من حديث أبي ذر ﵁.
[ ١٨٠ ]
السَّابِعُ: الدُّعَاءُ، قال ﷿: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ (١٤٦) وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (١٤٧) فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٦ - ١٤٨].
• وَقَالَ ﷿ فِي شَأْنِ طَالُوتَ وَمَنْ مَعَهُ: ﴿وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٢٥٠) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ٢٥٠ - ٢٥١].
• وَقَالَ ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩) وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (١٠) إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ﴾ [الأنفال: ٩ - ١٢].
• وَفِي صَحِيْحِ مُسْلِمٍ (رَقْم: ١٧٦٣) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁، قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ نَظَرَ رَسُولُ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- إِلَى الْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَلْفٌ، وَأَصْحَابُهُ ثَلَاثُ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، فَاسْتَقْبَلَ نَبِيُّ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- الْقِبْلَةَ، ثُمَّ مَدَّ يَدَيْهِ، فَجَعَلَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ: «اللَّهُمَّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ آتِ مَا وَعَدْتَنِي، اللهُمَّ إِنْ تُهْلِكْ هَذِهِ الْعِصَابَةَ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ لَا تُعْبَدْ فِي الْأَرْضِ»، فَمَا زَالَ يَهْتِفُ بِرَبِّهِ، مَادًّا يَدَيْهِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ، حَتَّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَلْقَاهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ، ثُمَّ الْتَزَمَهُ مِنْ وَرَائِهِ، وَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللهِ،
[ ١٨١ ]
كَفَاكَ مُنَاشَدَتُكَ رَبَّكَ، فَإِنَّهُ سَيُنْجِزُ لَكَ مَا وَعَدَكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الأنفال: ٩]، فَأَمَدَّهُ اللهُ بِالْمَلَائِكَةِ.
• قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدُّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسَّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتَ الْفَارِسِ يَقُولُ: أَقْدِمْ حَيْزُومُ، فَنَظَرَ إِلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ، فَخَرَّ مُسْتَلْقِيًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ، وَشُقَّ وَجْهُهُ، كَضَرْبَةِ السَّوْطِ، فَاخْضَرَّ ذَلِكَ أَجْمَعُ، فَجَاءَ الْأَنْصَارِيُّ، فَحَدَّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، فَقَالَ: «صَدَقْتَ، ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ»، فَقَتَلُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ، وَأَسَرُوا سَبْعِينَ.
• وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- كَانَ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ الَّتِي لَقِيَ فِيهَا الْعَدُوَّ، يَنْتَظِرُ حَتَّى إِذَا مَالَتِ الشَّمْسُ قَامَ فِيهِمْ، فَقَالَ: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَاسْأَلُوا اللهَ الْعَافِيَةَ، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّ الْجَنَّةَ تَحْتَ ظِلَالِ السُّيُوفِ»، ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم-، وَقَالَ: «اللهُمَّ، مُنْزِلَ الْكِتَابِ، وَمُجْرِيَ السَّحَابِ، وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ، اهْزِمْهُمْ، وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ». (^١)
الثَّامِنُ: لُزُومُ السُّنَّةِ، وَتَرْكُ الْبِدَعِ وَالْمُحْدَثَاتِ، وَالتَّوْبةُ إِلَى اللهِ ﷿ مِنْ سَائِرِ الذُّنُوبِ وَالسَّيِّئَاتِ، قَالَ ﷿: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٦٥].
• وَقَالَ ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ١٥٥].
_________________
(١) البخاري (رَقْم: ٢٩٦٥، و٢٩٦٦)، ومسلم (رَقْم: ١٧٤٢).
[ ١٨٢ ]
• وَقَالَ ﷿: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠].
التَّاسِعُ: جَمْعُ الِكَلِمَةِ، وَعَدَمُ التنَازُعِ، قَالَ ﷿: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٤٥ - ٤٦].
الْعَاشِرُ: تَحْقِيْقُ الْوَلاءِ للهِ وَلِرَسُوْلِهِ وَلِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْبَرَاءِ مِنَ الْكَافِرِيْنَ، قَالَ ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ (١٤٩) بَلِ اللَّهُ مَوْلَاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤٩ - ١٥٠].
• وَقَالَ ﷿: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ (٥٥) وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [المائدة: ٥٥ - ٥٦].
الْحَادِيَ عَشَرَ: التَّوَكُّلُ عَلَى اللهِ، قَالَ ﷿: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٠].
الثَّانِيَ عَشَرَ: الإِحْسَانُ إِلَى الضُّعَفَاءِ وَالْمَسَاكِيْنِ، وَتَفَقُّدُهُمْ، فَعَن سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصِ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَالَ: «هَلْ تُنْصَرُونَ وَتُرْزَقُونَ إِلَّا بِضُعَفَائِكُمْ». رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (رَقْم: ٢٨٩٦)، وَالنَّسَائِيُّ (رَقْم: ٣١٧٨).
• وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁، قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يَقُولُ: «ابْغُونِي ضُعَفَاءَكُمْ، فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا تُرْزَقُونَ وَتُنْصَرُونَ بِضُعَفَائِكُمْ». رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ سِوَى ابْنِ مَاجَهْ. (^١)
_________________
(١) "المسند" (رَقْم: ٢١٧٣١)، و"سنن أبي داود" (رَقْم: ٢٥٩٤)، و"سنن الترمذي" (رَقْم: ١٧٠٢)، و"سنن النسائي" (رَقْم: ٣١٧٩)، وصححه ابن حبان (رَقْم: ٤٧٦٧)، والحاكم (رَقْم: ٢٥٠٩، و٢٦٤١)، ووافقه الذهبي، وصححه أيضًا: الألباني في "الصحيحة" (رَقْم: ٧٧٩)، والوادعي في "الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين" (رَقْم: ١٠٤٠).
[ ١٨٣ ]
• وَيُبَيِّنُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيْثِ: إِحْدَى رِوَايَاتِ حَدِيْثِ سَعْدٍ ﵁، عِنْدَ النَّسَائِيِّ فِي "الْكُبْرَى" (رَقْم: ٤٣٧٢)، بِلَفْظِ: «إِنَّمَا نَصْرُ اللهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِضَعِيفِهَا؛ بِدَعْوَتِهِمْ وَصَلَاتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ».
الثالِثَ عَشَرَ: الأَخْذُ بِالأَسْبَابِ الْمَادِيَّةِ، قَالَ ﷿: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال: ٦٠].
• وَلَا بُدَّ مِنَ الِابْتِلَاءِ وَالتَّمْحِيصِ، قَالَ ﷿: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: ٢١٤].
• وَقَالَ ﷿: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ [محمد: ٤].
• وَقَدْ وَقَعَتْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَقَائِعُ مَشْهُورَةٌ بَيْنَ جُندِ اللهِ الْمُؤْمِنِيْنَ وَأَعْدَاءِهِ الْكَافِرِيْنَ، أَيَّدَ اللهُ فِيْهَا الْمُؤْمِنِيْنَ بِنَصْرِهِ، وَهَزَمَ أَعْدَاءَهُ.
• فَمِنْ هَذِهِ الْوَقَائِعِ: وَقْعَةُ بَدْرٍ الْكُبْرَى، وَهِيَ أَشْهَرُ وَأَعْظَمُ وَقْعَةٍ فِي تَارِيْخِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَتْ فِي مِثْلِ هَذَا الْيَوْمِ، فِي السَّابِعَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَكِ، فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ من الْهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ، عَلَى صَاحِبِهَا أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَأَتَمُّ التَّسْلِيْمِ.
• وَقَدْ سَمَّى اللهُ الْيَوْمَ الَّذِيْ وَقَعَتْ فِيْهِ: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ [الأنفال: ٤١]؛ لِأَنَّ اللهَ ﷿ فَرَّقَ فِيْهَا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَأَعَزَّ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ، وَأَذَلَّ الشِّرْكَ وَأَهْلَهُ، وَوَقْعَتِ الْهَيْبَةُ لِلْمُسْلِمِيْنَ، وَقَوِيَتْ شَوْكَتُهُمْ؛ فَلِهَذَا لَمْ يَنجُمِ النِّفَاقُ إِلَّا بَعْدَهَا.
• وَكَانَ النَّبِيُّ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- قَدْ خَرَجَ وَمَنْ مَعَهُ من الْمُسْلِمِينَ يُرِيدُونَ عِيْرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ، عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ.
• وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ أَلْفًا، وَالْمُسْلِمُونَ ثَلَاثَ مِائَةٍ وَتِسْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا، كَمَا تَقَدَّمَ فِي
[ ١٨٤ ]
حَدِيْثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁.
• وَخَرَجَ عُتْبَةُ بْنُ رَبِيْعَةَ، وَشَيْبَةُ بْنُ رَبِيْعَةَ، وَالْوَلِيْدُ بْنُ عُتْبَةَ يَطْلُبُونَ الْمُبَارَزَةَ، فَبَرَزَ لَهُمْ عَلِيٌّ وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ وَحَمْزَةُ ﵃، فَقَتلَ عَلِيٌّ الْوَلِيْدَ، وَقَتَلَ حَمْزَةُ عُتْبَةَ، وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَةُ وَشَيْبَةُ بِضَرْبَتَيْنِ، فَكَرَّ حَمْزَةُ وَعَلِيٌّ فَتَمَّمَا عَلَى شَيْبَةَ وَاحْتَمَلَا عُبَيْدَةَ جَرِيحًا، فَتُوُفِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ.
• وَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ، مِنْهُمْ مِنْ صَنَادِيْدِ قُرَيْشٍ سِوَى مَنْ قُتِلَ فِي الْمُبَارَزَةِ: أَبُوْ جَهْلٍ، وَأُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ، وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْط، وَعُمَارَةُ بْنُ الوَلِيدِ، ثُمَّ سُحِبُوا إِلَى القَلِيبِ، قَلِيبِ بَدْرٍ، وَأُسِرَ أَيْضًا سَبْعُونَ مِنَ الْمُشْرِكِيْنَ.
• وَمِنَ الانتِصَارَاتِ الْعَظِيْمَةِ الَّتِي وَقَعَتْ لِلرَّسُولِ -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- وَالْمُسْلِمِيْنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، وَالَّتِي غَيَّرَ اللهُ بِهَا مَجْرَى التَّارِيْخِ: فَتحُ مَكَّةَ، وَهُوَ أَعْظَمُ الْفُتُوحِ فِي تَارِيْخِ الْإِسْلَامِ، وَكَانَ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنَ الْهِجْرَةِ.
• وَمِنْ تِلْكَ الانتِصَارَاتِ الْمُؤَزَّرَةِ: وَقْعَةُ الْبُوَيْبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ بِقِيَادَةِ الْمُثَنَّى بْنِ حَارِثَةَ وَبَيْنَ الْفُرْسِ، بِقِيَادَةِ مِهْرَانَ بْنِ بَاذَانَ، وَكَانَتْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، وَانْهَزَمَ فِيْهَا الْفُرْسُ، قَالَ ابْنُ كَثِيْرِ فِي "الْبِدَايَةِ" (ج ٧/ صـ: ٣٦): فَيُقَالُ: إِنَّهُ قُتِلَ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ وَغَرِقَ قَرِيبٌ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مَالًا جَزِيلًا، وَطَعَامًا كَثِيرًا، وَبَعَثُوا بِالْبِشَارَةِ وَالْأَخْمَاسِ إِلَى عُمَرَ ﵁.
• قَالَ: وَكَانَتْ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ بِالْعِرَاقِ نَظِيرَ الْيَرْمُوكِ بِالشَّامِ. ا. هـ.
• وَمِنْ تِلْكَ الانتِصَارَاتِ الْعَظِيْمَةِ: فَتحُ عَمُّوْرِيَّةَ، عَلَى يَدِ الْخَلِيْفَةِ الْعَبَّاسِيِّ الْمُعْتَصِمِ بْنِ هَارُونَ الرَّشِيْدِ ﵀، وَكَانَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَان، سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعشْرينَ وَمِائَتَيْنِ، قَالَهُ خَلِيْفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ في تَارِيْخِهِ (صـ: ٤٧٧).
• قَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ فِي "الْبِدَايَةِ" (ج ١٠/ صـ: ٣١٤): اسْتَدْعَى بِالْجُيُوشِ إِلَى بَيْنِ يَدَيْهِ، وَتَجَهَّزَ جَهَازًا لَمْ يُجَهِّزْهُ أَحَدٌ كَانَ قَبْلَهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ، وَأَخَذَ مَعَهُ مِنْ آلَاتِ الْحَرْبِ
[ ١٨٥ ]
وَالْأَحْمَالِ وَالْجِمَالِ وَالْقِرَبِ وَالدَّوَابِّ وَالنِّفْطِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ شَيْئًا لَمْ يُسْمَعْ بِمِثْلِهِ، وَسَارَ إِلَى عَمُّورِيَّةَ فِي جَحَافِلَ أَمْثَالِ الْجِبَالِ.
• قَالَ: فَأَوَّلُ مَنْ وَصَلَ إِلَيْهَا من الجيش: أَشْنَاسُ أَمِيرُ الْمَيْسَرَةِ ضَحْوَةَ يَوْمِ الْخَمِيسِ لِخَمْسٍ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، فَدَارَ حَوْلَهَا دَوْرَةً، ثُمَّ نَزَلَ عَلَى مِيلَيْنِ مِنْهَا، ثُمَّ قَدِمَ الْمُعْتَصِمُ صَبِيحَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَهُ، فَدَارَ حَوْلَهَا دَوْرَةً، ثُمَّ نَزَلَ قَرِيبًا مِنْهَا، وقد تَحَصَّنَ أَهْلُهَا تَحَصُّنًا شَدِيْدًا، وَمَلَأُوا أَبْرَاجَهَا بِالرِّجَالِ وَالسِّلَاحِ، وَهِيَ مَدِينَةٌ عَظِيمَةٌ كَبِيرَةٌ جِدَّا، ذَاتُ سُوْرِ مَنِيْعٍ وَأَبْرَاجٍ عَالِيَةٍ كِبَارٍ كَثِيرَةٍ. ا. هـ.
• وَبَعْدَ حِصَارٍ يَطُولُ ذِكْرُهُ، هُدِمَ جَانِبٌ مِنْ سُورِ الْمَدِيْنَةِ، وَدَخَلَهَا المسلمون قَهْرًا، وَتَتَابَعَ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهَا يُكَبِّرُونَ، وَتَفَرَّقَتِ الرُّومُ عَنْ أَمَاكِنِهَا، فَاسْتَأْصَلَهُمُ الْمُسْلِمُونَ قَتْلًا.
• قَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀: وَأَخَذَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ عَمُّورِيَةَ أَمْوَالًا لَا تُحَدُّ وَلَا تُوصَفُ، فَحَمَلُوا مِنْهَا مَا أَمْكَنَ حَمْلُهُ، وَأَمَرَ الْمُعْتَصِمُ بِإِحْرَاقِ مَا بَقِيَ مِنْ ذَلِكَ، وَبِإِحْرَاقِ مَا هُنَالِكَ مِنَ الْمَجَانِيقِ وَآلَاتِ الْحَرْبِ؛ لِئَلَّا يَتَقَوَّى بِهَا الرُّومُ عَلَى شَئٍ مِنْ حَرْبِ الْمُسْلِمِيْنَ. ا. هـ.
• وَقَالَ الذَّهَبِيُّ ﵀ فِي حَوَادِثِ هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ تَارِيْخِهِ: وَأَنكَى فِي بِلَادِ الرُّومِ وَأَوْطَأَهُمْ خَوْفًا وَذُلًّا، وَكَانَتْ نِكَايَتُهُ فِي الرُّومِ مِمَّا لَمْ يُسْمَعْ لِخَلِيْفَةٍ بِمِثْلِهِ، فَإنَّهُ قَدْ شَتَّتَ جُمُوعَهُمْ، وَخَرَّبَ دِيَارَهُمْ. ا. هـ.
• وَقَالَ الْعِصَامِيُّ فِي"سَمْطِ النُّجُومِ" (ج ٣/ صـ: ٤٥١): «وَهِيَ مِنْ أَجَلِّ فَتْحٍ وَقَعَ فِي الْإِسْلَام».
• وَفِي ذَلِكَ قَالَ أَبُو تَمَّامٍ قَصِيْدَتَهُ الْبَائِيَّةَ الْمَشْهُورَةَ الْمُدَوِّيَةَ:
السَّيْفُ أَصْدَقُ أَنْبَاءً مِنَ الكُتُبِ … فِي حَدِّهِ الْحَدُّ بَيْنَ الْجِدِّ وَاللَّعِبِ
• وَكَانَ سَبَبُ خُرُوجِ الْمُعْتَصِمِ أَنَّ مَلِكَ الرُّومِ نوفِيْلَ خَرَجَ، فَبلغ زِبَطْرَةَ، وَقتَلَ
[ ١٨٦ ]
وَسَبَى وَمَثَّلَ، وَبَلَغَ الْمُعْتَصِمَ أَنَّ امْرَأَةً هَاشِمِيَّةً صَاحَتْ، وَهِيَ أَسِيرَةٌ فِي أَيْدِي الرُّومِ: وَامُعْتَصِمَاهُ!، فَأَجَابَهَا وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى سَرِيرِهِ: لَبَّيْكِ لَبَّيْكِ!. (^١)
• وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ أَبُو تَمَّامٍ:
لَبَّيْتَ صَوْتًا زِبَطْرِيًّا هَرَقْتَ لَهُ … كَأْسَ الْكَرَى وَرُضَابَ الخُرَّدِ العُرُبِ
أَجَبْتَهُ مُعْلِنًا بِالسَّيْفِ مُنصَلِتًا … وَلَوْ أَجَبْتَ بِغَيْرِ السَّيْفِ لَمْ تُجِبِ
• وَمِنْ تِلْكَ الانتِصَارَاتِ الْعَظِيْمَةِ: وَقْعَةُ عَيْنِ جَالُوتَ بَيْنَ الْمُسْلِمِيْنَ بِقِيَادَةِ الْمَلِكِ الْمُظَفَّرِ قُطُز، مَلِكِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ، وَبَيْنَ التَّتَارِ، بِقِيَادَةِ أَمِيْرِهِمْ كَتْبَغَانَوين، الَّذِي كَانَ نَائِبًا لِهُولَاكُو عَلَى الشَّامِ، وَكَانَت يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي الْخَامِسِ وَالْعِشْرِيْنَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ الْمُبَارَكِ، مِنْ سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِيْنَ وَسِتِّمِائَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ.
• فَهُزِمَ التَّتَارُ هَزِيْمَةً نَكْرَاءَ، وَقُتِلَ أَمِيْرُهُمْ كَتْبَغَانَوين، وَأُسِرَ ابْنُهُ، وَتَعَلَّقَ مَنْ سَلِمَ مِنَ التَّتَارِ بِرُؤُوسِ الْجِبَالِ، فَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، فَأَفْنَوْهُمْ، وَهَرَبَ مَنْ سَلِمَ مِنْهُمْ إِلَى الْمَشْرِقِ. (^٢)
• قَالَ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀: وَاتَّبَعَ الْأَمِيْرُ بَيْبَرسُ وَجَمَاعَةٌ مِنَ الشُّجْعَانِ التَّتَارَ يَقْتُلُونَهُمْ فِي كُلِّ مَكَانٍ، إِلَى أَنْ وَصَلُوا خَلْفَهُمْ إِلَى حَلَبَ، وَهَرَبَ مَنْ بِدِمَشْقَ مِنْهُمْ يَوْمَ الْأَحَدِ السَّابِعِ وَالْعِشْرِيْنَ مِنْ رَمَضَانَ، فَتَبِعَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مِنْ دِمَشْقَ، يَقْتُلُونَ فِيْهِمْ، وَيَسْتَفِكُّونَ الْأُسَارَى مِنْ أَيْدِيْهِمْ، وَفَرِحَ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ فَرَحًا شَدِيدًا، وَأَيْدَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ تَأْيِيْدًا، وَكَبَتَ اللهُ النَّصَارَى وَالْيَهُودَ وَالْمُنَافِقِيْنَ وَظَهَرَ دِيْنُ اللهِ وَهُمْ كَارِهُونَ. ا. هـ.
_________________
(١) "الكامل" (ج ٦/ صـ: ٣٨) لابن الأثير، و"المختصر في أخبار البشر" (ج ٢/ صـ: ٣٣)، و"تاريخ ابن الوردي" (ج ١/ صـ: ٢١٣)، "وسمط النجوم العوالي" (ج ٣/ صـ: ٤٥١).
(٢) "المختصر في أخبار البشر" (ج ٣/ صـ: ٢٠٥)، و"تاريخ الإسلام" (حوادث سنة ٦٥٨ هـ)، و"البداية والنهاية" (ج ١٣/ صـ: ٢٥٥ - ٢٥٦).
[ ١٨٧ ]
• وَمِنْ تِلْكَ الانتِصَارَاتِ الْعَظِيْمَةِ: وَقْعَةُ شَقْحَبَ (مَرْجِ الصُّفَّر)، وَهُوَ مَوْضِعٌ جَنُوبَ دِمَشْقَ، بَيْنَ الْمُسْلِمِيْنَ مِنْ جِهَةٍ، بِقِيَادَةِ السُّلْطَانِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ مُحَمَّدِ بْنِ قَلَاوُونَ، وَمَنْ مَّعَهُ مِنَ الأُمَرَاءِ مِنَ الْمَمَالِيْكِ فِي مِصْرَ وَالشَّامِ، وَعَلَى رَأْسِهِمْ: الْأَمِيرُ رُكْنُ الدِّينِ بَيْبَرْسُ الْجَاشْنَكِيرُ، وَالْأَمِيرُ حُسَامُ الدِّينِ لَاجِينُ الْمَنْصُورِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالْأُسْتَادَارِ، وَالْأَمِيرُ سَيْفُ الدِّينِ كَرَايُ الْمَنْصُورِيُّ، وَبَيْنَ التَّتَارِ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، بِقِيَادَةِ أَمِيْرِهِمْ قَطْلُوشَاه، الَّذِي كَانَ نَائِبًا لِغَازَانَ سُلْطَانِ التَّتَارِ، وَكَانَتْ فِي عَصْرِ السَّبْتِ ثَانِيَ شَهْرِ رَمَضَانَ، سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِ مِائَةٍ (٧٠٢ هـ).
قِالِ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْن كَثِيْرٍ فِي "الْبِدَايَةِ" (ج ١٤/ صـ: ٣٠ - ٣١): وَكَانَ الْخَلِيفَةُ أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ فِي صُحْبَةِ السُّلْطَانِ، وَلَمَّا اصْطَفَّتِ الْعَسَاكِرُ وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ ثَبَتَ السُّلْطَانُ ثَبَاتًا عَظِيمًا، وَأَمَرَ بِجَوَادِهِ، فَقُيِّدَ حَتَّى لَا يَهْرُبَ، وَبَايَعَ اللَّهَ تَعَالَى فِي ذَلِكَ الْمَوْقِفِ، وَجَرَتْ خُطُوبٌ عَظِيمَةٌ، وَقُتِلَ جَمَاعَةٌ مِنْ سَادَاتِ الْأُمَرَاءِ يَوْمَئِذٍ، مِنْهُمُ الْأَمِيْرُ حُسَامُ الدِّيْنِ لَاجِيْنُ الرُّومِيُّ أُسْتَاذُ دَارِ السُّلْطَانِ، وَثَمَانِيَةٌ مِنَ الْأُمَرَاءِ الْمُتَقَدِّمِيْنَ مَعَهُ، وَخَلْقٌ مِنْ كِبَارِ الْأُمَرَاءِ، ثُمَّ نَزَلَ النَّصْرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قَرِيبَ الْعَصْرِ يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَظْهَرَ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
فَلَمَّا جَاءَ اللَّيْلُ لَجَأَ التَّتَرُ إِلَى اقْتِحَامِ التُّلُولِ وَالْجِبَالِ وَالْآكَامِ، فَأَحَاطَ بِهِمُ الْمُسْلِمُونَ يَحْرُسُونَهُمْ مِنَ الْهَرَبِ، وَيَرْمُونَهُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ إِلَى وَقْتِ الْفَجْرِ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ مَا لَا يَعْلَمُ عَدَدَهُ إِلَّا اللَّهُ ﷿، وَجَعَلُوا يَجِيئُونَ بِهِمْ فِي الْحِبَالِ، فَتُضْرَبُ أَعْنَاقُهُمْ، ثُمَّ اقْتَحَمَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ الْهَزِيمَةَ، فَنَجَا مِنْهُمْ قَلِيلٌ، ثُمَّ كَانُوا يَتَسَاقَطُونَ فِي الْأَوْدِيَةِ وَالْمَهَالِكِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ غَرِقَ مِنْهُمْ جَمَاعَةٌ فِي الْفُرَاتِ؛ بِسَبَبِ الظَّلَامِ، وَكَشَفَ اللَّهُ بِذَلِكَ عَنِ الْمُسْلِمِينَ غُمَّةً عَظِيمَةً شَدِيدَةً، وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ.
وَقَالَ ﵀: ثُمَّ جَاءَتْ بِطَاقَةٌ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ نَائِبِ السُّلْطَانِ جَمَالِ الدِّينِ آقُوشَ الْأَفْرَمِ إِلَى نَائِبِ الْقَلْعَةِ مَضْمُونُهَا أَنَّ الْوَقْعَةَ كَانَتْ مِنَ الْعَصْرِ يَوْمَ السَّبْتِ إِلَى السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ يَوْمِ الْأَحَدِ، وَأَنَّ السَّيْفَ كَانَ يَعْمَلُ فِي رِقَابِ التَّتَرِ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَأَنَّهُمْ هَرَبُوا
[ ١٨٨ ]
وَفَرُّوا وَاعْتَصَمُوا بِالْجِبَالِ وَالتِّلَالِ، وَأَنَّهُ لَمْ يَسْلَمْ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، فَأَمْسَى النَّاسُ وَقَدِ اسْتَقَرَّتْ خَوَاطِرُهُمْ، وَتَبَاشَرُوا لِهَذَا الْفَتْحِ الْعَظِيمِ وَالنَّصْرِ الْمُبَارَكِ. ا. هـ.
وَقَالَ الصَّفَدِيُّ: وَلَمْ يَنكَسِرِ التَّتَارُ مِثْلَ هَذِه الْمَرَّةِ، وَحَكَى لِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ دِيْرِ يَسِيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يأْتُونَ إِلَيْنَا عِشْرِيْنَ عِشْرِيْنَ وَأكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ وَيَطْلُبُونَ مِنَّا أَنْ نُّعَدِّيَ بِهِمُ الْفُرَاتَ فِي الزَّوَارِيْقِ إِلَى ذَلِكَ الْبَرِّ، فَمَا نُعَدِّي بِمَرْكَبٍ إِلَّا وَنَقْتُلَ كُلَّ مَنْ فِيهِ حَتَّى إِنَّ النِّسَاءَ كُنَّ يَضْرِبْنَهُمْ بِالْفُؤُوسِ، وَنَذْبَحُهُمْ فِي ذَلِكَ، فَمَا تَرَكْنَا أَحَدًا مِنْهُم يَعِيْشُ، وَهَذِه الْوَاقِعَةُ إِلَى الْآنَ فِي قُلُوبِهِمْ. ا. هـ. (^١)
وَكَانَ لِلْحَبْرِ الْهُمَامِ وَالْعَلَمِ الْإِمَامِ وَالنِّحْرِيْرِ الْمِقْدَامِ شَيْخِ الْمُسْلِمِيْنَ وَالْإِسْلَامِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْحَلِيْمِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ تَيْمِيَّةَ عَلَيْهِ رَحْمَةُ الْمَلِكِ الْعَلَّامِ أَثَرٌ فِي ذَلِكَ ظَاهِرٌ وَجُهْدٌ وَافِرٌ، وَرَجَعَ إِلَى دِمَشْقَ مِنَ الْجِهَادِ وَدَخَلَهَا فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ رَابِعَ الشَّهْرِ، وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ، يُبَشِّرُونَ النَّاسَ بِالنَّصْرِ، قَالَ تِلْمِيْذُهُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيْرٍ ﵀ (ج ١٤/ صـ: ٣٠): فَفَرِحَ النَّاسُ بِهِ، وَدَعَوْا لَهُ وَهَنَّأُوهُ بِمَا يَسَّرَ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ مِنَ الْخَيْرِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ نَدَبَهُ الْعَسْكَرُ الشَّامِيُّ أَنْ يَسِيرَ إِلَى السُّلْطَانِ يَسْتَحِثُّهُ عَلَى السَّيْرِ إِلَى دِمَشْقَ، فَسَارَ إِلَيْهِ، فَحَثَّهُ عَلَى الْمَجِئْ إِلَى دِمَشْقَ، بَعْدَ أَنْ كَادَ يَرْجِعُ إِلَى مِصْرَ، فَجَاءَ هُوَ وَإِيَّاهُ جَمِيعًا، فَسَأَلَهُ السُّلْطَانُ أَنْ يَقِفَ مَعَهُ فِي مَعْرَكَةِ الْقِتَالِ، فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ: السُّنَّةُ أَنْ يَقِفَ الرَّجُلُ تَحْتَ رَايَةِ قَوْمِهِ، وَنَحْنُ مِنْ جَيْشِ الشَّامِ، لَا نَقِفُ إِلَّا مَعَهُمْ، وَحَرَّضَ السُّلْطَانَ عَلَى الْقِتَالِ، وَبَشَّرَهُ بِالنَّصْرِ، وَجَعَلَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ: إِنَّكُمْ مَنْصُورُونَ عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ، فَيَقُولُ لَهُ الْأُمَرَاءُ: قُلْ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ. فَيَقُولُ: إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَحْقِيقًا، لَا تَعْلِيقًا.
وَأَفْتَى النَّاسَ بِالْفِطْرِ مُدَّةَ قِتَالِهِمْ وَأَفْطَرَ هُوَ أَيْضًا، وَكَانَ يَدُورُ عَلَى الْأَجْنَادِ وَالْأُمَرَاءِ، فَيَأْكُلُ مِنْ شَئٍ مَعَهُ فِي يَدِهِ؛ لِيُعْلِمَهُمْ أَنَّ إِفْطَارَهُمْ لِيَتَقَوَّوْا عَلَى الْقِتَالِ أَفْضَلُ، فَيَأْكُلَ النَّاسُ. ا. هـ.
_________________
(١) "الوافي بالوفيات" (ج ٤/ صـ: ٢٥٦).
[ ١٨٩ ]
وَقَالَ تِلْمِيْذُهُ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي فِي "الْعُقُودِ الدُّرِّيَّةِ" (صـ: ١٩١ - ٩٣) - فِي شَأْنِ وَقْعَةِ شَقْحَبَ -: وَحَصَلَ لِلنَّاسِ شِدَّةٌ عَظِيمَةٌ، وَظَهَرَ فِيهَا مِنْ كَرَامَاتِ الشَّيْخ وَإجَابَة دُعَائِهِ وَعَظِيْمِ جِهَادِهِ وَقُوَّة إيمَانِهِ وَشِدَّةِ نُصْحِهِ لِلْإِسْلَامِ وَفَرْطِ شَجَاعَتِهِ وَنِهَايَةِ كَرَمِهِ وَغير ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِهِ مَا يَفُوقُ النَّعْتَ وَيَتَجَاوَزُ الْوَصْفَ.
وَلَقَدْ قَرَأْتُ بِخَطِّ بَعْضِ أَصْحَابِهِ - وَقدْ ذَكَرَ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ وَكَثْرَةَ مَنْ حَضَرَهَا مِنْ جُيُوشِ الْمُسْلِمِيْنَ - قَالَ: وَاتَّفَقَتْ كَلِمَةُ إِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَعْظِيم الشَّيْخ تَقِيِّ الدِّينِ وَمَحَبَّتِهِ وَسَمَاع كَلَامِهِ وَنَصِيْحَتِهِ، وَاتَّعَظُوا بِمَوَاعِظِهِ، وَسَأَلَهُ بَعْضُهُمْ مَسَائِلَ فِي أَمْرِ الدِّينِ، وَلم يبْقَ من مُلُوكِ الشَّأْمِ تُرْكِيٌّ وَلَا عَرَبِيٌّ إِلَّا وَاجْتَمَعَ بالشَّيْخِ فِي تِلْكَ الْمدَّةِ، وَاعْتَقَدَ خَيْرَهُ وَصَلَاحَهُ وَنُصْحَهُ للهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمنِينَ.
قَالَ: ثمَّ سَاقَ اللهُ سُبْحَانَهُ جَيْشَ الْإِسْلَام العَرَمْرَمَ الْمِصْرِيَّ صُحْبَة أَمِير الْمُؤمنِينَ وَالسُّلْطَانِ الْمَلِكِ النَّاصِرِ وَوُلَاةِ الْأَمْرِ وَزُعَمَاءِ الْجَيْشِ وَعُظَمَاءِ الْمَمْلَكَةِ وَالْأُمَرَاءِ الْمِصْرِيِّيْنَ عَنْ آخِرهِمْ بِجُيُوشِ الْإِسْلَامِ سَوْقًا حَثِيْثًا لِلِقَاءِ التَّتَارِ الْمَخْذُولِيْنَ، فَاجْتَمَعَ الشَّيْخُ الْمَذْكُورُ بِالْخَلِيْفَةِ وَالسُّلْطَانِ وَأَرْبَابِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَأَعْيَانِ الْأُمَرَاءِ عَنْ آخِرهِمْ، وَكُلُّهُمْ بِمَرْجِ الصُّفَّرِ قِبْلِيَّ دِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةِ وَبِيْنِهُمْ وَبَيْنَ التَّتَارِ أَقَلُّ مِنْ مِقْدَار ثَلَاثِ سَاعَاتٍ مَسَافَةً، وَدَار بَين الشَّيْخ الْمَذْكُور وَبَيْنَهُمْ مَا دَارَ بَيْنَ الشَّامِيِّيْنَ وَبَيْنَهُ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ وَمَعَهُمْ كَأحَدِ أَعْيَانِهِمْ، وَاتَّفَقَ لَهُ مِنِ اجْتِمَاعِهِم مَا لَمْ يتَّفِقْ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ مِنْ أَبْنَاءِ جِنسِهِ، حَيْثُ اجْتَمَعُوا بِجُمْلَتِهِمْ فِي مَكَان وَاحِدٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ عَلَى أَمرٍ جَامعٍ لَهُمْ وَلَهُ، مُهِمٍّ عَظِيْمٍ يَحْتَاجُونَ فِيهِ إِلَى سَماع كَلَامِهِ، هَذَا تَوْفِيْقٌ عَظِيمٌ كَانَ مِنَ اللهِ تَعَالَى لَهُ، لم يتَّفِقْ لِمِثْلِهِ.
وَبَقِي الشَّيْخُ الْمَذْكُورُ ﵁ هُوَ وَأَخُوهُ وَأَصْحَابُهُ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الْغُزَاةَ قَائِمًا بِظُهُورِهِ وَجِهَادِهِ وَلَأْمَةِ حَرْبِهِ، يُوْصِي النَّاسَ بِالثَّبَاتِ، وَيَعِدُهُمْ بِالنَّصْرِ، وَيُبَشِّرُهُمْ بِالْغَنِيمَةِ وَالْفَوْزِ بِإِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إِلَى أَنْ صَدَقَ اللهُ وَعْدَهُ وَأَعَزَّ جُندَهُ وَهَزَمَ التَّتَارَ وَحْدَهُ وَنَصَرَ الْمُؤمِنِينَ، وَهُزِمَ الْجَمْعُ وَوَلَّوُا الدُّبُرَ، وَكَانَتْ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَكَلِمَةُ الْكُفَّارِ
[ ١٩٠ ]
هِيَ السُّفْلَى، وَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْم الْكفَّارِ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالمَينَ.
وَدَخَلَ جَيْشُ الْإِسْلَامِ الْمَنْصُورُ إِلَى دِمَشْقَ الْمَحْرُوسَةَ وَالشَّيْخُ فِي أَصْحَابِهِ شَاكِيًا فِي سِلَاحِهِ دَاخِلَا مَعَهُمْ، عَالِيَةً كَلِمَتُهُ، قَائِمَةً حُجَّتُهُ، ظَاهِرَةً وِلَايَتُهُ، مَقْبُولَةً شَفَاعَتُهُ، مُكَرَّمًا مُعَظَّمًا ذَا سُلْطَانٍ وَكَلِمَةٍ نَافِذَةٍ، وَهُوَ مَعَ ذَلِك يَقُولُ لِلْمَدَّاحِيْنَ لَهُ: أَنا رَجُلُ مِلَّةٍ لَا رَجُلُ دَوْلَةٍ. ا. هـ.
• [للَّهِ دَرُّ أَقْوَامٍ امْتَثَلُوا مَا أُمِرُوا، وَزُجِرُوا عَنِ الزَّلَلِ فَانْزَجَرُوا، فَإِذَا لاحَتِ الدُّنْيَا غَابُوا وَإِذَا بَانَتِ الأُخْرَى حَضَرُوا، فَلَوْ رَأَيْتَهُمْ فِي الْقِيَامَةِ إِذَا حُشِرُوا، ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [المؤمنون: ١١١].
• جَنَّ عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ فَسَهِرُوا، وَطَالَعُوا صُحُفَ الذُّنُوبِ فَانْكَسَرُوا، وَطَرَقُوا بَابَ الْمَحْبُوبِ وَاعْتَذَرُوا، وَبَالَغُوا فِي الْمَطْلُوبِ ثُمَّ حَذِرُوا، فَانْظُرْ بِمَاذَا وُعِدُوا فِي الذِّكْرِ وَذُكِرُوا، ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [المؤمنون: ١١١].
• رَبِحُوا وَاللَّهِ وَمَا خَسِرُوا، وَعَاهَدُوا عَلَى الزُّهْدِ فَمَا غَدَرُوا، وَاحْتَالُوا عَلَى نُفُوسِهِمْ فَمَلَكُوا وَأَسَرُوا، وَتَفَقَّدُوا مِنَنَ الْمَوْلَى فَاعْتَرَفُوا وَشَكَرُوا، ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾.
• بُيُوتُهُمْ فِي خُلُوِّهَا كَالصَّوَامِعِ، وَعُيُونُهُمْ تَنْظُرُ بِالتُّقَى مِنْ طَرْفٍ خَاشِعٍ، وَالأَجْفَانُ قَدْ سَحَّتْ سُحُبَ الْمَدَامِع، تَسْقِي بَذْرَ الْفِكْرِ الَّذِي بَذَرُوا، ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾.
• اسْتَوْحَشُوا مِنْ كُلِّ جَلِيسٍ؛ شُغُلا بِالْمَعْنَى النَّفِيسِ، وَزَمُّوا مَطَايَا الْجِدِّ فَسَارَتِ الْعِيسُ، وَبَادَرُوا الْفُرْصَةَ فَفَاتُوا إِبْلِيسَ، لَا وَقَفُوا وَلَا فَتَرُوا، ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾.
• عَلِمُوا أَنَّ الدُّنَيْا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ، وَأَنَّ مَنْ وَافَقَ مُرَادَهَا فَارَقَ دِينَهُ، فَحَذِرُوا مِنْ غُرُورٍ يُجْدِي غَبِينَةً، فَرَكِبُوا مِنَ التُّقَى فِي سَفِينَةٍ، شَحَنُوهَا بِالزَّادِ وَعَبَرُوا، ﴿إِنِّي
[ ١٩١ ]
جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [المؤمنون: ١١١].
• طُوبَى لَهُمْ وَالأَمْلاكُ تَتَلَقَّاهُمْ، كَشَفَ اللهُ الْحِجَابَ عَنْ عُيُونِهِمْ فَأَرَاهُمْ، هَذَا أَقْصَى آمَالِهِمْ وَقَدْ ظَفِرُوا، ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [المؤمنون: ١١١].
• بَلَّغَنَا اللَّهُ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ، وَأَسْمَعَنَا زَجْرَ النَّاصِحِ فَقَدْ أَبْلَغَ، وَسَتَرَنَا مِنَ الْعِقَابِ؛ فَإِنَّهُ إِنْ عَفَا أَسْبَغَ، وَلَوْلَا عَوْنُهُ مَا قَدَرُوا، ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا﴾ [المؤمنون: ١١١]. (^١)
• اللَّهُم انصُرِ الْإِسْلَامَ وَأَعِزَّ الْمُسْلِمِيْنَ، وَأَذِلَّ الشِّرْكَ وَالْمُشْرِكِيْنَ، وَدَمِّرْ عَلَى أَعْدَائِكِ أَعْدَاءِ الدِّيْنِ، وَاكْفِنَاهُمْ بِمَا شِئْتَ يَا قَوِيُّ يَا مَتِيْنُ.
وَصَلَى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.
سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِك، لَا إِلَه إِلَّا أَنْتَ
أَسْتَغْفِرُكَ، وَأَتُوبُ إِلَيْكَ
* * *
_________________
(١) "التبصرة" (ج ١/ صـ: ٢٠٥ - ٢٠٦).
[ ١٩٢ ]